إله كل تعزية ·الأشياء التي لا تتزعزع

فصل 11 · قراءة 12 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

الأشياء التي لا تتزعزع

«فَقَوْلُهُ: ‹مَرَّةً أَيْضًا›، يَدُلُّ عَلَى تَغْيِيرِ ٱلْأَشْيَاءِ ٱلْمُتَزَعْزِعَةِ كَمَصْنُوعَةٍ، لِكَيْ تَبْقَى ٱلَّتِي لَا تَتَزَعْزَعُ» (عبرانيين 12:27).

بعد كل ما تأمّلنا فيه من محبة الله ورعايته اللتين لا يُسبَر لهما غور، قد يُخيَّل لمن لا يعرفون أعمق طرق المحبة أنه لا يمكن أن تدخل حياةَ أولاده تجربةٌ ولا شدّة. ولكننا إن نظرنا في الأمر نظرة عميقة، رأينا أن المحبة نفسها هي التي كثيرًا ما توجب الشدّة. «لِأَنَّ ٱلَّذِي يُحِبُّهُ ٱلرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ٱبْنٍ يَقْبَلُهُ إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ ٱلتَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ ٱللهُ كَٱلْبَنِينَ. فَأَيُّ ٱبْنٍ لَا يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟ وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلَا تَأْدِيبٍ، قَدْ صَارَ ٱلْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ، فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لَا بَنُونَ» (عبرانيين 12:6-8).

فإن رأت المحبة مَن تحبّهم سائرين في طريق الضلال، وجب عليها، بحكم محبتها عينها، أن تصنع ما تستطيع لتخلّصهم؛ والمحبة التي تُقصّر عن هذا ليست إلا أنانية. ولذلك، بسبب محبته التي لا يُسبَر لها غور، فإن إله المحبة — حين يرى أولاده يُسنِدون نفوسهم إلى ما يتزعزع — لا بدّ له أن ينزع تلك الأشياء من حياتهم، حتى يُساقوا إلى الاستناد وحده على ما لا يتزعزع. وهذا النزع عملية قاسية جدًّا أحيانًا.

أحسب أننا جميعًا نُقرّ بأن نفوسنا إن كان لها أن تستريح في سلام وتعزية، فلا يكون ذلك إلا على أسس لا تتزعزع. وليس في وسع النفس أن تستريح وهي تحاول أن تتّكئ على «ٱلْأَشْيَاءِ ٱلْمُتَزَعْزِعَةِ»، كما ليس ذلك في وسع الجسد. فما من أحد يستريح في سرير يهتزّ، ولا يجلس مطمئنًّا على كرسيّ متداعٍ.

فالأسس، لكي يُعوَّل عليها، يجب أن تكون أبدًا غير متزعزعة. «فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هَذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا، أُشَبِّهُهُ بِرَجُلٍ عَاقِلٍ، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى ٱلصَّخْرِ. فَنَزَلَ ٱلْمَطَرُ، وَجَاءَتِ ٱلْأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ ٱلرِّيَاحُ، وَوَقَعَتْ عَلَى ذَلِكَ ٱلْبَيْتِ فَلَمْ يَسْقُطْ، لِأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّسًا عَلَى ٱلصَّخْرِ. وَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هَذِهِ وَلَا يَعْمَلُ بِهَا، يُشَبَّهُ بِرَجُلٍ جَاهِلٍ، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى ٱلرَّمْلِ. فَنَزَلَ ٱلْمَطَرُ، وَجَاءَتِ ٱلْأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ ٱلرِّيَاحُ، وَصَدَمَتْ ذَلِكَ ٱلْبَيْتَ فَسَقَطَ، وَكَانَ سُقُوطُهُ عَظِيمًا!» (متى 7:24-27).

ومن الممكن جدًّا في الحياة المسيحية أن يبني الإنسان بيته الروحي على أسس واهية، حتى إذا صدمته العواصف كان سقوط ذلك البيت عظيمًا. فكم من اختبار دينيّ بدا حسنًا ما دام كل شيء في الحياة يجري على ما يُرام، ثم ترنّح وسقط عند مجيء التجارب، لأن أسسه كانت واهية. ولذلك فمن الأمور البالغة الخطورة لكل واحد منا أن يتيقّن من أن حياته الدينية مبنيّة على «ٱلَّتِي لَا تَتَزَعْزَعُ».

وبالطبع، إن أول فكرة تخطر بكل ذهن هي أن البناء يجب أن يكون على الصخرة، المسيح يسوع. وهذا حق؛ ولكن المسألة الكبرى هي: ماذا نعني بهذا التعبير؟ فهو من العبارات الدينية التي كثيرًا ما تُقال على سبيل العُرف، من غير أن يُلحَق بها معنًى محدَّد أو حقيقيّ. فنحن نؤمن، على سبيل العُرف، بأن المسيح هو الصخرة الوحيدة التي يُبنى عليها؛ أما عمليًّا — وربما من غير أن ندري — فنؤمن بأنه لكي تكون لنا صخرة يأمن البناء عليها حقًّا، لا بدّ أن يُضاف إلى المسيح أشياء كثيرة سواه. فنحسب مثلًا أنه لا بدّ من إضافة الحالات الذهنية والمشاعر الصحيحة، أو التعاليم والعقائد الصحيحة، أو غير ذلك ممّا قد يبدو لكل واحد منا أنه يؤلّف القدر اللازم من الأمان. ولو صدَقْنا مع أنفسنا كل الصدق، لوجدنا في ظنّي أن اتّكالنا كان في أكثر الأحيان منصبًّا كلّه تقريبًا على هذه الإضافات من عندنا، وأن المسيح نفسه، بوصفه صخرة اتّكالنا، كان في المرتبة الثانية تمامًا.

وما ينبغي أن نعنيه حين نتكلم عن البناء على الصخرة، المسيح يسوع، هو ما أجتهد في هذا الكتاب كلّه أن أُوضحه: أن الرب كافٍ لخلاصنا — الربّ وحده لا غير، بلا إضافات من عندنا. إنه الربّ نفسه، كما هو في صفاته الذاتية، خالقنا وفادينا، ونصيبنا الكافي كلّ الكفاية.

«وَلَكِنَّ أَسَاسَ ٱللهِ ٱلرَّاسِخَ قَدْ ثَبَتَ» (تيموثاوس الثانية 2:19)، وهو الأساس الوحيد الذي يثبت.

ولذلك نحتاج إلى أن «نُزعزَع» عن كل أساس آخر، حتى نُضطرّ إلى الاستناد على أساس الله وحده. وهذا يفسّر ضرورة تلك «الزعزعات» التي يبدو أن كثيرين من المسيحيين مدعوّون إلى اجتيازها. فالربّ يرى أنهم يبنون بيوتهم الروحية على أسس هشّة لا تقوى على الصمود حين «صَدَمَ ٱلنَّهْرُ ذَلِكَ ٱلْبَيْتَ» (لوقا 6:48) في عواصف الحياة. فهو، لا بغضب بل بأحنّ محبة، يزلزل أرضنا وسماءنا حتى يزول كلّ «ٱلْأَشْيَاءِ ٱلْمُتَزَعْزِعَةِ»، ولا يبقى إلا «ٱلَّتِي لَا تَتَزَعْزَعُ».

ويخبرنا الرسول أن الأشياء المتزعزعة إنما هي «كَمَصْنُوعَةٍ» (عبرانيين 12:27)؛ أي الأشياء التي تصنعها جهودنا نحن — مشاعر نُثيرها، وتعاليم نُحكم صوغها، وأعمال صالحة نقوم بها. وليس أن هذه رديّة في ذاتها؛ إنما متى بدأت النفس تستند إليها بدل أن تستند إلى الربّ، اضطُرّ هو أن يهزّنا «هزًّا» عنها. وهذه الزعزعة تشمل، كما قيل لنا، «لَا ٱلْأَرْضَ فَقَطْ بَلِ ٱلسَّمَاءَ أَيْضًا» (عبرانيين 12:26). ومعنى هذا، وأنا على يقين منه، أنه يمكن أن تكون عندنا أشياء «مصنوعة» حتى في الأمور الدينية. وكم من التديّن المزعوم عند كثيرين من المسيحيين هو من هذه الأشياء «المصنوعة»؟ لا أستطيع أن أقول؛ ولكني أظنّ أحيانًا أن الانقلابات الكبرى والاضطرابات في أمور الإيمان، التي تُكرِب المسيحيين في هذه الأيام، قد لا تكون إلا الزعزعة اللازمة لتلك «المصنوعات»، لكي يبقى وحده ما «لا يتزعزع».

وربما أتت علينا في حياتنا الدينية أوقات يبدو فيها اختبارنا راسخًا لا يتزحزح كأصول الجبال الدهرية. ثم يأتي الزلزال؛ فتتزعزع أسسنا كلها وتنهار، ونوشك أن نيأس وأن نتساءل: أفي وسعنا أن نكون مسيحيين أصلًا؟ وقد يكون الزلزال في ظروفنا الخارجية، وقد يكون في اختبارنا الداخلي. فإن كان الناس قد استندوا إلى أعمالهم الصالحة وخدمتهم الأمينة، فكثيرًا ما يُضطرّ الربّ أن ينزع كلّ قدرة على العمل أو كلّ فرصة له، حتى تُساق النفس بعيدًا عن موضع راحتها الكاذب، وتُضطرّ إلى أن تستريح في الربّ وحده.

وقد يكون الاتّكال على المشاعر الطيبة أو العواطف التقويّة، فلا بدّ أن تُحرَم النفس منها قبل أن تتعلّم أن تتّكل على الله وحده. وقد يوضع الاتّكال على «التعليم السليم»، فيشعر المرء أنه في موقع حصين لأن «آراءه» صحيحة كلّ الصحّة وتعاليمه «قويمة» كلّ القِوام. فيُضطرّ الربّ حينئذ أن «يزعزع» تلك التعاليم، وأن يُلقي ذلك الإنسان، ربما، في حَيرة وظلمة من جهة «آرائه». وفي مثل هذه اللحظة عينها أبصرت نفسي الله أوّل إبصار حقيقيّ؛ فإذا بما بدا خرابًا روحيًّا وهزيمة محقَّقة قد تحوّل إلى أظفر انتصار.

أو قد يأتي الزلزال في ظروفنا الخارجية. فقد بدا كلّ شيء راسخًا في النجاح حتى ما عاد حُلمٌ بكارثة يقلقنا. فسمعتنا مضمونة، وعملنا مزدهر، وجهودنا كلّها موفَّقة فوق ما رجونا، ونفسنا في راحة؛ وصارت الحاجة إلى الله في خطر أن تصير بعيدة غامضة. فيُضطرّ الربّ حينئذ أن يضع لهذا كلّه نهاية. فينهار نجاحنا من حولنا كبيتٍ بُني على الرمل، ونُجرَّب أن نظنّ أنه غاضب علينا. ولكن الحقّ أنه ليس غضبًا، بل أحنّ محبة. فمحبته عينها تُلزمه أن ينزع عنا النجاح الظاهريّ الذي يحبس نفوسنا عن الدخول إلى الملكوت الروحيّ الداخليّ الذي نشتاق إليه.

«فَمَعَ أَنَّهُ لَا يُزْهِرُ ٱلتِّينُ، وَلَا يَكُونُ حَمْلٌ فِي ٱلْكُرُومِ. يَكْذِبُ عَمَلُ ٱلزَّيْتُونَةِ، وَٱلْحُقُولُ لَا تَصْنَعُ طَعَامًا. يَنْقَطِعُ ٱلْغَنَمُ مِنَ ٱلْحَظِيرَةِ، وَلَا بَقَرَ فِي ٱلْمَذَاوِدِ، فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِٱلرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلَهِ خَلَاصِي» (حبقوق 3:17-18).

وعندئذ، وكثيرًا ما لا يكون ذلك إلا عندئذ، تتعلّم نفوسنا أن تبتهج بالربّ وحده.

وقد صرّح بولس قائلًا: «إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي» (فيلبي 3:8). ومتى تعلّمنا أن نقول مثله، صار السلام والفرح اللذان يَعِد بهما الإنجيل مُلكًا دائمًا لنا.

«مَاذَا وَجَدَ فِيَّ آبَاؤُكُمْ مِنْ جَوْرٍ حَتَّى ٱبْتَعَدُوا عَنِّي وَسَارُوا وَرَاءَ ٱلْبَاطِلِ وَصَارُوا بَاطِلًا؟» هكذا يسأل الربّ بني إسرائيل (إرميا 2:5).

«لِأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ ٱلْمِيَاهِ ٱلْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لَا تَضْبُطُ مَاءً» (إرميا 2:13).

ونحن، كبني إسرائيل، نترك ينبوع المياه الحيّة ونحاول أن ننقر لأنفسنا آبارًا من صنع أهوائنا. فنسعى أن نروي عطشنا باختباراتنا أو بأنشطتنا، ثم نعجب: لِمَ لا نزال عِطاشًا؟ وإنما لكي ينقذنا الربّ من الهلاك عطشًا يرى من اللازم أن يحطّم آبارنا المشقَّقة؛ فعندئذ فقط نُضطرّ أن نشرب من ينبوع المياه الحيّة.

وقد قيل لنا إن مَن «يَتَّكِلْ عَلَى ٱلسُّوءِ» فإن «ٱلسُّوءَ يَكُونُ أُجْرَتَهُ» (أيوب 15:31)، وكم من مرة وجدنا هذا صحيحًا. أعبرتَ يومًا مستنقعًا خطِرًا مملوءًا بالرمال المتحركة، حيث كانت كلّ خطوة مخاطرة؟ كانت الرَّوابي التي تبدو صلبة تخدعك مرة بعد مرة فتتّكل عليها اتّكالًا كاذبًا، فتغوص في الوحل والماء المستترَين تحتها. فإن كنتَ قد فعلت، فستفهم ما معنى أن «يتّكل المرء على السوء»، وستقدّر بركة كلّ حال يكشف لك فساد اتّكالاتك الكاذبة ويسوقك إلى الاتّكال على ما هو أمين دائم. ومتى كانت أقدامنا تخوض في «طِينِ ٱلْحَمْأَةِ»، وجب أن نرحّب بالمرشد الإلهيّ الذي يصعدنا من الوحل، والذي عنه قيل: «أَقَامَ عَلَى صَخْرَةٍ رِجْلَيَّ. ثَبَّتَ خُطُوَاتِي» (مزمور 40:2)، وإن بدت السُّبل التي يدعونا إلى السلوك فيها ضيّقة عسيرة.

والنبيّ إرميا، إذ ينوح على خطايا شعبه، يقول: «جَعَلْنَا ٱلْكَذِبَ مَلْجَأَنَا، وَبِٱلْغِشِّ ٱسْتَتَرْنَا» (إشعياء 28:15). ويزيد أن الربّ أعلن: «فَيَخْطَفُ ٱلْبَرَدُ مَلْجَأَ ٱلْكَذِبِ، وَيَجْرُفُ ٱلْمَاءُ ٱلسِّتَارَةَ» (إشعياء 28:17). وقد يبدو أن غضب الله هو الفاعل هذا، وكثيرون من المسيحيين المرتاعين يظنّون ذلك؛ ولكن غضبه إنما هو على ملاجئ الكذب، لا علينا نحن. وما كانت المحبة لتفعل أقلّ من أن تهدم هذه الملاجئ لكي ننجو.

وقد أهداني مرّةً صديق عزيز مسنّ، كان شديد الاهتمام بخيري الروحيّ، كتابًا صغيرًا عنوانه The Seventeen False Rests of the Soul. وكان يشعر، فيما يظهر، أني في خطر أن أستقرّ على واحدة من هذه الراحات الكاذبة. وكان الكتاب يشرح، بلغة قديمة طريفة، أن النفس تُجرَّب على الدوام أن تجلس على شيء كاذب كأنه موضع راحتها الأخير. فيُضطرّ الله على الدوام أن «ينزع القاع» عن كلّ موضع راحة كاذب من هذه، كما ينزع المرء مقعد الكرسيّ فيهوي الجالس عليه. وقد وُصفت الراحات الكاذبة السبع عشرة كلّها، وبُيّن كيف أن النفس — إذ «يُنزَع القاع» عن كلّ واحدة منها بدورها — استقرّت أخيرًا على الراحة الحقيقية الوحيدة في الله.

وهذا «النزع للقاع» ليس إلا كلمة أخرى عن تلك «الزعزعات» و«التفريغات» التي أكتب عنها. وهي عملية موجعة دائمًا، ومثبِّطة في كثير من الأحيان. فيبدو كلّ شيء غير ثابت، وتبدو الراحة بعيدة المنال كلّ البعد. فما إن نجد اختبارًا أو تعليمًا نحسب أننا نستريح عليه يقينًا، حتى تأتي «زعزعة» عظيمة فنُخرَج منه ثانية. ولا بدّ أن تستمرّ هذه العملية حتى يزول كلّ ما يتزعزع، ولا يبقى إلا «ٱلَّتِي لَا تَتَزَعْزَعُ». وكثيرًا ما يأتي الجواب على أحرّ صلواتنا طلبًا للنجاة في صورة يُخيَّل معها إلينا أن «أُسُسُ ٱلْجِبَالِ ٱرْتَعَدَتْ وَٱرْتَجَّتْ» (مزمور 18:7). ولا نرى دائمًا في البداية أنه بهذه الزعزعة عينها تتمّ النجاة التي صلّينا لأجلها، فتخرجنا إلى «ٱلرُّحْبِ» (مزمور 18:19) الذي نشتاق إليه.

وكان المتصوّفون القدماء يعلّمون بما كانوا يسمّونه «التجرّد»، أي فكّ ارتباط النفس بكلّ ما يقدر أن يعوقها عن الله. وهذه الحاجة إلى التجرّد هي سرّ كثير من «زعزعاتنا». فلا نقدر أن نتبع الربّ تمامًا ما دمنا مربوطين بشيء آخر ربطًا وثيقًا، كما لا يقدر القارب أن يُبحر في المحيط اللانهائيّ وهو مربوط إلى الشاطئ.

وإن أردنا أن نبلغ «ٱلْمَدِينَةَ ٱلَّتِي لَهَا ٱلْأَسَاسَاتُ، ٱلَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا ٱللهُ» (عبرانيين 11:10)، وجب أن نخرج كإبراهيم من كلّ مدينة سواها، وأن نتجرّد من كلّ رباط أرضيّ.

وكلّ ما في حياة إبراهيم ممّا يمكن أن يتزعزع قد تزعزع. فقد كان، إن صحّ التعبير، يُفرَغ من إناء إلى إناء — ها هنا اليوم وذاهبًا غدًا. وقد قُلقلت مواضع راحته كلّها، فلم يكن له استقرار ولا تعزية في مكان. ونحن، كإبراهيم، نطلب مدينة لها أساسات، ولذلك سنحتاج نحن أيضًا أن نُفرَغ من إناء إلى إناء. ولا ندرك هذا، فإذا جاءت الزعزعات وقعنا في اليأس، ظانّين أننا لن نبلغ تلك المدينة قطّ. ولكن هذه الزعزعات عينها هي التي تجعل بلوغنا إياها ممكنًا.

وقد تعلّم صاحب المزامير هذا، فبعد كلّ زعزعات حياته الحافلة صرخ قائلًا: «إِنَّمَا لِلهِ ٱنْتَظِرِي يَا نَفْسِي، لِأَنَّ مِنْ قِبَلِهِ رَجَائِي. إِنَّمَا هُوَ صَخْرَتِي وَخَلَاصِي، مَلْجَإِي فَلَا أَتَزَعْزَعُ. عَلَى ٱللهِ خَلَاصِي وَمَجْدِي، صَخْرَةُ قُوَّتِي مُحْتَمَايَ فِي ٱللهِ» (مزمور 62:5-7). فصار الله له أخيرًا كلَّ شيء؛ فوجد حينئذ أن الله كافٍ.

والأمر كذلك معنا. فمتى تزعزع في حياتنا واختبارنا كلّ ما يمكن أن يتزعزع، ولم يبقَ إلا ما لا يتزعزع، سِيقَ بنا إلى أن نرى أن الله وحده صخرتنا وأساسنا. ونتعلّم أن يكون انتظارنا منه وحده. «لِذَلِكَ لَا نَخْشَى وَلَوْ تَزَحْزَحَتِ ٱلْأَرْضُ، وَلَوِ ٱنْقَلَبَتِ ٱلْجِبَالُ إِلَى قَلْبِ ٱلْبِحَارِ. تَعِجُّ وَتَجِيشُ مِيَاهُهَا. تَتَزَعْزَعُ ٱلْجِبَالُ بِطُمُوِّهَا... ٱللهُ فِي وَسَطِهَا فَلَنْ تَتَزَعْزَعَ. يُعِينُهَا ٱللهُ عِنْدَ إِقْبَالِ ٱلصُّبْحِ» (مزمور 46:2-3، 5).

«فَلَنْ تَتَزَعْزَعَ» — يا له من تصريح يبعث الهمّة! أيمكن أن نصل نحن، الذين تزعزعنا أشياء الأرض بأدنى سبب، إلى موضع لا يقدر فيه شيء أن يعكّر مزاجنا أو يقلق سكوننا؟ نعم، هذا ممكن؛ وقد عرفه الرسول بولس. فحين كان في طريقه إلى أورشليم، حيث كان يرى مسبقًا أنّ «وُثُقًا وَشَدَائِدَ» تنتظره، استطاع أن يقول ظافرًا: «لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلَا نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي» (أعمال الرسل 20:23-24). وفي الترجمة الإنجليزية القديمة جاء صدر هذه الآية هكذا: «لا يُزَعْزِعُني شيء من هذه الأمور». وكلّ ما في حياة بولس ممّا يمكن أن يتزعزع كان قد تزعزع. فإن تركنا الله يصنع بنا ما يشاء، بلغنا نحن أيضًا إلى الموضع عينه. فلن يكون لمنغّصات الحياة الصغيرة ولا لتجاربها العظيمة قدرةٌ على أن تزحزحنا عن ذاك الذي هو «سَلَامُ ٱللهِ ٱلَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ» (فيلبي 4:7)، نصيبِ الذين تعلّموا أن يستريحوا على الله وحده.

وفي الرؤيا التي أُعطيت ليوحنا في جزيرة بطمس، يقول الروح للكنائس ما ينتظر الغالبين: «مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلَهِي.

وَلَا يَعُودُ يَخْرُجُ إِلَى خَارِجٍ» (رؤيا 3:12). وأن نكون راسخين كعمود في بيت إلهنا غايةٌ يطيب للمرء أن يحتمل في سبيلها كلّ ما يلزم من «زعزعات» و«نزعٍ للقواعد» ليبلغها!

«لِذَلِكَ وَنَحْنُ قَابِلُونَ مَلَكُوتًا لَا يَتَزَعْزَعُ لِيَكُنْ عِنْدَنَا شُكْرٌ بِهِ نَخْدِمُ ٱللهَ خِدْمَةً مَرْضِيَّةً، بِخُشُوعٍ وَتَقْوَى. لِأَنَّ إِلَهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ» (عبرانيين 12:28-29). وكثيرون جدًّا يخافون نار الله الآكلة، وما ذلك إلا لأنهم لا يفهمون ما هي. فهي نار محبة الله التي لا بدّ لها، بحكم طبيعتها عينها، أن تأكل كلّ ما يقدر أن يؤذي شعبه. فإن كانت قلوبنا مصمِّمة على أن نكون ما تريدنا محبةُ الله أن نكون، فنارُه شيء نرحّب به ترحيبًا حارًّا لا شيء نخافه.

«المحبةُ لا تُستَرضى.

قد يُشترى الأعداء أو يُستمالون فيرتدّوا عن نيّتهم الخبيثة؛ أمّا مَن كان على الإحسان مصمِّمًا، فلا يُثنيه شيء».

فلنشكر الله إذًا أنه «على الإحسان مصمِّم» نحونا، وأن نار محبته الآكلة لن تكفّ عن الاشتعال حتى تنقّينا كما تُنقّى الفضة. فالوعد هو: «فَيَجْلِسُ مُمَحِّصًا وَمُنَقِّيًا لِلْفِضَّةِ. فَيُنَقِّي بَنِي لَاوِي وَيُصَفِّيهِمْ كَٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ، لِيَكُونُوا مُقَرَّبِينَ لِلرَّبِّ، تَقْدِمَةً بِٱلْبِرِّ» (ملاخي 3:3). وهو يعطينا هذا التأكيد الباعث على الهمّة: إن نحن خضعنا لعملية التنقية هذه، صرنا «مَرْضِيَّةً لِلرَّبِّ» (ملاخي 3:4). «وَيُطَوِّبُكُمْ كُلُّ ٱلْأُمَمِ، لِأَنَّكُمْ تَكُونُونَ أَرْضَ مَسَرَّةٍ، قَالَ رَبُّ ٱلْجُنُودِ» (ملاخي 3:12).

وقد يبدو لنا أن نكون «مَرْضِيَّةً لِلرَّبِّ» و«أَرْضَ مَسَرَّةٍ» أمرًا مستحيلًا حين ننظر إلى نقائصنا وعدم استحقاقنا. ولكننا متى فكّرنا في نار محبة الله الآكلة الجميلة هذه، تشجّعنا وتقوّينا. فهو لا يَكِلّ ولا ينكسر حتى يُحرَق كلّ زَغَلنا وفضّتنا الرديئة، ونخرج نحن على شبهه، مشابهين صورته.

إن نفوسنا تشتاق إلى ملكوت «لَا يَتَزَعْزَعُ» (عبرانيين 12:28). وذاك الذي هو «على الإحسان مصمِّم» سيزعزع، إن تركناه، كلّ ما في حياتنا ممّا يمكن أن يتزعزع. وهو «ينزع القاع» من تحتنا في كلّ راحة كاذبة حتى لا يبقى إلا ما لا يتزعزع.

ومن أشدّ العظات التي سمعتها أثرًا في نفسي عظةٌ ألقتها سيدة كويكرية عجوز حلوة المُحيّا. فقد نهضت في السكون وقالت: «بالأمس كسرت الأخت طابيثا إبريق الشاي الصينيّ الأثير عندي إربًا. ولكن الربّ الذي أثق به حفظ نفسي في سلام تامّ، وأعانني على ألّا أنطق بكلمة لوم واحدة». هذا كلّ ما قالت؛ وانتهت العظة. ولكن دخل كلَّ قلب إحساسٌ بما يعنيه أن يُحفَظ الإنسان في ملكوت محبة الله الذي لا يتزعزع. وهذا الملكوت يمكن أن يكون وطننا، إن نحن سلّمنا لزعزعات الله وتعلّمنا أن نستريح عليه وحده وعلى الدوام.

فليعجّل ذلك اليوم لكلّ واحد منا!

المحتويات

إله كل تعزية Hannah Whitall Smith

صفحة 1 / 1 · 12 دقيقة متبقية في الفصل