فصل 16 · قراءة 20 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
مشابهين صورة المسيح
«لِأَنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ٱبْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ» (رومية 8:29).
كان قصد الله الأسمى من خلقنا أن نصير في النهاية «مُشَابِهِينَ صُورَةَ ٱلْمَسِيحِ». فقد كان للمسيح أن يكون بكرًا بين إخوة كثيرين، وكان لإخوته أن يصيروا مثله. وكلُّ ما في حياتنا من تأديب وتدريب إنما يرمي إلى هذه الغاية؛ وقد غرس الله في كل قلب بشري شوقًا — مهما كان غامضًا لا يجد لنفسه تعبيرًا — إلى أفضل ما يعرفه وأسماه.
المسيح هو النموذج الذي يُراد لكل واحد منا أن يكون عليه متى اكتمل. فنحن ممن «سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ» ليكونوا مشابهين صورته، ليكون هو بكرًا بين إخوة كثيرين. ونحن أن نصير «شُرَكَاءَ ٱلطَّبِيعَةِ ٱلْإِلَهِيَّةِ» (2 بطرس 1:4) مع المسيح؛ وأن نمتلئ بروح المسيح؛ وأن نشارك في حياة قيامته، وأن نسلك كما سلك هو. علينا أن نكون واحدًا معه، كما هو واحد مع الآب؛ والمجد الذي أعطاه الله له سيعطيه هو لنا. ومتى تمّ هذا كله، حينئذٍ — لا قبل ذلك — يكون قصد الله من خلقنا قد كمل تمامًا، ووقفنا كما قال في البدء: «عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا».
إن شبهنا بصورته أمرٌ مقضيٌّ به في فكر الله، غير أننا لا نزال — إن صحّ التعبير — في المصنع، والصانع الأعظم منكبٌّ على العمل فينا. «أَيُّهَا ٱلْأَحِبَّاءُ، ٱلْآنَ نَحْنُ أَوْلَادُ ٱللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لِأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ» (1 يوحنا 3:2).
وهكذا هو مكتوب: «هَكَذَا مَكْتُوبٌ أَيْضًا: ‹صَارَ آدَمُ، ٱلْإِنْسَانُ ٱلْأَوَّلُ، نَفْسًا حَيَّةً›، وَآدَمُ ٱلْأَخِيرُ رُوحًا مُحْيِيًا. لَكِنْ لَيْسَ ٱلرُّوحَانِيُّ أَوَّلًا بَلِ ٱلْحَيَوَانِيُّ، وَبَعْدَ ذَلِكَ ٱلرُّوحَانِيُّ. ٱلْإِنْسَانُ ٱلْأَوَّلُ مِنَ ٱلْأَرْضِ تُرَابِيٌّ. ٱلْإِنْسَانُ ٱلثَّانِي ٱلرَّبُّ مِنَ ٱلسَّمَاءِ. كَمَا هُوَ ٱلتُّرَابِيُّ هَكَذَا ٱلتُّرَابِيُّونَ أَيْضًا، وَكَمَا هُوَ ٱلسَّمَاوِيُّ هَكَذَا ٱلسَّمَاوِيُّونَ أَيْضًا. وَكَمَا لَبِسْنَا صُورَةَ ٱلتُّرَابِيِّ، سَنَلْبَسُ أَيْضًا صُورَةَ ٱلسَّمَاوِيِّ» (1 كورنثوس 15:45-49).
ومن أعمق ما يستوقف النظر أن هذه العملية، التي ابتدأت في سفر التكوين، يُعلَن إتمامها في سفر الرؤيا، حيث أعطى الشبيهُ بابن الإنسان يوحنا الرسولَ هذه الرسالة ذات الدلالة إلى الغالبين: «مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلَهِي، وَلَا يَعُودُ يَخْرُجُ إِلَى خَارِجٍ، وَأَكْتُبُ عَلَيْهِ ٱسْمَ إِلَهِي، وَٱسْمَ مَدِينَةِ إِلَهِي، أُورُشَلِيمَ ٱلْجَدِيدَةِ ٱلنَّازِلَةِ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ إِلَهِي، وَٱسْمِي ٱلْجَدِيدَ» (رؤيا 3:12). ولمّا كان الاسم في الكتاب المقدس يعني الصفة دائمًا، فلا يمكن أن تعني هذه الرسالة إلا أن قصد الله قد تمّ أخيرًا، وأن نموّ الإنسان الروحي قد اكتمل، وأنه صار — كما قصد الله من البدء — على شبهه وصورته حقًّا، حتى استحق أن يُكتب عليه اسم الله!
تعجز الكلمات أمام مصير مجيد كهذا! لكن ربنا يلمّح إليه في صلاته العجيبة، إذ يطلب لإخوته «لِيَكُونَ ٱلْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا ٱلْآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ ٱلْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي.
وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ ٱلْمَجْدَ ٱلَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ» (يوحنا 17:21-23). أيمكن أن تكون الوحدة أوثق من هذا أو أتمّ؟
وبولس أيضًا يلمّح إلى هذا الكمال المجيد حين يعلن أننا إن تألمنا مع المسيح فسنتمجد أيضًا معه؛ وحين يؤكد أن «آلَامَ ٱلزَّمَانِ ٱلْحَاضِرِ لَا تُقَاسُ بِٱلْمَجْدِ ٱلْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا» (رومية 8:18).
والخليقة كلها تنتظر استعلان هذا المجد؛ فإن بولس يمضي قائلًا إن «ٱنْتِظَارَ ٱلْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ ٱسْتِعْلَانَ أَبْنَاءِ ٱللهِ» (رومية 8:19). ثم يضيف أخيرًا: «وَلَيْسَ هَكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ ٱلَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ ٱلرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ ٱلتَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا» (رومية 8:23).
وأمام مصير مجيد كهذا، لا أجرؤ على أكثر من الإيماء إليه، أفلا نرحّب بفرح بالطرق التي بها نبلغه، مهما كانت موجعة؟ أولا نجتهد بشوق وجدّ أن نكون «عَامِلُونَ مَعَهُ» (2 كورنثوس 6:1) في المعونة على إتمامه؟ فهو البنّاء الأعظم، لكنه يريد شركتنا في تشييد بنيان أخلاقنا، وهو يحضّنا أن ننتبه كيف نبني. فنحن جميعًا منهمكون في هذا البناء في كل لحظة من حياتنا. فتارةً نبني بالذهب والفضة والحجارة الكريمة، وتارةً نبني بالخشب والعشب والقشّ. وقد أُنذرنا إنذارًا مهيبًا أن «فَعَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ سَيَصِيرُ ظَاهِرًا لِأَنَّ ٱلْيَوْمَ سَيُبَيِّنُهُ. لِأَنَّهُ بِنَارٍ يُسْتَعْلَنُ، وَسَتَمْتَحِنُ ٱلنَّارُ عَمَلَ كُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ» (1 كورنثوس 3:13). ولا مهرب من هذا. فلا يسعنا، متى جاء ذلك اليوم، أن نرجو إخفاء خشبنا وعشبنا وقشّنا، مهما نجحنا في إخفائه قبلًا.
وليس في الكتاب كله — في نظري — موضعٌ أشدّ مهابةً من ذاك الذي في غلاطية والقائل: «لَا تَضِلُّوا! ٱللهُ لَا يُشْمَخُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ ٱلَّذِي يَزْرَعُهُ ٱلْإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا. لِأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ ٱلْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَادًا، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ ٱلرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً» (غلاطية 6:7-8). إن اليقين المطلق في هذا هو ما يبعث الرهبة. وهو أخطر من أي عقاب اعتباطي؛ لأن العقاب يمكن تجنّبه أحيانًا، أما ناموس طبيعي كهذا فلا سبيل إلى تغيير مفعوله.
وفي كتاب تعليم مسيحي وقع نظري عليه أخيرًا وردت الأسئلة والأجوبة التالية: س: ما هو أجر الكرم؟
ج: مزيدٌ من الكرم.
س: وما هو عقاب الدناءة؟
ج: مزيدٌ من الدناءة.
ما نطق كتاب تعليم قطّ بأصدق من هذا. وكلنا نعرف ذلك من أنفسنا. وفي مَثَل الوزنات يوضّح ربنا هذا الناموس الذي لا مفرّ منه. وربما بدت لنا إدانة العبد غير الأمين ظالمةً أحيانًا، لكنها لم تكن سوى حصاد ما زرعه ذلك العبد. «فَخُذُوا مِنْهُ ٱلْوَزْنَةَ وَأَعْطُوهَا لِلَّذِي لَهُ ٱلْعَشْرُ وَزَنَاتٍ. لِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى فَيَزْدَادُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَٱلَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ» (متى 25:28-29). وليس هذا قولًا اعتباطيًّا، بل هو إعلانٌ لطبيعة الأشياء الكامنة فيها، التي لا يستطيع أحدٌ منا الإفلات منها.
لكن لكي نكون عاملين مع الله، لا يكفي أن نبني بمواده، بل علينا أن نبني بطرائقه أيضًا؛ وكثيرًا ما نجهل هذه الطرائق. ففكرتنا عن البناء أنه عملٌ شاقٌّ مُضنٍ يُنجَز بعرق الجبين؛ أما فكرة الله فمختلفة جدًّا. وبولس يخبرنا ما هي: «وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ ٱلرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ ٱلصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ ٱلرَّبِّ ٱلرُّوحِ» (2 كورنثوس 3:18). فعملنا نحن أن «ننظر»، وفيما ننظر يُجري الرب التغيير العجيب، فَـ«نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ ٱلصُّورَةِ عَيْنِهَا كَمَا مِنَ ٱلرَّبِّ ٱلرُّوحِ». وهذا يعني، بالطبع، النظر لا بمعناه الأرضي، أي مجرد إلقاء النظر على شيء، بل بالمعنى الإلهي، أي رؤيته حقًّا. علينا أن ننظر مجد الرب بعيوننا الروحية، وأن نداوم على النظر إليه. غير أن مجد الرب لا يعني لمعانًا عظيمًا ولا هالةً من نور. فمجد الرب الحقيقي هو مجد ما هو عليه وما يصنعه — مجد شخصه وصفاته. وهذا هو ما ينبغي أن ننظر إليه.
ودعني أضرب مثلًا. يسيء إليّ أحدهم، فأُجرَّب أن أغضب وأردّ الإساءة.
لكني أنظر إلى المسيح، وأتأمل ما كان هو ليفعله، وأطيل الفكر في وداعته وحلمه، وفي محبته للشخص الذي أساء إليّ. وفيما أنظر يبدأ فيّ الشوق إلى أن أكون مثله، وأطلب بإيمان أن أُجعَل من «شُرَكَاءَ ٱلطَّبِيعَةِ ٱلْإِلَهِيَّةِ» (2 بطرس 1:4)، فيموت الغضب والانتقام في قلبي. فأُحبّ عدوي وأشتاق إلى خدمته.
وبهذا النوع من النظر إلى المسيح نتغيّر إلى صورته؛ وكلما لصقنا به أكثر كان التغيير أسرع.
وقد سمعتُ عن مرآة عجيبة يعرفها العلم تُسمّى المرآة المكافئة. وهي مخروط مجوّف مبطَّن بمرآة تغطي سطحه الداخلي كله. ولها قدرة على تجميع أشعة النور بدرجات متفاوتة من الشدة، بحسب قربها من نقطة الالتقاء عند رأس المخروط؛ فتزداد القوة شدةً كلما اقتربنا من تلك النقطة. وقد اكتشف العلم أنه عند مرحلة معينة في هذا التقدم نحو النقطة الداخلية — حيث تلتقي جوانب المرآة كلها في وحدة تامة — تُركّز قوةُ البؤرة كلَّ خصائص الإضاءة في أشعة الشمس في لمعان من الشدة بحيث يجعل مرئيًّا أشياء لم ترها العين البشرية من قبل. بل إنه يجعل اللحم شفافًا، فنرى من خلال الغلاف الخارجي لأجسادنا ما يجري في الداخل.
وإذا تقدّمنا قليلًا نحو داخل مرآتنا، تتركّز خصائص الحرارة في أشعة الشمس حتى تولّد حرارة تكفي لإذابة الحديد في ست عشرة ثانية، ولتنقية الذهب من شوائبه فلا تُبقي إلا كرة صلبة من المعدن الخالص، في أربع عشرة ثانية.
وإذا تقدّمنا أكثر، تتركّز خصائص التصوير في ضوء الشمس حتى تطبع صورة المرآة طبعًا دائمًا على كل ما يمرّ في البؤرة ولو لثانية واحدة.
وإذا تقدّمنا أبعد من ذلك، حتى نكاد نبلغ نقطة الوحدة، تتركّز قوى المغنطة في النور حتى إن كل ما يُعرَّض له لحظة واحدة يصير مغناطيسًا قويًّا يجذب إليه كل شيء بعد ذلك.
ولستُ من العلم في موضع يخوّلني أن أحكم إن كان هذا كله صحيحًا علميًّا أم لا، لكنه على الأقل يصلح مثلًا رمزيًّا يبيّن تقدّم النفس، وهي تتغيّر من مجد إلى مجد، في نموّها «إِلَى تِلْكَ ٱلصُّورَةِ عَيْنِهَا».
أولًا، إذ ننظر مجد الرب كما في مرآة، نبلغ بؤرة النور، التي تكشف خطيتنا وحاجتنا. «ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا قَائِلًا: ‹أَنَا هُوَ نُورُ ٱلْعَالَمِ.
مَنْ يَتْبَعْنِي فَلَا يَمْشِي فِي ٱلظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ ٱلْحَيَاةِ›» (يوحنا 8:12).
ثانيًا، إذ نقترب أكثر، نبلغ بؤرة الحرارة، حيث يحترق كل زغلنا وفضتنا الرديئة. فإنه مِثْلُ نَارِ ٱلْمُمَحِّصِ، وَمِثْلُ أَشْنَانِ ٱلْقَصَّارِ: «فَيَجْلِسُ مُمَحِّصًا وَمُنَقِّيًا لِلْفِضَّةِ. فَيُنَقِّي بَنِي لَاوِي وَيُصَفِّيهِمْ كَٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ، لِيَكُونُوا مُقَرَّبِينَ لِلرَّبِّ، تَقْدِمَةً بِٱلْبِرِّ» (ملاخي 3:2-3).
ثالثًا، إذ نقترب أكثر فأكثر، نبلغ بؤرة التصوير، حيث تنطبع صورة المسيح انطباعًا دائمًا في نفوسنا، فنصير مثله لأننا نراه كما هو.
«نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لِأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ» (1 يوحنا 3:2).
ورابعًا وأخيرًا، إذ نبلغ نقطة الوحدة، نصل إلى البؤرة المغناطيسية، حيث تتشكّل شخصيتنا على مثال شخصية المسيح حتى إن الناس، إذ يرونها، يُجذَبون جذبًا لا يُقاوَم فَـ«يُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» (متى 5:16).
فإن أردنا أن نُشكَّل على صورة المسيح، فعلينا أن نحيا قريبين منه، ثم أقرب فأقرب.
علينا أن نزداد معرفةً بشخصه وطرقه؛ وأن ننظر إلى الأمور بعينيه ونحكم على كل شيء بمقاييسه. فليس بالجهد ولا بالصراع يتمّ هذا الشبه؛ بل بالتمثّل. فبحسب ناموس طبيعي، نصير شبيهين بمن نعاشرهم، والشخصية الأقوى هي التي تمارس التأثير المسيطر دائمًا. ولمّا كان الناموس الإلهي واحدًا مع الناموس الطبيعي — إلا أنه يعمل في دائرة أعلى وبقوة لا يعوقها شيء — فلا ينبغي أن يبدو لنا سرًّا غامضًا أن نصير مثل المسيح باتحادٍ روحيٍّ به.
لكني أعود فأكرّر أن هذا الاتحاد بالمسيح لا يمكن أن يأتي بجهودنا نحن، مهما بلغت من الاجتهاد. فالمسيح إنما يحلّ «بِٱلْإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ» (أفسس 3:17)، ولا يمكنه أن يحلّ هناك بطريق آخر. وبولس، حين يخبرنا أنه صُلب مع المسيح، يقول: «مَعَ ٱلْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لَا أَنَا، بَلِ ٱلْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ.
فَمَا أَحْيَاهُ ٱلْآنَ فِي ٱلْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي ٱلْإِيمَانِ، إِيمَانِ ٱبْنِ ٱللهِ، ٱلَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لِأَجْلِي» (غلاطية 2:20).
«ٱلْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ» — هذا هو سرّ التغيير. فإن كان المسيح يحيا فيّ، فلا بدّ، بحكم طبيعة الأمور، أن تظهر حياته في جسدي؛ ولا يمكن إلا أن أتغيّر من مجد إلى مجد إلى صورته. وتعليم ربنا في هذا واضحٌ جدًّا: «اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ.
كَمَا أَنَّ ٱلْغُصْنَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي ٱلْكَرْمَةِ، كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ. أَنَا ٱلْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ ٱلْأَغْصَانُ. ٱلَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هَذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لِأَنَّكُمْ بِدُونِي لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا» (يوحنا 15:4-5).
وهذا صحيحٌ حرفيًّا. فإن ثبتنا فيه وثبت هو فينا، فلا يمكننا أن نمتنع عن الإتيان بثمر كثير، كما لا تمتنع أغصان كرمة صحيحة عن ذلك. فبحكم طبيعة الأمور، لا بدّ أن يأتي الثمر.
لكننا لا نستطيع أن ندخل بـ«الإنسان العتيق» إلى المسيح. علينا أن نخلع الإنسان العتيق مع أعماله قبل أن نستطيع أن «نَلْبَسَ ٱلرَّبَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ» (رومية 13:14). والرسول بولس، في كتابته إلى أهل كولوسي، يبني تشجيعه لهم على حياة القداسة على أنهم قد فعلوا ذلك فعلًا: «لَا تَكْذِبُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، إِذْ خَلَعْتُمُ ٱلْإِنْسَانَ ٱلْعَتِيقَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَلَبِسْتُمُ ٱلْجَدِيدَ ٱلَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ» (كولوسي 3:9-10).
لا بدّ أن تزول الخطية متى دخل المسيح؛ فما من نفس غير مستعدة لتسليم كل ما يخالف مشيئته تستطيع أن ترجو الترحيب به. لا بدّ أن يُنحَّى «الإنسان العتيق» جانبًا إن كان للإنسان الجديد أن يملك. لكن الخلع واللبس كليهما لا بدّ أن يتمّا بالإيمان. ولا سبيل غير هذا. وكما حاولتُ أن أشرح في موضع آخر، علينا أن ننقل شخصنا وأناتنا وإرادتنا من ذواتنا إلى المسيح. علينا أن نحسب أنفسنا أمواتًا عن الذات، أحياءً لله وحده.
«كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا ٱحْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ ٱلْخَطِيَّةِ، وَلَكِنْ أَحْيَاءً لِلهِ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. إِذًا لَا تَمْلِكَنَّ ٱلْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ ٱلْمَائِتِ لِكَيْ تُطِيعُوهَا فِي شَهَوَاتِهِ، وَلَا تُقَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ آلَاتِ إِثْمٍ لِلْخَطِيَّةِ، بَلْ قَدِّمُوا ذَوَاتِكُمْ لِلهِ كَأَحْيَاءٍ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ وَأَعْضَاءَكُمْ آلَاتِ بِرٍّ لِلهِ» (رومية 6:11-13).
والإيمان عينه الذي به ندرك غفران الخطايا هو الذي يُحدث هذا الاتحاد بالمسيح. ولمن لا يفهمون ناموس الإيمان، سيكون هذا بلا شك سرًّا عظيمًا كما كانت أسرار الجاذبية قبل اكتشاف ناموسها. أما لمن يفهمونه، فإن ناموس الإيمان يعمل بلا خطأ وبتحديدٍ كناموس الجاذبية، ويأتي بنتائجه باليقين عينه. ولا يستطيع أحد أن يقرأ الأصحاح الحادي عشر من الرسالة إلى العبرانيين ثم لا يرى أن الإيمان قوة تغلب كل شيء. وأنا أعتقد أنه القوة الخالقة في الكون. إنه الناموس الأعلى الذي يضبط كل النواميس الأدنى منه؛ وما يبدو معجزةً إنما هو عمل هذا الناموس الأعلى الضابط.
والإيمان، كما أقول، هو ناموس الخلق: «بِٱلْإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ ٱلْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ ٱللهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ» (عبرانيين 11:3). وقد قيل لنا إن الله قال فكان، وأمر فصار. وربنا يخبرنا أننا إن كان لنا إيمان استطعنا أن نفعل مثل ذلك: «فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: ‹لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِٱللهِ. لِأَنِّي ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ قَالَ لِهَذَا ٱلْجَبَلِ: ‹ٱنْتَقِلْ وَٱنْطَرِحْ فِي ٱلْبَحْرِ!› وَلَا يَشُكُّ فِي قَلْبِهِ، بَلْ يُؤْمِنُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ يَكُونُ، فَمَهْمَا قَالَ يَكُونُ لَهُ. لِذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ›» (مرقس 11:22-24).
والإيمان، كما قيل لنا، «يَدْعُو ٱلْأَشْيَاءَ غَيْرَ ٱلْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ» (رومية 4:17). فهو بدعوته إياها يُخرجها إلى الوجود. ولذلك، مع أننا لا نرى أيّ علامة منظورة للتغيير حين نخلع بالإيمان الإنسان العتيق — الفاسد بحسب شهوات الغرور — ونلبس بالإيمان الإنسان الجديد — المخلوق بحسب الله في البرّ وقداسة الحق — فإن ذلك قد تمّ حقًّا. الإيمان قد أتمّه. ولا أستطيع أن أشرح هذا لاهوتيًّا، لكني أستطيع أن أؤكد بلا خوف أنه حقيقة عملية عظيمة. فالنفوس التي تتخلى عن حياة الذات وتُسلم ذواتها للرب ليمتلكها بالتمام تجد أنه يستولي على ينابيع كيانها الداخلية، وأنه «هُوَ ٱلْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ ٱلْمَسَرَّةِ» (فيلبي 2:13).
وقد صلّى بولس لأجل أهل أفسس «لِيَحِلَّ ٱلْمَسِيحُ بِٱلْإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ» (أفسس 3:17)، وهذا هو كل سرّ التشكّل على صورته. فإن كان المسيح ساكنًا في قلبي، فلا بدّ أن أكون شبيهًا بالمسيح. لا يمكنني أن أكون قاسيًا ولا سريع الغضب ولا طالبًا لنفسي ولا غير أمين؛ بل لا بدّ أن تظهر في سلوكي اليومي وحديثي وداعتُه وعذوبتُه وحنوُّه الرقيق وخضوعُه المحبّ لمشيئة أبيه.
لن نتغيّر تمامًا إلى صورة المسيح حتى يظهر و«سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ» (1 يوحنا 3:2). لكن في الوقت الحاضر، على قدر ما فينا، ينبغي أن «تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا ٱلْمَائِتِ» (2 كورنثوس 4:11). أفتظهر في أجسادنا نحن؟ أنحن «مُشَابِهِينَ صُورَةَ» المسيح حتى إن الناس، إذ يروننا، يلمحون شيئًا منه أيضًا؟
أخبرتني زوجة أحد الخدام الميثوديين أنهم لمّا انتقلوا مرة إلى مكان جديد، دخل ابنها الصغير بعد أول عصر لعب فيه وهتف بفرح: «آه يا أمي، لقد وجدتُ هنا بنتًا صغيرة جميلة طيبة ألعب معها حتى إني لا أريد أن أرحل عن هذا المكان أبدًا». فقالت الأم المحبّة، وهي مسرورة بسعادة طفلها: «سُررتُ جدًّا يا حبيبي؛ ما اسم البنت الصغيرة؟» فأجاب الطفل بوقارٍ مفاجئ: «أظن أن اسمها يسوع». فصاحت الأم مرتاعة: «فرانك! ماذا تعني؟» فقال الصبي مدافعًا: «حسنًا يا أمي، كانت من الجمال بحيث لم أعرف بماذا تُسمَّى إلا يسوع».
أفحياتنا شبيهة بالمسيح إلى حدٍّ يمكن معه أن يخطر لأحدٍ مثل هذا الخاطر عنّا؟ أواضحٌ لكل من حولنا أننا كنا مع يسوع؟ أليس الأمر، للأسف، على النقيض من ذلك كثيرًا؟ أما فينا من هم في معيشتهم من التذمّر والعُسر بحيث لا بدّ أن يُقال عنا النقيض تمامًا؟
يقول بولس إننا ينبغي أن نكون «رِسَالَةُ ٱلْمَسِيحِ... مَكْتُوبَةً لَا بِحِبْرٍ بَلْ بِرُوحِ ٱللهِ ٱلْحَيِّ، لَا فِي أَلْوَاحٍ حَجَرِيَّةٍ بَلْ فِي أَلْوَاحِ قَلْبٍ لَحْمِيَّةٍ» (2 كورنثوس 3:3). وإني لأومن يقينًا أنه لو ابتدأ كل ولد لله في العالم كله من هذا اليوم فصاعدًا أن يكون «رِسَالَةُ ٱلْمَسِيحِ»، عائشًا حياةً شبيهةً بالمسيح حقًّا في بيته وخارجه، لما مضى شهر حتى تمتلئ الكنائس بالناس الراغبين في معرفة المزيد، الوافدين ليروا أيَّ دينٍ هذا الذي يستطيع أن يحوّل الطبيعة البشرية إلى شيء إلهي.
العالم ملآن بأناس لا يؤمنون بحقيقة الدين المسيحي، ولن يقنعهم شيء إلا وقائع لا يستطيعون دحضها. علينا أن نلقاهم بحياة متغيّرة. فإن رأوا أننا كنا غاضبين فصرنا وديعين؛ وكنا متكبّرين فصرنا متواضعين؛ وكنا قلقين فصرنا صابرين هادئين؛ وإن استطعنا أن نشهد أن دين المسيح هو الذي أحدث هذا التغيير، فلا بدّ أن يتأثروا.
كان رجلٌ مسيحي قد نال شهرة عظيمة في التقوى بسبب اجتهاده في العمل، لكنه — للأسف — كان له أيضًا صيتٌ في حدّة الطبع وسلاطة اللسان. ثم أخيرًا، لسبب لم يفهمه أحد، بدا أن تغييرًا قد طرأ عليه. فصار طبعه ولسانه من العذوبة والوداعة بمقدار ما كانا من قبلُ من العنف والحدّة. وأخذ أصدقاؤه يراقبون ويعجبون، حتى سأله أحدهم أخيرًا إن كان قد غيّر دينه. فأجاب الرجل: «لا، لم أغيّر ديني، لكني تركتُ ديني أخيرًا يغيّرني». فكم غيّرنا ديننا نحن؟
من اليسير جدًّا أن يكون للمرء «دين كنيسة» أو «دين اجتماع صلاة» أو «دين خدمة مسيحية»، لكن شيئًا آخر تمامًا أن يكون له دين الحياة اليومية. و«أَنْ يُوَقِّرُوا أَهْلَ بَيْتِهِمْ» هو من أهم أجزاء المسيحية، لكنه أيضًا نادرٌ جدًّا. وليس بالنادر أبدًا أن نجد مسيحيين «يصنعون برّهم» أمام الغرباء لكي يراهم الناس، لكنهم يخفقون إخفاقًا ذريعًا في إظهار إيمانهم في بيوتهم. وقد عرفتُ مرةً أبًا كان من القوة في الصلاة في الاجتماع الأسبوعي ومن التأثير في تشجيعه بحيث تحرّكت الكنيسة كلها بتقواه؛ لكنه إذا رجع إلى بيته بعد الاجتماعات كان من الغضب والقسوة بحيث تخاف امرأته وأولاده أن ينبسوا بكلمة في حضرته.
«وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلَا تَكُنْ كَٱلْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي ٱلْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا ٱلشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ ٱسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ!» (متى 6:5). وهذه الكلمات، «قَدِ ٱسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ»، تبدو لي من أشدّ ما في الكتاب مهابةً. فما نصنعه لكي يرانا الناس يراه الناس، وينتهي الأمر عند ذلك. وليس في مثل هذا البرّ أيُّ شبهٍ بالمسيح.
أما البرّ الشبيه بالمسيح فهو الذي يحتمل تجارب كل يوم بفرح، ويصبر على الإساءات في البيت؛ ويجازي عن الشر بالخير، ويلقى كل احتكاكات الحياة اليومية بعذوبة ووداعة. إنه «تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. ٱلْمَحَبَّةُ لَا تَحْسِدُ. ٱلْمَحَبَّةُ لَا تَتَفَاخَرُ، وَلَا تَنْتَفِخُ، وَلَا تُقَبِّحُ، وَلَا تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلَا تَحْتَدُّ، وَلَا تَظُنُّ ٱلسُّؤَ، وَلَا تَفْرَحُ بِٱلْإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِٱلْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» (1 كورنثوس 13:4-7).
هذا هو معنى أن نكون مشابهين صورة المسيح! فهل نعرف شيئًا من مثل هذا البرّ؟
إننا نتكلم أحيانًا عن أداء ما نسمّيه «واجباتنا الدينية»، ونعني بها خدمات الكنيسة، أو أوقات العبادة المحدَّدة، أو الخدمة المسيحية. ولا يخطر لنا قطّ أن كوننا شبيهين بالمسيح في سلوكنا اليومي وحديثنا هو «واجبنا الديني» أكثر بكثير من أمانتنا في تلك الأمور الأخرى — على ما لها في ذاتها من قيمة مرغوبة. لقد كان برّ الكتبة والفريسيين برَّ ألفاظ وعبارات وطقوس ورسوم؛ وهذا كثيرًا ما يبهر من هم في الخارج. لكن، لأنه لم يكن أكثر من ذلك، أدانه ربنا بأشدّ العبارات: «وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ ٱلْمُرَاؤُونَ! لِأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ ٱلنَّعْنَعَ وَٱلشِّبِثَّ وَٱلْكَمُّونَ، وَتَرَكْتُمْ أَثْقَلَ ٱلنَّامُوسِ: ٱلْحَقَّ وَٱلرَّحْمَةَ وَٱلْإِيمَانَ.
كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هَذِهِ وَلَا تَتْرُكُوا تِلْكَ. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ ٱلْمُرَاؤُونَ! لِأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ» (متى 23:23، 27). ثم يضيف: «هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا: مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَارًا، وَلَكِنَّكُمْ مِنْ دَاخِلٍ مَشْحُونُونَ رِيَاءً وَإِثْمًا» (متى 23:28).
من اليسير جدًّا أن نقول أشياء جميلة عن الحياة الدينية، لكن أن نكون فعلًا ما نقوله فأمرٌ آخر تمامًا. أعرف معلّمة في مدرسة الأحد كانت قد علّمت تلاميذها كثيرًا عن إلقاء كل همّهم على الرب والاتكال عليه في أوقات الضيق؛ وقد تأثروا جدًّا. لكن أخيرًا حلّت ضيقة بحياة هذه المعلّمة، ورآها بعض تلاميذها في بيتها في أثنائها. فرأوا — لدهشتهم وحزنهم — أنها تضطرب وتقلق وتتذمّر وتشكو؛ وتتصرف، باختصار، كأن ليس هناك إلهٌ يُتَّكَل عليه، أو كأن طرقه ليست طرق محبة وصلاح. وكان ذلك «درسًا عمليًّا» لأولئك الأولاد أفسد كل الخير الذي بدا أن تعليم تلك المعلّمة السابق سيثمره. وقال لي أحدهم، وكان شديد الملاحظة، ظافرًا: «كنتُ أظن أن الأمر لا يمكن أن يكون صحيحًا حين كانت الآنسة —— تحدّثنا كيف نستطيع أن نتكل على الرب في كل شيء؛ وأنا الآن أرى أنه لم يكن إلا كلامًا ‹تقويًّا› جميلًا، لأنها هي نفسها لا تفعله».
إن المسيحيَّ الغاضب، أو القلق، أو المحبَط الكئيب، أو الشاكّ، أو المتذمّر، أو المتطلّب، أو الأناني القاسي الغليظ القلب، أو المنغمس في ملذّات نفسه، أو ذا اللسان الحادّ أو الروح المرّة — أي المسيحيَّ، باختصار، الذي ليس شبيهًا بالمسيح — خيرٌ له أن يعظ الرياح من أن يعظ أهل بيته أو أصدقاءه الذين يرونه على حقيقته. ولا مهرب من هذا الناموس الحتمي في طبيعة الأشياء، وخيرٌ لنا أن نعترف به من الآن. فإن أردنا لأحبائنا أن يتكلوا على الرب، فمجلدات من الكلام عن ذلك لن تقنعهم بجزء من ألف مما يقنعهم به مشهد اتكال حقيقي صغير من جانبنا في وقت الحاجة. فأطول الصلوات وأعلى الوعظ لا نفع لهما في أي دائرة عائلية، مهما حسُنا في المنبر، ما لم يكن هناك عيشٌ واضحٌ لما يُوعَظ به.
ويظن بعض المسيحيين أن الأثمار التي يطلبها الكتاب المقدس هي نوعٌ من العمل الديني الظاهر، كإقامة الاجتماعات، أو افتقاد الفقراء، أو إدارة المؤسسات الخيرية.
غير أن الحقيقة أن الكتاب المقدس بالكاد يذكر هذه على أنها من ثمر الروح، بل يعلن: «وَأَمَّا ثَمَرُ ٱلرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلَامٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلَاحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ» (غلاطية 5:22-23). فلا بدّ أن تكون الشخصية الشبيهة بالمسيح ثمرَ سكنى المسيح فينا. ولا شك أن أمورًا أخرى ستكون نتيجةً لهذه الشخصية؛ لكن الشخصية تأتي أولًا وقبل كل شيء، وإلا كان الباقي كله زيفًا أجوف. وقد قال كاتبٌ حديث: «لا يستطيع الإنسان قطّ أن يكون أكثر مما تجعله شخصيته. ولا يستطيع أن يفعل أكثر ولا أفضل من أن يعبّر عمّا هو شخصيته أو يجسّده. ولا يخرج من الإنسان شيء ذو قيمة لم يكن فيه أولًا. لا بدّ أن تقف الشخصية وراء كل شيء وتسنده — العظة، والقصيدة، والصورة، والكتاب. فما من واحد منها يساوي شيئًا بدونها».
ولكي نصير مشابهين صورة المسيح، لا بدّ بالضرورة أن نُجعَل «شُرَكَاءَ ٱلطَّبِيعَةِ ٱلْإِلَهِيَّةِ» (2 بطرس 1:4). ومتى كان الأمر كذلك، فلا بدّ أن تُظهر تلك الطبيعة الإلهية نفسها. فأذواقنا ورغباتنا ومقاصدنا ستصير كأذواق المسيح ورغباته ومقاصده؛ وسنرى الأمور بعينيه. وهذا حتميّ؛ لأنه حيث تكون الطبيعة الإلهية لا يمكن إلا أن تظهر ثمارها. وحيث لا تظهر، نضطر إلى الاستنتاج بأن ذلك الشخص، مهما علا إقراره، لم يُجعَل بعدُ شريكًا في الطبيعة الإلهية.
وأكاد أسمع سائلًا يقول: «أتعنين حقًّا أنه لكي نُجعَل شركاء الطبيعة الإلهية يجب أن نكفّ عن جهودنا الخاصة بالكلية؟ أعلينا فقط أن نلبس المسيح بالإيمان، ونتركه يحيا فينا ويعمل فينا أن نريد وأن نعمل من أجل مسرّته؟ وأتؤمنين أنه سيفعل ذلك فعلًا؟»
وعلى هذا أجيب بأشدّ ما يكون التوكيد: نعم، هذا بعينه ما أعنيه. أعني أننا إن سلّمنا ذواتنا له بالتمام، جاء ليسكن فينا وصار هو نفسه حياتنا. علينا أن نسلّم له حياتنا كلها: أفكارنا، وكلماتنا، وسلوكنا اليومي، وجلوسنا وقيامنا. وبالإيمان علينا أن نتخلى عن ذواتنا، وأن ننتقل — إن صحّ التعبير — إلى المسيح ونثبت فيه. وبالإيمان علينا أن نخلع الإنسان العتيق، وبالإيمان علينا أن نلبس الإنسان الجديد. وبالإيمان علينا أن نحسب أنفسنا أمواتًا عن الخطية أحياءً لله — أمواتًا حقًّا كما نحن أحياءٌ حقًّا.
وبالإيمان علينا أن ندرك أن حياتنا اليومية هي المسيح حيًّا فينا؛ وإذ نكفّ عن أعمالنا الخاصة، علينا أن ندعه يعمل فينا أن نريد وأن نعمل من أجل مسرّته. فلم يعد الحق عنه هو ما ينبغي أن يملأ قلوبنا، بل هو نفسه — المسيح الحيّ المحبّ المجيد — الذي، إن تركناه، يجعلنا حقًّا مسكنًا له. وهو سيملك ويسود في داخلنا و«يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ» (فيلبي 3:21). «إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي ٱلْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: ٱلْأَشْيَاءُ ٱلْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا ٱلْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا» (2 كورنثوس 5:17).
ولم يكن مجرد تعبير بلاغي حين قال ربنا لتلاميذه في تلك الموعظة العجيبة على الجبل: «فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ» (متى 5:48). وهو يعني، بالطبع، بحسب طاقتنا البشرية، لكنه كان يعني حقيقة التشبّه بصورته التي سبق فعُيِّنّا لها. وفي الرسالة إلى العبرانيين يُبيَّن لنا كيف يتمّ ذلك: «وَإِلَهُ ٱلسَّلَامِ ٱلَّذِي أَقَامَ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ رَاعِيَ ٱلْخِرَافِ ٱلْعَظِيمَ، رَبَّنَا يَسُوعَ، بِدَمِ ٱلْعَهْدِ ٱلْأَبَدِيِّ، لِيُكَمِّلْكُمْ فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ لِتَصْنَعُوا مَشِيئَتَهُ، عَامِلًا فِيكُمْ مَا يُرْضِي أَمَامَهُ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي لَهُ ٱلْمَجْدُ إِلَى أَبَدِ ٱلْآبِدِينَ. آمِينَ» (عبرانيين 13:20-21).
فبعمله هو فينا، لا بعملنا نحن في أنفسنا، يتمّ قصد الله من خلقنا. وإن بدا أن بعضنا أبعدُ ما يكون عن أي شبهٍ بالمسيح من أن يحدث له مثل هذا التغيير، فلنذكر أن صانعنا لم يفرغ بعدُ من صنعنا. وسيأتي اليوم — إن لم نُعِقْه — الذي فيه يتمّ في سفر الرؤيا ما ابتدأ في سفر التكوين، وفيه تُعتَق الخليقة كلها، ونحن معها، «مِنْ عُبُودِيَّةِ ٱلْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلَادِ ٱللهِ» (رومية 8:21).
«فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ ٱلْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى ٱلْآنَ. وَلَيْسَ هَكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ ٱلَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ ٱلرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ ٱلتَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا» (رومية 8:22-23).
«أمشيئتك أنت تُصنَع فيّ؟ أم مشيئتي أنا؟
وأُجعَلُ شيئًا ليس على مثالك؛ بل على مثالي أنا، مملوءًا بأشدّ التصنّع إثارةً للشفقة؟
أأُولَدُ من الله، أم من مجرد إنسان؟
أأُجعَلُ مثل المسيح، أم على خطة أخرى؟
وماذا إن كان عملك فيّ يفوق حواسّي، أدقَّ وأعلى من أن أدركه.
إني أثق ثقةً تامة. امضِ يا ربّ في عملك العظيم!
ليس لي علمٌ ولا حكمة ولا بصيرة ولا فكر، ولا فهمٌ يكفي لأبرّرك في عملك، أيها الكامل. لقد بلغتَ بي إلى هذا، وانظر! ما صنعتَه لا أستطيع أن أدعوه صالحًا. لكني أستطيع أن أصرخ: ‹أيها العدوّ، إن الصانع لم يفرغ بعدُ؛ وسيأتي يومٌ فيه ترى، ومن المنظر تهرب›».