فصل 25 · قراءة 3 د

الداخل والخارج

«يا أغبياء، أليس الذي صنع الخارج صنع الداخل أيضًا؟» لوقا 11:40.

إنّ كلّ روحٍ تسعى أن تُنشئ لنفسها صورةً أو هيئةً تتجسّد فيها حياتها وتتّخذ فيها شكلها. فالخارج هو التعبير المنظور عن الحياة الداخلة الخفيّة. والخارج هو الذي يُعرف في الغالب قبل الداخل؛ وبه ينمو الداخل ويتدرّج شيئًا فشيئًا حتى يبلغ كماله التامّ، كما يقول الرسول في 1 كورنثوس 15:46: «لكن ليس الروحانيّ أولًا بل الحيوانيّ، وبعد ذلك الروحانيّ». وإنّ إدراك العلاقة الصحيحة بين الداخل والخارج، والمحافظة على تلك العلاقة، لهو واحد من أعظم أسرار الحياة المسيحيّة وأخفاها.

لو أنّ آدم في الفردوس لم يُصغِ إلى صوت المجرِّب، لكانت محنته قد انتهت به إلى كمال حياته الداخلة وتمامها. غير أنّ خطيّته وهلاكه، والسبب في شقائه كلّه، هو هذا: أنه أسلم نفسه كلَّها لسلطان العالم الخارجيّ المنظور. فعوض أن يطلب سعادته في الحياة الداخلة الخفيّة، حياةِ قلبٍ تُكرَّم فيه وصيّة الله، وفي الميول الداخلة من محبّةٍ وإيمان، ومن طاعةٍ واتّكال، ثبّت رغبته وشهوته على العالم الذي هو خارجٌ عنه، وعلى ما كان في وسع ذلك العالم أن يمنحه إياه من لذّةٍ ومن معرفةٍ للخير والشرّ.

وكلّ ديانةٍ باطلة، من أحطّ عبادةٍ للأوثان إلى فساد اليهوديّة والمسيحيّة، إنما لها أصلها في هذا: أنّ ما هو خارجيّ — ما يقدر أن يسرّ العين، أو يشغل الذهن، أو يُرضي الذوق — يحلّ محلّ ذلك الحقّ في الباطن، وتلك الحكمة الخفيّة في القلب والحياة، التي يطلبها الله ويهبها.

والعلامة العظمى التي يتميّز بها العهد الجديد، والتي تَسِمُه كلَّه وتطبعه بطابعها، هي أنه تدبيرٌ للحياة الداخلة. فإنّ وعد العهد الجديد هو هذا: «أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم». وهو أيضًا هذا الوعد: «أعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعل روحًا جديدة في داخلكم». وكان وعد ربّنا يسوع لتلاميذه هو: «في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي، وأنتم فيّ، وأنا فيكم». فإنما في حالة القلب يقوم الدين كلّه؛ ففي قلبٍ قد أرسل الله إليه روح ابنه، وفي قلبٍ قد انسكبت فيه محبّة الله في داخله — في مثل ذلك القلب وحده، لا في سواه البتّة، يوجد الخلاص الحقيقيّ ويُنال.

والمخدع، بما فيه من اتّحادٍ سرّيّ بالآب الذي يرى في الخفاء، إنما هو رمز الحياة الداخلة ومدرسةُ التدرّب عليها. وإنّ الاستعمال الحقيقيّ الأمين للمخدع يومًا بعد يوم هو وحده الذي يجعل الحياة الداخلة الخفيّة قويّةً فرِحة.

وفي كلّ ما نمارسه من دين، إنّ الخطر العظيم هو أن نعطي الوسائط الخارجيّة من الوقت والاهتمام أكثر ممّا نعطي الحقيقة الداخلة نفسها. فليست شدّة درسك للكتاب المقدّس، ولا كثرة صلواتك أو حرارتها، ولا أعمالك الصالحة، هي التي تُنشئ بالضرورة حياةً روحيّةً حقيقيّة.

كلّا! إنّ ما نحتاج إليه هو أن ندرك هذا: أنه كما أنّ الله روح، كذلك فينا نحن روحٌ يقدر أن يعرفه وأن يقبله، وأن يصير مشابهًا لشبهه، وأن يكون شريكًا في عين تلك الميول التي تحرّكه، وهو الله، في صلاحه ومحبّته.

ثبّت هذا في ذهنك ثباتًا راسخًا: أنّ خلاصنا كلّه إنما يقوم في إعلان طبيعة المسيح يسوع وحياته وروحه في إنساننا الجديد، في خارجه وداخله معًا. فهذا وحده هو الذي يجدّد حياة الله الأولى في نفس الإنسان ويستردّها له. فحيثما ذهبت، ومهما فعلت، في البيت أو خارجًا في الحقل، افعل كلّ شيء في اشتياقٍ إلى الاتّحاد بالمسيح، وفي اقتداءٍ بمشاعره وميوله؛ ولا تشتهِ شيئًا، ولا ترغب في شيءٍ قطّ، قدر ما ترغب في ذلك الذي يدرّب روح المسيح وحياته في نفسك ويزيدهما، وفي أن يتغيّر كلّ ما في داخلك إلى مزاج يسوع القدّوس وروحه هو.

تأمّل في الكنز الذي تملكه في داخلك، ذلك الكنز العظيم: مخلّص العالم، كلمة الله الأزليّ، مخفيًّا في قلبك كبذرةٍ من الطبيعة الإلهيّة، عتيدةٍ أن تغلب الخطيّة والموت في داخلك أنت، وأن تولّد حياة السماء في نفسك من جديد. فارجع إذًا إلى قلبك، فيجد قلبك هناك مخلّصه وإلهه في داخله هو. أنت لا ترى من الله شيئًا ولا تحسّ منه بشيء، وذلك لأنك إنما تطلبه في الخارج، في الكتب، وفي الكنيسة، وفي الممارسات الخارجيّة؛ ولكنك لن تجده هناك أبدًا حتى تكون قد وجدته أولًا في قلبك أنت. اطلبه في قلبك، فلن يكون طلبك باطلًا أبدًا، ولن تطلبه عبثًا قطّ، لأنه هناك يسكن، وهناك مقرّ نوره وموضع روحه القدّوس.

صفحة 1 / 3 · 3 دقيقة متبقية في الفصل