فصل 2 · قراءة 3 د
الباب المغلق — وحدك مع الله
«وأما أنت فمتى صلّيت فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك، وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية…» متى 6:6.
إنّ الإنسان إنما خُلق للشركة مع الله. فقد صنعه الله على صورته وكمثاله ليكون أهلًا لهذه الشركة، قادرًا على أن يفهم الله وأن يتمتّع به، وأن يدخل في مشيئته، وأن يتلذّذ بمجده. ولأنّ الله هو الحاضر في كل مكان، المالئ كل شيء، فقد كان في وسع الإنسان أن يحيا متمتّعًا بشركة لا تنقطع، في وسط أيّ عمل كان عليه أن يعمله.
غير أنّ الخطية قد سلبتنا شركته.
وليس شيء سوى هذه الشركة يقدر أن يُشبع قلب الإنسان ولا قلب الله. وهذه هي التي جاء المسيح ليردّها؛ ليردّ إلى الله خليقته الضالّة، وليردّ الإنسان إلى كل ما خُلق لأجله. فالاتحاد بالله هو تمام كل غبطة على الأرض كما في السماء. وهو إنما يأتي حين يصير ذلك الوعد الذي تكرّر إعطاؤه اختبارًا كاملًا: «لا أهملك ولا أتركك»، وحين نقدر أن نقول: إنّ الآب معي في كل حين. وهذا الاتحاد بالله إنما قُصد له أن يكون لنا النهار كله، مهما تكن حالنا أو الظروف المحيطة بنا. غير أنّ التمتّع به يتوقّف على حقيقة ذلك الاتحاد في المخدع. فإنّ القوة على حفظ شركة وثيقة فرحة مع الله طوال النهار إنما تتوقّف كل التوقّف على شدّة الحرارة التي بها نسعى إلى ضمانها في ساعة الصلاة السرّية. فالأمر الجوهري الواحد في سهر الصباح أو في ساعة الهدوء إنما هو الشركة مع الله. وهذا هو عينه ما يعلّمنا ربّنا أنه السرّ الباطن للصلاة في الخفاء: «أغلق بابك، وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء» متى 6:6.
والأمر الأول والأعظم هو أن تتحقّق أنّ لك هناك، في الخفاء، حضرةَ الآب نفسه والتفاتَه إليك أنت. فاعلم يقينًا أنه هو يراك وأنه يسمعك. فإنّ أهمّ من كل طلباتك، مهما تكن ملحّة، وأهمّ من كل اجتهادك وكل جهدك لتصلّي كما ينبغي، إنما هو هذا الأمر الواحد: ذلك اليقين الحيّ الذي هو كيقين الأطفال، أنّ أباك يراك، وأنك قد لاقيته أنت الآن، وأنك، وعينه عليك وعينك عليه، إنما تتمتّع في هذه الساعة باتحاد حقيقي فعليّ به.
أيها المسيحي، إنّ ثمّ خطرًا رهيبًا أنت معرَّض له في مخدعك أنت. فأنت في خطر أن تستبدل بالشركة الحيّة مع الله صلاةً ودرسًا للكتاب المقدس؛ أي أن تستبدل بذلك التبادل الحيّ الذي فيه تعطيه أنت محبتك وقلبك وحياتك، وتأخذ منه أنت محبته وحياته وروحه.
فقد تشغلك احتياجاتك أنت والتعبير عنها، مع رغبتك في أن تصلّي باتّضاع وباجتهاد وبإيمان، شغلًا عظيمًا حتى إنّ نور وجهه وفرح محبته لا يقدران أن يجدا إليك سبيلًا.
وقد يستهويك درسُك للكتاب المقدس ويوقظ فيك من العواطف الدينية ما يسرّك ويلذّ لك، حتى إنّ كلمة الله نفسها قد تصير بديلًا عن الله ذاته، بل أعظم عائق في وجه الشركة، لأنها تُبقي النفس مشغولة عوض أن تقودها إلى الله نفسه. ثم نخرج نحن إلى عمل النهار بغير قوة تلك الشركة الثابتة، لأنّ البركة لم تُضمن لنا في سهر الصباح. فيا لَلفرق العظيم الذي كان يُحدثه ذلك في حياة كثيرين لو أنّ كل شيء في المخدع صار تابعًا لهذا الأمر الواحد: إني أريد أن أسلك مع الله في نهاري؛ وساعةُ صباحي هي الوقت الذي فيه يدخل أبي معي، وأدخل أنا معه، في عهد محدَّد أن يكون الأمر هكذا. وأيّ قوة عظيمة كانت تُمنح لنا من هذا الوعي نفسه: إنّ الله قد تولّى أمري، وهو ذاهب معي بنفسه؛ وأنا ذاهب لأعمل مشيئته بقوّته هو النهار كله؛ وإني مستعدّ لكل ما قد يأتي! نعم، وأيّ نُبل كان يدخل إلى الحياة لو لم تكن الصلاة السرّية مجرّد طلب لشيء جديد من التعزية أو النور أو القوة، بل بذلًا للحياة، ولو ليوم واحد، بين يدي إلهٍ قدير أمين، في حفظه الأكيد المأمون!
«صلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية». فحيث تُحفظ تلك الشركة السرّية مع الآب بالروح والحق، هناك تحمل الحياةُ العلنية أمام الناس تلك المجازاة نفسها.
فالآب الذي يرى في الخفاء هو الذي يتولّى الأمر ويجازي علانية. وإنّ الانفصال عن الناس، في خلوة مع الله، هو الطريق الأكيد، بل هو الطريق الوحيد، لنحيا في مخالطة الناس بقوّة بركة الله.