فصل 12 · قراءة 13 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
كلمة إلى المتزعزعين
«وَلَكِنْ لِيَطْلُبْ بِإِيمَانٍ غَيْرَ مُرْتَابٍ ٱلْبَتَّةَ، لِأَنَّ ٱلْمُرْتَابَ يُشْبِهُ مَوْجًا مِنَ ٱلْبَحْرِ تَخْبِطُهُ ٱلرِّيحُ وَتَدْفَعُهُ. فَلَا يَظُنَّ ذَلِكَ ٱلْإِنْسَانُ أَنَّهُ يَنَالُ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ» (يعقوب 1:6-7).
يصعب أن نجد أمرًا يُوقع في الحياة الروحية قلقًا أشدّ من إيمان متزعزع. والصورة التي رسمها لنا الرسول يعقوب تصفه وصفًا دقيقًا، فهو يشبه «مَوْجًا مِنَ ٱلْبَحْرِ... تَخْبِطُهُ ٱلرِّيحُ وَتَدْفَعُهُ». وكما يستحيل على مسافر أن يبلغ غايته إن تقدّم يومًا ثمّ عاد أدراجه في اليوم التالي، كذلك يستحيل على النفس المتزعزعة أن تبلغ موضع السلام المستقرّ ما دامت مقيمة على تزعزعها.
في الفصل السابق تأمّلنا في زعزعات الله. وقد يُظنّ أنّ تزعزعنا نحن شبيهٌ بزعزعته هو، غير أنّ بينهما فرقًا بعيدًا. فزعزعات الله مصدرها محبّته وقصدها بركتنا، وهي تنتهي دائمًا إلى الراحة والسلام. أمّا تزعزعنا نحن فمصدره قلّة إيماننا، وهو ينتهي دائمًا إلى القلق والاضطراب.
المسيحيّ المتزعزع هو من يثق بمحبّة الله يومًا ويرتاب فيها في اليوم التالي، فيتقلّب بين الفرح والبؤس تبعًا لذلك. يصعد إلى قمّة تلّ الفرح حينًا، ثمّ لا يلبث أن ينحدر إلى وادي اليأس. تدفعه ذهابًا وإيابًا كلّ «رِيحِ تَعْلِيمٍ»، فهو أبدًا في جهاد ولا يبلغ شيئًا. إنّه فريسة كلّ مؤثّر متغيّر: صحّة جسده، أو من حوله من الناس، أو حتّى تقلّبات الطقس.
قد تحسب أنّ أقلّ أولاد الله خبرةً يعلم أنّ هذه الخبرة خاطئة. فالتزعزع في الإيمان على هذا النحو إهانةٌ بالغة للربّ، لأنّه تشكيكٌ في صدقه وأمانته. ومع ذلك فكثيرون من المسيحيّين قد عميت بصائرهم حتّى صاروا يحسبون هذا الميل إلى التزعزع علامةَ اتّضاع، ويعاملون كلّ هجمة شكٍّ جديدة كأنّها فضيلةٌ تقويّة.
قد يقول المسيحيّ المتزعزع في اطمئنان: «آه، ولكنّي أعلم أنّي غير مستحقّ إلى حدٍّ يجعل الشكّ لائقًا بي». وكثيرًا ما يُلمّح إلى أنّ سامعه لو كان متواضعًا حقًّا لارتاب هو أيضًا. عرفتُ مرّةً مسيحيًّا تقيًّا كانت حياته الروحية عذابًا متّصلًا من الشكوك. وبعد أن حثثتُه على مزيدٍ من الإيمان قال لي بكلّ جدّ: «يا صديقي العزيز، لو بلغ بي الكِبْر يومًا أن أوقن أنّ الله يحبّني، لتيقّنتُ أنّي سالكٌ في الطريق المستقيم إلى الجحيم».
وواضحٌ أنّه كان يظنّ أنّ مثل هذا اليقين لا يأتي إلّا من شعوره بأنّه «صالحٌ بما يكفي» ليستحقّ محبّة الله. وقد أصاب في أنّ ظنّنا أنّنا أهلٌ لمحبّة الله هو كِبْرٌ بعينه.
غير أنّ أساس يقيننا ليس صلاحنا نحن، بل صلاح الله. وإن كان لا ينبغي لنا قطّ أن نقنع بصلاحنا، فليس ثمّة مجالٌ للشكّ — عند كلّ من يؤمن بالكتاب المقدّس — في كفاية صلاحه هو كفايةً تامّة.
ولكي ترى مبلغ السُّخف في موقف الشكّ هذا، فانظر كيف يكون حاله في العلاقات البشريّة.
تصوّر رباط الزواج، أو صلة الولد بأبيه — وكلاهما يتّخذه الربّ رمزًا لعلاقتنا به. لو أنّ زوجةً أو زوجًا عاش «خبرةً متزعزعة» في ثقته بشريك حياته، يثق يومًا ويرتاب في اليوم التالي، أفكان ذلك يُعَدّ علامةَ اتّضاع أو فضيلةً تُصان؟ وكذلك لو تزعزع الأولاد في ثقتهم بوالديهم كما يتزعزع المسيحيّون في ثقتهم بأبيهم السماويّ، فأيّ لفظٍ يكون قاسيًا بما يكفي لوصف هذا العقوق؟ في العلاقات البشريّة قد يُلتمس العذر لمثل هذا التزعزع إن كان أحد الطرفين غير أهلٍ للثقة حقًّا. أمّا مع الله فلا عذر البتّة. بل إنّ إيمان أولاده المتزعزع قد يحمل من في الخارج على أن يستنتجوا أنّه ليس أهلًا لكثير ثقة.
إنّنا نرتعد فزعًا من أن نكون سببًا في أن يُسيء الناس الظنّ بطبيعة الله. ولكنّنا إن صدقنا مع أنفسنا وجب أن نعترف بأنّ الإيمان المتزعزع يترك هذا الانطباع بعينه. إنّه في جوهره خيانةٌ لإلهٍ أمين، وينبغي أن يُنظر إليه على أنّه خطيّةٌ جسيمة.
والحقّ أنّ تزعزعنا صادرٌ عن كِبْرٍ خفيٍّ لا نشعر به في الغالب، لا عن اتّضاع. فالاتّضاع الحقيقيّ يقبل ما يُغدق عليه من محبّةٍ وعطايا بوداعةٍ وشكرٍ فرِح. أمّا الكِبْر فينكمش عن قبول الإحسان، ويخاف أن يصدّق نقاوة قصد المعطي ونكران ذاته. ولو كنّا متواضعين حقًّا لقبلنا محبّة الله بوداعةٍ شاكرة، ولرأينا في اعترافنا بعدم استحقاقنا ما يزيد نعمته وصلاحه في اختيارنا سطوعًا.
والإيمان المتزعزع ليس خيانةً لله فحسب، بل هو أيضًا ينبوع شقاءٍ عظيمٍ لنا. فهو لا يقدر أن يخدم مصالحنا الروحية، بل لا يقدر إلّا أن يعوقها. يقول الرسول إنّنا «قَدْ صِرْنَا شُرَكَاءَ ٱلْمَسِيحِ، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ ٱلثِّقَةِ ثَابِتَةً إِلَى ٱلنِّهَايَةِ» (عبرانيّين 3:14). والثبات هو نقيض التزعزع تمامًا. وانتظار ثمار الثبات مع التزعزع سُخفٌ كسُخف من يروم بلوغ قمّة جبلٍ بتسلّقٍ قصيرٍ يعقبه انزلاقٌ طويلٌ مُهلك.
ومع ذلك فإنّ كثيرين ينتظرون هذا بعينه. يبدأون «بَدَاءَةِ ٱلثِّقَةِ»، وما دامت النضارة باقية فهم ممتلئون فرحًا. ثمّ تأتي التجارب والمحن، وتبدأ الشكوك تتسلّل. وعوض أن يعاملوها كأعداءٍ يجب مقاومتهم، يرحّبون بها كأصدقاء.
ولا يلبثون أن يتزعزعوا في إيمانهم وولائهم، فيذهب سلامهم. فإذا أشرقت الحياة انتعش إيمانهم، وإذا ساءت الأمور غلبت الشكوك وعادوا إلى التزعزع.
تحدّثتُ مرّةً مع أحد كبار رجال الدين عن إمكان حياةٍ روحيّةٍ يسودها سلامٌ ثابت.
فصارحني بأنّه لا يظنّ ذلك ممكنًا، وأنّ خبرات المسيحيّين في أكثرها أشبه بخبرته هو. «حين أريد أن أكتب عظاتي»، قال، «أبلغ قمّة الجبل بالصلاة والجهاد. أضع قدمي على وعدٍ ثمّ على وعدٍ آخر حتّى أبلغ الذروة فأستطيع أن أبدأ.
ويمضي الأمر حسنًا حينًا، ثمّ يأتي ما يقطعه: مشكلةٌ مع أولادي أو خصامٌ مع جار، فأهوي إلى أسفل. ولا سبيل إلى العودة إلّا بتسلّقٍ مُضْنٍ جديد. وقد أبقى على الذروة أيّامًا، أو في النادر أسابيع. أمّا ‹الثبات› هناك على الدوام، فلا أستطيع أن أصدّقه».
وهذا يصف خبرة كثيرين من أولاد الله الجائعين إلى السلام الذي وعد به المسيح، فلا يجدونه إلّا لحظاتٍ متفرّقة. يلمع لهم بصيصٌ من الإيمان، ثمّ تعود الشكوك القديمة. «انظر إلى قلبك»، تقول، «انظر كم هو باردٌ فاتر. فكيف تصدّق أنّ الله يحبّ مخلوقًا مسكينًا غير مستحقٍّ مثلك؟». ويبدو هذا معقولًا إلى حدٍّ يهوي بهم من جديد إلى الظلمة.
والعلّة كلّها إنّما هي قلّة الإيمان. ففي الحياة الروحية يكون الأمر دائمًا بحسب إيماننا. هذا ناموسٌ روحيّ لا يمكن تجاهله ولا الالتفاف عليه، لأنّه كامنٌ في طبيعة الأشياء، ولذلك فهو غير قابلٍ للتبديل. وبالمثل، إن كان الأمر يكون لنا بحسب إيماننا، فهو أيضًا يكون لنا بحسب شكوكنا.
وليست علّة تزعزعنا خطايانا، بل شكوكنا. فالشكوك تحفر بين نفوسنا وبين الربّ هوّةً لا تُعبَر، كما تفعل بيننا وبين أصدقائنا. وما من حرارةٍ في الطلب تستطيع أن تجسر تلك الهوّة. «فَلَا يَظُنَّ ذَلِكَ ٱلْإِنْسَانُ أَنَّهُ يَنَالُ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ» (يعقوب 1:7). وليس ذلك لأنّ الله غاضب، بل لأنّ طبيعة الأشياء تجعل اجتماع الشكّ والثقة أمرًا مستحيلًا. «وَلِمَنْ أَقْسَمَ: ‹لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتَهُ›، إِلَّا لِلَّذِينَ لَمْ يُطِيعُوا؟ فَنَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا لِعَدَمِ ٱلْإِيمَانِ» (عبرانيّين 3:18-19). لم يكن الأمر أنّ الله أبى أن يدخلهم عقابًا لهم؛ بل إنّهم لم يقدروا أن يدخلوا. كان ذلك مستحيلًا. فالإيمان هو الباب الوحيد إلى ملكوت السموات، وليس سواه. وإن أبينا الدخول من ذلك الباب فلن ندخل البتّة، إذ ليس هناك طريقٌ آخر.
إنّ خلاص الله ليس بضاعةً تُشترى، ولا أجرةً تُستحقّ، ولا قمّةً تُتسلَّق، ولا عملًا يُنجَز؛ بل هو ببساطةٍ عطيّةٌ تُقبَل، ولا تُقبَل إلّا بالإيمان. والإيمان عنصرٌ لا غنى عنه في قبول أيّ عطيّة، أرضيّةً كانت أم سماويّة. قد يضع أصدقائي هداياهم على مائدتي، بل في حجري، ولكن ما لم أصدّق ودّهم وصدق نيّتهم تصديقًا يحملني على قبول تلك الهدايا، فلن تصير لي حقًّا.
فمن الواضح إذًا أنّ الكتاب المقدّس إنّما يعلن طبيعة الأشياء، كعادته دائمًا، حين يقول: «بِحَسَبِ إِيمَانِكُمَا لِيَكُنْ لَكُمَا» (متّى 9:29). وكلّما أسرعنا إلى الاستقرار على هذا كان أفضل. فكلّ تزعزعنا نابعٌ من أنّنا لا نؤمن بهذا الناموس. نحن نقرّ طبعًا بأنّه في الكتاب، ولكنّنا نظنّ أنّه لا يمكن أن يعني ما يقوله حقًّا. نظنّ أنّه لا بدّ من إضافاتٍ إليه، مثل: «بحسب حرارتنا ليكن لنا»، أو «بحسب مثابرتنا»، أو «بحسب استحقاقنا».
ولو قيل الحقّ كلّه، لظهر أنّنا نميل إلى الظنّ بأنّ هذه الإضافات من عندنا هي — إن كان ثمّة فرق — أهمّ ما في الأمر. ولذلك ينصرف انتباهنا في أكثره إلى تسوية هذه المسائل. نراقب أحوال أفكارنا ومشاعرنا، ونفتّش في استحقاقنا أو عدم استحقاقنا بمثل هذا الاجتهاد، حتّى نكاد نغفل تمامًا عن المبدأ الأساسيّ الواحد، مبدأ الإيمان، الذي بدونه لا يتمّ شيء. ولمّا كانت أمزجتنا ومشاعرنا أشدّ ما في الكون تقلّبًا، وكان إحساسنا باستحقاقنا يتقلّب معها، فلا مفرّ من أن تتزعزع خبرتنا. وهكذا يتوارى إمكان الإيمان الثابت في الخلفيّة أكثر فأكثر. وبالاختصار، إنّنا نجعل أمانة الله وصدق كلمته رهنًا بحال مشاعرنا.
وإنّي لموقنة أنّ أحدًا من أصدقائنا لو عاملنا بمثل هذا الارتياب لجُرحنا واستشطنا غيظًا فوق كلّ حدّ. وما كان شعورهم بعدم استحقاقهم ليعذرهم في أعيننا على تزعزع ثقتهم بنا. بل إنّنا نُؤثِر أن يخطئ إلينا أصدقاؤنا على أن يرتابوا فينا. فما من صورةٍ من صور الخطيّة عاقت الربّ يسوع في أيّام جسده عن صنع أعماله العظيمة. الشيء الوحيد الذي عاقه هو عدم الإيمان. ففي بلدته، بين جيرانه وأصدقائه حيث كان يودّ أن يصنع المعجزات، قيل لنا إنّه «لَمْ يَصْنَعْ هُنَاكَ قُوَّاتٍ كَثِيرَةً لِعَدَمِ إِيمَانِهِمْ» (متّى 13:58). لم يكن ذلك لأنّه لم يشأ، بل ببساطةٍ لأنّه لم يقدر. وهو لا يقدر في حالنا أكثر ممّا قدر في حالهم.
ولكنّي أخشى أن يظنّ بعضكم أنّي مخطئة. قد تظنّ أنّه، رغم ما قاله الله، يستطيع من يتزعزع إيمانه أن ينال شيئًا من الربّ إن كان في حرارةٍ واجتهادٍ كافيين. ومعنى ذلك أنّك لا تصدّق أنّ الله يعرف نواميس ملكوته كما تعرفها أنت، وأنّ اتّباع أفكارك أسلم من اتّباع كلمته. ومع ذلك فلا بدّ أنّك تعلم أنّ شكوكك لم تجلب لك إلى اليوم إلّا ظلمةً وشقاء. تذكّر تلك الأيّام والأسابيع، بل السنين، من حياةٍ روحيّةٍ عرجاء متعثّرة قلقة، ثمّ اسأل نفسك بصدق: أليست علّة ذلك كلّه إيمانك المتزعزع؟
فإن كنت تؤمن يومًا أنّ الله يحبّك وراضٍ عنك، ثمّ ترتاب في اليوم التالي في محبّته وتخاف أن يكون غاضبًا عليك، أفليس من البديهيّ أن تتزعزع خبرتك بين الفرح والبؤس؟ فلا يمنحك خبرةً غير متزعزعة إلّا إيمانٌ ثابتٌ بمحبّته وعنايته.
فالسؤال الواحد إذًا، لكلّ من يتزعزع إيمانه، هو: كيف نضع حدًّا لهذا التزعزع نهائيًّا؟ وهنا، أحمد الله إذ أستطيع أن أقول إنّي أعرف علاجًا كاملًا. الشيء الوحيد الذي عليك أن تفعله هو أن تتخلّى عنه. تزعزعك علّته شكّك، لا سواه. اترك شكّك يتوقّف تزعزعك. تمسّك بشكّك يدُم تزعزعك. الأمر كلّه واضحٌ وضوح النهار، والخيار في يدك أنت.
ولعلّك تحسب هذا قولًا متطرّفًا، إذ ربّما لم يخطر ببالك قطّ أنّك تستطيع أن تتخلّى عن الشكّ بالكلّيّة. لكنّي أؤكّد لك أنّك تستطيع. تستطيع ببساطةٍ أن ترفض أن تشكّ.
تستطيع أن تُغلق الباب في وجه كلّ إيحاءٍ بالشكّ يأتيك، وأن تعلن بالإيمان نقيضه تمامًا. شكّك يقول: «إنّ الله لا يغفر خطاياي». وإيمانك يجب أن يقول: «بل هو يغفر لي؛ هو نفسه يقول ذلك، وأنا أختار أن أصدّقه. أنا ولده المغفور له». وعليك أن تثبت على هذا التصريح حتّى تتبدّد شكوكك كلّها. وليس لك أن تقول إنّ «طبعك طبعٌ شكّاك» فلا تستطيع إلّا أن تشكّ، أكثر ممّا لك أن تقول إنّ «طبعك طبع لصّ» فلا تستطيع إلّا أن تسرق. فضبط أحدهما ميسورٌ كضبط الآخر. عليك أن تتخلّى عن الشكّ كما تتخلّى عن السرقة. وعليك أن تعامل تجربة الشكّ تمامًا كما يعامل المكافح للخمر تجربة الشرب: عليك أن تقطع على نفسك عهدًا بتركها.
وأنجع طريقةٍ أعرفها هي أن نضع شكوكنا — كما نضع سائر خطايانا — على مذبح الله، وأن نسلّمها له تسليمًا تامًّا. علينا أن نتخلّى عن كلّ حرّيّةٍ في الشكّ، وأن نكرّس له قدرتنا على الإيمان، واثقين أنّه يحفظنا واثقين به. علينا أن نجعل إيماننا بكلمته أمرًا حتميًّا لازمًا كطاعتنا لمشيئته. علينا أن نكون لصديقنا السماويّ من الأوفياء بمقدار وفائنا لأصدقائنا الأرضيّين. علينا أن نرفض الإقرار بإمكان أيّ تشكيكٍ أو ارتيابٍ في محبّته أو أمانته.
ولا شكّ أنّ التجارب إلى التزعزع ستأتي. وسيبدو لنا أحيانًا مستحيلًا أن يحبّ الربّ كائناتٍ كريهةً غير مستحقّةٍ كما نحسب أنفسنا. لكنّ علينا أن نصمّ آذاننا عن هذه المطاعن في محبّة الله كما نصمّها عن أيّ نميمةٍ في أعزّ أصدقائنا. وقد يشتدّ الجهاد في ذلك أحيانًا حتّى يبدو فوق الاحتمال. غير أنّ ثباتنا الذي لا يتبدّل يجب أن يكون على الدوام كثبات أيّوب إذ قال: «هُوَذَا يَقْتُلُنِي. لَا أَنْتَظِرُ شَيْئًا» (أيّوب 13:15). وإيماننا الثابت سيحملنا لا محالة إلى نصرةٍ مجيدة.
وكثيرًا ما يبدو لنا أنّ التزعزع في إيماننا والتساؤل عمّا إذا كان الخلاص مقصودًا لنا أمرٌ «مستقيم» بالنظر إلى كثرة نقائصنا. ولكن إن فهمنا ما هو خلاص الربّ يسوع المسيح، وجب أن نُدرك أنّ هذا كلّه ليس إلّا تجربة. وعلينا أن نرفع بمثابرةٍ «تُرْسَ ٱلْإِيمَانِ، ٱلَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ ٱلشِّرِّيرِ ٱلْمُلْتَهِبَةِ» (أفسس 6:16).
إنّ روح الله لا يوحي البتّة، في أيّ حالٍ من الأحوال، بشكٍّ في محبّة الله. ومن أيّ مصدرٍ جاءت الشكوك، فأمرٌ واحدٌ مؤكّد: إنّها لا تأتي من السماء. كلّ الشكوك من مصدرٍ شرّير، ويجب أن تُعامَل على أنّها إيحاءات عدوّ. صحيحٌ أنّنا لا نستطيع أن نمنع إيحاءات الشكّ من أن تُسمِع صوتها في قلوبنا، كما لا نستطيع أن نمنع آذاننا من سماع التجديف في الشوارع. ولكن كما نستطيع أن نرفض إقرار ذلك الكلام أو المشاركة فيه، كذلك نستطيع أن نرفض إعارة هذه الإيحاءات أيّ التفات. والحالتان متشابهتان تمامًا. ومع أنّنا نعلم أنّ المشاركة في التجديف خطأ، فكثيرًا ما يبقى فينا شعورٌ خفيّ بأنّ الشكوك قد تكون «تقويّة» وأنّها تستحقّ التشجيع. وأنا أعتقد أنّ إحداهما تُحزن الله بمقدار ما تُحزنه الأخرى.
وأكرّر مرّةً أخرى: السبيل الوحيد لمعاملة الشكوك التي تجعلك تتزعزع هو أن تتخلّى عنها.
فالتسليم المطلق هو العلاج الوحيد. وكما هي الحال مع المكافح للخمر، فأنصاف الحلول لا تجدي. الامتناع التامّ هو الرجاء الوحيد.
وأعمل الطرق لتحقيق ذلك أن تواجه كلّ شكٍّ بإنكارٍ صريح، وأن تنقل الحرب إلى أرض العدوّ بتصريحٍ قاطعٍ بالإيمان. فمثلًا، إذا ارتفع الشكّ في أنّ الله يستطيع أن يحبّ شخصًا خاطئًا غير أمينٍ كما تحسب نفسك، فعليك أن تصرّح في الحال في قلبك — وبصوتٍ مسموعٍ لشخصٍ آخر إن أمكن — بأنّ الله يحبّك حقًّا.
هو يقول إنّه يحبّك، وكلمته أجدر بالثقة ألف ألف مرّةٍ من كلّ مشاعرك. وإن لم تجد أحدًا تقول له ذلك، فاكتبه في رسالة، أو قله بصوتٍ مسموعٍ لنفسك ولله. وليكن قولك محدّدًا كلّ التحديد.
وإن كنت قد نلت في أمرٍ ما «بَدَاءَةِ ٱلثِّقَةِ»، أو تمسّكت يومًا بوعدٍ من وعود الربّ، فتمسّك بذلك الوعد ثابتًا غير متزعزع، مهما جرى.
فلا موضع لموقفٍ وسط. إن كان صحيحًا مرّةً فهو صحيحٌ إلى الآن، لأنّ الله لا يتغيّر. والشيء الوحيد الذي يقدر أن يحرمك منه هو عدم إيمانك. فما دمت تؤمن فهو لك. «لِذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ» (مرقس 11:24).
فلا تدع شيئًا يزعزع إيمانك. وإن أدركتك الخطيّة — وهو ما نأسف له — فلا تدعها تحملك على الشكّ. بل في الحال، متى اكتشفت خطيّةً، اعمل بموجب الحقّ القائل: «إِنِ ٱعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ» (1 يوحنّا 1:9).
اعترف بخطيّتك في الحال، وآمن في الحال أنّ الله يغفرها كما أعلن، وأنّه يطهّرك من جديد. فما من خطيّةٍ، مهما ثقلت، تقدر أن تفصلنا عن الله لحظةً واحدة بعد أن تُعامَل على هذا النحو. وأن تدع الخطيّة تزعزع إيمانك ليس إلّا إضافة خطيّةٍ جديدة إلى ما اقترفته. عُد إلى الله في الحال بالطريق الذي يعلّمه الكتاب، ودع إيمانك يتمسّك بكلمته ثابتًا. صدّقها، لا لأنّك تشعر بها أو تراها، بل لأنّه هو قالها. صدّقها إيمانًا فعّالًا ثابتًا، في الظلمة والنور، في الصعود والهبوط، في أوقات العزاء وأوقات اليأس، وأنا أعدك بأنّ خبرتك المتزعزعة ستنتهي.
«إِذًا يَا إِخْوَتِي ٱلْأَحِبَّاءَ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ ٱلرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلًا فِي ٱلرَّبِّ» (1 كورنثوس 15:58). وأن يكون المرء «غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ» في حياته الروحية هو نقيض التزعزع تمامًا. وفي المزمور السادس والأربعين نرى ما هو ذلك. قد تتزحزح الأرض وتنقلب الجبال إلى قلب البحار؛ وقد يبدو كوننا كلّه خرابًا؛ ولكنّنا ما دمنا نتّكل على الربّ «لَنْ نَتَزَعْزَعَ» (مزمور 46:5).
فمن يتزعزع إيمانه تقلقه أتفه التوافه؛ ومن يثبت إيمانه يستطيع أن ينظر في هدوءٍ حتّى إلى خراب كونه. وأن نكون هكذا غير متزعزعين بركةٌ جديرةٌ بأشدّ الاشتياق، وهي تصير لنا إن نحن تمسّكنا ببداءة ثقتنا ثابتةً إلى النهاية.
«الإيمان أحلى العبادات لدى من أحبّ أن يُخفي في الظلمة بهاءَه الذي لا يُحتمل؛ وأن نثق بكلمتك، يا أعزّ ربّ، هو المحبّة الصادقة، فأكثر الصلوات استجابةً تلك التي تبدو أشدّ ردًّا.
والإيمان يلقي ذراعيه حول كلّ ما أخبرتَه به، وإذ يقدر أن يحتوي أضعاف ذلك، لا يملك إلّا أن يحزن؛ لقد كان يقدر أن يحتوي ذاتك العظيمة، يا ربّ، لو شئتَ أن تُعلنها، والمحبّة تجعله يتوق إلى المزيد ليؤمن به.»