فصل 26 · قراءة 4 د

التجديد اليوميّ — قوّته

«لذلك لا نفشل، بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدّد يومًا فيومًا». 2 كورنثوس 4:16.

«خلّصنا، لا بأعمالٍ في برٍّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته، بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس». تيطس 3:5.

مع كلّ يومٍ جديد تتجدّد حياة الطبيعة كلّها من جديد. فإذ تُشرق الشمس ثانيةً بنورها ودفئها، تتفتّح الأزهار، وتشدو الطيور، وتدبّ الحياة في كلّ مكانٍ فتتحرّك وتتقوّى وتشتدّ. وإذ ننهض نحن من راحة نومنا ونتناول طعام صباحنا، نشعر أننا قد جمعنا لأنفسنا قوّةً جديدة نواجه بها واجبات النهار الذي أمامنا. والمخدع هو الاعتراف الدائم القائم بأنّ حياتنا الداخلة هي أيضًا محتاجة إلى تجديدٍ في كلّ يومٍ من الأيام. فلا سبيل البتّة إلى حفظ عافية الحياة الروحيّة ونموّها إلا بغذاءٍ جديدٍ طريّ من كلمة الله، وباتّحادٍ جديد بالله نفسه في الصلاة.

ومع أنّ إنساننا الخارج يفنى، ومع أنّ ثقل المرض أو الألم، وإجهاد العمل، وما يعترينا من تعب، قد تُنهكنا أو تُضعفنا، فإنّ الإنسان الداخل يقدر أن يتجدّد يومًا فيومًا.

إنّ وقتًا هادئًا ومكانًا هادئًا، مع الكلمة والصلاة، هي وسائط ذلك التجديد ومنها يأتي. غير أنها لا تكون كذلك إلا متى كانت، بوصفها وسائط، محياةً بالقوّة الإلهيّة التي تعمل من خلالها. وتلك القوّة إنما هي الروح القدس، قدرة الله العظيمة التي تعمل فينا نحن. وإنّ درسنا للمخدع وللحياة الداخلة التي يمثّلها لكان درسًا ناقصًا لو لم نُعطِ موضعه اللائق للتجديد اليوميّ للإنسان الداخل، وهو العمل الذي لا يزال الروح المبارك يعمله فينا على الدوام بغير انقطاع. ففي ذلك النصّ الذي من رسالة تيطس نتعلّم أنه «خلّصنا، لا بأعمالٍ في برٍّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته، بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس». وليس المقصود بهذين التعبيرين أن يكونا تكرارًا لمعنًى واحد، ولا ترديدًا لقولٍ واحد.

فالميلاد الثاني عملٌ واحد عظيم، وهو بداءة الحياة المسيحيّة ومبتدؤها؛ أمّا تجديد الروح القدس فعملٌ متواصل يجري على الدوام، ولا ينتهي أبدًا ولا يبلغ منتهاه. ففي رومية 12:2 نقرأ عن التحوّل المتدرّج في الحياة المسيحيّة، ونتعلّم أنه إنما يكون «بتجديد الأذهان». وفي أفسس 4:23، نجد أنّ عبارة «أن تخلعوا الإنسان العتيق» (في الزمن الماضي الناجز) تدلّ على فعلٍ قد تمّ وانقضى مرّةً واحدة إلى الأبد، أمّا عبارة «وتتجدّدوا بروح ذهنكم» فهي في زمن الحاضر، وهي تشير إلى عملٍ متدرّج مستمرّ لا ينقطع. وهكذا أيضًا في كولوسي 3:10 نقرأ هذه الكلمات: «ولبستم الجديد الذي يتجدّد للمعرفة حسب صورة خالقه». فالروح المبارك هو الذي إليه ننظر، وهو الذي عليه نعتمد ونتّكل، من أجل تجديد الإنسان الداخل كلّ يومٍ في المخدع.

إنّ كلّ شيءٍ في عبادتنا السرّيّة متوقّف على حفظنا العلاقة الصحيحة بالأقنوم الثالث المسجود له من الثالوث المبارك، الذي به وحده يستطيع الآب والابن أن يعملا عمل محبّتهما المخلّصة، وبه وحده يستطيع المسيحيّ أيضًا أن يعمل عمله هو. وتلك العلاقة يمكن التعبير عنها بكلمتين بسيطتين جدًّا، هما: الإيمان والتسليم. الإيمان. يقول الكتاب: «أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا: يا أبا الآب».

وابن الله، حتى أضعف أبنائه وأصغرهم، الذي يرفع في عبادته الصباحيّة صلاةً تكون مرضيّةً عند الآب وبركةً لنفسه هو أيضًا، عليه أن يتذكّر أنه قد نال الروح القدس ليكون فيه روحًا للصلاة، وأنّ معونته لا غنى عنها البتّة لكي نقدر أن نصلّي صلاةً فعّالة مستجابة. وكذلك الأمر أيضًا في شأن كلمة الله. فبالروح القدس وحده يُعلَن لنا الحقّ في معناه الإلهيّ وفي قوّته، وبه وحده يستطيع الحقّ أن يعمل عمله في قلوبنا. فإن كان التجديد اليوميّ للإنسان الداخل في ساعة الصباح أن يصير حقيقةً واقعة، فخُذ لك وقتًا كافيًا للتأمّل وللعبادة، وآمن بكلّ قلبك أنّ الروح القدس قد أُعطي لك أنت، وأنه ساكن فيك، وأنّ الله به سيعمل فيك تلك البركة التي يمنحها لأولاده بالصلاة وبالكلمة.

التسليم. لا تنسَ أنه لا بدّ للروح القدس أن يكون له الضبط الكامل. «لأنّ كلّ الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم أبناء الله».

وهم يسلكون بحسب الروح لا بحسب الجسد. وإنّ حضور الروح غير المحزون هو وحده الذي يقدر أن يعطي الكلمة نورها وقوّتها، وأن يحفظنا في تلك الحياة المباركة، حياةِ ثقة الأولاد وطاعة الأولاد، وهي الحياة المرضيّة عند الله.

فلنسبّح الله ولنشكره على هذه العطيّة العجيبة، عطيّةِ الروح القدس في قوّته المجدِّدة، ولننظر بفرحٍ ورجاءٍ جديدين إلى المخدع بوصفه ذلك الموضع الذي فيه يقدر الإنسان الداخل أن يتجدّد حقًّا يومًا فيومًا. فهكذا وحده تُحفظ الحياة غضّةً طريّة على الدوام؛ وهكذا نسير من قوّةٍ إلى قوّة؛ وهكذا نأتي بثمرٍ كثير، لكي يتمجّد الآب بنا وفينا.

فإن كان هذا كلّه حقًّا، فما أشدّ حاجتنا إلى أن نعرف الروح القدس معرفةً صحيحة! فهو، بوصفه الأقنوم الثالث، إنما وظيفته وعمله أن يحمل إلينا حياة الله ذاتها، وأن يُخفي نفسه في أعماق كياننا فيجعل نفسه واحدًا معنا، وأن يُعلن لنا هناك الآب والابن، وأن يكون قدرة الله العظيمة التي تعمل فينا، وأن يتولّى ضبط كياننا كلّه. وهو لا يطلب منّا إلا شيئًا واحدًا لا غير: الطاعة البسيطة لقيادته. والنفس المسلَّمة له حقًّا هي وحدها التي تجد في تجديد الروح القدس اليوميّ سرّ النموّ وسرّ القوّة وسرّ الفرح.

صفحة 1 / 3 · 4 دقيقة متبقية في الفصل