فصل 20 · قراءة 5 د
دارس الكتاب المقدس
«لكنْ في ناموس الرب مسرّته، وفي ناموسه يلهج نهارًا وليلًا». مزمور 1: 2 ثمّة نداء عالٍ يُسمع من كلّ جانب إلى دراسةٍ للكتاب المقدس أوفر وأصدق ممّا هي عليه. وقد برهن مبشّرون مثل السيد مودي وكثيرون غيره على ما في الكرازة المستمدّة رأسًا من كلمة الله، الموحى إليها بالإيمان بقوّة تلك الكلمة، من قوّة عظيمة. وقد سأل مسيحيّون مجتهدون: «ولماذا لا يستطيع خدّامنا أن يتكلّموا بالطريقة عينها، فيعطوا كلمة الله نفسها مكانًا أوسع ممّا يعطونها؟». وكم من خادمٍ شابّ خرج من الكلّية اللاهوتيّة وهو معترف بأنه قد عُلّم كلّ شيء إلّا معرفة الطريقة التي بها يدرس الكلمة بنفسه، ثم ينهض الآخرين ويعينهم على دراستها هم أيضًا.
وقد أُعرب في بعض كنائسنا عن الرغبة في سدّ هذه الحاجة في تدريب الخدّام. وقد يبدو أمرًا بالغ البساطة أن يوجد رجال صالحون يتولّون هذا العمل؛ ومع ذلك فقد وُجد أنّ من العسير على رجالٍ ذوي تدريب لاهوتيّ أن يرجعوا إلى تلك البساطة وتلك المباشرة في الالتجاء إلى كلمة الله، وهي البساطة اللازمة لإرشاد من هم أصغر سنًّا إلى الطريق التي بها يجعلون الكتاب المقدس المصدر الوحيد لمعرفتهم ولتعليمهم. وفي حركة الطلبة في أيامنا هذه، فلله الحمد،
أُعطيت دراسة الكتاب المقدس مكان الصدارة بينها. وثمّة فرصة عجيبة، كما أنّ ثمّة حاجة عظيمة جدًّا، إلى أن تُوجَّه هذه الدراسة توجيهًا يجعلها تأتي ببركة كاملة إلى حياة الأفراد، وذلك بإعطاء كلمة الله مكانها الحقيقيّ في العمل الذي يُصنع له. فلننظر الآن في المبادئ التي يقوم عليها هذا الطلب لمزيد من دراسة الكتاب المقدس، والتي بالأمانة لها وحدها يمكن أن يُنفَّذ هذا الطلب تنفيذًا حقيقيًّا. 1. كلمة الله هي الإعلان الوحيد الموثوق به لمشيئة الله. فكلّ صياغة بشريّة للحقّ الإلهيّ، مهما تكن صحيحة في ذاتها، هي ناقصة وتحمل معها قدرًا من السلطان البشريّ. أمّا في الكلمة فإنّ صوت الله هو الذي يكلّمنا مباشرةً. وكلّ ولدٍ من أولاد الله مدعوّ إلى اتّحاد مباشر بالآب، وذلك بواسطة الكلمة. ولأنّ الله يعلن فيها كلّ قلبه وكلّ نعمته، فبإمكان ولده، إن هو قبلها من الله، أن يُدخل إلى قلبه وإلى كيانه كلّ ما في الكلمة من حياة ومن قوّة. ونحن نعلم كم قليلة هي أخبار الرسائل أو الحوادث المنقولة بالواسطة التي يمكن الاتّكال عليها كلّ الاتّكال. فقلّة قليلة من الناس هم الذين ينقلون بدقّة ما قد سمعوه. ولكلّ مؤمن الحقّ والدعوة معًا أن يقف في اتّصال مباشر بالله. ففي الكلمة أعلن الله ذاته، وفي الكلمة لا يزال إلى اليوم يعلن ذاته، لكلّ فرد على حدة.
2. وكلمة الله هذه هي كلمة حيّة. وفيها قوّة إلهيّة مُحيية. أمّا التعبير البشريّ عن الحقّ فكثيرًا ما يكون مجرّد تصوّر للحقّ أو صورة من صوره، يخاطب الذهن وحده ولا أثر له أو يكاد. غير أنّ الإيمان بأنها هي كلمة الله نفسه، وبما فيها من حضور ومن قوّة، هو الذي يجعلها فعّالة عاملة. فكلّ حياة أو روح إنما تخلق لنفسها صورةً تُعلَن فيها وتظهر بها.
والكلمات التي اختار الله أن يكسو بها أفكاره الإلهيّة هي موحًى بها من الله، وحياة الله ساكنة فيها. فالله ليس هو إله أموات بل هو إله أحياء. ولم تكن الكلمة موحًى بها حين أُعطيت أول مرّة فحسب: بل إنّ روح الله لا يزال يتنفّس فيها إلى اليوم. ولا يزال الله في كلمته ومع كلمته. وعلى المسيحيين وعلى المعلّمين أن يؤمنوا بهذا. فذلك يقودهم إلى أن يعطوا الكلمة الإلهيّة البسيطة ثقةً لا يجوز لأيّ تعليم بشريّ أن ينالها.
3. والله وحده هو الذي يقدر أن يكون مفسّر كلمته هو، وهو سيكون كذلك بلا شكّ. فالحقّ الإلهيّ يحتاج إلى معلّم إلهيّ. والإدراك الروحيّ للأمور الروحيّة لا يمكن أن يأتي إلّا من الروح القدس. وكلّما عمق اليقين بالطابع الفريد الذي للكلمة، المختلف اختلافًا جوهريًّا عن كلّ إدراك بشريّ محض، والمرتفع فوقه ارتفاعًا لا حدّ له، اشتدّت الحاجة الملحّة إلى تعليم فوق الطبيعة، إلى تعليم إلهيّ مباشر. وبمقدار ذلك أيضًا تتمّ تلك البركة التي هي القصد العظيم من الكلمة. فتُساق النفس إلى طلب الله نفسه، وتُقاد إلى أن تجده في الروح القدس الساكن في القلب. ومتى انتُظر ذلك الروح ووُثق به — وهو الروح الذي فيه دخل الله، بعجبٍ شديد، إلى حياتنا عينها وجعل ذاته واحدًا معها — فإنه يجعلنا نعرف «في السريرة» حكمةً، أي في القلب وفي المزاج. والكلمة التي تُقرأ بالصلاة وتُعزّ في القلب بهذا الإيمان تكون فينا، بالروح، نورًا وحياةً معًا.
4. وهكذا تدخل بنا الكلمة إلى أوثق شركة مع الله وأعمقها — إلى وحدة في المشيئة وفي الحياة معًا. ففي الكلمة أعلن الله قلبه كلّه ومشيئته كلّها: أعلن في ناموسه ووصاياه ما يشاء أن نفعله نحن، وأعلن في فدائه ومواعيده ما يشاء هو أن يفعله لأجلنا. ومتى قبلنا تلك المشيئة في الكلمة على أنها هي من الله نفسه، وسلّمنا ذواتنا لعملها فينا، تعلّمنا أن نعرف الله في مشيئته، تلك المشيئة التي بقوّتها يعمل فينا، والتي فيها تُعرف محبّته المتنازلة. والكلمة إنما تتمّم قصده الأغنى إذ تملأنا بالمهابة وبالاتّكال اللذين يأتيان من حضرة الله ومن قربه. ويجب ألّا يكون هدفنا شيئًا دون ذلك، بل هذا ما يمكن أن يكون اختبارنا بالفعل، في كلّ دراستنا للكتاب المقدس.
فلنأخذ الآن هذه الأفكار الأربع مرّة أخرى ولنُجرِ عليها التطبيق العمليّ. ففي الكتاب المقدس لنا الكلمات عينها التي بها تكلّم الله القدّوس، والتي بها لا يزال يكلّمنا إلى اليوم. وهذه الكلمات هي اليوم مملوءة من حياة الله. فالله نفسه فيها، وهو يعرّف حضوره وقوّته للذين يطلبونه هو فيها. وأمّا الذين يسألون وينتظرون تعليم الروح القدس الساكن في داخلنا، فإنّ الروح يعلن لهم المعنى الروحيّ للكلمة ويعلن لهم قوّتها. وهكذا يُقصد بالكلمة أن تكون في كلّ يوم واسطة إعلان الله ذاته للنفس، وواسطة الشركة معه. فهل تعلّمنا نحن أن نطبّق هذه الحقائق؟ وهل نفهم أنّ الكلمة إنما تقول لنا دائمًا: «اطلب الله»؟ أصغِ إلى الله. انتظر الله. فالله سيكلّمك. ودع الله يعلّمك.
وكلّ ما نسمعه عن المزيد من تعليم الكتاب المقدس ومن دراسته يجب أن يفضي بنا إلى هذا الأمر الواحد. يجب أن نكون نحن رجالًا، ويجب أن نعين على تدريب آخرين ليكونوا رجالًا، لا تنفصل عندهم الكلمة قطّ عن الله الحيّ نفسه، ويحيون كأناسٍ يكلّمهم الله في السماء كلّ يوم والنهار كلّه.