فصل 3 · قراءة 17 د · استماع 21 د
الصقيع والذوبان
«يُعطِي ٱلثَّلْجَ كَٱلصُّوفِ، وَيُذَرِّي ٱلصَّقِيعَ كَٱلرَّمَادِ. يُلْقِي جَمْدَهُ كَفُتَاتٍ. قُدَّامَ بَرْدِهِ مَنْ يَقِفُ؟ يُرْسِلُ كَلِمَتَهُ فَيُذِيبُهَا. يَهُبُّ بِرِيحِهِ فَتَسِيلُ ٱلْمِيَاهُ.» — (مزمور 147:16-18) نظرنا من نافذتنا ذات صباح، فرأينا الأرض مكسوّة بغطاء أبيض؛ إذ في ساعات قليلة قصيرة كانت الأرض قد غُطّيت بالثلج إلى عمق كبير. ثم نظرنا مرة أخرى بعد ساعات قليلة، فرأينا الحقول خضراء كعهدها، والأرض المحروثة عارية كأنّ ندفة واحدة لم تسقط عليها.
وليس من غير المألوف أن يعقب سقوطَ الثلج الكثيف ذوبانٌ سريع. وهذه التقلّبات اللافتة يُحدثها الله، لا لغاية تخصّ العالم الظاهر وحده، بل لقصد يخصّ عالم الروح أيضًا. فالله معلّم على الدوام. وفي كل عمل يعمله يعلّم أولاده، ويفتح لهم الطريق إلى أسرار أعمق.
طوبى للذين يجدون في أعمال يدي الرب طعامًا لأرواحهم المولودة من السماء، كما يجدون فيها طعامًا لعقولهم.
سأطلب انتباهكم أولًا إلى أعمال الطبيعة التي يتكلّم عنها النصّ؛ وثانيًا إلى أعمال النعمة التي تلك الأعمال أنسب الرموز لها.
أولًا: تأمّلوا أعمال الطبيعة. لن نحسب دقائق قليلة ضائعة إن لفتنا انتباهكم إلى يد الله في الصقيع والذوبان، ولو من جهة الطبيعة وحدها.
1. مباشرة عمل الرب. لاحظوا أنّ عمل الرب مباشر. إني أفرح، وأنا أقرأ هذه الكلمات، إذ أجد كم إلهنا حاضر في العالم.
لم يُكتب: «نواميس الطبيعة تُنتج الثلج»، بل: «يُعطِي ٱلثَّلْجَ»، كأنّ كل ندفة نزلت مباشرة من كفّ يده.
ولا يُقال لنا إنّ عمليات طبيعية معيّنة تحوّل الرطوبة إلى صقيع؛ كلا — بل كما أخذ موسى رمادًا من الأتون وذرّاه على مصر، كذلك يُقال عن الرب: «يُذَرِّي ٱلصَّقِيعَ كَٱلرَّمَادِ». ولا يُقال إنّ السرمديّ أدار العالم ثم صار الجليد يُنتَج بمجرّد عمل آلة. كلا — بل كل قطعة جليد تنزل في البَرَد هي من الله؛ «يُلْقِي جَمْدَهُ كَفُتَاتٍ». وكما يرسل الرامي بالمقلاع حجرًا من مقلاعه قاصدًا، كذلك يُرسم مسار كل حبّة بَرَد بقدرة إلهية.
والجليد، كما تلاحظون، يُدعى جمده هو؛ وفي الجملة التالية نقرأ عن برده هو. وهاتان الكلمتان تكسوان الطبيعة جلالًا عجيبًا. فحين ننظر إلى كل حبّة بَرَد على أنها بَرَد الله، وإلى كل قطعة جليد على أنها جليده هو، ما أثمن تلك الماسات المائية حينئذ! وحين نشعر بالبرد يعضّ أطرافنا وينفذ من كل ثوب، يعزّينا أن نذكر أنه برده هو.
وحين يأتي الذوبان، انظروا كيف يتكلّم النصّ عنه: «يُرْسِلُ كَلِمَتَهُ». فهو لا يتركه لقوى معيّنة في الطبيعة، بل كملك — «يُرْسِلُ كَلِمَتَهُ فَيُذِيبُهَا. يَهُبُّ بِرِيحِهِ». له ملكية خاصة في كل ريح؛ سواء أتت من الشمال لتجمّد، أو من الجنوب لتذيب، فهي ريحه هو.
انظروا كيف أنّ كل شيء في هيكل الله يتكلّم بمجده. تعلّموا أن تروا الرب في كل مشاهد الكون المنظور، لأنه حقًّا يعمل كل شيء. وهذه الفكرة عن مباشرة الأعمال الإلهية ينبغي أن تُحمل إلى العناية الإلهية أيضًا. فسيعزّيكم كثيرًا أن تروا يد الله في خسائركم ومشقّاتكم؛ وحينئذ لن تتذمّروا قطعًا على عمل إلهكم المباشر.
وهذا يضع في المراحم اليومية حلاوة فائقة، ويجعل تعزيات الحياة أطيب بعد، لأنها من يد أب. فإن كانت مائدتك قليلة الزاد، فهي تكفي قلبك القانع حين تعلم أنّ أباك قد بسطها لك بحكمة ومحبة.
هذا يبارك خبزك وماءك. هذا يجعل الجدران العارية لغرفة خالية من الأثاث بهيّة كقصر، ويحوّل الفراش الخشن إلى مضجع من الزغب — أبي يفعل ذلك كلّه. إننا نرى ابتسامة محبّته حتى حين لا يرى غيرنا إلا يد الموت المظلمة تضرب أحبّ الناس إلينا. ونرى يد أب حين يطرح المرض ماشيتنا ميتة في الحقل. ونرى الله عاملًا بالرحمة حين نُطرح نحن أنفسنا على فراش المرض.
إنه دائمًا فعل أبينا وصنيعه. فلا نتجاوزنّ هذا. بل لنوسّع إدراكنا لهذه الحقيقة، ولنذكر أنها تصدق على الصغير كما تصدق على الكبير.
لتستوقفكم أبيات شاعر حقيقي: «إن جال الوباء في الأرض، تقولون: الرب صنع هذا — أفلم يصنعه هو حين تدبّ حشرة المنّ على برعم الوردة؟ وإن انحدر انهيار ثلجي من جبال الألب، ترتعدون أمام مشيئة العناية — أفليست تلك المشيئة معنيّة بالقدر نفسه حين تسقط الأوراق اليابسة عن شجرة الحَوْر؟»
لترنّم قلوبكم على كل شيء: يهوه شمّه — الرب هناك.
2. سهولة العمل الإلهي. ثم أرجو أن تلاحظوا، بشكر، سهولة العمل الإلهي. فهذه الآيات تُقرأ كأنّ صنع الصقيع والثلج أبسط أمر في العالم كلّه. يُدخل الإنسان يده في كيس من الصوف ثم يطرح ما فيها — هكذا بالسهولة نفسها يعطي الله الثلج: «يُعطِي ٱلثَّلْجَ كَٱلصُّوفِ». ويأخذ الإنسان حفنة من الرماد ويطرحها في الهواء فتتساقط من حوله — «يُذَرِّي ٱلصَّقِيعَ كَٱلرَّمَادِ». والصقيع والثلج من عجائب الطبيعة. فالذين تأمّلوا الجمال الفائق لبلّورات الجليد أُخذوا بها، ومع ذلك فإنّ الرب يكوّنها بسهولة. «يُلْقِي جَمْدَهُ كَفُتَاتٍ» — بالسهولة نفسها التي نرمي بها فتات الخبز من النافذة لطيور أبي الحنّاء في أيام الشتاء.
وحين تتجمّد الأنهار تمامًا، وتُشدّ الأرض بسلاسل من حديد، فكيف يتمّ ذوبان ذلك كلّه؟ لا بإيقاد نيران لا تُحصى، ولا بإرسال صدمات كهربائية في باطن الأرض. كلا — بل «يُرْسِلُ كَلِمَتَهُ فَيُذِيبُهَا. يَهُبُّ بِرِيحِهِ فَتَسِيلُ ٱلْمِيَاهُ.»
الأمر كلّه يتمّ بكلمة ونَفَس. لو كان علينا، أنا وأنت، أن نعمل أمرًا عظيمًا، فكم من اللهاث والإجهاد سيكون! حتى كبار المهندسين، الذين يصنعون العجائب بالآلات، يُحدثون حول ذلك ضجيجًا وجلبة كثيرة. أما القدير فليس كذلك. فكرتنا الأرضية تدور دورتها في أربع وعشرين ساعة، ومع ذلك لا تُحدث من الضجيج قدر ما تُحدثه دوّامة طفل.
وتلك العوالم الهائلة السائرة في الفضاء ترسم مساراتها في صمت. إن دخلتُ مصنعًا، سمعت هديرًا يصمّ الآذان. وإن وقفت قرب طاحونة القرية التي يديرها الماء، فثمّة قعقعة لا تنقطع. أما عجلات الله العظيمة فتدور بلا ضجيج ولا احتكاك. فالآلة الإلهية تعمل بسلاسة. وهذه السهولة تُرى في العناية كما تُرى في الطبيعة. فأبوك السماوي قادر أن ينقذك كما هو قادر أن يذيب الثلج، وسينقذك بطريقة بسيطة كهذه إن استندت إليه. إنه يفتح يده ويسدّ حاجة كل حيّ بالسهولة نفسها التي يعمل بها في الطبيعة. تأمّل سهولة عمل الله — إنه ببساطة يفتح يده.
3. تنوّع الأعمال الإلهية. ولاحظوا بعد ذلك تنوّع الأعمال الإلهية في الطبيعة. فحين يعمل الرب والصقيع أداته، يخلق الثلج — صنعة عجيبة، كل بلّورة منها أعجوبة في الإتقان.
لكنه لا يكتفي بالثلج. فمن الماء نفسه يصنع صورة أخرى من الجمال ندعوها الصقيع، وجوهرًا لامعًا ثالثًا — الجليد المتلألئ — وكل ذلك بعامل واحد هو البرد. فما أعجب التنوّع الذي تتبيّنه العين المدرّبة في الصور المتعددة للماء المتجمّد!
والإله نفسه الذي جمّد الطوفان بالبرد سرعان ما يذيبه بالدفء. ولكن حتى في الذوبان لا رتابة. ففي وقت تندفع الجداول من سجنها بقوة شديدة حتى تفيض الأنهار وتغمر السيول السهل. وفي وقت آخر تستعيد القطرات حريتها شيئًا فشيئًا، في جداول صغيرة متقطّرة. وهذا التنوّع نفسه يُرى في كل ميدان من ميادين الطبيعة.
وكذلك في العناية، للرب ألف صورة من تجارب الصقيع يمتحن بها شعبه، وعشرة آلاف شعاع من الرحمة يُبهجهم بها ويعزّيهم. فهو قادر أن يبتليك بتجربة الثلج، أو بتجربة الصقيع، أو بتجربة الجليد، إن شاء. ثم يقدر في الحال أن يحلّ بكلمته قيود الضيق — وذلك بطرق لا تُحصى. وبينما الناس محصورون في وسائل قليلة لبلوغ مقاصدهم، فإنّ الله لا حدّ لفهمه، ويعمل كما يشاء بطرق تفوق تصوّر البشر.
4. سرعة عمل الله. وأطلب منكم أيضًا أن تتأمّلوا أعمال الله في الطبيعة من جهة سرعتها. فقد حُسب أمرًا عجيبًا في أيام أحشويروش أن تُرسَل الرسائل بالبريد على دوابّ سريعة. وفي بلادنا ظننّا أننا بلغنا عصر العجائب حين توهّجت محاور السكك الحديدية من السرعة، والآن بالتلغراف يبدو كأننا نمدّ أيدينا إلى ما لا نهاية. ولكن ما سرعتنا إزاء سرعة أعمال الله؟
وحسنًا يقول الكتاب: «يُرْسِلُ كَلِمَتَهُ فِي ٱلْأَرْضِ. سَرِيعًا جِدًا يُجْرِي قَوْلَهُ.» — (مزمور 147:15) فخرجت الكلمة: «افتحوا مخازن الثلج»، فنزلت الندف جموعًا لا تُحصى. ثم قيل: «لتُغلق»، فلم تظهر ندفة أخرى. ثم تكلّم السيد: «لتهبّ ريح الجنوب وليذب الثلج»، فاختفى عند صوت كلمته. أيها المؤمن، لا تستطيع أن تعرف كم قريبًا قد يأتي الله لنجدتك.
«رَكِبَ عَلَى كَرُوبٍ وَطَارَ، وَهَفَّ عَلَى أَجْنِحَةِ ٱلرِّيَاحِ.» — (مزمور 18:10) سيأتي من العلاء لينقذ حبيبه. سيشقّ السماوات وينزل. وبسرعة كهذه سينزل حتى إنه لن يتوقّف ليزيح ستائر السماء، بل يمزّقها في عجلته، ويجعل الجبال تسيل عند قدميه، لكي ينقذ الذين يصرخون إليه في ساعة الضيق. وذلك الإله القدير الذي يقدر أن يذيب الجليد بهذه السرعة يقدر أن يتّخذ لنفسه جناحي النسر عينهما ويسرع إلى خلاصك.
قم يا الله، وليُعَن أولادك — وذلك عند إقبال الصبح. 5. فكرة أخرى: صلاح الله. وثمّة فكرة أخرى: تأمّلوا صلاح الله في كل أعمال الطبيعة والعناية.
تأمّلوا ذلك الصلاح أولًا من جهة السلب. «قُدَّامَ بَرْدِهِ مَنْ يَقِفُ؟» لا يسعكم إلا أن تفكّروا في الفقراء في شتاء قاسٍ — فلا ينساهم إلا قلب قاسٍ حين يرى الثلج متراكمًا عميقًا. ولكن افترضوا أنّ ذلك الثلج ظلّ يتساقط. فما الذي يمنعه؟ إنّ الإله نفسه الذي يرسل إلينا الثلج يومًا واحدًا يقدر أن يرسله خمسين يومًا لو شاء. ولم لا؟ وحين يقبض علينا الصقيع بهذه الشدّة، فلماذا لا يدوم شهرًا بعد شهر؟ لا نملك إلا أن نشكر ذلك الصلاح الذي لا يرسل «بَرْدِهِ» إلى حدّ تخور معه أرواحنا. والمسافرون نحو القطب الشمالي يرتعدون وهم يتأمّلون ذلك السؤال: «قُدَّامَ بَرْدِهِ مَنْ يَقِفُ؟»
فللبرد نوع من القوة الساحقة حين يشاء الله أن يطلقه. فلنشكر الله على الرحمة الكابحة التي بها يكبح البرد.
وليس من جهة السلب فقط، بل من جهة الإيجاب أيضًا ثمّة رحمة في الثلج. أليست هذه استعارة موحية؟
«يُعطِي ٱلثَّلْجَ كَٱلصُّوفِ» يُقال إنّ الثلج يدفّئ الأرض. فهو يحمي النباتات الصغيرة التي بدأت لتوّها تطلّ فوق التراب، والتي لولاه لأصابتها لسعة الصقيع. فكثوب من الزغب يقيها الثلج البرد الشديد. ولهذا يرنّم واتس في صياغته للمزمور المئة والسابع والأربعين: «يرسل ندف ثلجه كالصوف، وهكذا يحمي الزرع النابت.»
وكان من أفكار القدماء أنّ الثلج يدفّئ قلب التربة ويمنحها الخصب، ولذلك كانوا يسبّحون الله لأجله. ولا شكّ أنّ في الصقيع رحمة كثيرة. فقد يطول مجرى الوباء كثيرًا لو لم يصرخ إليه الصقيع: «إِلَى هُنَا تَأْتِي وَلَا تَتَعَدَّى». والحشرات الضارّة كانت ستتكاثر حتى تلتهم ثمار الأرض الثمينة لو لم تُهلك الليالي القارسة الملايين منها، فتُكنَس هذه الآفات. ومع أنّ الإنسان قد يحسب نفسه خاسرًا بسبب البرد، فإنه في النهاية رابح كثيرًا بقضاء العناية الذي يعيّن الشتاء. والقول الطريف لأحد الكتّاب القدماء إنّ «الثلج صوف، والصقيع نار، والجليد خبز، والمطر شراب» قول صادق، وإن بدا متناقضًا. ولا ريب أنّ الصقيع، بتفتيته التربة، يعزّز الخصب، وهكذا يصير الجليد خبزًا.
وهكذا فإنّ تلك العوامل التي تحرم العمّال مؤقّتًا من أسباب رزقهم هي نفسها الوسائل التي بها يقوت الله كل حيّ. فلاحظوا إذن صلاح الله في الثلج والصقيع بوضوح كما تلاحظونه في الذوبان الذي يزيل عمل الشتاء. أيها المسيحي، اذكر صلاح الله في صقيع الشدائد. وثق أنه حين يشاء الله أن يرسل رياح الضيق اللاذعة، فهو فيها، وهو محبة على الدوام — محبة في الحزن بقدر ما هو محبة حين ينفخ عليك نسيم الفرح الجنوبي اللطيف.
انظر رأفة الله في كل عمل من أعمال يده. سبّحه — فهو صانع الصيف والشتاء — ولتسرِ ترنيمتك على مدار السنة كلّها. سبّحه — فهو يعطي النهار ويرسل الليل — اشكره في كل الساعات. لا تطرح ثقتك؛ فلها مجازاة عظيمة.
وكما نسج داود الثلج والمطر والريح العاصفة في ترنيمة، هكذا انسج أنت تجاربك ومتاعبك وصعوباتك وشدائدك في مزمور تسبيح عذب، وقل على الدوام: «لنسبّح الرب بقلب مسرور، فهو صالح.»
هذا القدر يكفي عن أعمال الطبيعة. إنه موضوع جذّاب جدًا، لكنّ حقولًا أخرى تدعوني. ثانيًا: أعمال النعمة. أودّ الآن أن أخاطبكم بكل جدّ ووقار عن أعمال النعمة التي الصقيع والذوبان رمزاها الظاهران. ثمّة موسم لشعب الله نفسه يأتي فيه ليعاملهم بصقيع الناموس. فالناموس للنفس كالريح الشمالية القارسة. الإيمان يستطيع أن يرى فيه محبة، أما العين الطبيعية فلا تستطيع. إنه عصف بارد مخيف لا عزاء فيه. والتعرّض لكامل قوة ناموس الله يعني أن يلسع المرءَ صقيعُ الهلاك الأبدي. بل إنّ الشعور به مدة من الزمن يقشعر له كيان المرء كلّه، ويجعل الإنسان كلّه متصلّبًا من الخوف. «قُدَّامَ بَرْدِهِ مَنْ يَقِفُ؟» حين يخرج الناموس مرعدًا من خزائنه، فمن يحتمله؟
وأثر الناموس في النفس أن يحبس أنهار البهجة البشرية. فلا أحد يقدر أن يفرح حين تكون عليه أهوال الضمير. وحين يجتاح ناموس الله النفس، تفقد الموسيقى والرقص بهجتهما، وتفقد الكأس قدرتها على الإبهاج، ويبطل سحر الأرض. فتتجمّد أنهار اللذة إلى كآبة جليدية. وتُلسع براعم الرجاء فجأة، فلا تجد النفس عزاء. كانت تجد شبعها يومًا في الاغتناء، أما الآن فكأنّ الصدأ والتلف على كل ذهب وفضة. كل رجاء واعد قد لسعه الصقيع، والروح مقيّدة في يأس شتوي. وهذا البرد يجعل الخاطئ يشعر كم ثيابه رثّة. ففي طقس الصيف كان يستطيع أن يتبختر ويظنّ خِرَقه أثوابًا ملكية، أما الآن فالصقيع يجد كل خرق في ثيابه، وفي يدي الناموس الرهيب يرتعد كأوراق الحَوْر الرجراج.
وريح الدينونة الشمالية تفتّش الإنسان من كل جهة. لم يكن يعلم ما في داخله، أما الآن فيرى أحشاءه مملوءة فسادًا وانحلالًا. هذه بعض أهوال نَفَس الناموس الشتوي. وصقيع الناموس والرعب هذا، إذا انفرد، لا يؤدّي إلا إلى التقسية.
فلا شيء يشقّ الصخر أو يُسقط الجرف كالصقيع حين يعقبه الذوبان، أما الصقيع وحده فيجعل الأرض كالحديد، فيكسر سكّة المحراث التي تحاول أن تخترقها.
والخاطئ الواقع تحت تأثير ناموس الله، بمعزل عن الإنجيل، يتقسّى باليأس ويقول: «لا رجاء؛ لذلك سأتبع شهواتي. وبما أنه لا سماء لي بعد هذه الحياة، فسأصنع لنفسي سماء من هذه الأرض؛ وبما أنّ الجحيم ينتظرني، فلأتمتّع على الأقل بكل حلاوة تستطيع الخطية أن تعطيني إياها هنا.»
وليس هذا عيب الناموس. فاللوم يقع على القلب الفاسد الذي يتقسّى به. ومع ذلك فهذا أثره. وحين يكون الرب قد عمل بصقيع الناموس، يرسل ذوبان الإنجيل. وحين تهبّ ريح الجنوب من أرض الموعد، حاملة تذكارات ثمينة لرأفة الله الأبوية ورحمته الرقيقة، يبدأ القلب في الحال يلين. فالشعور بغفران مشترى بالدم يذيبه سريعًا. تمتلئ العينان دموعًا، ويذوب القلب رقّة، وتجري أنهار الفرح بحرّية، وتتفتّح براعم الرجاء في الهواء البهيج.
ربيع سماوي يهمس للأزهار التي كانت نائمة في الأرض الباردة. فتسمع صوته وترفع رؤوسها: «لِأَنَّ ٱلشِّتَاءَ قَدْ مَضَى، وَٱلْمَطَرَ مَرَّ وَزَالَ. ٱلزُّهُورُ ظَهَرَتْ فِي ٱلْأَرْضِ. بَلَغَ أَوَانُ ٱلْقَضْبِ، وَصَوْتُ ٱلْيَمَامَةِ سُمِعَ فِي أَرْضِنَا.» — (نشيد الأنشاد 2:11-12) يرسل الله كلمته قائلًا: «إن جهادك قد كمل، وإن إثمك قد عُفي عنه.» — (إشعياء 40:2) وحين تأتي تلك الكلمة المباركة المبهجة بقوة إلى النفس، ويعمل نَفَس الروح القدس العذب كريح الجنوب الدافئة في القلب، حينئذ تسيل المياه، ويمتلئ الذهن فرحًا مقدّسًا ونورًا وحرية.
«لقد مضت حال الشتاء الناموسية، وهرب الصقيع، وأقبل الربيع، ونسمع اليمامة المقدّسة تعلن السنة الجديدة المفرحة.» وبعد أن بيّنت لكم أنّ ثمّة توازيًا بين الصقيع والذوبان في الطبيعة والناموس والإنجيل في النعمة، أودّ الآن أن أكرّر في شأن النعمة الأفكار نفسها التي قدّمتها لكم في شأن الطبيعة.
1. مباشرة عمل الله في النعمة. بدأنا بمباشرة أعمال الله في الطبيعة. والآن، أيها الأصدقاء الأحبّاء، لاحظوا مباشرة أعمال الله في النعمة. حين يتأثّر القلب حقًّا بناموس الله، وحين تظهر الخطية خاطئة جدًا، وحين تتجمّد الآمال الأرضية بالناموس، وحين تشعر النفس بقحطها وخرابها التام — فهذا إصبع الله.
لا تتكلّموا عن خادم الكلمة وحده. لقد أحسن إذ وعظ بحرارة. استخدمه الله أداة، لكنّ الله يعمل الكل. وحين يأتي ذوبان النعمة، أرجو أن تتبيّنوا يد الله الواضحة في كل شعاع تعزية يُبهج الضمير المضطرب، لأنّ الرب وحده هو الذي «يَشْفِي ٱلْمُنْكَسِرِي ٱلْقُلُوبِ، وَيَجْبُرُ كَسْرَهُمْ.» — (مزمور 147:3) إننا نسارع كثيرًا إلى التوقّف عند الأدوات. فالحماقة تقود الناس إلى أن يتطلّعوا إلى الفرائض لكسر القلب أو شفائه، لكنّ الفرائض تقول: «ليس ذلك فينا.» وبعضهم يتطلّع إلى الكرازة بالكلمة ولا ينظر إلى أعلى منها، لكنّ الوعّاظ الأمناء سيقولون لكم: «ليس ذلك فينا.» فالفصاحة والحرارة، حتى في أوجهما، لا تقدران أن تكسرا قلبًا ولا أن تشفياه. هذا عمل الله — لا عملًا ثانويًا، كأنّ الله يقف فقط وراء قوانين الطبيعة — بل عمله الشخصي المباشر. إنه يمدّ يده هو حين يتّضع الضمير، وبيمينه هو يُعتق الضمير ويُطهَّر.
وأودّ أن تبقى هذه الفكرة معكم، وإلا فلن تسبّحوا الله كما ينبغي، ولن تثبتوا على التعليم الصحيح. فكل انحراف عن التعليم الصحيح في شأن الاهتداء ينشأ عن نسيان أنه عمل إلهي من بدايته إلى نهايته. إنّ أضعف اشتياق إلى المسيح هو من عمل الله بقدر ما هي عطية ابنه الحبيب. فمن الألف إلى الياء، الروح القدس هو العامل فينا أن نريد وأن نعمل من أجل المسرّة. — (فيلبي 2:13) وكما رأيتم بوضوح إصبع الله في إلقائه جمده وفي إرساله الذوبان، كذلك أرجو أن تعترفوا بصنعة يد الله في منحكم الشعور بالخطية وفي إتيانه بكم إلى قدمي المخلّص. اشتركوا معًا في تسبيح قلبي للإله صانع العجائب، الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته.
«إنّ طلبنا لوجهك كان كلّه من نعمتك؛ ورحمتك تستحقّ كل التسبيح وستناله.
لا خاطئ يستطيع أن يسبقك؛ فنعمتك سابقة، قديرة ومجانية.» 2. الفكرة الثانية عن الطبيعة هي السهولة التي يعمل بها الرب. فلا صراع ولا اضطراب. طبّقوا هذا على عمل النعمة. ما أسهل على الله أن يُدخل التبكيت إلى قلب إنسان! أيها الخاطئ العنيد، أنت لا تستطيع أن تمسّه، وحتى ظروف الحياة قد عجزت عن إيقاظك. أنت ميت — ميت تمامًا في خطاياك. ولكن إن أرسل الرب المجيد ريح روحه، فسيذيبك. والإنسان الذي يلعن ويعيش في الخطية، والذي امتلأ كلامه تجديفًا — إن نظر إليه الرب وأعلن له نعمته التي لا تُقاوَم، فسيسبّح الله بعد، ويبارك اسمه، ويعيش لمجده.
لا تحدّوا الله. شاول المضطهِد صار بولس الرسول. فلماذا لا يخلص أيضًا من تكاد تيأس منه؟ قد يبدو زوجك بعيد المنال، وقد يكون ابنك قد أخطأ إلى السماء وإليك — لكن لا أحد أبعد من أن تبلغه يد الله. حتى أقسى الخطايا وأعندها لا بدّ أن تخضع لدفء نعمته. حتى أضخم جبل جليدي من الإثم يمكن أن يذوب في محيط محبة الله.
أيها الخاطئ العزيز، ربما أرسل الله إلى نفسك شتاء طويلًا باردًا، وتشعر كأنه لن ينتهي أبدًا. دعني أشجّعك على الرجاء وعلى الصلاة طلبًا لافتقاده الكريم. وقصيدة الآنسة ستيل تعبّر عن هذا الشعور تمامًا: «الشتاء العابس يلقي سلاسله الجليدية، محيطًا بالطبيعة من كل جانب؛ ما أقفر السهول وما أوحشها، وقد كانت منذ قليل متوّجة بالخضرة الغنيّة!
الشمس تحجب أشعّتها المحيية، فيرحل النور والدفء؛ والطبيعة، ذابلة بلا حياة، تبدو صورة لقلبي — قلبي الذي يملك فيه شتاء الروح، مكتسيًا رداء الليل المظلم، مقيّدًا بسلاسل باردة خاملة؛ ما أوحشه وما أحزنه!
عودي أيتها الشمس المباركة، وهاتي شعاعك المحيي للنفس؛ فيصير هذا الشتاء الروحي ربيعًا، وهذا الظلام نهارًا بهيجًا.»
سهل على الله أن يخلّصك. إنه يقول: «قَدْ مَحَوْتُ كَغَيْمٍ ذُنُوبَكَ» (إشعياء 44:22). أذكر أني نظرت ذات مساء إلى سحابة سوداء، واثقًا أنها ستمطر؛ فدخلت البيت، وحين خرجت ثانية كانت السماء صافية — فقد طردت الريح السحابة.
وهكذا الأمر مع نفسك. فالله يقدر أن يزيل كل خطاياك في لحظة. كل العوائق أزالها يسوع على الصليب، وإن آمنت به فقد طرح خطاياك في أعماق البحر. «إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤْمِنَ. كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ» (مرقس 9:23).
3. والفكرة التالية عن عمل الله في الطبيعة هي تنوّعه. فالصقيع يُحدث ثلاثة آثار — الثلج، والصقيع الأبيض، والجليد — والذوبان يأتي في صور كثيرة. وهكذا يعمل الله في القلب.
التبكيت يختلف من إنسان إلى آخر. بعضهم يختبره بلطف، كالثلج المتساقط — فبالكاد يلاحظونه في البداية. فالتوبة الحقيقية قد تبدأ بهدوء ورفق. وآخرون يختبرونه كحبّات البَرَد، قاسيًا صاخبًا، يضرب القلب بشعور من الرعب. الله يعمل بطرق مختلفة، لكنّ كل طريقة تحقّق قصده. كن شاكرًا لافتقاده، لكن لا تحاول أن تملي عليه كيف يعمل.
أما ذوبان الإنجيل، فلا تطلب طريقًا معيّنًا لنعمة الله. فالذوبان تدريجي وشامل. يذوب الجليد الذي على السطح أولًا، ثم ينفذ الدفء شيئًا فشيئًا إلى الكتلة كلّها حتى تتخلّى كل صخرة متجمّدة. وعلى هذا النحو يعمل الروح تدريجيًا في القلب — منيرًا الذهن، ومحرّرًا الإرادة، ومزيلًا الخوف، وباعثًا الرجاء، ومُنهضًا الروح، ومُنشئًا السلام والفرح. لا تستطيع أن تراه عاملًا كما لا تستطيع أن ترى الريح، لكنك تستطيع أن تشعر بآثاره. فلا تتعجّب إن اختلف اختبارك عن اختبار غيرك. فثمّة نمط في عمل الله، كالشبه بين الثلج والصقيع الأبيض والجليد، لكنّ التفاصيل تتفاوت.
4. لاحظوا سرعة عمل الله: «سَرِيعًا جِدًا يُجْرِي قَوْلَهُ.» (مزمور 147:15). لم يستغرق الله وقتًا طويلًا ليزيل آخر الثلج. قد يحتاج الإنسان إلى أيام لينجز مثل هذا العمل، أما كلمة الله فتعمل في الحال. وكذلك الأمر مع النفس. يقدر الرب أن يعمل بسرعة حين يبارك قلبًا. وحتى إن كنت قد بقيت زمنًا طويلًا تحت ثقل الخطية والناموس، يقدر الله أن يحرّرك في لحظة. يقدر أن ينقلك من الموت إلى الحياة، ومن الدينونة إلى التبرير. «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي ٱلْفِرْدَوْسِ» (لوقا 23:43)، هكذا قال يسوع للّص المحتضر.
آمن فقط بذبيحة المسيح فتخلص.
5. وأخيرًا، تأمّلوا صلاح الله. ما أعظم رحمته إذ لم يحمّلنا من الناموس فوق ما نحتمل! «قُدَّامَ بَرْدِهِ مَنْ يَقِفُ؟» (مزمور 147:17). حين يعلن الله غضبه لنفس ما، يكون ذلك مرعبًا. قد تُثقل الخطية الإنسان كحمل ساحق، لكنّ يسوع قد حمله عنّا. وحتى على صخر الدهور، لا نفرح لأننا نحمله نحن، بل لأنه هو قد حمله. صقيع التبكيت يذلّ الكبرياء، ويهدم البرّ الذاتي، ويحفظنا من الحماقة. ولكن ما أعجب ذوبان رأفة الله! فما إن تلمس رحمته النفس حتى تزول القساوة، ويتلاشى البرد، ويجري الدفء والمحبة، وتعود الحياة.
إننا ننهض من اليأس كما تنهض البذور من الأرض. والإيمان ينفتح كزهرة الزعفران ليستقبل الشمس؛ والرجاء يتطلّع إلى فوق كزهرة الربيع، متلذّذًا بمواعيد الله. اشكروا الله أنّ الربيع قد أتى إلى قلوبنا، وأنّ الشتاء قد مضى إلى الأبد.
«حيث يقيم ربيع أبدي، وأزهار لا تذبل أبدًا.
جدول دقيق كالخيط وحده يفصل تلك الأرض السماوية عن أرضنا.» آمنوا بالرب، يا من ترتجفون في صقيع الناموس، فتأتيكم محبته بأيام دافئة من الفرح والسلام. آمين.
اكتمل الفصل 3
الصقيع والذوبان