فصل 12 · قراءة 3 د
الحياة والمعرفة
«وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرةٍ شهيّة للنظر وجيّدة للأكل، وشجرة الحياة في وسط الجنة، وشجرة معرفة الخير والشرّ». — التكوين 2:9.
هناك طريقان لمعرفة الأشياء. أحدهما في الذهن، بالتصوّر أو بالمفهوم؛ فأنا أعرف عن الشيء. والآخر في الحياة؛ فأنا أعرف باختبارٍ داخليّ. فقد يعرف الأعمى الذكيّ كل ما يعلّمه العلم عن النور، وذلك بأن تُقرأ عليه الكتب. وأمّا الطفل، أو الرجل المتوحّش، الذي لم يفكّر قطّ ما هو النور، فإنه مع ذلك يعرفه معرفةً أفضل بكثير من ذلك العالِم الأعمى. فهذا يعرف كل ما يتعلّق به بالتفكير؛ وأمّا ذاك فيعرفه في الحقيقة بأن يراه ويتمتّع به.
والأمر هكذا في الدين أيضًا. فالذهن يقدر أن يكوّن أفكارًا عن الله من الكتاب المقدس، وأن يعرف كل عقائد الخلاص، والحياة الداخلية مع ذلك لا تعرف قوّة الله على الخلاص. ولهذا نقرأ: «ومن لا يحبّ لم يعرف الله، لأنّ الله محبّة» (يوحنا الأولى 4:8). وقد يقدر الإنسان أن ينطق بأفكارٍ جميلة عن هذه المحبّة؛ ولكنّه ما لم يحبّ، فهو لا يعرف الله. فالمحبّة وحدها هي التي تقدر أن تعرف الله. ومعرفة الله هي الحياة الأبدية.
وكلمة الله هي كلمة الحياة. «فوق كل تحفّظٍ احفظ قلبك، لأنّ منه مخارج الحياة» (أمثال 4:23). وقد تكون الحياة قويّةً، حتى حيث تكون المعرفة في الذهن ضعيفة. وقد تكون المعرفة موضوع أشدّ السعي اجتهادًا وموضوع أعظم التلذّذ، والحياة مع ذلك لا تتأثّر بها في شيء.
ولعلّ مثالًا يوضّح هذا. فلنفترض أنّ في وسعنا أن نعطي شجرة التفّاح فهمًا، وعيونًا ترى وتعمل؛ فقد يمكّن ذلك شجرة التفّاح أن تصنع لنفسها ما يصنعه لها البستانيّ الآن، من جمع السماد أو جلب الماء. غير أنّ الحياة الداخلية في شجرة التفّاح تبقى هي هي بعينها، مختلفةً كل الاختلاف عن ذلك الفهم الذي أُضيف إليها. وهكذا هي الحياة الإلهية الداخلية في الإنسان: فهي شيءٌ مختلف كل الاختلاف عن العقل الذي به يعرف هو عنها. وذلك العقل لازمٌ في الحقيقة أشدّ اللزوم، لكي يقدّم إلى القلب كلمة الله التي يقدر الروح القدس أن يحييها. ومع ذلك فهو عاجزٌ عجزًا مطلقًا عن أن يمنح الحياة الحقيقية أو أن يحييها. فما هو إلا خادمٌ يحمل الطعام: وإنما القلب هو الذي يجب أن يأكل، وأن يتغذّى، وأن يحيا.
والشجرتان اللتان في الفردوس هما إعلان الله عن هذا الحقّ عينه. فلو أنّ آدم أكل من شجرة الحياة، لكان قد نال وعرف كل الخير الذي أعدّه الله له، عرفه في قوّةٍ حيّة وكاختبارٍ يختبره. ولكان قد عرف الشرّ بأن يكون متحرّرًا منه تحرّرًا مطلقًا. غير أنّ حوّاء انقادت في الضلال بالرغبة في المعرفة — إذ رأت «أنّ الشجرة شهيّة للنظر» لتجعل الإنسان حكيمًا — فنال الإنسان معرفة الخير دون أن يمتلكه، معرفةً به لا تأتيه إلا من الشرّ الذي هو ضدّه. ومنذ ذلك اليوم، والإنسان يطلب دينه في المعرفة أكثر مما يطلبه في الحياة.
وليست إلا الحياة، والاختبار، وامتلاك الله نفسه وامتلاك صلاحه، هي التي تعطي المعرفة الحقيقية. فمعرفة العقل وحدها لا تقدر أن تحيي. «وإن كانت لي نبوّة، وأعلم جميع الأسرار وكل علم، وإن كان لي كل الإيمان حتى أنقل الجبال، ولكن ليس لي محبّة، فلست شيئًا» (كورنثوس الأولى 13:2). وإنما في قراءتنا اليومية للكتاب المقدس يلاقينا هذا الخطر بعينه؛ وهناك أيضًا يجب أن يُلاقى وأن يُغلَب. فنحن نحتاج إلى العقل لكي نسمع كلمة الله ونفهمها في معناها البشريّ. غير أننا نحتاج مع ذلك أن نعلم أنّ امتلاك العقل للحقّ لا ينفعنا شيئًا البتّة إلا حين يجعله الروح القدس حياةً وحقًّا في داخل القلب. ونحن نحتاج أن نسلّم قلوبنا وأن ننتظر الله في خضوعٍ هادئ وفي إيمان، لكي يعمل فينا بذلك الروح. ومتى صار هذا فينا عادةً مقدّسة، تعلّمنا ذلك الفنّ، فنّ عمل العقل والقلب معًا في انسجامٍ تامّ، فتكون كل حركةٍ من حركات الذهن مصحوبةً دائمًا بالحركة المقابلة لها في القلب، وهو ينتظر تعليم الروح ويصغي إليه.