إله كل تعزية ·أكثر بكثير في مقابل أقلّ بكثير

فصل 9 · قراءة 12 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

أكثر بكثير في مقابل أقلّ بكثير

«وَلَكِنْ حَيْثُ كَثُرَتِ ٱلْخَطِيَّةُ ٱزْدَادَتِ ٱلنِّعْمَةُ جِدًّا» (رومية 5:20).

يتوقّف قدر كبير من التعزية في حياتنا الإيمانية على النظرة التي ننظر بها إلى الأمور. فنظرتنا لا تغيّر الحقيقة، لكنها تغيّر الطريقة التي نختبرها بها. أماننا مصدره ما هو حقيقيّ، أمّا تعزيتنا فمصدرها ما نؤمن أنه حقيقيّ.

هناك تعبير يتكرّر في الكتاب المقدّس لوصف الخلاص الذي في يسوع المسيح، وهو: «أكثر بكثير». يقول لنا هذا التعبير إنه ما من حاجة بشريّة إلا ويسدّها خلاصه «أكثر بكثير» ممّا نحتاج. غير أننا كثيرًا ما نُجرَّب أن نظنّ أن «أقلّ بكثير» تعبير أصدق — أي أن الخلاص، في الاختبار الفعليّ، أقلّ بكثير من حاجاتنا. وهذه النظرة، نظرة «أقلّ بكثير»، تجعل حياتنا الروحية بائسة.

إن كان ما تعلّمناه عن ملء خلاص الله صحيحًا، فينبغي أن تكون «أكثر بكثير» هي اللغة الوحيدة التي نتكلّم بها. ولأن بعض المؤمنين يسلكون كأن «أقلّ بكثير» أقرب إلى الواقع، فلننظر إلى ما يقوله الكتاب المقدّس فعلًا. فإن قال الله إن خلاصه يفيض عن حاجتنا، وأصررنا نحن على أنه دونها، فإننا نتّهمه بعدم الأمانة، ونصنع بؤسنا بأيدينا.

«أقلّ بكثير» هي لغة ما يُرى، و«أكثر بكثير» هي لغة ما لا يُرى.

تبدو «أقلّ بكثير» أقرب إلى المعقول، لأن ضعفنا منظور، أمّا قوّة الله فغير منظورة. حاجاتنا ماثلة أمام أعيننا، أمّا عطاء الله فمخفيّ لا يُدرَك إلا بالإيمان.

ولكي نرى ما لا يُرى، نحتاج أن تُفتَح فينا «العين الداخليّة» — تلك القدرة على النظر إلى ما تحت السطح.

هذه العين لا تنظر إلى الأشياء الزمنيّة التي تُرى، بل إلى الأشياء الأبديّة التي لا تُرى. والسؤال الحيويّ هو: هل فُتحت هذه العين فيك أنت؟

تأمّل القصّة المرويّة في أخبار الأيام الثاني 32:1-15. كان عدوّ قد هدّد بأن يجتاح يهوذا. وكان هذا العدوّ قد نجح في كل مكان آخر، وكان واثقًا أنه سيقهر إسرائيل أيضًا. لكن الملك حزقيا نظر إلى الله غير المنظور، فرأى أنه أقوى منه. فقال للشعب: «تَشَدَّدُوا وَتَشَجَّعُوا. لَا تَخَافُوا وَلَا تَرْتَاعُوا مِنْ مَلِكِ أَشُّورَ وَمِنْ كُلِّ ٱلْجُمْهُورِ ٱلَّذِي مَعَهُ، لِأَنَّ مَعَنَا أَكْثَرَ مِمَّا مَعَهُ. مَعَهُ ذِرَاعُ بَشَرٍ، وَمَعَنَا ٱلرَّبُّ إِلَهُنَا لِيُسَاعِدَنَا وَيُحَارِبَ حُرُوبَنَا» (أخبار الأيام الثاني 32:7-8). في جانب قوّة البشر، وفي الجانب الآخر الربّ إلهنا! فلا عجب أن الشعب استند وتشجّع.

ولمّا رأى الملك العدوّ، سنحاريب، إيمانهم، استهزأ بهم، وسأل: «فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ إِلَهُكُمْ لَا يُنْقِذُكُمْ مِنْ يَدِي؟» إذ لم يُنقِذ إلهٌ آخر أمّةً أخرى قطّ.

«أقلّ بكثير»! يا لها من تجربة تدفع إلى الشكّ! لقد بدا الأمر مستحيلًا. لكن حزقيا أبقى عيون الشعب مثبّتة على ما لا يُرى، فأرسل الربّ خلاصًا عظيمًا. وهكذا صارت «أقلّ بكثير» التي نطق بها العدوّ نصرةً «أكثر بكثير».

أفلا نشعر أحيانًا بأن الله «أقلّ بكثير» قدرةً على إنقاذنا ممّا وعد؟ أما يبدو لنا أن الاتّكال على الربّ وحده هو الملجأ الأخير اليائس؟ سمعت مرّة مؤمنًا في ضيق شديد يقول في يأس: «حسنًا، لم يبقَ لي الآن إلا أن أتّكل على الربّ». فأجابه صديقه مذهولًا: «أَوَقد بلغ بك الأمر إلى هذا الحدّ؟».

قد نفزع من هذا الجواب، لكننا، إن صدقنا مع أنفسنا، كثيرًا ما نشعر بمثل شعوره. غير أن عبارات «أكثر بكثير» التي للنعمة تكفي لكل ضيقة مهما اشتدّت. يقول لنا الرسول إن الله هو «ٱلْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ» (أفسس 3:20). وهذا هو معنى «أكثر بكثير»: نحن نقدر أن نفتكر ببركات عجيبة، لكن الله قادر أن يفعل أكثر جدًّا ممّا نفتكر.

وقد قيل لنا: «مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ ٱللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ» (1 كورنثوس 2:9). فإن كان قد أعدّ لنا ما يفوق كل ما نتصوّره، أفلا نأتمنه على ما نقدر أن نتصوّره، وعلى أكثر منه بكثير؟

فلنعقد العزم أن تكون لغتنا هي «أكثر بكثير» التي للإيمان: «لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ ٱلْكَثِيرُونَ، فَبِٱلْأَوْلَى كَثِيرًا نِعْمَةُ ٱللهِ، وَٱلْعَطِيَّةُ بِٱلنِّعْمَةِ ٱلَّتِي بِٱلْإِنْسَانِ ٱلْوَاحِدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، قَدِ ٱزْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ!» (رومية 5:15). هذه الكلمة تبلغ أعماق حاجة الإنسان.

نحن نعلم علم اليقين أن الموت حقيقة؛ فهل نحن على اليقين عينه بأن النعمة تزداد أكثر منه بكثير؟ أنؤمن أن الدواء أعظم من الداء؟

من أعمق حاجاتنا حاجتنا إلى الخلاص. فهل هنا «أكثر بكثير»؟ «وَلَكِنَّ ٱللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لِأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ ٱلْمَسِيحُ لِأَجْلِنَا. فَبِٱلْأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ ٱلْآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ ٱلْغَضَبِ! لِأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ ٱللهِ بِمَوْتِ ٱبْنِهِ، فَبِٱلْأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ!» (رومية 5:8-10).

بهذه العبارات، عبارات «أكثر بكثير»، تُحسَم مسألة الخلاص. فما دام المسيح قد صنع الأصعب — إذ مات لأجلنا ونحن أعداء — فلا شكّ أنه سيصنع الجزء «الأيسر»، أي أن يحفظنا ونحن الآن أحبّاؤه. وإذ صنع الأعظم، فبالأولى كثيرًا يصنع ما بقي.

والنقطة العمليّة لنا في هذا كلّه هي: أنؤمن بهذا حقًّا؟ أتخلّصنا من كل شكّ في جهة خلاصنا؟ أنقدر أن نتكلّم بيقين عن المغفرة وعن الحياة الأبديّة؟ أنقول بجبن عدم الإيمان: «أرجو أن أكون ابنًا لله»؛ أم نرفع رؤوسنا بثقة فرحة بالله أبًا لنا، فنقول مع يوحنا: «اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا ٱلْآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلَادَ ٱللهِ! ونحن كذلك»؟ أهي في هذا الأمر «أكثر بكثير» عندنا، أم «أقلّ بكثير»؟

نشتاق ونصلّي لأجل عطيّة الروح القدس، فيبدو أن ذلك كلّه باطل، ونشعر أن صلواتنا لا تُستجاب. لكن ربّنا يعطي الإيمان في هذا الأمر «أكثر بكثير» عجيبة يتمسّك بها: «فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلَادَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ ٱلْآبُ ٱلَّذِي مِنَ ٱلسَّمَاءِ، يُعْطِي ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ؟» ما منّا واحد يجهل كم يفرح الوالدان الصالحان ويتلهّفان أن يعطيا أولادهما عطايا جيّدة — بل كم يلحّان بها عليهم قبل أن يكون الولد مستعدًّا لقبولها، أو حتى قبل أن يعلم أن به حاجة. ومع ذلك، فمن منّا يؤمن حقًّا أن الله «أكثر بكثير» تلهّفًا أن يعطي الروح القدس للذين يسألونه؟ أليس بالحريّ أن كثيرين يشعرون في سرّهم أنه «أقلّ بكثير» استعدادًا، وأنه لا بدّ لنا أن نتوسّل ونترجّى ونجاهد وننتظر لننال هذه العطيّة التي نحن في أشدّ الحاجة إليها؟ فلو أمكننا أن نصدّق «أكثر بكثير» هذه، لكان طلبنا مملوءًا إيمانًا. وحينئذ نقدر حقًّا أن نؤمن أننا قد نلنا فعلًا ما طلبناه، ونجد أنفسنا حائزين بالفعل على الروح القدس معينًا ومرشدًا حاضرًا وشخصيًّا لنا؛ وتنتهي كل جهادتنا المُتعِبة وصلواتنا المضنية لأجل هذه العطيّة الموعود بها.

ولعلّ أوجع حاجاتنا جميعًا هي حاجتنا إلى النصرة على الخطيّة وعلى الظروف. فهي كمركبات لا يوقفها شيء، تدوسنا بقوّة لا تُقاوَم وتسحقنا في التراب. وتبدو لغة «أقلّ بكثير» هي اللغة الوحيدة التي تجرؤ نفوسنا أن تنطق بها. لكن الله أعطانا لأجل هذا «أكثر بكثير» ظافرة كل الظفر: «لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ ٱلْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ ٱلْمَوْتُ بِٱلْوَاحِدِ، فَبِٱلْأَوْلَى كَثِيرًا ٱلَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ ٱلنِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ ٱلْبِرِّ، سَيَمْلِكُونَ فِي ٱلْحَيَاةِ بِٱلْوَاحِدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ!»

لقد عرفنا مُلْك ذلك الموت الروحيّ الذي بالخطيّة، وأنّينا تحت سلطانه. لكن كم نعرف من ذلك المُلْك «أكثر بكثير» في الحياة بيسوع المسيح الذي يتكلّم عنه الرسول؟ أعني: هل صارت انتصاراتنا اليوم أعظم ممّا كانت هزائمنا بالأمس؟ أنملك نحن على الأشياء «أكثر بكثير» ممّا ملكت هي علينا فيما مضى؟

وأعني بهذا: أن الإنجيل يَعِد بأنه «يَعْظُمُ ٱنْتِصَارُنَا» على عين الأشياء التي قهرتنا يومًا، والسؤال هو: أهكذا نحن بالحقيقة؟ لقد ملكت علينا ألوف الأشياء: خوف الناس، وأمزجتنا الخاصّة، وظروفنا الخارجيّة، وحدّة طباعنا، حتى رداءة الطقس، وبيئتنا بكل أشكالها. صرنا عبيدًا حيث كان ينبغي أن نكون ملوكًا. ووجدنا مُلْكنا «أقلّ بكثير» لا «أكثر بكثير». فلماذا؟ لا لشيء إلا لأننا لم «ننل» ما يكفي من فيض النعمة الذي لنا في المسيح. تركنا عدم الإيمان يسلبنا ما هو لنا بالحقّ.

نحن مدعوّون لأن نكون ملوكًا، ومخلوقون لنسود، لكن الله يعلن هنا أن هذا السلطان سيكون «أكثر بكثير» ممّا كانت عليه عبوديّتنا قديمًا؛ فهل وجدناه كذلك؟ وإن لم يكن، فلماذا؟ إن النقص لا يمكن بحال أن يكون من جهة الله، فهو لم يقصّر في تدبير «أكثر بكثير» التي للنصرة. لا بدّ إذًا أننا نحن قصّرنا بطريقة ما عن الانتفاع بها. ولا يسعني إلا أن أومن أن إخفاقنا نابع من أننا أحللنا «أقلّ بكثير» التي لعدم إيماننا محلّ «أكثر بكثير» التي لله؛ ولم نصدّق في أعماق قلوبنا أن في عطيّة البرّ التي في المسيح كفايةً حقيقيّة تؤهّلنا أن نملك. لقد أخفقنا بعدم إيماننا في أن «نَنَالَ فَيْضَ ٱلنِّعْمَةِ» اللازم للمُلْك.

فما هو دواؤنا إذًا؟ هذا وحده: أن نهجر إلى الأبد «أقلّ بكثير» التي لعدم إيماننا، وأن نقبل كحقٍّ إعلانَ الله عن «أكثر بكثير»، وأن نطالب في الحال بالنصرة الموعود بها. وبحسب إيماننا لا بدّ أن يكون لنا، وسيكون.

لكن هذه التأكيدات، تأكيدات «أكثر بكثير» التي لخلاص الله، ليست لحاجاتنا الروحيّة وحدها، بل لحاجاتنا الزمنيّة أيضًا. لا تهتمّوا — هكذا يقول — بالأمور الأرضيّة، لأنه: «فَإِنْ كَانَ عُشْبُ ٱلْحَقْلِ ٱلَّذِي يُوجَدُ ٱلْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي ٱلتَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ ٱللهُ هَكَذَا، أَفَلَيْسَ بِٱلْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يا قَلِيلِي ٱلْإِيمَانِ؟»

أعلم أن هذا المقطع وما يشبهه قد صارت مألوفة لدى كثير من المؤمنين حتى كادت تفقد كل معنى. لكنها تعني شيئًا بالحقيقة، شيئًا يكاد يكون أعجب من أن يُصدَّق. إنها تقول لنا إن الله يهتمّ بنا نحن البشر «أكثر بكثير» ممّا يهتمّ بالكون من حولنا، وإنه سيحرسنا ويعولنا أكثر بكثير ممّا يفعل حتى بالكون نفسه.

أمرٌ لا يكاد يُصدَّق، وهو مع ذلك حقّ! كم مرّة وقفنا مدهوشين أمام نظام الكون البديع، ومُعجَبين بالقدرة الخالقة العظيمة التي صنعته وتضبطه الآن! لكن ما من أحد منّا، في ظنّي، شعر يومًا أن عليه أن يحمل ثقل الكون على كتفيه؛ بل وثقنا بالخالق أن يدبّر ذلك كلّه بغير معونتنا. وإن كان لا بدّ لي أن أعترف بأن بعض الناس، من كثرة ما ينتقدون تدبير الخالق للأمور، ومن كثرة النصائح التي يظنّون أنه لا بدّ لهم أن يسدوها إليه في صلواتهم، يخيَّل للمرء أن الثقل كلّه ملقًى عليهم هم!

لكن حتى حين أدركنا تمامًا أن الكون كلّه في عناية الله، عجزنا أن نرى أننا نحن أيضًا في تلك العناية، ولم يخطر لنا قطّ أن يكون حقًّا أنه يعتني بنا «أكثر بكثير» ممّا يعتني بالكون. نظرنا إلى المنظور من ظروفنا ومحيطنا، وإلى عِظَم حاجتنا وعجزنا، فاهتممنا وخفنا. حمّلنا أنفسنا عبء العناية بأنفسنا، ونحن نشعر في عدم إيماننا أننا، عوض أن نكون «أكثر بكثير» قيمةً من طيور السماء أو زنابق الحقل، إنما نحن في الحقيقة «أقلّ بكثير» إلى ما لا نهاية؛ ويخيَّل إلينا أن الله الذي يعتني بها ليس من المرجّح البتّة أن يعتني بنا. نقول مع صاحب المزامير: «إِذَا أَرَى سَمَاوَاتِكَ عَمَلَ أَصَابِعِكَ، ٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ ٱلَّتِي كَوَّنْتَهَا، فَمَنْ هُوَ ٱلْإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ؟ وَٱبْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟» يبدو الإنسان ضئيلًا تافهًا لا وزن له إذا قِيس بالكون العظيم الفسيح؛ فما هو، نسأل، حتى يعتني الله به؟ ومع ذلك يعلن الله أنه يعتني به، بل يعتني به أكثر بكثير ممّا يعتني بالكون. أكثر بكثير، فاذكر هذا، لا أقلّ بكثير. حتى إن كل فكر اهتمام بشأن أنفسنا يجب أن يُسحَق في الحال بهذا التأمّل البديهيّ: ما دمنا لسنا من الحماقة بحيث نهتمّ بشأن الكون، فيجب ألا نكون أشدّ حماقة بكثير فنهتمّ بشأن أنفسنا.

وفي الموعظة على الجبل يعطينا ربّنا تاج هذه العبارات جميعًا، «أكثر بكثير» الكبرى: «أَمْ أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِذَا سَأَلَهُ ٱبْنُهُ خُبْزًا، يُعْطِيهِ حَجَرًا؟ وَإِنْ سَأَلَهُ سَمَكَةً، يُعْطِيهِ حَيَّةً؟ فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلَادَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ أَبُوكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ!»

في «أكثر بكثير» هذه لنا ضمان لسدّ كل حاجة. فكل ما يراه أبونا صالحًا لنا موعود به هنا بسخاء. والمثَل المستخدَم لإقناعنا مثَل ينطبق على الجميع: ففي كل طبقات الحياة وأحوالها، وبين كل الأمم، بل حتى في قلوب الطير والوحوش، لا تُخفِق غريزة الأمومة قطّ في أن تدبّر لصغارها أفضل ما تستطيع.

ما من حال من أحوال الحياة تعطي فيها أمّ ابنها حجرًا إذا سألها خبزًا، أو حيّة إذا سألها سمكة، إلا أن تكون شرّيرة إلى حدٍّ لا يُقاس. أفيكون إلهنا، الذي خلق قلب الأمّ، أشرّ من أمّ؟ لا، لا، ألف مرّة لا! إن ما سيفعله هو «أكثر بكثير»، آهِ، أكثر بكثير جدًّا ممّا تقدر أن تفعله أحنّ الأمّهات. وإن كانت الأمّهات «تعرف أن تعطي» أولادها الخيرات — وهي بلا شكّ تعرف — «فكم بالحريّ» هو. لكن أنؤمن حقًّا بـ«أكثر بكثير» هذه؟ إن ساعات تقلّبنا المهموم على فُرُشنا هي التي تُجيب. فإن كان الله بالحقيقة أكثر استعدادًا وقدرة على أن يعطينا خيرات ممّا للوالدين أن يعطوا أولادهم خيرات، فلا بدّ أن يتلاشى إلى الأبد كل احتمال للشكّ أو الاهتمام في جهة استجابة صلواتنا. لا بدّ أن تُعطى لنا كل «الخيرات» حين نسأل، بحتميّة الأمّ القادرة حين تُطعِم ولدها إذ يسألها خبزًا. أبمثل تلك الحتميّة قلت؟ آه أيها الأحبّاء، بل بحتميّة أعظم من ذلك بكثير، لأن الكلمة هي: «فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ أَبُوكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ».

فمن منّا سبر معنى «فكم بالحريّ» هذه؟ لكنها لا بدّ أن تعني هذا على الأقلّ: أن كل استعداد بشريّ لسماع صرخة المحتاج والاستجابة لها ليس إلا صورة باهتة لاستعداد الله، وأننا من ثمّ لا نجرؤ أن نشكّ بعدُ أبدًا. وإن كان الوالدون لا يعطون حجرًا بدل خبز، فهو أولى ألا يفعل؛ حتى إننا حين نسأل، يجب أن نكون على يقين مطلق أننا ننال «الخير» الذي سألناه، سواء بدا لنا ما نناله كذلك أم لم يبدُ.

إن أمّ القدّيس أغسطينوس، في شوقها إلى ارتداد ابنها، صلّت ألا يذهب إلى رومية، لأنها خافت من تجاربها. فاستجاب الله لها بأن أرسله إلى رومية ليرتدّ هناك. فكثيرًا ما تكون الأمور التي ندعوها خيرًا هي شرّ في نظر الله، وما نحسبه شرًّا هو خيره. لكن مهما بدت الأمور، فإننا نعلم دائمًا أن الله لا بدّ أن يعطي الأفضل، لأنه الله، ولا يمكنه أن يفعل غير ذلك.

«اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ٱبْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لِأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لَا يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟» فما دام قد صنع الأمر الأعظم إذ وهبنا المسيح، فإنه، «أكثر بكثير»، سيصنع الأمر الأصغر إذ يهبنا معه كل شيء. ومع ذلك فإننا نسمع أولاد الله أنفسهم يشكون بلا انقطاع من فقرهم الروحيّ ومن حالة الجوع الروحيّ التي هم فيها. بل يبدو أحيانًا أنهم يحسبون هذا أمرًا تقويًّا وعلامة على التواضع الحقيقيّ. وما هذا في الحقيقة إلا افتخار بـ«أقلّ بكثير» التي لعدم إيمانهم، عوض الافتخار بـ«أكثر بكثير» التي لله.

«آه، إنني خليقة مسكينة» — هكذا سمعت مرّة أحد أولاد الله يقول، وفيه شيء من الرضا عن النفس، حين حُثّ على نصرة الإيمان — «إنني خليقة مسكينة إلى حدٍّ لا أستطيع معه أن أطمع في بلوغ تلك المرتفعات التي تبلغونها أنتم أيها المؤمنون العظماء». «خليقة مسكينة» بالحقيقة؛ نعم أنت كذلك، ونحن جميعًا كذلك!

لكن الله ليس مسكينًا، وعليه هو أن يسدّ حاجاتك، لا عليك أنت أن تسدّ حاجاته. وهو قادر، مهما قال عدم الإيمان، أن «يَزِيدَكُمْ كُلَّ نِعْمَةٍ، لِكَيْ تَكُونُوا وَلَكُمْ كُلُّ ٱكْتِفَاءٍ كُلَّ حِينٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، تَزْدَادُونَ فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ». «كل»، «كل حين»، «كل شيء» — يا لها من كلمات جامعة! إنها تشمل حاجاتنا إلى أقصى حدودها، ولا تدع مجالًا لأيّ سؤال. فكيف لنا، بل كيف نجرؤ، أمام إعلانات كهذه، أن نعود إلى الشكّ أو التساؤل؟

لم نلمس إلا لمسًا عجائب النعمة المخبوءة في عبارات «أكثر بكثير» هذه التي لله، ولن نستنفد معناها في هذه الحياة أبدًا. لكن فلنعزم على الأقلّ، من الآن فصاعدًا، أن نطرح عنّا كل «أقلّ بكثير» لعدم الإيمان في كل ما يخصّ الخلاص. ومن أعماق ضعفنا الكامل وخطيّتنا وحاجتنا، فلنؤكّد بإيمان غالب، في كل حين وفي كل مكان، «أكثر بكثير» الجبّارة التي لنعمة الله!

المحتويات

إله كل تعزية Hannah Whitall Smith

صفحة 1 / 1 · 12 دقيقة متبقية في الفصل