إله كل تعزية ·اللهُ يَكْفِي

فصل 17 · قراءة 16 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

اللهُ يَكْفِي

«إِنَّمَا لِلهِ ٱنْتَظِرِي يَا نَفْسِي، لِأَنَّ مِنْ قِبَلِهِ رَجَائِي. إِنَّمَا هُوَ صَخْرَتِي وَخَلَاصِي، مَلْجَإِي فَلَا أَتَزَعْزَعُ. عَلَى ٱللهِ خَلَاصِي وَمَجْدِي، صَخْرَةُ قُوَّتِي مُحْتَمَايَ فِي ٱللهِ» (مزمور 62:5-7).

الدرس الأخير والأعظم الذي على النفس أن تتعلمه هو أن الله، والله وحده، يكفي لكل احتياجاتها. هذا هو الدرس الذي قُصد بكل معاملات الله معنا أن تُعلِّمنا إياه، وهذا هو الاكتشاف الذي يتوّج حياتنا المسيحية كلها. الله يكفي!

لقد تأملنا في هذا الكتاب بعض جوانب شخصية الله وطرقه، كما أُعلنت لنا في الرب يسوع المسيح، وكذلك بعض الأخطاء التي تمنعنا من أن نأخذ لأنفسنا الملء الذي لنا فيه. والآن، في الختام، أريد أن أقول، بأفضل ما أستطيع، ما يبدو لي أنه خلاصة الأمر كله.

إن كان الله هو ما يبدو أنه عليه من الإعلانات التي كنا نتأملها؛ إن كان بالحق «إِلَهُ كُلِّ تَعْزِيَةٍ» كما رأينا؛ إن كان راعينا؛ إن كان حقًّا وصدقًا أبانا؛ وبالاختصار، إن كانت كل الجوانب الكثيرة التي درسناها من شخصيته وطرقه صحيحة فعلًا، فلا بد لنا، فيما يبدو لي، أن نبلغ اليقين الجازم بأنه هو، في ذاته وحده، يكفي لكل احتياجاتنا الممكنة، وأن في وسعنا أن نستريح فيه بأمان، استراحةً مطلقةً وإلى الأبد.

أظن أن معظم المسيحيين قد رنّموا، مرات أكثر من أن تُحصى، هذه الكلمات من واحدة من أحبّ ترانيمنا إلينا: «أنت يا مسيح كل ما أريد، وفيك أجد ما يفوق الكل».

لكني أشكّ في أن كل واحد منا يستطيع أن يقول بصدق إن هذه الكلمات قد عبّرت عن حقيقة في اختبارنا نحن. لم يكن المسيح كل ما نريد. لقد أردنا أشياء كثيرة إلى جانبه. أردنا مشاعر جيّاشة نحوه، أو إحساسًا ملموسًا بحضوره معنا، أو إعلانًا داخليًّا بمحبته؛ وإلا فقد طالبنا بأنظمة عقائدية مُرضية، أو بخدمة مسيحية ناجحة، أو بشيء من هذا القبيل أو ذاك، غير ذاته، يكون لنا به حقٌّ شخصيٌّ عليه.

أما المسيح نفسه، المسيح وحده، دون إضافة أيٍّ من اختباراتنا عنه، فلم يكن كافيًا لنا، رغم كل ترنيمنا؛ بل إننا لا نرى حتى كيف يمكن أن يكون كافيًا.

قال المرنّم في تلك الأيام القديمة: «إِنَّمَا لِلهِ ٱنْتَظِرِي يَا نَفْسِي، لِأَنَّ مِنْ قِبَلِهِ رَجَائِي» (مزمور 62:5). أما المسيحي اليوم فيقول: «إنما لتعاليمي الصحيحة انتظري يا نفسي، لأن من قِبَلها رجائي»؛ أو: «إنما لأحوالي الصالحة ومشاعري انتظري يا نفسي، أو لأعمالي البارّة، أو لصلواتي الحارّة، أو لجهادي الجادّ، لأن من قِبَلها رجائي». أما أن ينتظروا الله وحده فيبدو لهم من أخطر ما يمكن أن يفعلوه، وأن يكون رجاؤهم منه وحده يبدو لهم كالبناء على الرمل. إنهم يمدّون أيديهم في كل اتجاه بحثًا عن شيء يتّكئون عليه، ولا يضعون ثقتهم في الله وحده إلا بعد أن يخذلهم كل شيء آخر. يقول جورج ماكدونالد: «إننا ننظر إلى الله كملجأنا الأخير والأضعف. لا نذهب إليه إلا حين لا يبقى لنا مكان آخر نذهب إليه. وعندئذ نتعلم أن عواصف الحياة لم تدفعنا إلى الصخور، بل إلى المرفأ المشتهى».

لا يمكن لنفس أن تستريح حقًّا حتى تتخلى عن كل اتّكال على أي شيء آخر، وتُضطر إلى الاتّكال على الرب وحده. وما دام رجاؤنا من أشياء أخرى، فلا ينتظرنا إلا خيبة الأمل. فالحالات النفسية والمشاعر قد تتغير، بل ستتغير مع تغيُّر ظروفنا؛ والتعاليم والعقائد قد تتزعزع؛ والخدمة المسيحية قد تؤول إلى لا شيء؛ والصلوات قد يبدو أنها فقدت حرارتها؛ والمواعيد قد يبدو أنها أخفقت؛ وكل ما آمنّا به أو اتكلنا عليه قد يبدو أنه جُرف بعيدًا، فلا يبقى إلا الله — الله وحده، الله مجرَّدًا، إن جاز لي هذا التعبير؛ الله فقط ولا شيء سواه.

نقول أحيانًا: «لو أنني أجد وعدًا يناسب حالتي، لاستطعت حينئذ أن أستريح». لكن المواعيد قد يُساء فهمها أو يُساء تطبيقها، وفي اللحظة التي نُلقي فيها بكل ثقلنا عليها قد يبدو أنها تخذلنا تمامًا. أما صاحب الوعد، الذي يقف وراء مواعيده وهو أعظم منها بما لا يُقاس، فلا يمكن أن يخذل أو يتغير. الطفل الصغير لا يحتاج إلى مواعيد من أمه لكي يطمئن؛ فأمه عنده، وهي تكفيه. أمه خير له من ألف وعد. وفي أسمى ما نتصوره من محبة أو صداقة لا موضع للمواعيد. قد يحب أحد الطرفين أن يقطع الوعود، كما يفعل ربنا، لكن الطرف الآخر لا يحتاج إليها؛ فشخص المحب أو الصديق خير من كل مواعيده. ولو مُحي كل وعد من الكتاب المقدس، لبقي لنا الله، ولكان الله كافيًا. وأعود فأكرر: الله وحده، هو نفسه، كما هو، دون إضافة أي شيء من جهتنا — سواء كان حالات نفسية أو مشاعر، أو اختبارات، أو أعمالًا صالحة، أو تعاليم صحيحة، أو أي شيء آخر خارجي أو داخلي: «إِنَّمَا هُوَ صَخْرَتِي وَخَلَاصِي، مَلْجَإِي فَلَا أَتَزَعْزَعُ» (مزمور 62:6).

ولا أعني بهذا أنه لا ينبغي أن تكون لنا مشاعر أو اختبارات أو إعلانات أو أعمال صالحة أو تعاليم صحيحة. قد تكون لنا هذه كلها، ولكن يجب أن تكون نتيجة الخلاص لا سببه؛ ولا يمكن قط أن يُتّكل عليها كدليل على حالتنا الروحية. فهي كلها أمور تأتي وتذهب، وكثيرًا ما تتوقف على حالة صحتنا، أو على ما يحيط بنا، بل أحيانًا على اتجاه الريح. فبعض الناس، مثلًا، لا يستطيعون أن يصدّقوا أن الله يحبهم متى هبّت الريح من الشرق. وإن اتكلنا على أي من هذه الأمور، ولو بأدنى قدر، كأساس لثقتنا أو فرحنا، فلا بد أن نقع في الحزن. أما ما أعنيه فهو أن نحفظ أنفسنا مستقلين عنها كلها استقلالًا تامًّا، مستريحين فقط في الحقيقة العظيمة الجليلة: أن الله كائن، وأنه مخلّصنا؛ بحياة داخلية تزدهر وتظفر بدون هذه الاختبارات الشخصية أو الأعمال الشخصية كما تزدهر وتظفر معها. علينا أن نجد في الله — في حقيقة أن الله كائن — الكفاية لكل احتياجاتنا الروحية، سواء وجدنا أنفسنا في صحراء أم في وادٍ خصيب. وأن نقول مع النبي: «فَمَعَ أَنَّهُ لَا يُزْهِرُ ٱلتِّينُ، وَلَا يَكُونُ حَمْلٌ فِي ٱلْكُرُومِ. يَكْذِبُ عَمَلُ ٱلزَّيْتُونَةِ، وَٱلْحُقُولُ لَا تَصْنَعُ طَعَامًا. يَنْقَطِعُ ٱلْغَنَمُ مِنَ ٱلْحَظِيرَةِ، وَلَا بَقَرَ فِي ٱلْمَذَاوِدِ، فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِٱلرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلَهِ خَلَاصِي» (حبقوق 3:17-18).

لقد خُلقت النفس لهذا، ولا يمكن أن تجد راحة دونه. ولذلك فإن كل معاملات الله معنا مُوجَّهة إلى هذه الغاية؛ وهو كثيرًا ما يضطر أن يحرمنا كل فرح بأي شيء آخر لكي يضطرنا إلى أن نجد فرحنا فيه وحده وفيه كله. حسنٌ، ربما، أن نفرح بمواعيده، أو أن نفرح بالإعلانات التي منحنا إياها، أو بالاختبارات التي أدركناها؛ أما أن نفرح بصاحب الوعد نفسه — به وحده — بلا مواعيد ولا اختبارات ولا إعلانات، فهذه هي ذروة الحياة المسيحية. وهذا هو الموضع الوحيد الذي نعرف فيه السلام الذي يفوق كل عقل، والذي لا يقدر شيء أن يعكّره.

من الصعب أن أشرح بالضبط ما أعنيه. فقد اعتدنا أن نحسب كل هذه المصاحبات للحياة الروحية هي الحياة الروحية عينها، حتى صار من العسير أن ننفصل عنها. لا نستطيع أن نتصور أن الرب يمكن أن يكون لنا شيئًا ما لم نجد في أنفسنا شيئًا يؤكد لنا محبته وعنايته. وحين نتكلم عن أن نجد كفايتنا كلها فيه، فإننا نعني عادةً أننا نجدها في مشاعرنا أو في تصوراتنا عنه. فإن أحسسنا مثلًا بدفء محبة نحوه، أمكننا أن نقول من كل القلب إنه يكفي؛ لكن متى خبا هذا الدفء، وهو لا بد أن يخبو عاجلًا أو آجلًا، لم نعد نشعر أننا وجدنا كفايتنا كلها فيه. والحق أن الذي يُشبعنا ليس هو الرب، بل مشاعرنا نحن عن الرب. غير أننا لا ندرك ذلك؛ وبالتالي، حين تخذلنا مشاعرنا، نظن أن الرب هو الذي خذلنا، فنهوي في الظلمة.

طبعًا، كل هذا حماقة بالغة، لكنه اختبار شائع إلى حدّ أن قلّة قليلة تدرك مقدار حماقته. ولعل مثالًا يساعدنا على أن نرى بوضوح أكثر. لنتصور إنسانًا متهمًا بجريمة، واقفًا أمام قاضٍ. فأيّهما يكون المهمّ لذلك الإنسان: مشاعره هو نحو القاضي، أم مشاعر القاضي نحوه؟ أيقضي وقته مراقبًا انفعالاته، محاولًا أن يرى إن كان يشعر بأن القاضي في صفّه، أم يراقب القاضي ويحاول أن يستشفّ من نظراته أو كلماته أيرجو حكمًا في صالحه أم لا؟ لا شك أننا سنقول للتوّ إن مشاعر الرجل نفسه لا وزن لها البتة في الأمر، وإن آراء القاضي ومشاعره وحدها هي التي تستحق أن يُفكَّر فيها لحظة.

قد تكون لذلك الرجل كل «الأحاسيس المتوهّجة» وكل «الاختبارات» التي يمكن تصوّرها، ولكنها لا تنفعه شيئًا البتة. فكل شيء يتوقف على القاضي وحده. وهذا ما نسمّيه بديهةً واضحة. وعلى المنوال نفسه، إن نحن أعملنا بصيرتنا السليمة في الموضوع، لم يسعنا إلا أن نرى أن الأمر الحيوي الوحيد حقًّا في علاقتنا بالرب ليس ما هي مشاعرنا نحوه، بل ما هي مشاعره نحونا. فالمحاكَم لا بد أن يجد في القاضي كل ما يحتاج إليه، إن كان له أن يجده أصلًا. وكفايته لا يمكن أن تكون من ذاته، بل لا بد أن تكون من ذاك الذي يتوقف عليه مصيره. وكفايتنا نحن، كما يقول الرسول، ليست من أنفسنا بل من الله.

«لَيْسَ أَنَّنَا كُفَاةٌ مِنْ أَنْفُسِنَا أَنْ نَفْتَكِرَ شَيْئًا كَأَنَّهُ مِنْ أَنْفُسِنَا، بَلْ كِفَايَتُنَا مِنَ ٱللهِ.» (2 كورنثوس 3:5). فهذا إذًا ما أعنيه بأن الله يكفي. أعني أننا نجد فيه، في حقيقة وجوده وفي شخصيته، كل ما يمكن أن نحتاج إليه لكل شيء. فالله هو، ولا بد أن يكون، جوابنا على كل سؤال وعلى كل صرخة احتياج. فإن كان في ذاك الذي تعهّد بخلاصنا نقصٌ، فلن يفلح شيء نضيفه نحن في سدّه؛ وإن لم يكن فيه نقص، فهو إذًا، من ذاته وفي ذاته، يكفي.

وددت لو استطعت أن أُبيّن مقصدي، لأني أومن أنه سرّ الخلاص الدائم من كل ما في الحياة المسيحية من ضيق وقلق. إن ضيقكم وقلقكم ينشآن من جهودكم المضنية العقيمة لتثبيت أساس مُرضٍ للثقة داخل أنفسكم؛ كأن يكون مثلًا ما تحسبونه المشاعر اللائقة، أو القدر الصحيح من الحرارة والجدّية، أو على الأقل، إن لم يكن غير ذلك، درجة كافية من الاهتمام بالأمور الروحية. ولأن شيئًا من هذه لا يكون مُرضيًا قط (ولا أخفي عليكم أنه لن يكون كذلك أبدًا)، فمن المستحيل أن تكون حياتكم الدينية إلا حياة قلقة.

أما إن رأينا أن خلاصنا كله، من أوله إلى آخره، يتوقف على الرب وحده؛ وإن تعلّمنا أنه قادر وراغب أن يفعل لنا «أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ» (أفسس 3:20)، فلا بد أن يسود السلام والعزاء سيادةً تامة. فكل شيء يتوقف على هذا: أيكفي الرب، في ذاته ومن ذاته، لخلاصنا، أم لا بد من إضافة أشياء أخرى من جهتنا لتجعله كافيًا؟

والذي ساعدني شخصيًّا، أكثر من أي شيء آخر، على بلوغ اليقين بأن الله يكفيني حقًّا، كان اختبارًا مررت به منذ سنين. كان ذلك في وقت من حياتي الدينية كنت أجتاز فيه كثيرًا من التساؤل والحيرة، وكنت أشعر أنه ما من مسيحي واجه قط مصاعب فريدة كمصاعبي. وقد شاء أن تقيم بالقرب مني في ذلك الحين، بضعة أسابيع، سيدة كانت تُعدّ مسيحية عميقة الروحانية، وقد أُشير عليّ أن أطلب منها العون الروحي. فاستجمعت شجاعتي، إذًا، ذات عصر، وذهبت إليها وسكبت أمامها متاعبي، متوقعةً بالطبع أنها ستهتم بي اهتمامًا بالغًا، وستبذل جهدًا عظيمًا لتفعل كل ما تستطيع لمساعدتي.

أصغت إليّ بصبر ولم تقاطعني؛ ولكن لما فرغت من قصتي وسكتُّ، منتظرةً التعاطف والاهتمام، لم تقل سوى: «نعم، لعل كل ما تقولينه صحيح جدًّا، ولكن، رغم هذا كله، هناك الله». انتظرت دقائق لعل شيئًا آخر يأتي، فلم يأتِ شيء، وبدا على صديقتي ومعلّمتي أنها قالت كل ما يلزم.

«ولكن»، تابعتُ، «أنا واثقة أنكِ لم تفهمي كم هي خطيرة ومحيّرة مصاعبي». «بلى، قد فهمت»، أجابت صديقتي، «ولكن، كما أقول لكِ، هناك الله». ولم أستطع أن أستدرج منها أي جواب آخر. بدا لي ذلك مخيّبًا للأمل وغير مُقنع إلى أبعد حدّ. شعرت أن اختباراتي الفريدة المُمِضّة حقًّا لا يمكن أن تُقابَل بشيء بسيط كهذه العبارة المجرّدة: «نعم، ولكن هناك الله». كنت أعلم بالطبع أن الله هناك، لكني شعرت أني أحتاج إلى شيء أكثر من مجرد الله؛ وخلصت إلى أن صديقتي، على كل ما لها من شهرة عظيمة كمعلّمة روحية، ليست على أي حال قادرة على معالجة حالة فريدة كحالتي.

على أن حاجتي كانت من العِظَم بحيث لم أستسلم بعد المحاولة الأولى، بل ذهبت إليها مرة بعد مرة، وأنا أرجو دائمًا أنها ستبدأ يومًا ما تدرك خطورة مصاعبي، وأنها ستعطيني عونًا وافيًا. لكن دون جدوى. لم أفلح قط في استخراج أي جواب آخر. كان الردّ البسيط يأتي دائمًا على كل شيء، بنبرة من يطوي الموضوع تمامًا: «نعم، أعلم؛ ولكن هناك الله». وأخيرًا، بفضل تكرارها المتواصل، اقتنعت أن صديقتي كانت تؤمن حقًّا وصدقًا أن مجرد حقيقة وجود الله، خالقًا وفاديًا للبشر، ووجودي أنا كواحدة من هذا الجنس، جوابٌ كافٍ تمامًا لكل احتياج ممكن لخلائقه. وأخيرًا، لأنها قالتها مرارًا وبدت واثقة إلى هذا الحد، بدأتُ أتساءل في خفوت: أفلعل الله يكفي بعد كل شيء، حتى لاحتياجي أنا، مع كل ما كنت أحسبه فيه من ثقلٍ وتفرّد. ومن التساؤل انتقلت شيئًا فشيئًا إلى الإيمان بأنه، إذ هو خالقي وفاديّ، لا بد أن يكون كافيًا؛ وأخيرًا انفجر فيّ يقين بأنه كافٍ بالفعل، وانفتحت عيناي على حقيقة كفاية الله المطلقة التامة.

فتلاشت متاعبي كأنما بسحر، ولم أعد أفعل شيئًا إلا أن أعجب كيف كان في وسعي أن أبلغ من الحماقة أن أضطرب بسببها، وكل ذلك الحين كان هناك الله، الله القادر على كل شيء والذي يرى كل شيء، الله الذي خلقني، وهو لذلك في صفّي، متلهّف أن يعتني بي ويعينني. لقد اكتشفت أن الله يكفي، فاستراحت نفسي.

ينبغي أن تكون كفاية الله لابن الله كاملةً كما هي كفاية الأم الصالحة لطفلها. كلنا نعرف الراحة التامة التي يجدها الطفل الصغير في حضور أمه وفي محبتها. يكفي أن أمه هناك ليتلاشى كل خوف وكل اضطراب. لا يحتاج إلى أن تقطع له الأم وعودًا؛ فهي نفسها، كما هي، بلا مواعيد وبلا تفسيرات، هي كل ما يحتاج إليه الطفل. وقد علّمني اختباري أنا طفلةً هذا، بما لا يدع مجالًا للشك. كانت أمي هي الدواء لكل مشاكلي، وكنت أومن إيمانًا تامًّا أنها الدواء لمشاكل العالم كله، لو أمكن أن تُعرض عليها. وحين كان أحد يشكّك في قدرتها على إصلاح كل شيء، أذكر بأي احتقار شديد كنت أُسكته قائلة: «آه! لكنك لا تعرف أمي».

والآن، حين يعجز إنسان مجاهد عن أن يرى أن الله يكفي، أشعر أني أريد أن أقول، لا باحتقار بل بشفقة لا حدّ لها: «آه أيها الصديق العزيز، أنت لا تعرف الله! لو كنت تعرفه، لما استطعت إلا أن ترى أنه الدواء لكل احتياج في نفسك، وأنه دواء كافٍ تمام الكفاية». الله يكفي، وإن بدا أنه ما من وعد يناسب حالتك، وما من شعور داخلي يمنحك ثقة. فالذي يقطع الوعد أعظم من وعوده؛ ووجوده أرسخ أساسًا للثقة من أشدّ المشاعر الداخلية حرارة.

«تكلّمْ فقط باسم الله في أعماق قلبك، وانظرْ كيف يفارق النفسَ في الحال كلُّ خوفٍ قلق».

ولكن قد يقول قائل: «لا شك أن هذا كله صحيح، وكان يسهل عليّ أن أصدّقه لو استطعت أن أتيقّن أنه ينطبق عليّ أنا. لكني عديم النفع وممتلئ خطية، حتى إني لا أشعر أن لي أي حقّ في مثل هذا الغنى من النعمة».

بل بالأحرى، إن كنت عديم النفع وممتلئًا خطية، فلك حقٌّ في كفاية الله التامة.

إن انعدام استحقاقك وخطيّتك هما أعلى ما يصرخ بحقّك. وكما قال أحدهم، ليس أحد يقف في طريق المخلّص إلا الخاطئ الذي يريد الخلاص. يعلن الكتاب المقدس: «صَادِقَةٌ هِيَ ٱلْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُولٍ: أَنَّ ٱلْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى ٱلْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ ٱلْخُطَاةَ ٱلَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا.» (1 تيموثاوس 1:15). لم يأتِ ليخلّص الأبرار، ولا المتحمّسين، ولا العاملين المجتهدين، بل جاء ببساطة ليخلّص الخطاة، ولا شيء غير ذلك. فلماذا إذًا نُنفق وقتنا وطاقتنا في محاولة اصطناع حقٍّ ليس في نهاية الأمر حقًّا، بل مجرّد عائق؟

ما دام انتباهنا موجَّهًا إلى أنفسنا وإلى اختباراتنا، فهو موجَّه بعيدًا عن الرب. وهذه بديهة بسيطة. وكما قلت في موضع آخر، لا نرى إلا الشيء الذي ننظر إليه، وما دمنا ننظر إلى أنفسنا فلا نستطيع البتة أن «ننظر إلى الله». وليس ذلك لأنه يخفي نفسه؛ فهو حاضر دائمًا أمام أعين كل من يتطلّع إليه. لكننا إن كنا ننظر في اتجاه آخر، فلا يمكن أن نتوقع أن نراه.

ربما كانت أعيننا في الماضي مثبَّتة على أنفسنا وحدها، حتى صار كل تساؤلنا الداخلي عن حالتنا نحن: أمحبتي لله حارّة بما يكفي؟ أأنا جادّ بما يكفي؟ أمشاعري نحوه كما ينبغي أن تكون؟ أعندي من الغيرة ما يكفي؟ أأشعر باحتياجي كما ينبغي؟ وقد كنا بؤساء لأننا لم نستطع قط أن نجيب عن هذه الأسئلة إجابة مُرضية. ومع أننا لا ندري، فقد كانت رحمة أننا لم نستطع قط أن نجيب عنها إجابة مُرضية؛ إذ لو أجبنا، لانتفخت «ذاتنا»، ولامتلأنا تهنئةً للنفس وكبرياء.

إن أردنا أن نرى الله، فلا بد أن يكون تساؤلنا الداخلي عنه هو، لا عن أنفسنا. كيف يشعر الله نحوي؟ أمحبته لي حارّة بما يكفي؟ أعنده من الغيرة ما يكفي؟ أيشعر باحتياجي بعمقٍ كافٍ؟ أهو جادّ بما يكفي؟ ومع أن هذه الأسئلة قد تبدو للبعض قلّة أدب، فإنها لا تمثّل إلا شكوك قلوب كثيرة مترددة ومخاوفها. ويكفي أن تُطرح لتثبت أن تلك الشكوك والمخاوف هي قلة الأدب الحقيقية. وكلنا نعرف ما هي الأجوبة الظافرة على مثل هذه الأسئلة. ما من شكّ يستطيع أن يصمد أمام شهادتها، والنفس التي تسألها وتجيب عنها بأمانة ستُقاد إلى يقين عميق مطلق بأن الله يكفي، ولا بد أن يكفي.

«كُلُّ شَيْءٍ لَكُمْ»، يعلن الرسول: «أَبُولُسُ، أَمْ أَبُلُّوسُ، أَمْ صَفَا، أَمِ ٱلْعَالَمُ، أَمِ ٱلْحَيَاةُ، أَمِ ٱلْمَوْتُ، أَمِ ٱلْأَشْيَاءُ ٱلْحَاضِرَةُ، أَمِ ٱلْمُسْتَقْبِلَةُ. كُلُّ شَيْءٍ لَكُمْ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلِلْمَسِيحِ، وَٱلْمَسِيحُ لِلهِ.» (1 كورنثوس 3:21-23). يستحيل أن يكون بيانٌ أشملَ من هذا. كل شيء لكم لأنكم للمسيح — لا لأنكم صالحون أو مستحقّون إلى هذا الحدّ، بل لأنكم للمسيح، لا لشيء آخر. فكل الأشياء التي نحتاج إليها جزء من ميراثنا فيه، وهي تنتظر فقط أن نطالب بها. ومهما عظمت احتياجاتنا ومصاعبنا، ففي هذا «الكلّ» عطاءٌ هو «أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ» (أفسس 3:20).

لأنه كائن، لا بد أن يسير كل شيء على خير ما يرام من أجلنا. فلأن الأم موجودة، لا بد أن يسير كل شيء على خير ما يرام لأولادها، بقدر ما تستطيع؛ وهذا لا بد أن يكون أصدق بما لا يُقاس في حق الرب.

بالنسبة إلى الطفل، وراء كل ما يتغيّر، هناك حقيقة واحدة لا تتغيّر: أن أمه موجودة. فما دامت الأم حية، لا بد أن يُعتنى بالطفل؛ وما دام الله حيًّا، لا بد أن يُعتنى بأولاده أيضًا. وماذا عساه يفعل غير ذلك، وهو مَن هو؟ الإهمال واللامبالاة والنسيان والجهل، كلها مستحيلة عليه. هو يعرف كل شيء، ويهتمّ بكل شيء، ويستطيع أن يدبّر كل شيء، وهو يحبنا. فماذا نطلب أكثر من ذلك؟

لقد عرف قديسو الله في كل العصور هذا، وأدركوا أن الله كان يكفيهم. قال أيوب، من أعماق أحزانٍ وتجاربَ قلّ من يماثله فيها: «هُوَذَا يَقْتُلُنِي. لَا أَنْتَظِرُ شَيْئًا.» (أيوب 13:15). واستطاع داود أن يقول في لحظة أشدّ كربه: «أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ ٱلْمَوْتِ لَا أَخَافُ شَرًّا، لِأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي.» (مزمور 23:4). واستطاع أيضًا أن يقول: «ٱللهُ لَنَا مَلْجَأٌ وَقُوَّةٌ. عَوْنًا فِي ٱلضِّيْقَاتِ وُجِدَ شَدِيدًا. لِذَلِكَ لَا نَخْشَى وَلَوْ تَزَحْزَحَتِ ٱلْأَرْضُ، وَلَوِ ٱنْقَلَبَتِ ٱلْجِبَالُ إِلَى قَلْبِ ٱلْبِحَارِ. تَعِجُّ وَتَجِيشُ مِيَاهُهَا. تَتَزَعْزَعُ ٱلْجِبَالُ بِطُمُوِّهَا... ٱللهُ فِي وَسَطِهَا فَلَنْ تَتَزَعْزَعَ. يُعِينُهَا ٱللهُ عِنْدَ إِقْبَالِ ٱلصُّبْحِ.» (مزمور 46:1-3، 5). واستطاع بولس أن يقول ظافرًا، في وسط تجارب ثقيلة كثيرة: «فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لَا مَوْتَ وَلَا حَيَاةَ، وَلَا مَلَائِكَةَ وَلَا رُؤَسَاءَ وَلَا قُوَّاتِ، وَلَا أُمُورَ حَاضِرَةً وَلَا مُسْتَقْبَلَةً، وَلَا عُلْوَ وَلَا عُمْقَ، وَلَا خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ ٱللهِ ٱلَّتِي فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.» (رومية 8:38-39). لذلك، أيتها القلوب المسيحية الشاكّة الحزينة، في ضوء كل ما تعلّمناه عن «إِلَهُ كُلِّ تَعْزِيَةٍ»، أفلا تستطيعون أن تدركوا مع أيوب وداود وبولس وقديسي كل العصور أن لا شيء آخر يلزم لتهدئة كل مخاوفكم سوى هذا: أن الله كائن؟ إن مجرد وجوده هو كل الضمان الذي يحتاجه احتياجكم لفرَجه الأكيد. لا شيء يقدر أن يفصلكم عن محبته — لا شيء البتة. فكل حالة ممكنة قد وُضع لها جواب هنا، وما من واحدة منها تقدر أن تفصلكم عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا.

وبعد إعلان كهذا، كيف يجرؤ أحد منا أن يسأل عن محبة الله أو يرتاب فيها؟ وما دام يحبنا، فلا يمكن أن يكون كائنًا ثم لا يعيننا. أفلا نعرف باختبارنا نحن كيف لا بد للمحبة أن تنسكب في مباركة من تحبّ؟ أفلا نستطيع أن نفهم أن الله، الذي هو محبة — الذي هو، إن جاز التعبير، مصنوع من محبة — لا يستطيع ببساطة إلا أن يباركنا؟ لسنا في حاجة إلى أن نتوسّل إليه ليباركنا؛ فهو ببساطة لا يستطيع إلا أن يفعل.

إذًا الله يكفي؛ الله يكفي لهذه الحياة، والله يكفي للأبدية. الله يكفي!

«ما أعظمه من فرح أن أجلس وأفكّر في الله وحده!

أن أفكّر تلك الفكرة، وأتنفّس ذلك الاسم — ليس على الأرض نعيم أعلى منه».

تَمَّت.

إله كل تعزية Hannah Whitall Smith

صفحة 1 / 1 · 16 دقيقة متبقية في الفصل