فصل 21 · قراءة 4 د
مَن أنت؟
«اهتمّوا بما فوق لا بما على الأرض، لأنكم قد متّم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله». — كولوسي 3: 2، 3.
في الدخول إلى حضرة الله في ساعة الصباح، يتوقّف الكثير على إدراك المسيحيّ لا مَن هو الله فحسب، بل مَن هو نفسه أيضًا، وما هي العلاقة التي بها يقف أمام الله. فالسؤال «مَن أنت؟» — وهو سؤال يُوجَّه، لا بالكلمات بل بالروح، إلى كلّ من يدّعي لنفسه حقّ الدخول والمثول أمام العليّ — لا بدّ أن يكون له جواب حاضر مهيّأ في أعماق وعيه؛ وذلك الوعي يجب ألّا يكون شيئًا دون إحساسٍ حيّ بالمكانة التي له في المسيح أمام الله. وقد تختلف طريقة التعبير عنه باختلاف الأوقات، وأمّا في الجوهر فإنه سيكون واحدًا على الدوام.
مَن أنا؟ نعم، دعني أفكّر وأقول: مَن أنا حتى أطلب أن يلاقيني الله ههنا، وأن يقضي معي هذا اليوم كلّه؟ أنا هو ذاك الذي يعلم، بكلمة الله وبروحه معًا، أني أنا في المسيح، وأنّ حياتي مستترة مع المسيح في الله. ففي المسيح أنا قد متّ عن الخطيّة وعن العالم. وقد أُخرجت الآن منهما، وفُصلت عنهما، وأُنقذت من تحت سلطانهما. وقد أُقمت مع المسيح معًا، وفيه أنا أحيا لله وحده.
إنّ حياتي مستترة مع المسيح في الله، وأنا آتٍ الآن إلى الله لأطالب بكلّ الحياة الإلهيّة المستترة فيه هناك وأنالها لنفسي، لحاجة هذا اليوم وكفافه.
نعم، هذا هو مَن أنا؛ وأنا أقوله لله في مهابةٍ متواضعة مقدّسة، حجّةً لي بين يديه. وأقوله لنفسي أنا لأشجّع الآخرين، ولأشجّع نفسي معهم، على ألّا نطلب ولا ننتظر شيئًا دون ذلك — أي نعمةً لنحيا ههنا على الأرض تلك الحياة السماويّة المستترة. أنا هو ذاك الذي يشتاق أن يقول، بل الذي يقول فعلًا: المسيح هو حياتي. وشوق نفسي كلّه إنما هو إلى المسيح، معلَنًا من الآب نفسه في داخل القلب. وما دون ذلك لا يقدر أن يشبعني. إنّ حياتي مستترة مع المسيح. ولا يمكن أن يكون هو حياتي بوجه من الوجوه إلّا بأن يكون هو في قلبي. نعم! لا أقنع بشيء أقلّ من المسيح في القلب.
المسيح مخلّص من الخطيّة. المسيح هو عطيّة محبّة الله وحاملها إلينا. المسيح صديقًا وربًّا ساكنًا في الداخل. آه يا إلهي! إن أنت سألتَ: «مَن أنت؟» فاسمع تلعثمي وتلجلجي: أنا أحيا في المسيح، والمسيح يحيا فيّ. وأنت وحدك تقدر أن تجعلني أعرف كلّ ما يعنيه هذا القول وأن أكونه. ولديّ ما هو أكثر من ذلك، ممّا يجب أن أقوله، حجّةً لي في طلب نعمة حضور الله وقوّته النهار كلّه. إني آتي كمن يرغب، كمن يطلب، أن يكون مستعدًّا ليحيا اليوم ههنا على الأرض من حياة المسيح، وليترجم مجده السماويّ المستتر إلى لغة الحياة اليوميّة، بأخلاقها وبواجباتها.
وكما أنّ المسيح على الأرض لم يحيَ إلّا ليعمل مشيئة الله وحدها، كذلك رغبتي العظمى أنا هي أن أثبت «كاملًا وممتلئًا في كلّ مشيئة الله».
وجهلي بتلك المشيئة، في كلّ تطبيقها الروحيّ على علاقتي بالعالم وبالناس، هو جهل عظيم جدًّا. وأمّا عجزي أنا فهو أعظم منه بعدُ. ومع ذلك فإني آتي إلى الله كمن لا يجرؤ أن يقدّم أقلّ من ذلك أو أن يطلب أيّ تسوية أو مصالحة، وكمن يقبل بكلّ أمانة تلك الدعوة العليا: أن يحيا مشيئة الله كاملةً تامّة في كلّ شيء.
وهذا هو الذي يأتي بي إلى المخدع. فإذ أفكّر في كلّ إخفاقاتي في إتمام مشيئة الله، وإذ أتطلّع إلى كلّ التجارب وكلّ الأخطار التي تنتظرني وتترصّدني في طريقي، وإذ أحسّ بعدم كفايتي التامّ إحساسًا كاملًا، ومع ذلك كلّه أقول لله: إني آتي لأطالب بالحياة المستترة في المسيح، لكي أحيا الحياة للمسيح؛ عندئذ أشعر بحافزٍ يدفعني وبجاذبٍ يجذبني إلى ألّا أقنع بغير اليقين الهادئ بأنّ الله سيسير معي وأنه سيباركني.
مَن أنا أنا حتى أطلب من الله هذه الأمور العظيمة العجيبة؟ أيسعني حقًّا أن أنتظر أن أحيا تلك الحياة المستترة مع المسيح في الله، حتى تظهر ظهورًا بيّنًا في جسدي المائت؟ نعم، إنه ليسعني ذلك؛ لأنّ الله نفسه هو الذي سيعملها فيّ بالروح القدس الساكن فيّ. فالله عينه الذي «أقام المسيح من الأموات وأجلسه عن يمينه» هو الذي قد أقامني أنا أيضًا معه، وأعطاني روح مجد ابنه في قلبي.
إنّ حياةً في المسيح، مبذولةً كلّها لمعرفة كلّ مشيئة الله ولعملها، هي هي الحياة التي سيعملها الله نفسه فيّ ويحفظها ويزيدها فيّ يومًا بعد يوم بالروح القدس. ومتى جئت في الصباح وقدّمت نفسي أمامه لآخذ من جديد تلك الحياة التي قد أخفاها لأجلي في ذاته، حيث ابنه مستتر، ولأحياها ههنا في الجسد، أمكنني عندئذ أن أنتظر بثقة وفي هدوء، كمن يسكن الروح في داخله، أن يعطي الآب تلك المسحة الجديدة «التي تعلّم عن كلّ شيء»، وأن يتولّى هو بنفسه أمر اليوم الجديد الذي قد أعطانيه.
يا أخي، إني على يقين أنك تشعر بما لهذا الأمر من أهمّية لا حدّ لها ولا نهاية: إن كان لساعة الصباح أن تؤمّن لك حضور الله طول النهار، فعليك أنت أن تقف وقفةً ثابتة راسخة على أرضٍ ليست هي دون الفداء الكامل.
صدّق أنت ما يقوله لك الله. واقبل ما قد أنعم به عليك الله في المسيح. وكن، عن وعيٍ وعلانيةً، ما قد جعلك الله أن تكون. وخُذ لنفسك وقتًا أمام الله لتعرف ذلك ولتقوله. فكم من الأمور يتوقّف في المعركة على موقعٍ حصين لا يُقتحم! فخُذ أنت مكانك حيث قد أقامك الله.
وقد يعوق مجرّد السعي إلى هذا، في بعض الأحيان، دراستك المعتادة للكتاب المقدس أو صلاتك. ولن يكون في ذلك خسارة عليك. بل سيُعوَّض عنه كلّ التعويض فيما بعد. فإنّ حياتك كلّها إنما هي متوقّفة على معرفتك مَن هو إلهك، ومَن أنت بوصفك مفديَّه في المسيح. وحياة كلّ يوم من أيامك متوقّفة على ذلك؛ ومتى تعلّمت هذا السرّ مرّة واحدة، صار — حتى في حين لا تكون أنت مفكّرًا فيه — قوّة قلبك، في دخولك إلى الله وفي خروجك معه إلى العالم.