فصل 16 · قراءة 5 د

مُعلَنة للأطفال

«أحمدك أيها الآب، رب السماء والأرض، لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال» (متى 11:25، لوقا 10:21).

أما الحكماء والفهماء فهم أولئك الرجال الذين يشعرون بقوّة عقولهم وقوّة فكرهم ويثقون بها لتعينهم في سعيهم وراء المعرفة الإلهية. وأما الأطفال فهم أولئك الذين ليس شغلهم الأول هو العقل وقوّته، بل القلب واستعداده. فالجهل، والعجز، والاتّكال، والوداعة، والقابليّة للتعلُّم، والثقة، والمحبة — هذه كلها هي الأخلاق التي يطلبها الله في الذين يعلّمهم. (مزمور 25:9، 12، 14، 17، 20.)

إنّ واحدًا من أهمّ أجزاء تعبّدنا كله هو درس كلمة الله. فما أعمق أهميّة أن نقبل الكلمة على الدوام بتلك الروح التي تنتظر الآب نفسه أن يُعلن حقّها فينا. وما أعظم أهميّة أن يكون لنا ذلك الاستعداد الطفوليّ، نعم، ذلك الاستعداد الطفوليّ الذي يسرّ الآب أن يودعه أسرار محبته. فعند الحكماء والفهماء تكون معرفة الرأس هي الشيء الأول والأهمّ؛ وعن هؤلاء بعينهم يُخفي الله المعنى الروحيّ لعين الأمر الذي يظنّون أنهم يفهمونه.

وأما عند الأطفال فليس الرأس ومعرفته هو الشيء الأول، بل القلب وشعوره، وإحساس الاتّضاع والمحبة والثقة؛ ولهؤلاء وحدهم يُعلن الله، في حياتهم الباطنة وفي اختبارهم الشخصي، عين ذلك الأمر الذي يعلمون هم أنهم لا يقدرون أن يفهموه.

تخبرنا التربية أنّ هناك أسلوبين اثنين في التعليم. فأما المعلّم العاديّ فيجعل إيصال المعرفة هو غايته الأولى، ولا ينمّي قوى الولد إلا بمقدار ما تعينه هي على بلوغ تلك الغاية التي وضعها لنفسه. وأما المعلّم الحقيقي فيعدّ مقدار المعرفة أمرًا ثانويًّا لا أكثر.

فغايته الأولى أن ينمّي فيه قوّة العقل وقوّة الروح، وأن يعين التلميذ، عقليًّا وأدبيًّا معًا، على أن يستعمل قواه استعمالًا صحيحًا في طلب المعرفة وفي تطبيقها. وهكذا أيضًا نجد أنّ هناك صنفين اثنين من الوعّاظ. فمنهم من يصبّ التعليم والحجّة والمناشدة صبًّا بلا انقطاع، تاركًا للسامعين أن ينتفعوا بما يُقدَّم إليهم قدر ما يستطيعون.

وأما الواعظ الحقيقي فيعلم كم يتوقّف الأمر على حالة القلب، ويسعى، كما سعى ربّنا يسوع نفسه، أن يجعل تعليم الحق الموضوعيّ أو العقيدة خاضعًا لتنمية تلك الاستعدادات التي بدونها لا يفيد التعليم إلا قليلًا. فمئة عظةٍ بليغةٍ حارّة تُلقى على الحكماء والفهماء، على مسيحيّين يصغون وهم يظنّون أنهم قادرون أن يفهموا، وأنّ ما يسمعونه سينفعهم بطريقةٍ ما، تأتي ببركةٍ حقيقيةٍ أقلّ من عظةٍ واحدةٍ تُلقى على سامعين قد أيقظ فيهم الواعظ الشعور بجهلهم الروحي، وروحًا طفوليّةً منقادة تنتظر تعليم الآب وتتّكل عليه، وتقبله حقًّا وتطيعه.

وفي المخدع الخفيّ يكون كل إنسان، من جهة المعونة البشرية، معلّم نفسه وواعظ نفسه. وعليه أن يدرّب نفسه على تلك العادة المباركة: عادة البساطة الطفوليّة والقابليّة للتعلُّم.

وإذ يذكر أنه لم يكن يكفي أن يُعلَن الحقّ الإلهي في العالم فحسب، بل لا بدّ أيضًا من إعلانٍ شخصيّ لكل واحدٍ على حدة بالروح القدس، يكون همّه الأول أن ينتظر الآب ليُعلن له، وفيه هو نفسه، ذلك السرّ الخفيّ بكل قوّته في الحياة الباطنة. وفي هذا الموقف بعينه يمارس الروح الطفوليّة، ويقبل الملكوت مثل ولدٍ صغير. إنّ المسيحيّين الإنجيليّين جميعًا يؤمنون بالولادة الثانية.

ولكن ما أقلّ الذين يؤمنون أنه متى وُلد الإنسان من الله، وجب أن يكون اتّكاله على الله اتّكال الطفل، في كل تعليمٍ وكل قوّة، هو صفته الأولى. وقد كان هذا هو الأمر الواحد الذي ألحّ عليه ربّنا يسوع فوق كل شيء. فحين طوّب المساكين بالقلب والودعاء والجياع، وحين دعا الناس أن يتعلّموا منه أنه وديعٌ ومتواضع القلب، وحين تكلّم مرارًا كثيرة عن أن نضع نفوسنا ونصير مثل الأولاد الصغار، إنما كان ذلك لأنّ العلامة الأولى والكبرى على كوننا أولاد الله، وعلى كوننا شبه يسوع المسيح، هي اتّكالٌ مطلق على الله لكل بركة، ولا سيّما لكل معرفةٍ حقيقيةٍ بالأمور الروحية. فليسأل كلّ واحدٍ نفسه: هل عددتُ الروح الطفوليّة الشرطَ الأول الجوهريّ في درسي للكتاب المقدس؟ وأيّ نفعٍ في درس الكتاب المقدس بغير الروح الطفوليّة؟ إنها المفتاح الحقيقي الوحيد لمدرسة الله.

أفلا يحسن بنا أن نطرح كل شيءٍ جانبًا لنضمن هذا؟ فحينئذٍ وحدَه يُعلن الله حكمته الخفيّة.

إنّ الولادة الجديدة، أي أن نُولَد من الله فنصير بها أولاده، إنما قُصد بها أن تجعلنا أطفالًا صغارًا. وهي ستعطينا روح الطفل كما تعطينا تعليم الطفل سواءً بسواء. ولا تقدر البتّة أن تعطي الثاني بغير الأول. فلنؤمن ولنبذل أنفسنا للحياة الجديدة التي فينا، ولقيادة الروح القدس؛ فهو الذي ينفخ فينا روح الأولاد الصغار. إنّ الغاية الأولى من درس الكتاب المقدس أن نتعلّم حكمة الله الخفيّة. والشرط الأول لنيل هذه المعرفة أن نقبل هذه الحقيقة: أنّ الله نفسه هو الذي يُعلنها لنا. والشرط الأول لنيل هذه المعرفة أن نقبل هذه الحقيقة: أنّ الله نفسه هو الذي يُعلنها لنا.

وأما الاستعداد الأول اللازم لقبول ذلك الإعلان فهو روحٌ كروح الأطفال. وكلنا نعلم أنّ أول ما يفعله الصانع الحكيم هو أن ينظر هل عنده الأدوات اللائقة، وهل هي في حالها الصحيح. وهو لا يحسب الوقت ضائعًا حين يقف عن عمله ليشحذ أدواته. وليس بضائعٍ ذلك الوقت الذي فيه تدع درس الكتاب المقدس ينتظر، حتى تنظر هل أنت في الموقف الصحيح — منتظرًا إعلان الآب بالروح الوديعة الطفوليّة.

فإن شعرت أنك لم تقرأ كتابك المقدس بهذه الروح، فاعترف حالًا واترك روح الثقة بالنفس التي للحكماء والفهماء. ولا تصلِّ من أجل الروح الطفوليّة فحسب، بل آمن أيضًا أنها لك. فهي كائنةٌ فيك، وإن تكن مهملةً مكبوتة؛ وفي وسعك أن تبتدئ من ساعتك، كولدٍ لله، أن تختبرها.

ولا تطلب أن تُدخل هذه الروح الطفوليّة إلى قلبك بالتفكّر أو بالحجّة. بل اعمل من الداخل إلى الخارج.

إنها كائنةٌ فيك كبذرة، في الحياة الجديدة المولودة من الروح. ولا بدّ لها أن تقوم وأن تنمو فيك كولادةٍ من الروح الساكن فيك. وبهذا الإيمان يجب عليك ألّا تصلّي فحسب، بل أن تصلّي أيضًا على وجه الخصوص من أجل نعمة الروح هذه، وأن تمارسها ممارسةً فعليّة. عِشْ كطفلٍ أمام الله. وكطفلٍ مولودٍ الآن، اشتهِ لبن الكلمة. واحذر أن تحاول التلبّس بهذه الحال العقلية متى أردت أن تدرس الكتاب المقدس فقط. بل يجب أن تكون هي العادة الدائمة الراسخة لذهنك، والحالة التي عليها قلبك. فحينئذٍ وحدَه تقدر أن تتمتّع بقيادة الروح القدس المتواصلة.

صفحة 1 / 4 · 5 دقيقة متبقية في الفصل