فصل 11 · قراءة 5 د

حفظ وصايا المسيح

«إن علمتم هذا فطوباكم إن عملتموه». — يوحنا 13:17.

إنّ طوبى كلمة الله والبركة التي فيها لا تُعرَفان البتّة إلا بعملها. وهذا الموضوع هو من الأهمية القصوى في الحياة المسيحية، ومن ثمّ في درسنا للكتاب المقدس، حتى إنه لا بدّ لي أن أسألك أن ترجع إليه معي مرّةً أخرى. ولنأخذ هذه المرّة تعبيرًا واحدًا بعينه ليس غير، وهو: حفظ الكلمة، أو حفظ الوصايا. ولنأخذه أوّلًا كما ورد في الخطاب الوداعي. ولعلّك تعرف هذه الفقرات معرفةً جيّدة، غير أنه سيكون من النافع لنا أن ننظر إليها وهي مجتمعة بعضها إلى بعض.

«إن كنتم تحبّونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم مُعزّيًا آخر» (يوحنا 14: 15، 16).

«الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبّني، والذي يحبّني يحبّه أبي، وأنا أحبّه، وأظهر له ذاتي» (عدد 21). «أجاب يسوع وقال له: إن أحبّني أحدٌ يحفظ كلامي، ويحبّه أبي، وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلًا» (عدد 23). «إن ثبتم فيّ وثبت كلامي فيكم تطلبون ما تريدون فيكون لكم» (15:7). «إن حفظتم وصاياي تثبتون في محبّتي، كما أني أنا قد حفظت وصايا أبي وأثبت في محبّته» (15:10). «أنتم أحبّائي إن فعلتم ما أوصيكم به» (15:14).

فادرس هذه الفقرات وقابل بين بعضها وبعض، إلى أن تدخل هذه الكلمات إلى القلب وتعمل فيه ذلك اليقين العميق بأنّ حفظ وصايا المسيح هو الشرط الذي لا غنى عنه لكل بركةٍ روحية حقيقية. فلأجل مجيء الله الروح القدس وسكناه الفعلية فينا، ولأجل التمتّع بمحبّة الآب، وإظهار المسيح لذاته في داخلنا، وسكنى الآب والابن معًا في القلب، وقوّة الصلاة، والثبات في محبّة المسيح، والتمتّع بصداقته — إنّ حفظ الوصايا هو وحده الأمر الوحيد اللازم لكل ذلك كلّه.

ولأجل القدرة على أن نطالب بهذه البركات وأن نتمتّع بها بالإيمان يومًا بعد يوم، لا غنى أيضًا عن ذلك الإدراك الطفولي بأننا نحفظها بالفعل. ولا يقلّ عن ذلك ضرورةً، لدرسٍ مثمرٍ للكتاب المقدس، ذلك اليقين الهادئ الذي يجرؤ أن ينتظر النور الإلهي والقوّة الإلهية مع كل كلمةٍ من كلمات الله، لأنه يعلم أننا مستعدّون للطاعة إلى المنتهى.

وبمشيئة الله، إذ يُتلذَّذ بها ويُعمَل بها، يكون لنا طريقنا الوحيد إلى قلب الآب، ويكون له هو طريقه الوحيد إلى قلوبنا نحن.

احفظ الوصايا: فهذا وحده هو الطريق المؤدّي إلى كل بركة. وانظر كم يتأكّد هذا كلّه على نحوٍ لافتٍ بما نجده في رسالة يوحنا الأولى.

«وبهذا نعرف أننا قد عرفناه: إن حفظنا وصاياه. من قال: قد عرفته وهو لا يحفظ وصاياه، فهو كاذب وليس الحقّ فيه. وأمّا من حفظ كلمته، فحقًّا في هذا قد تكمّلت محبّة الله» (يوحنا الأولى 2: 3-5). فالبرهان الوحيد على المعرفة الحقيقية الحيّة المخلّصة لله؛ والبرهان الوحيد على أننا لسنا مخدوعين في ديننا وعبادتنا؛ وعلى أنّ محبّة الله ليست وهمًا من أوهام الخيال بل هي مُلكٌ لنا في الحقيقة ونحن نمتلكها — إنما هو حفظ كلمته هو.

«إن لم تلمنا قلوبنا، فلنا ثقة من نحو الله. ومهما سألنا ننال منه، لأننا نحفظ وصاياه، ونعمل الأعمال المرضية أمامه. ومن يحفظ وصاياه يثبت فيه» (3: 21، 22، 24). فحفظ الوصايا إنما هو سرّ الثقة من نحو الله، وهو أيضًا سرّ الشركة الحقيقية الحميمة معه هو نفسه.

«فإنّ هذه هي محبّة الله: أن نحفظ وصاياه. لأنّ كل من وُلد من الله يغلب العالم» (عدد 3، 4).

فإنّ اعترافنا نحن بالمحبّة لا قيمة له البتّة، إلا حين يُبرهَن على صدقه بحفظ وصاياه في قوّة حياةٍ قد وُلدت من الله نفسه. فمعرفة الله، وتكميل محبّة الله فينا، والجراءة والثقة أمام الله، والثبات فيه، والولادة منه، ومحبّتنا نحن إيّاه — كل ذلك متوقّف على أمرٍ واحدٍ لا غير، وهو: حفظ الوصايا.

وليس إلا حين ندرك تلك المكانة التي يعطيها المسيح ويعطيها الكتاب المقدس لهذا الحقّ، نتعلّم نحن أن نعطيه، ونتعلّم أن نعطيه المكانة عينها في حياتنا نحن أيضًا. وحينئذٍ يصير هذا لنا مفتاحًا من مفاتيح الدرس الحقيقي للكتاب المقدس. فإنّ الرجل الذي يقرأ كتابه باشتياقٍ وبعزمٍ حازم على أن يفتّش عن كل وصيةٍ من وصايا الله ووصايا المسيح وأن يطيعها، هو على الطريق الصحيح لينال كل البركة التي قُصد بالكلمة يومًا من الأيام أن تأتي بها إليه. وهو سيتعلّم أمرين اثنين على وجه الخصوص: كم هو محتاجٌ إلى أن ينتظر تعليم الروح القدس ليقوده إلى مشيئة الله كلها، وأيّ طوبى هناك في أداء الواجبات اليومية، لا لأنها صوابٌ فحسب، ولا لأنه هو يتلذّذ بها، بل لأنها هي مشيئة الله. وسيجد كيف ترتفع الحياة اليومية كلها وتعلو حين يقول هو كما قال المسيح: «هذه الوصية قبلتها من أبي». وستصير الكلمة هي النور له وهي الدليل الذي به تُرتَّب خطواته كلها ترتيبًا.

وستصير حياته كلها هي مدرسة التدريب التي فيها يُبرهَن على قوّة الكلمة المقدِّسة، وفيها يجد التشجيع أيضًا. وهكذا يصير حفظ الوصايا هو المفتاح لكل بركةٍ روحية على الإطلاق.

فابذل جهدًا حازمًا لكي تدرك ما الذي تعنيه حياة الطاعة التامّة هذه. وخذ بعضًا من أوضح وصايا المسيح: «أن تحبّوا بعضكم بعضًا، كما أحببتكم أنا»؛ «فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض»؛ «حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضًا» — واقبل محبّةً واتّضاعًا كمحبّة المسيح واتّضاعه بوصفهما ناموس الحياة الفائقة الطبيعة التي عليك أن تحياها. وبدلًا من أن يقودك الشعور بالفشل أو بالعجز إلى اليأس، أو إلى أن تستريح قانعًا بما تظنّ أنه في متناول يدك، فليكن ذلك بالحريّ مشجّعًا لك على أن تلقي رجاءك كلّه عليه هو وحده، «لأنّ الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا» بروحه.

ومرّةً أخرى، يجب أن يكون هدفنا الأوحد هو الانسجام الكامل بين الضمير والسلوك. فكل اقتناعٍ يجب أن يُترجَم إلى فعل. ووصايا المسيح إنما قُصد بها أن تُطاع. فإن لم يُفعَل هذا، فإنّ تراكم المعرفة الكتابية لا يزيد إلا ظلمةً وقساوة، ويعمل ذلك الرضا باللذّة التي يجلبها اكتساب المعرفة، وهو ما يجعلنا غير أهلٍ لتعليم الروح.

وإني أرجو ألّا تملّ من تكراري لهذه الرسالة المباركة الجليلة مرارًا كثيرة على هذا النحو. ففي مخدعك أنت وحدك يجب أن يُحسَم هذا السؤال بعينه: هل ستحفظ أنت وصايا المسيح طوال النهار كلّه؟ وهناك أيضًا سيُحسَم هل تحمل في حياتك الآتية سمة رجلٍ قد سلّم نفسه كلّها تسليمًا تامًّا لكي يعرف مشيئة الله وليعملها هو أيضًا.

صفحة 1 / 4 · 5 دقيقة متبقية في الفصل