فصل 3 · قراءة 11 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
إله كل تعزية
«مُبَارَكٌ ٱللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، أَبُو ٱلرَّأْفَةِ وَإِلَهُ كُلِّ تَعْزِيَةٍ، ٱلَّذِي يُعَزِّينَا فِي كُلِّ ضِيقَتِنَا، حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نُعَزِّيَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي كُلِّ ضِيقَةٍ بِٱلتَّعْزِيَةِ ٱلَّتِي نَتَعَزَّى نَحْنُ بِهَا مِنَ ٱللهِ.» (كورنثوس الثانية 1:3-4) ومن بين كل الأسماء التي يُعلن بها الله عن ذاته، يبدو لي هذا الاسم — «إله كل تعزية» — من أجملها وأعمقها طمأنينةً. فعبارة كل تعزية لا تحتمل حدًّا ولا استثناءً؛ وقد يتوقّع المرء أن أتباع إله كهذا، مهما كثرت الصعاب الخارجية التي تلاقيهم، تظلّ حياتهم الروحية الداخلية مملوءة تعزيةً على الدوام.
لكنّ الواقع كثيرًا ما يبدو على النقيض تمامًا؛ فحياة كثيرين من شعب الله الروحية مملوءة لا تعزيةً بل قلقًا عميقًا. وهذا القلق ينبع من الاضطراب بشأن علاقتهم بالله، ومن الشكّ في محبته. فيُتعبون أنفسهم بفكرة أنهم أحقر من أن يستحقّوا عنايته، ويظنّون به أنه غير مبالٍ بجهادهم، أو أنه يتخلّى عنهم في وقت الحاجة.
هم قلقون مضطربون من جهة كل شيء في حياتهم الروحية: مواقفهم ومشاعرهم، وفتور رغبتهم في الكتاب المقدس، وضعف حرارتهم في الصلاة، وبرودة قلوبهم.
يُثقلهم الأسف على الماضي، ويملأهم الخوف من المستقبل. يشعرون أنهم غير مستحقّين أن يدخلوا إلى حضرة الله، ولا يستطيعون أن يصدّقوا أنهم له حقًّا. يستطيعون أن يفرحوا ويرتاحوا مع أصدقائهم الأرضيين، أما مع الله فلا يجدون راحة.
ومع أنه يُعلن عن نفسه أنه إله كل تعزية، يظلّون يقولون إنهم لا يجدون تعزية في أي مكان؛ وملامحهم الحزينة وأصواتهم المنكسرة تشهد أنهم صادقون فيما يقولون، وأنهم ينطقون بالحقّ.
هؤلاء المسيحيون، مع أنهم يجاهرون بأنهم يتبعون إله كل تعزية، ينشرون الكآبة والقلق أينما حلّوا. ويستحيل عليهم أن يقنعوا أحدًا بأن هذا الاسم الجميل — الذي أعلن الله به عن ذاته — هو أكثر من عبارة دينية بلا معنى حقيقي. وأخشى كثيرًا أن تكون حياة هذا العدد الكبير من المسيحيين، وهي حياة يظهر عليها انعدام التعزية، مسؤولةً عن جانب كبير من عدم الإيمان في العالم.
يقول لنا الرسول إننا ينبغي أن نكون «رِسَالَةً… مَعْرُوفَةً وَمَقْرُوءَةً مِنْ جَمِيعِ ٱلنَّاسِ». وما يقرأه الناس فينا أهمّ بكثير لانتشار ملكوت المسيح مما ندركه في الغالب. فليس ما نقوله هو الأهمّ، بل ما نحن عليه. من السهل أن ننطق بكلام جميل كثير عن كون الله إله كل تعزية؛ ولكن ما لم نعرف نحن أنفسنا معنى أن نتعزّى حقًّا، فكلامنا فارغ. لا بدّ أن يرى الناس في حياتنا ما يسمعونه في أقوالنا، وإلّا كان كلامنا كلّه ضررًا أكثر منه نفعًا. ومن الحكمة أن نسأل: ماذا يقرأ الآخرون فينا؟ أهي التعزية أم انعدامها ما يظهر في حياتنا اليومية؟
ولعلّ سائلًا يسأل هنا: ما الذي أعنيه بالتعزية التي يهبها الله؟ أهي نوع من الشعور الديني قد يُعِدّنا للسماء، لكنه أضعف من أن يحتمل وقائع الحياة اليومية بكل تجاربها وآلامها؟ أم هي تعزية حقيقية صادقة — من النوع الذي نفهمه — تمنح السلام حتى في وسط مصاعب الحياة؟ إني أؤمن بكل قلبي أنها الثانية.
التعزية، بشرية كانت أم إلهية، هي التعزية عينها — لا شيء أقلّ من ذلك. نحن لا نبالي بالعبارات الفارغة؛ بل نريد شيئًا حقيقيًّا. وحقيقةُ أن يتعزّى الإنسان تبدو لي من أثمن ما نختبره في الحياة. وكلّنا نعرف ما هي. فحين كنّا أطفالًا نركض إلى أمّنا بعد أذًى أو فزع، فنشعر بذراعيها حولنا وبرفق عنايتها، عرفنا التعزية. وحين نستريح بعد يوم طويل ونشعر بالطمأنينة، عرفنا التعزية. وحين يبدأ المرض بالانحسار وترجع القوة، عرفنا التعزية. وحين يقترب من نحبّه من الموت ثم يُردّ إلى العافية، عرفنا التعزية.
وكم مرة في حياتنا قلنا مرتاحين: «ما أطيب هذا!» وفي هذه الكلمة معنى من الراحة والفرج والفرح الهادئ يصعب التعبير عنه بغير ذلك. فنحن إذًا نفهم ماذا يعني أن يُدعى الله «إله كل تعزية».
ومع ذلك، وللأسف، أخفقنا في تصديقه. فقد بدا لنا أحسن من أن يكون حقيقيًّا، وفرحُه أعظم مما تحتمله قلوبنا المرتابة. قد نرجو أحيانًا لحظات صغيرة من التعزية، لكننا ننكمش عن الإيمان بملء «كل تعزية» التي هي لنا في خلاص الرب يسوع المسيح.
فماذا عسى الله أن يقول أكثر من هذا: «كَإِنْسَانٍ تُعَزِّيهِ أُمُّهُ هَكَذَا أُعَزِّيكُمْ أَنَا، وَفِي أُورُشَلِيمَ تُعَزَّوْنَ.»؟ (إشعياء 66:13) لاحِظ التشبيه: كـ… هكذا. فالمقصود هنا تعزية حقيقية — من النوع الذي يشعر به الطفل حين تحمله أمّه وتعتني به. ولكن كم منّا صدّق حقًّا أن تعزية الله حقيقية حانية كتعزية الأمّ، أو قريبة من ذلك؟ فبدل أن نرى أنفسنا محمولين قريبًا من قلبه، كثيرًا ما تصوّرناه قاضيًا صارمًا بعيدًا، يطالب بالاحترام ويترقّب زلّاتنا. فهل عجيب أن يجعلنا ديننا قلقين بدل أن يعزّينا؟ ومن ذا الذي يستريح أمام قاضٍ كهذا؟
لكني أُسَرّ أن أقول إن قاضيًا كهذا لا وجود له. فالإله الموجود حقًّا هو كأمّ محبّة. وهو يقول بوضوح: «كَإِنْسَانٍ تُعَزِّيهِ أُمُّهُ هَكَذَا أُعَزِّيكُمْ أَنَا».
ويكرّر هذا مرة بعد مرة. يقول لشعبه: «أَنَا أَنَا هُوَ مُعَزِّيكُمْ». ثم يسأل: لماذا لا تزالون خائفين؟ لماذا يُرهبكم شيء وصانعُكم نفسه مستعدّ وراغب أن يعزّيكم؟ لماذا تخافون من قوّة البشر وتنسون الذي خلق كل شيء؟
الإله الحقيقي هو إله ربنا يسوع المسيح وأبوه — الإله الذي أحبّ العالم حتى أرسل ابنه، لا ليدينه بل ليخلّصه. هو الإله الذي أرسل المسيح «لِأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي ٱلْقَلْبِ… لِأُعَزِّيَ كُلَّ ٱلنَّائِحِينَ.». (إشعياء 61:1-3) لاحِظ كلمة كلّ. ليس قليلين فقط، بل كل واحد بلا استثناء. كل قلب حزين، وكل نفس مجاهدة، داخلٌ في هذا. ولو تُرِك واحد خارجًا لما كانت «كلّ». وكثيرًا ما شكرت الله أن الضعفاء والمضطربين مذكورون على وجه الخصوص في الكتاب المقدس. فقد قيل لنا ألّا ننتقد أمثال هؤلاء، بل أن نعزّيهم. فالذين هم أحوج ما يكونون إلى التعزية هم عينهم الذين يشتاق الله أشدّ الاشتياق أن يعزّيهم — لا الأقوياء بل الضعفاء.
هذا هو مجد ديانة المحبة. فقد أُرسل المسيح ليعزّي كل النائحين. إله كل تعزية أرسل ابنه ليحمل التعزية إلى عالم مملوء حزنًا. وقد أتمّ المسيح هذه الرسالة طوال حياته.
ولمّا أراد تلاميذه أن يستنزل الدينونة على الذين رفضوه، انتهرهم وقال إنه لم يأتِ ليُهلك أنفس الناس بل ليخلّصها. كان يقبل الخطاة. وأظهر الرحمة حيث أظهر غيرُه الإدانة. وللمرأة التي أُمسكت في الخطية قال: «وَلَا أَنَا أَدِينُكِ. ٱذْهَبِي وَلَا تُخْطِئِي أَيْضًا». (يوحنا 8:11) وفي كل موضع وقف إلى جانب المحتاجين. تلك كانت غايته — أن يخلّص الخطاة.
كانت فتاتان صغيرتان تتحدّثان مرة عن الله، فقالت إحداهما: «لا أظنّ أن الله يحبّني. فأنا صغيرة جدًّا ولا أهمية لي».
فأجابتها الأخرى: «بل هؤلاء بالذات هم الذين يهتمّ الله بهم — أمثالنا ممن لا يقدرون أن يدبّروا أنفسهم».
«أهذا صحيح؟» قالت الأولى، «إذًا لم أعد بحاجة إلى القلق».
فإن كان أحد ممن يقرأ هذا يشعر بالخوف أو الاضطراب، فدعني أقول بوضوح: لهذا بالذات جاء الرب يسوع المسيح — ليعتني بكل النائحين ويعزّيهم. كلّ — كل واحد بلا استثناء، وأنت منهم. وما كانت لتكون «كلّ» لو تُرِكتَ خارجًا. وحتى إن شعرتَ أنك متّضع تمامًا، فهو الموصوف بأنه «ٱللهُ ٱلَّذِي يُعَزِّي ٱلْمُتَّضِعِينَ».
ما أجملها رسالة — أن تحمل التعزية إلى عالم مملوء حزنًا! وكم أشتاق أن يختبر كل قلب مضطرب هذه التعزية من الله.
ومعزّينا ليس بعيدًا. بل هو قريب، ماكث معنا. فلمّا قارب المسيح أن يترك هذا العالم، قال لتلاميذه إنه لن يتركهم وحدهم، بل يرسل «مُعَزِّيًا آخَرَ» ليمكث معهم إلى الأبد. وهذا المعزّي يعلّمهم ويذكّرهم بكل حقّ.
ثم أضاف: «سَلَامًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلَامِي أُعْطِيكُمْ… لَا تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلَا تَرْهَبْ». (يوحنا 14:27) فكيف نبقى خائفين في نور كلام كهذا؟
«معزٍّ» — يا لها من كلمة عجيبة، لو أنّنا فهمناها حقًّا! فلنتأمّلها حتى تصير حقيقة لنا. وليس معزّيًا يأتي ويمضي فحسب، بل معزّيًا يمكث — حاضرًا دائمًا، مستعدًّا دائمًا أن يعطي فرحًا عوض الحزن.
معزٍّ ماكث — يا لها من حقيقة عجيبة! فحتى مكوث صديق بشريّ معنا في الضيق عون عظيم. أما هنا فمعزٍّ إلهيّ معنا في كل حين، وقدرته على التعزية لا تخيب أبدًا. فما ينبغي أن تمرّ بنا لحظة واحدة بلا تعزية.
ومع ذلك لا يدرك كثيرون هذا. ولو أدركوه لما كان بيننا هذا العدد الكبير من المسيحيين المضطربين.
ولعلّك تسأل: أوَ يوبّخنا هذا المعزّي أيضًا؟ وهل يمكن أن يكون في ذلك تعزية حقًّا؟
الحقّ أن هذه إحدى الطرق التي يعزّينا بها. فماذا كنّا نكون لولا مَن يُرينا عيوبنا ويعيننا على التغيير؟
لو كنتُ أمشي وفي هيئتي خللٌ لا أعلم به، لكان من اللطف أن ينبّهني صديق إليه. وهكذا أيضًا من التعزية أن نعلم أن الروح القدس يُرينا برفق عيوبنا، لئلّا نُترك جاهلين بها.
بل في التوبيخ نفسه تعزية، لأنه يقود إلى الشفاء. فالله «يُعَزِّي كُلَّ خِرَبِنَا» إذ يُرينا ما يحتاج إلى الترميم ثم يرمّمه.
قد تشعر أنك غير مستحقّ لتعزية كهذه. ولعلّ ذلك صحيح — ولكن لهذا بالذات أنت محتاج إليها.
فالمسيح جاء ليخلّص الخطاة، لا الذين يحسبون أنفسهم مستحقّين. فحاجتك هي أهليّتك.
والطريق إلى نوال تعزية الله كثيرًا ما يمرّ بإدراكنا لحاجتنا إليها. ولهذا يسمح الله أحيانًا بالحزن. ففي المواضع الصعبة نقدر أن نسمع صوته أوضح. وكثيرًا ما نسمع كلمات تعزيته في البرّية.
والله يعلم أن نوالنا تعزيته، ولو من خلال التجارب، خير لنا من ألّا نختبرها البتّة. فما يعطيه أعظم بكثير مما نفقده. الأمور الأرضية تزول، أما ما يعطيه هو فأبديّ.
وكما رأى بولس، نستطيع نحن أيضًا أن نرى أن كل شيء خسارة من أجل فضل معرفة المسيح.
ومن العجيب أننا حين تكون الحياة سهلة نؤمن أن الله إله كل تعزية — أما حين نحتاج إلى التعزية حقًّا فنكاد لا نصدّق أن لها وجودًا. وكأننا نغيّر في قلوبنا معنى الكتاب. فبدل أن نؤمن: «طُوبَى لِلْحَزَانَى، لِأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ»، نبدأ نظنّ أن الفرحين وحدهم هم الذين ينالون التعزية.
بل قد نلوي كلمات مثل «ٱللهُ ٱلَّذِي يُعَزِّي ٱلْمُتَّضِعِينَ» فنجعلها شيئًا آخر تمامًا، كأنه ينسى المجاهدين أو يتغاضى عنهم. وبهذا نفقد عين التعزية المعروضة علينا.
لكنّ الله يقول إنه يعزّينا من كل جانب. فلا شيء يُترك خارجًا. ومع ذلك، في أوقات الضيق، كثيرًا ما نصدّق أنه لا تعزية في المكان الذي نحتاج إليها فيه أشدّ الحاجة. وليس ذلك لأن الله أخفق، بل لأننا نحن شككنا.
والأمر شبيه بإسرائيل قديمًا. فقد أعلن الله تعزيته، ومع ذلك قالوا: «سَيِّدِي نَسِيَنِي».
وجاء جوابه مملوءًا حنانًا: هل تنسى الأمّ طفلها؟ وحتى لو نسيت، فالله لا ينسى. فنحن أمامه على الدوام.
فتعزَّ إذًا.
ولعلّك تسأل بعدُ: كيف أنال هذه التعزية؟ الجواب بسيط: عليك أن تقبلها. فالله يبذل تعزيته على الدوام — ولكن ما لم تقبلها، لا تستطيع أن تختبرها.
والتعزية الإلهية لا تأتينا بطريقة غامضة أو اعتباطية، بل تأتي بطريق واضح بسيط. فالمعزّي الساكن فينا يذكّرنا بحقائق معزّية عن ربّنا، فإن آمنّا بها تعزّينا.
قد تخطر ببالنا آية من الكتاب، أو سطر من ترنيمة، أو تذكير هادئ بمحبة المسيح وعنايته الحانية. فإن قبلنا ذلك بإيمان بسيط تبعته التعزية طبعًا. أما إن أبينا أن نصغي إلى صوت المعزّي، وأصغينا عوضًا عن ذلك إلى الفتور أو اليأس، فلا تعزية تبلغ نفوسنا.
حتى الأمّ قد تسكب كل محبتها باطلًا على طفل يأبى أن يتعزّى. فيجلس عنيدًا لا يتحرّك، رافضًا كل كلمة. وهكذا أيضًا كلمات التعزية لا تعزّينا إلّا إن صدّقناها.
لقد نطق الله بكلمات تعزية تكفي لتهدئة عالم بأسره، ومع ذلك يبقى كثيرون من المسيحيين قلقين مثقلين مضطربين. لماذا؟ لأنهم لا يسمحون لتلك الكلمات أن تدخل قلوبهم. بل يظنّ بعضهم أن الشعور بالتعزية خطأ — إذ يحسبون أنفسهم غير مستحقّين. وحين تبدأ التعزية تنبع فيهم يدفعونها عنهم رافضين إياها، كما يقول الكتاب: «تَأْبَى أَنْ تَتَعَزَّى». (إرميا 31:15) وقد قيل لنا إن كل ما كُتب في الكتاب إنما كُتب لكي يكون لنا رجاء بالصبر والتعزية التي يمنحها. لكن هذه التعزية لا تأتي إلّا بالإيمان.
فما من كلمة يقولها الله تستطيع أن تمنح السلام لقلب يشكّ في صدقها.
إن أكّد لنا ربّان السفينة أن السفينة آمنة، وجب أن نصدّقه قبل أن نستريح. وإن قال لنا مُحصّل القطار إننا في القطار الصحيح، وجب أن نثق بكلمته قبل أن نجلس مطمئنين. هذا بديهيّ في حياتنا اليومية — ومع ذلك كثيرًا ما نتجاهله في الأمور الروحية.
بل إن بعضهم يحاول أن يشعر بالتعزية قبل أن يؤمن بمواعيد الله. وهذا قلبٌ للترتيب تمامًا. فكما لا يستطيع المسافر أن يشعر بالأمان قبل أن يثق بالدليل، هكذا لا نستطيع أن نشعر بالتعزية قبل أن نؤمن بالله.
وترتيب الله بسيط: آمِن أوّلًا، ثم اشعر.
أما نحن فكثيرًا ما نعكسه: اشعر أوّلًا، ثم آمِن.
وهذا العكس هو أصل كثير من جهادنا.
تأمّل هذا: حين يغمرنا القلق، يقول لنا الله ألّا نهتمّ، بل أن نلقي همّنا عليه لأنه هو يعتني بنا. ويوجّه أنظارنا إلى طيور السماء وزنابق الحقل، مؤكّدًا لنا أننا أفضل منها كثيرًا.
فأيّ تعزية أعظم من هذه — أن يتولّى خالق السماء والأرض أمر العناية بنا؟
ومع ذلك لا يتعزّى كثيرون. لماذا؟ لأنهم لا يصدّقونه. يُعجَبون بالكلمات، ويتمنّون لو كانت صادقة، لكنهم يتردّدون في قبولها لأنفسهم. ينتظرون شعورًا يؤكّد لهم الحقّ، بدل أن يثقوا بالحقّ نفسه.
نحن نقول: «ليتني أستطيع أن أشعر أنه حقّ».
والله يقول: «ليتك تؤمن أنه حقّ».
وأصل انعدام التعزية فينا هو ببساطة عدم الإيمان.
والدواء واضح. فإن اشتهينا التعزية، وجب أن نختار أن نصدّق كل كلمة تعزية نطق بها الله. وأن نرفض أن نصغي إلى أصوات الشكّ — سواء أتت من ظروفنا أم من أفكارنا نحن.
وهذا يقتضي عزمًا. فعلينا أن نجعل قلوبنا كالصوّان في تصميمها على الإيمان، ولو بدا كل ما حولنا مناقضًا. فالتعزّي ليس أمرًا سلبيًّا؛ بل فيه إرادة. علينا أن نختاره.
وحين تضطرب بنا الحياة، ينبغي أن نقول: «الله قال هذا. إذًا هو حقّ. وسأصدّقه مهما بدا الأمر».
وإذ نكون قد اخترنا أن نؤمن، علينا أن نأبى الرجوع إلى الشكّ.
ومن يحيا هكذا يدخل، عاجلًا أو آجلًا، إلى تعزية عميقة دائمة.
قال المرنّم: «عِنْدَ كَثْرَةِ هُمُومِي فِي دَاخِلِي، تَعْزِيَاتُكَ تُلَذِّذُ نَفْسِي».
ومع ذلك كثيرًا ما تمتلئ أذهاننا بمتاعبنا أكثر مما تمتلئ بتعزيات الله. فإن أردنا أن نتعزّى، وجب أن نتأمّل مواعيده عن قصد.
وقد يفيدنا أن نفحص أفكارنا: كم مرة نفكّر في تعزية الله قياسًا إلى تفكيرنا في همومنا؟
لعلّ الجواب يفاجئنا.
وأخيرًا، كلمة إلى الذين يكرزون بالإنجيل.
ما هي رسالتكم؟
هي هذه: «عَزُّوا شَعْبِي».
لا أن توبّخوهم، ولا أن تُثقلوهم — بل أن تعزّوهم.
فالإنجيل الحقيقي بشارة — بشارة صافية غير ممزوجة. ومع ذلك كثيرًا ما يُخلط بشروط وتحذيرات وإضافات بشرية تجرّده من تعزيته.
المسيح يعزّي.
والإنسان كثيرًا ما يعقّد.
والإنجيل الحقيقي كبشارة الملاك للرعاة: «لَا تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ ٱلشَّعْبِ». (لوقا 2:10) هذه هي الكلمات التي تحمل التعزية الحقيقية.
لو أنّ كل كارز نادى بمثل هذه الكلمات بوضوح، وكل سامع صدّقها، لما بقي بيننا مسيحيون قلقون مضطربون. بل لتشدّدت القلوب في كل مكان وامتلأت سلامًا.
ولتمّت هذه الصلاة: ربنا نفسه يسوع المسيح، والله أبونا الذي أحبّنا وأعطانا عزاءً أبديًّا ورجاءً صالحًا بالنعمة، يعزّي قلوبكم ويثبّتكم في كل كلام وعمل صالح.