فصل 7 · قراءة 25 د · استماع 33 د
الصلاة في الروح القدس
«مُصَلِّينَ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (يهوذا 1:20).
ترد هذه الكلمات في فقرة يبيّن فيها الرسول التباين بين الفجّار والأتقياء. فالفجّار يستهزئون، ويتكلمون بعظائم، ويسلكون بحسب شهوات فجورهم، بينما الأبرار يبنون أنفسهم على إيمانهم الأقدس، ويحفظون أنفسهم في محبة الله. الفجّار يُظهرون سُمّ قلوبهم بالتذمّر والشكوى، بينما يُظهر الأبرار المبدأ الجديد الذي فيهم إذ هم «مُصَلِّينَ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ». الإنسان الفاجر يحمل الأفسنتين في فمه، أما المسيحي فتقطر شفتاه بعسل التعبّد البِكر. وكما يقال إن العنكبوت يجد السمّ في الأزهار نفسها التي يمتصّ منها النحل العسل، كذلك يسيء الأشرار استعمال المراحم نفسها فيصرفونها إلى الخطية، بينما يستعملها الأتقياء لمجد الله.
وبقدر ما يبعد النور عن الظلمة، والحياة عن الموت، بقدر ذلك يختلف المؤمن عن الفاجر. فلنُبقِ هذا التباين حيًّا واضحًا في أذهاننا. وبينما يزداد الأشرار شرًّا، فلنصِرْ نحن أكثر قداسة، وأكثر صلاة، وأكثر تعبّدًا، قائلين مع يشوع الشيخ الصالح: ليفعل الآخرون ما شاؤوا، «أَمَّا أَنَا وَبَيْتِي فَنَعْبُدُ ٱلرَّبَّ». ولاحظوا أن النص يأتي في ترتيب معيّن في سياقه. فالأبرار يوصفون أولًا بأنهم يبنون أنفسهم على إيمانهم الأقدس. والإيمان هو أول النِّعم الإلهية، وأصل الورع، وأساس القداسة، وفجر التقوى—وله ينبغي أن تُعطى العناية الأولى.
لكن لا ينبغي أن نتوانى عند المبادئ الأولى. إلى الأمام مسيرنا! فما الذي يأتي إذن في أعقاب الإيمان؟ ما بِكر الإيمان؟ حين تشتدّ كرمة الإيمان وتُثمر ثمرًا للقداسة، فما أول عنقود ينضج؟ أليس هو الصلاة—«مُصَلِّينَ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ»؟ إن الذي لا صلاة له لا إيمان له، والإنسان الذي يفيض إيمانًا سرعان ما يفيض تضرّعًا. فالإيمان الأم، والصلاة الابنة، قلّما يفترقان. الإيمان يحمل الصلاة على ذراعيه، والصلاة تستمدّ الحياة من ثدي الإيمان. والبنيان في الإيمان يقود إلى الحرارة في التضرّع. فإيليا يُظهر إيمانه أولًا أمام كهنة البعل، ثم ينفرد ليصارع الله على الكرمل.
تأمّلوا نصّنا بعناية، وانظروا ما الذي يتبع «مُصَلِّينَ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ». «ٱحْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ فِي مَحَبَّةِ ٱللهِ». فبعد الصلاة يأتي شعور دائم ثابت بمحبة الله لنا، وفيضان محبتنا صاعدةً نحو الله. الصلاة تبني مذبحًا وترتّب الذبيحة والحطب، ثم تأتي المحبة، كالكاهن، بنار مقدسة من السماء وتُضرم التقدمة لهيبًا! الإيمان، كما قلنا، هو أصل النعمة. والصلاة ساق الزنبقة، والمحبة الزهرة النقية التي لا دنس فيها. الإيمان يرى المخلّص، والصلاة تتبعه إلى البيت، أما المحبة فتكسر قارورة الطيب الكثير الثمن وتسكبه على رأسه.
على أن هناك خطوة أبعد حتى من مسرّات المحبة المقدسة! يبقى حجر القمة الذي يُكمل البناء—إنه الإيمان المترقّب—«مُنْتَظِرِينَ رَحْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ لِلْحَيَاةِ ٱلْأَبَدِيَّةِ». فالرجاء البعيد النظر يرتقي الدرج الذي بناه الإيمان، وإذ ينحني على ركبتي الصلاة، يتطلّع من النافذة التي فتحتها المحبة، فيرى الرب يسوع المسيح آتيًا في مجده، ومانحًا جميع شعبه الحياة الأبدية التي ستكون نصيبهم. فانظروا إذن قيمة الصلاة من حيث إنها دليل على امتلاك الإيمان، ومن حيث إنها تُنبئ بقوة المحبة ونموّها وتسندهما.
وإذ نأتي إلى النص مباشرة، نلاحظ أن الرسول يتكلم عن الصلاة، لكنه لا يذكر إلا نوعًا واحدًا من الصلاة. فإذا نُظر إليها من زاوية معيّنة، كانت الصلوات أنواعًا كثيرة. وأظن أنه لا يمكن لصلاتين حقيقيتين من رجلين مختلفين أن تتطابقا تمامًا. فكبار الفنانين لا يكرّرون اللوحة نفسها في الغالب—بل يفضّلون أن يعبّروا عن أفكار جديدة كلما أمسكوا الريشة. وهكذا الفنان الأعظم، الروح القدس، الذي هو مُنشئ الصلاة، لا يُنتج في الغالب صلاتين متطابقتين تمامًا على ألواح قلوب شعبه.
ويمكن تقسيم الصلوات إلى رُتب عدّة مختلفة. فهناك صلاة الاستدفاع التي نلتمس فيها دفع غضب الله، ونتوسّل إليه أن يردّ حموّ غضبه، وأن يرفع عصاه، وأن يغمد سيفه. وصلوات الاستدفاع ينبغي أن تُرفع في كل الأوقات التي تُخشى فيها البلايا، وحين تكون الخطية قد أغارت الرب. ثم هناك صلوات الطلب التي نطلب فيها البركات ونلتمس المراحم من يد الله السخيّة، ونتوسّل إلى أبينا السماوي أن يملأ كل احتياجنا بحسب غناه في المجد في المسيح يسوع. وهناك صلوات شخصية يتضرّع فيها المتضرّع في الأساس بشأن نفسه. وهناك توسّلات شفاعية، يشفع فيها مقدّم الطلبة، كإبراهيم، من أجل سدوم، أو يتوسّل أن يعيش إسماعيل أمام الله.
وهذه الصلوات من أجل الآخرين ينبغي أن تُكثَر بقدر الصلوات من أجل أنفسنا، لئلا نجعل كرسي الرحمة موضعًا لعرض الأنانية الروحية. وقد تكون الصلاة علنية أو سرية، مسموعة أو قلبية، مطوّلة أو خاطفة. وقد تُملَّح الصلاة بالاعتراف، أو تُعطَّر بالشكر. وقد تُرنَّم بالموسيقى، أو تُذرف بالأنين. فبقدر ما تكثر أزهار الصيف، تكثر أنواع الصلاة! ولكن مع أن الصلوات من هذه الرتب المختلفة، فثمة وجه واحد تكون فيه كلها واحدة إن كانت مقبولة عند الله—فلا بد أن تكون، كل واحدة منها، «فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ».
فالصلاة التي ليست في الروح القدس هي في الجسد. والمولود من الجسد جسد هو، وقد قيل لنا إن الذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يُرضوا الله. وكل ما يصدر عن طبيعتنا الفاسدة مُدنَّس ومُشوَّه، ولا يمكن أن يكون مقبولًا عند الله القدوس. فإن كانت السماوات غير طاهرة بعينيه، فكيف تكون مقبولة عنده تلك الصلوات المولودة من الأرض؟ إن بذرة التعبّد المقبول ينبغي أن تأتي من مخزن السماء. فالصلاة التي تأتي من الله وحدها تستطيع أن تذهب إلى الله! والحمامة لا تحمل رسالة إلا إلى البرج الذي خرجت منه، وكذلك الصلاة ترجع إلى السماء إن كانت قد أتت من السماء. ينبغي أن نردّ سهام الرب إليه.
فالرغبة التي يكتبها هو على قلوبنا تحرّك قلبه وتُنزل البركة، أما رغبات الجسد فلا قوة لها عنده. ولأني أرغب في أن أطبع هذا الحق من حقائق الله في أذهان إخوتي وأخواتي هذا الصباح، سأستعمل كلمات النص القليلة بخمس طرق.
أولًا: سنستعمل النص بوتقةً نمتحن فيها صلواتنا. أتوسّل إليكم، امتحنوا أنفسكم بعناية صارمة! استعملوا النص بُوطةً، وأتونًا، ومِحَكًّا، أو بوتقةً تميّزون بها هل كانت صلواتكم حقيقية أم لا! وهذا هو الامتحان—هل كانت بالحق والفعل—«مُصَلِّينَ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ»؟ أيها الإخوة والأخوات، لا حاجة بنا إلى أن ندين الذين يصلّون صلوات غير مفهومة، صلوات بلسان غريب، صلوات لا يفهمونها هم أنفسهم. فنحن نعلم دون لحظة نقاش في المسألة أن الصلاة التي لا تُفهم لا يمكن أن تكون صلاة في الروح، لأن روح الإنسان نفسه لا يدخل فيها—فكيف يكون روح الله فيها إذن؟
إن الكلمات الغامضة أو الرطانة اللاتينية التي يتلوها الكهنة لا يمكن أن تصعد أمام الله وتُقبل! فلنحفظ إذن حكمنا لأنفسنا. قد يكون بين الحاضرين من اعتادوا منذ طفولتهم أن يستعملوا صيغة صلاة محفوظة. ولعلكم لا تجرؤون أن تخرجوا إلى عمل يومكم دون أن تكونوا قد كرّرتم تلك الصيغة عند السرير. وتخافون أن تناموا ليلًا دون أن تمرّوا على الكلمات التي ألزمتم أنفسكم بتكرارها. أيها الأصدقاء الأعزاء، هل لي أن أطرح عليكم السؤال—وهل تحاولون أن تجيبوا عنه بأمانة؟ هل صلّيتم في الروح القدس؟ هل كان للروح القدس أي شأن بتلك الصيغة؟ هل جعلكم حقًّا تشعرون بها في قلوبكم؟ أليس من الممكن أنكم قد استهزأتم بالله بصوت مهيب على لسان غافل؟ أليس من المرجّح، بسبب الطريقة الاعتباطية التي يأتي بها المرء إلى تكرار صيغة مألوفة، ألّا يكون فيها قلب على الإطلاق—ولا ذرّة من الإخلاص؟
أليس الله يمقت الذبيحة التي لا يوجد فيها القلب؟ إنه لأمر مُحزن لو كنا قد زدنا خطايانا بصلواتنا! وإنها لحقيقة شقيّة جدًّا لو تبيّن أننا حين حنينا الركبة فيما ظنناه خدمة لله، كنا في الواقع نُهين إله السماء بنطق كلمات لا يمكن إلا أن تكون كريهة عنده، لأن قلوبنا لم تسِر مع شفاهنا! فلنكن على يقين أننا إن كنا طوال سبعين سنة قد أدّينا عباداتنا بانتظام مستعملين الكتاب، أو الصيغة التي حفظناها، فقد نكون طوال السبعين سنة كلها لم نصلِّ مرة واحدة قط! وقد نكون طوال تلك المدة كلها عائشين في نظر الله حياة فاجرة خالية من الصلاة، لأننا لم نسجد قط لله، الذي هو روح، بالروح والحق، ولم نصلِّ قط في الروح القدس! احكموا على أنفسكم، أيها الإخوة والأخوات، لئلا يُحكم عليكم!
ولكن أليس بيننا آخرون لم يستعملوا قط صلاة مكتوبة؟ ممّن تجنّبوا منذ طفولتهم الأولى صيغ الصلاة بل مقتوها، ومع ذلك لديهم سبب وجيه لأن يمتحنوا صلاتهم بقدر ما يمتحنها غيرهم؟ لقد نطقنا بكلمات مرتجلة، وتلك الكلمات المرتجلة اقتضت بالضرورة شيئًا من إعمال الذهن، وشيئًا من الانتباه—ومع ذلك ربما كنا فيها بلا قلب. وأظن أننا ندرك جيدًا أنه يمكننا أن نعتاد الصلاة المرتجلة عادةً تجعلها في الحقيقة لا تفضل، أو تكاد، ما لو كرّرنا ما حفظناه. فقد يُكتسب بالممارسة طلاقة يجري بها كلام المرء منسابًا خمس دقائق أو عشرًا، أو ربع ساعة، بينما القلب هائم في الباطل أو راكد في اللامبالاة! قد يكون الجسد جاثيًا على ركبتيه، والنفس محلّقة على جناحيها بعيدًا عن كرسي الرحمة.
فلنفحص إلى أي حدّ كانت صلواتنا العلنية في الروح القدس. والواعظ الواقف هنا يتوسّل إلى الله أن يفحصه في هذا الأمر. فإن كان قد أدّى عمل الصلاة العلنية لمجرد أن من واجبه الرسمي أن يقود عبادة الجماعة، فعليه حساب كثير يقدّمه أمام الله—فأن يقود عبادة هذا الجمع الغفير دون أن يطلب معونة الروح القدس ليس خطية هيّنة! وماذا يُقال عن الصلوات في اجتماعات الصلاة؟ أليس كثير منها مجرد كلمات؟ لكان خيرًا لأصدقائنا ألّا يتكلموا البتة من أن يتكلموا في الجسد!
وأنا متيقّن أن الصلاة الوحيدة التي يستطيع السامع التقي أن يشترك فيها، والمقبولة عند الله، هي التي تكون حقًّا صلاة القلب—صلاة النفس، في الواقع—صلاة يحرّكنا الروح القدس لنصلّيها. وكل ما عدا ذلك ضرب للهواء وإضاعة للوقت باطلًا. يا إخوتي، أشكر الله أن كثيرين منكم في هذه الكنيسة موهوبون في الصلاة، وأتمنى أن يتمكن كل عضو في كل كنيسة مسيحية من أن يصلّي علنًا. ينبغي لكم جميعًا أن تحاولوا ذلك، ولا ينبغي لأحد منكم أن يكفّ عنه إلا إذا صار مستحيلًا استحالة مطلقة. ولكن آه، يا إخوتي الذين تصلّون علنًا، أليس يحدث أحيانًا معكم كما مع بعضنا الآخرين—أن تكون الصلاة ممارسةً لموهبة لا فيضًا للنعمة الإلهية؟ فإن كان الأمر كذلك، فاطلبوا إلى الرب أن يغفر لكم مثل هذه الصلاة، وأن يمكّنكم من أن تنتظروه في قوة الروح القدس.
ولا يجوز أن ننسى فحص صلواتنا الأكثر خصوصية، وتضرّعاتنا عند مذبح العائلة، وفوق الكل صلواتنا في تلك الغرفة الصغيرة التي كرّسناها للشركة مع الله. آه أيها الإخوة والأخوات، لكان لنا أن نسأم صلواتنا لو رأينا كم هي أشياء هزيلة! هناك أوقات يكون فيها أمرًا عذبًا ومباركًا أن نمسك بقرون المذبح، وأن نشعر بأن الدم الذي يرشّ المذبح قد رُشّ عليك—وأنك قد كلّمت الله وغلبت! آه، إنه لأمر مبارك أن تمسك بملاك العهد، وأن تصارعه ساعة بعد ساعة، قائلًا: «لَا أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي»! لكني أخشى أن هذه ليست أمورًا دائمة. ويمكننا أن نقول عنها إنها كزيارات الملائكة، قليلة ومتباعدة.
تعالوا، يا إخوتي، ضعوا صلواتكم في بوتقة «مُصَلِّينَ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» هذه. ستلقون فيها معدنًا كثيرًا، لكن لن يخرج منها إلا قليل من الذهب الخالص. تعالوا وضعوا صلواتكم على هذا البيدر، وادرسوها بهذا النص: «مُصَلِّينَ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ». وآه، كم سيكون فيها من التبن والعُصافة، وكم قليل من الحَبّ المذرّى جيدًا! تعالوا وانظروا من هذه النافذة إلى حقول عباداتنا، المكسوّة بالقرّيص والعُلّيق والشوك—برّية من الممارسات الخارجية المحضة! وما أصغر تلك البقعة الصغيرة، المسيّجة بالنعمة، التي نقّاها الله الروح القدس بنفسه، وحفرها، وغرسها—والتي منها أُخرج ثمر الصلاة إلى الكمال!
ليعلّمنا أبونا السماوي أن نتواضع في حضرته إذ نتأمل كم قليل حتى من أفضل ما عندنا يصمد أمام امتحان عينيه الفاحصتين، وليت الذين هم قديسوه منا يأتون إليه من جديد، ويطلبون إليه أن يملأنا بروحه، وأن يقبلنا في ابنه!
ثانيًا: سنستعمل النص بعد ذلك شرابًا منعشًا للقلب. إنه لتأمّل مُبهج جدًّا للذهن المسيحي أن الله يرقب شعبه، ولا يجلس متفرّجًا غير مبالٍ بصراعاتهم وصعوباتهم. فهو مثلًا يرقبنا عن كثب في صلواتنا. إنه يعلم أن الصلاة، مع أنها ينبغي أن تكون أسهل شيء في العالم، ليست كذلك. ويعلم أننا نحن الخطّائين لا نجد دائمًا من السهل أن نقترب إليه بروح التضرّع الحقيقي، وهو يرقب هذا بحنان متنازل. ثمة آية ثمينة للقلوب الضعيفة جدًّا والمنكسرة: «يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ». وتلك الأخرى: «كَمَا يَتَرَأَفُ ٱلْأَبُ عَلَى ٱلْبَنِينَ يَتَرَأَفُ ٱلرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ».
إنه يلاحظ ضعفاتنا وإخفاقاتنا في عمل التضرّع. يرى ابنه يسقط وهو يحاول أن يمشي، ويلحظ الدموع التي يبكي بها ضعفه. «عَيْنَا ٱلرَّبِّ نَحْوَ ٱلصِّدِّيقِينَ، وَأُذُنَاهُ إِلَى صُرَاخِهِمْ». وثمة فكرة أعذب تبقى في النص، وهي أن ربنا، بعد أن نظر في إخفاقاتنا هذه، وكثير منها خطايا، لا يغضب علينا بسببها. وبدلًا من أن يتحوّل إلى السخط، يتحرّك بالشفقة علينا والمحبة نحونا. وبدلًا من أن يقول: «إن كنتم لا تستطيعون أن تصلّوا، فلن تنالوا. وإن لم تكن لكم
نعمة تكفي حتى لأن تطلبوا كما ينبغي، فسأغلق أبواب الرحمة في وجوهكم». كلا، بل إنه يدبّر وسائل يُدخل بها الأعرج والمنفيّ إلى حضرته! إنه يعلّم الجاهل كيف يصلّي، ويقوّي الضعيف بقوته هو!
وفي هذا أيضًا يصنع عجائب، لأن الوسائل التي يُعين بها ضعفنا جديرة بالتعجّب الشديد. فتلك المعونة لا توجد في كتاب، ولا في إملاء كلمات معيّنة في أماكن مكرّسة معيّنة، بل في معونة الله نفسه المتنازلة، لأنه من هو الذي يُتكلّم عنه في النص إلا الله؟ الروح القدس، الأقنوم الثالث في الثالوث المعبود، يُعين ضعفاتنا، ويشفع فينا بأنّات لا يُنطق بها! إنها علامة تنازل عجيب أن الله لا يستجيب صلواتنا متى رُفعت فحسب، بل يصنع صلواتنا لأجلنا! فأن يقول الملك لمقدّم الطلبة: «اعرض قضيتك أمامي فأمنحك سؤلك» هو لطف. أما أن يقول له: «سأكون كاتبك. سأكتب لك عريضتك. سأضعها في الكلمات اللائقة وأستعمل العبارات المناسبة حتى تُصاغ عريضتك صياغة مقبولة»—فهذا هو الصلاح في أقصى مداه!
وهذا بالضبط ما يصنعه الروح القدس لأجلنا نحن بني البشر المساكين الجهلاء المتردّدين الضعفاء. فأنا أفهم من عبارة «مُصَلِّينَ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» أن الروح القدس راغب فعلًا في أن يُعينني على الصلاة—وأنه سيخبرني كيف أصلّي! وأنني حين أبلغ نقطة أتوقف عندها ولا أستطيع أن أعبّر عن رغباتي، فإنه يظهر في ضيقي ويشفع فيّ بأنّات لا يُنطق بها. لقد قوّى ملاكٌ يسوعَ في جهاده—أما أنتم فسيعينكم الله نفسه! هارون وحور رفعا يدي موسى، أما الروح القدس نفسه فيُعين ضعفاتكم!
يا إخوتي وأخواتي الأحباء في المسيح، هذه الفكرة لا تحتاج إلى زخرف من العبارات الخطابية! خذوها كسبيكة من ذهب أوفير وقدّروها. إنها نفيسة، تفوق كل ثمن. الله نفسه، الروح القدس، يتنازل ليعينكم حين تكونون على ركبكم، وإن كنتم لا تستطيعون أن تؤلّفوا كلمتين معًا في حديثكم العادي مع الناس، فإنه سيعينكم لتتكلموا مع الله! آه، وإن أعوزتكم الكلمات عند كرسي الرحمة، فلن تُعوزكم الحقيقة، لأن قلوبكم ستغلب. الله لا يحتاج إلى الكلمات. إنه لا يقرأ طلباتنا قط بحسب النطق الخارجي، بل بحسب الأنين الداخلي. إنه يلاحظ التوق، والاشتياق، والتنهّد، والصراخ.
تذكّروا أن ظاهر الصلاة ليس إلا القشرة—أما باطن الصلاة فهو لبّها وجوهرها الحقيقي. فإن صعدت الصلاة إلى السماء في ترنيمة الجموع، مع تموّج الموسيقى المجيدة، فليست أكثر قبولًا عند الله ولو بمقدار ذرّة منها حين تُطلق نحيبًا في صرخة الألم المرّة من روح مستوحشة. تلك الصرخة النشاز في آذان البشر هي موسيقى في أذني الله—
«عنده في التنهيدة موسيقى، وفي الدمعة جمال». فلاحظوا هذا إذن وتعزّوا.
ثالثًا: يمكن للنص أيضًا أن يكون خريطةً ترشدنا في طريق الصلاة. وهنا سأحتاج إلى أن أتكلم بإسهاب أكبر. نصلّي كيف؟ بالكتاب؟ بلا كتاب؟ علنًا؟ سرًّا؟ في الطريق؟ في البيت؟ على ركبنا؟ وقوفًا؟ جلوسًا؟ جثوًّا؟ لا شيء يُقال عن هذه! فالهيئة والمكان والزمان كلها متروكة مفتوحة. لا قاعدة طقسية إلا واحدة—«فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ».
هذا أمر لا غنى عنه. فإذا تحقّق، فلا شيء آخر يهمّ قيد شعرة. إن كانت الصلاة في الروح القدس، فليكن كل ما عدا ذلك كما تشاؤون. فما معنى الصلاة في الروح القدس؟ يمكن أن تُترجم الكلمة «بالروح القدس»، أو «من خلال الروح القدس»، كما تُترجم «في الروح القدس». والعبارة تعني، أولًا، الصلاة في قوة الروح القدس. والذهن الجسدي لا يعرف شيئًا عن هذا. ولو كلّمت إنسانًا غير متجدد في هذه النقطة، لكان سواءً أن أعبّر عن نفسي بالألمانية العليا أو بالإنجليزية. أما المتجدّدون المولودون من الروح والعائشون في عالم الروح فيدركون الاتصالات بين أرواحهم والروح القدس الساكن الآن في وسط كنيسة الله.
نحن نعلم أن الروح الإلهي، دون استعمال أصوات، يتكلم في قلوبنا. ونعلم أنه دون نطق تسمعه الآذان يستطيع أن يجعل نفوسنا تعرف حضوره وتفهم مقصده. إنه يُلقي علينا ظلّ تأثيره الروحي، فيلوّن أفكارنا ومشاعرنا بحسب قصده ومشيئته. إنها حقيقة روحية عظيمة يعرفها المسيحي يقينًا أن الروح القدس، الروح الإلهي، يتعامل كثيرًا مع الأذهان الروحية ويهبها قوته. إن لروحنا المولودة ولادة جديدة قدرًا معيّنًا من القوة، لكن هذه القوة لا تظهر قط ظهورًا كاملًا ولا تُستخرج إلا حين يُحيي روحُ الله روحَنا ويحثّها على النشاط.
روحنا تصلّي، ولكن ذلك لأنها مُظلَّلة ومملوءة بقوة الروح القدس. لا أستطيع الآن أن أوضح قصدي تمامًا، لكني أعني هذا: لو أنني، بوصفي إنسانًا، ذهبت إلى عرش النعمة وصلّيت فقط كما تصلّي طبيعتي الجسدية، لكانت تلك الصلاة غير مقبولة. أما حين أذهب إلى كرسي الرحمة وتصلّي طبيعتي الجديدة كما يمكّنني الروح القدس أن أصلّي، فحينئذ تنجح صلاتي عند الله. إن فعلت أمام الله عند العرش ما يقدر عليه اللحم والدم ولا شيء أكثر، فلم أفعل شيئًا—لأن ما هو من الجسد لا يرتفع أعلى من الجسد.
ولكن إن كان روح الله الأزلي، حين آتي أمام عرش النعمة السماوية، يكلّم نفسي ويرفعها من المستوى الميت للبشرية الساقطة. وإن كان يرفعها لتمتلئ بقوة إلهية—إن كان ذلك الروح فيّ ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية، إن قبلت ذلك النور الإلهي وقوة الروح القدس—وإن اقتربت إلى الله بحرارة في قوته، فلا بد أن تكون صلاتي غالبة عند الله! وهذه القوة يمكن أن يمتلكها كل مسيحي. ليهبها الله الآن لجميع شعبه، حتى يصلّوا كلهم في الروح!
هذا، على ما أظن، معنى واحد للنص—الصلاة في قوة الروح. ولا شك أن المعنى الرئيسي للنص هو الصلاة في الروح من حيث المادة. فنحن لا نعلم دائمًا ما نصلّي لأجله، ولو أننا، أيها الإخوة والأخوات، امتنعنا عن الصلاة بضع دقائق حتى نعلم، لكانت قاعدة جيدة وحكيمة. إن العادة التي وقعنا فيها في الصلاة المرتجلة، أن نصلّي دائمًا مباشرة بما نطلبه—دون توقف لحظة نفكر فيها فيما سنطلبه—مضرّة جدًّا بروح الصلاة. أحب، حين أكون وحدي، أن آخذ بضع دقائق لأتأمل فيما سأطلبه من الله، وإلا بدا لي الأمر كأن يطلب المرء مقابلة أحد رجال الدولة ليسأله شيئًا قد يخطر له في تلك اللحظة.
كيف يروق لك أن تنال مقابلة مع اللورد ديربي، ثم تفكر فجأة في ما الذي جئت من أجله؟ لا شك أن الحسّ السليم يقول: تمهّل قليلًا حتى ترسم قضيتك في ذهنك، ثم حين تعرف أنت نفسك بوضوح ما تريد، تستطيع أن تطلب ما تحتاج إليه. أفلا ينبغي أن ننتظر الله في الصلاة، طالبين إليه أن يكشف لنا ما هي الأمور التي ينبغي أن نتوسّل إليه بشأنها؟ احذروا الصلوات الاعتباطية! لا تجعلوا التضرّع عملًا عشوائيًا قط. تعالوا إلى عرش النعمة فاهمين بوعي ما الذي تحتاجون إليه.
يكون الحال حسنًا معنا في الصلاة حين يقود الروح القدس الذهن. أليس جميع الروحيين يدركون هذا، أنهم يشعرون بأنفسهم مُغلقًا عليهم في أمور معيّنة، وأحرارًا فقط في اتجاه آخر؟ فليطيعوا إذن الروح القدس ويصلّوا كما يوجّههم، لأنه يعلم ما ينبغي أن تكون طلبتنا. حسنًا، ثم ماذا؟ يا إخوتي وأخواتي الأعزاء، صلّوا لأجل ما يحرّككم الله الروح لتصلّوا لأجله، وكونوا مرهفي الحسّ جدًّا لتأثير الروح القدس. يعجبني تشبيه استعمله توماس شيليتو في سيرة حياته، حين يقول إنه تمنّى أن يكون ذهنه كقطعة فلّين على وجه الماء، تشعر بكل حركة من حركات روح الله. وحسنٌ أن نكون مرهفي الحسّ لروح الله حتى إن أخفّ نسمة منه تُحدث تموّجًا على بحر نفوسنا وتحرّكها كما يريد الروح.
لقد بلغنا حالة سامية من التقديس حين يكون الله الروح وروحنا الداخلي في توافق كامل. ليتنا نُقاد إلى تلك الحالة المباركة بما لا يوصف! إننا لا نصلّي كما ينبغي إن فكّرنا فيما نريده ونرغب فيه، ثم طلبناه بعناد أناني. إنما نصلّي كما ينبغي حين نوافق على ما هو فكر الروح، ونتكلم كما يحرّكنا لنتكلم. وسنغتني يقينًا بالخيرات حين ننتظر أن ننال منه مادة تضرّعاتنا نفسها كلها. يا رب، علّمنا أن نصلّي! ضع الأفكار في أذهاننا، والرغبات في قلوبنا، والكلمات نفسها على شفاهنا، إن كانت هذه مشيئتك، حتى تكون كل صلواتنا صلاةً في الروح لا في الجسد.
إن الجزء الرئيسي من الصلاة في الروح لا بد أن يكمن لا في قوة الروح فقط، ولا في تعليم الروح إيانا المادة، بل في إعانة الروح إيانا في الطريقة. لاحظوا، أيها الإخوة والأخوات، الطرق الكثيرة للصلاة المكروهة عند الله—لاحظوها وتجنّبوها! ليس هناك إلا طريقة واحدة للصلاة يقبلها الرب. وأنتم تعرفون ما هي. وسأصف صفاتها باختصار. على من يأتي إلى الله أن يتذكّر أنه «رُوحٌ. وَٱلَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَٱلْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا… لِأَنَّ ٱلْآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هَؤُلَاءِ ٱلسَّاجِدِينَ لَهُ». إن أول ما لا غنى عنه في الصلاة أن نصلّي بالحق، ونحن لا نصلّي بالحق ما لم يقُد روح الله أذهاننا الباطلة إلى إخلاص التعبّد وحقيقته.
والصلاة بالحق هي هذه—ألّا نستعمل عبارة الصلاة الفارغة، بل أن نعني ما نقول. هي أن يجاهد القلب مع الله ويجيش بالرغبات القوية. ومن أين تحصلون على مثل هذه الطريقة في الصلاة إلا عند الإنسان الروحي، حين يحرّكه الروح القدس؟ الإنسان الجسدي، إن كان أحمق بما يكفي، يستطيع أن يرتّل صلاة بنغمة. والإنسان الجسدي يستطيع أن «يتلو الفرض» و«يؤدّي الواجب» كأي شخص آخر يستطيع أن يقرأ كتابًا، لكنه لا يصلّي! لا يمكن أن تصدر عنه صلاة. الإنسان الروحي وحده يستطيع أن يتنهّد ويتوق، ويصرخ في أعماق قلبه، وفي مخدع نفسه أمام الله—لكنه لن يفعل ذلك إلا كما يقوده روح الحق بإخلاص إلى سرّ صلاة القلب.
الصلاة في الروح القدس هي الصلاة بحرارة. أما الصلوات الباردة، يا إخوتي وأخواتي، فهي تطلب من الرب ألّا يسمعها! فالذين لا يتوسّلون بحرارة لا يتوسّلون البتة. وسواءٌ أن تتكلم عن نار فاترة أو عن صلاة فاترة! لا بد أن تكون متّقدة حمراء. فالصلاة الحقيقية تُكوى في نفس الإنسان كما بحديد محمّى، ثم تخرج من نفسه كجمر الرتم الذي له أشدّ الحرارة. ومثل هذه الصلوات لا يهبها إلا الروح القدس. لقد سمعت من هذا الموضع صلوات لا أستطيع أن أنساها أبدًا، ولن تنسوها أنتم أيضًا.
في يناير وفبراير الماضيين كانت هناك أوقات أُعين فيها بعض إخوتنا على الصلاة بقوة جعلتنا ننحني في اتضاع، ثم حُملنا بعد ذلك كما على أجنحة النسور في قوة التضرّع! هناك طريقة للصلاة بقوة يبدو فيها الإنسان كأنه أمسك بقائمتي باب السماء، كما أمسك شمشون بعمودي المعبد، ويظهر كأنه يؤثر أن يهدم كل شيء على نفسه على أن تفوته البركة. إنه لأمر شجاع أن ينذر القلب: «لَا أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي». هذه هي الصلاة في الروح القدس. ليتنا نتدرّب في فنّ تقديم الصلاة الحارة المقتدرة!
وبعد ذلك، لا بد في الصلاة أن نصلّي بمثابرة. أي إنسان يستطيع أن يركض سريعًا في اندفاعة، أما أن يواصل ذلك ميلًا بعد ميل—فهنا المعركة! وكذلك بعض الأرواح الحارة تستطيع أن تصلّي بحرارة شديدة بين حين وآخر، أما المواظبة على الصلاة—فمن يستطيع ذلك ما لم يسنده روح الله؟ الأرواح البشرية تفتر وتتعب. ومسيرة العبادة الجسدية المحضة كمسيرة الحلزون الذي يذوب وهو يزحف. والأذهان الجسدية تمضي قُدمًا وعبادتها تصغر شيئًا فشيئًا وتتضاءل تضاؤلًا بائسًا، وهم يصرخون: «مَا هَذِهِ ٱلْمَشَقَّةُ!» أما حين يملأ الروح القدس إنسانًا ويقوده إلى الصلاة، فإنه يزداد قوة كلما تقدّم—ويزداد حرارة حتى حين يتأخر الله في الاستجابة! وكلما طال إغلاق الباب، اشتدّ قرعه بالمِقرعة حتى يُرعد في صلاته! وكلما تمهّل الملاك، ازداد عزمًا على أنه إن أمسكه بقبضة الموت فلن يُطلقه أبدًا دون البركة.
جميلة في عيني الله اللجاجةُ الدامعة التي لا تُقهر مع ذلك. يسوع يُسرّ بأن يُمسك به من يقول: «لا أقبل الرفض جوابًا، هذه البركة لا بد أن أنالها، لأنك وعدت بها وعلّمتني أن أطلبها، ولن أصدّق أنك تستطيع أن تُكذّب نفسك». لا شك أننا نحتاج إلى الروح القدس ليعيننا على أن نصلّي هكذا. وإذ نصلّي في الروح نكون على يقين أننا نصلّي بحالة ذهنية مقدسة. أيها الإخوة والأخوات، هل يتشتّت ذهنكم أحيانًا؟ تقولون: «آه، بل أتساءل متى لا يتشتّت!» وأجرؤ أن أقول إنكم جئتم إلى هذا البيت مُثقلين، ومع ذلك كنتم تقولون في الطريق: «هذا أحد مبارك، أشعر بأن حضور الله معي».
ثم لقيكم على الدرج ثرثار سخيف وحدّثكم بحكاية فارغة شتّتت أذهانكم. بل قد تجلسون هنا في هدوء، ثم تأتي ذكرى طفل في البيت، أو تذكّر ما قاله أحدهم منذ نحو ستة أسابيع، فتربك أذهانكم حتى لا تستطيعوا أن تصلّوا. أما حين يأتي الروح القدس، فإنه يأخذ سوطًا من حبال ويطرد هؤلاء الباعة والمشترين من الهيكل، ويُخليه لله. وحينئذ تستطيعون أن تأتوا بحالة ذهنية مقدسة تقيّة، ثابتة ومستقرة على غايتكم العظمى في الاقتراب إلى الله. هذا هو الاقتراب إليه في الروح. آه، ليت لنا المزيد من هذه العبادة المباركة التي لا يعكّرها شيء!
على أني لا أستطيع أن أُكمل وصف الصلاة في الروح إن لم أقل إنها تعني الصلاة باتضاع، لأن الروح القدس لا ينفخنا قط بالكبرياء. إنه الروح الذي يبكّت على الخطية، فيُحنينا في الندامة وانسحاق الروح. يجب أن نصلّي أمام الله كالعشّار المتواضع، وإلا فلن نخرج قط مبرَّرين كما خرج هو. لن نرنّم قط «المجد لله في الأعالي» ما لم نصلِّ إلى الله «من الأعماق»—فمن الأعماق يجب أن نصرخ، وإلا فلن نرى المجد في الأعالي! والصلاة الحقيقية لا بد أن تكون صلاة محبة إن كانت صلاة في الروح القدس. ينبغي أن تُعطَّر الصلاة بالمحبة، وأن تُشبَع بالمحبة—محبة لإخوتنا القديسين، ومحبة للمسيح. وفوق ذلك، لا بد أن تكون صلاة مملوءة إيمانًا. فصلاة الإنسان الحارة المقتدرة لا تغلب إلا بقدر ما يؤمن بالله، والروح القدس هو مُنشئ الإيمان فينا، وهو يغذّيه ويقوّيه حتى نصلّي مؤمنين بمواعيد الله.
آه، ليت هذا المزيج المبارك من الفضائل الممتازة، النفيسة والعذبة كأطياب التاجر، يفوح عبيره فينا لأن قوة الروح القدس قد انسكبت في قلوبنا! يُعوزني الوقت، ولذا لا بد أن أستغني عن وصف كامل لما هي الصلاة في الروح القدس، لكني أرجو أن تمتلكوها فتفهموها.
رابعًا: سأستعمل النص كروبًا يُعلن نجاحنا في الصلاة. الصلاة في الروح—يا لها من كلمات مباركة! إذن مع مثل هذه الصلاة يكون يقينًا مطلقًا أنني لا بد أن أنجح عند الله في الصلاة. لو كانت صلاتي صلاتي أنا، لما كنت متيقنًا منها هكذا. أما إن كانت الصلاة التي أنطق بها هي صلاة الله نفسه مكتوبة على نفسي، فإن الله دائمًا واحد مع نفسه—وما يكتبه على القلب لا يُكتب هناك إلا لأنه مكتوب في مقاصده.
قال أحد اللاهوتيين القدامى إن الصلاة ظلّ القدرة الكلية. فمشيئتنا، حين يؤثّر فيها الله الروح القدس، هي المؤشّر على مشيئة الله. حين يصلّي شعب الله، فذلك لأن البركة آتية، وصلواتهم هي ظلّ البركة الآتية! فكونوا على يقين من هذا، أيها الإخوة والأخوات: الله لم يُكذّب نفسه قط! لم يناقض قط في موضع ما قاله في موضع آخر. أنا وأنتم قد نناقض أنفسنا، لا بسبب عدم الصدق فحسب، بل حتى بسبب الضعف.
قد لا نستطيع أن نفي بكلمتنا، وقد ننسى ما قلناه—فنقول في موضع آخر شيئًا يناقضه—أما الله فليس ضعيفًا في ذاكرته، ولا متقلّبًا في مشيئته. ما وعد به أمس يتمّمه اليوم. وما قاله في موضع، يُعلنه في آخر. فإن قال الله في قلبي: «صلِّ من أجل فلان»، فذلك لأنه قاله في سفر أحكامه. فكتابة روح الله في القلب تتطابق دائمًا مع كتابة القضاء في سفر قصد الله الأزلي. فكونوا على يقين أنكم لا يمكن إلا أن تنجحوا حين تضعون نفوسكم كورقة بيضاء أمام الرب وتطلبون إليه أن يكتب عليها! حينئذ لا تعود صلاتكم صلاتكم أنتم فحسب، بل الروح يشفع فيكم بحسب مشيئة الله.
في مثل هذا الوقت لا حاجة بكم إلى أن تقولوا: «أرجو أن يستجيب الله الصلاة». بل سيفعل—إنه ملتزم بأن يفعل. إنه نوع من عدم الإيمان أن يقول المرء: «لا أعلم إن كان الرب صادقًا في وعده أم لا، لكني أرجو أن يكون». إنه صادق! ليكن الله صادقًا وكل إنسان كاذبًا. آه، لو جرّبه المزيد منكم كما اضطُرّ بعضنا أن يفعل، لكان عليكم أن ترفعوا أيديكم دهشة وتقولوا: «حقًّا، أيًّا كان ما ليس حقيقة، فإنها حقيقة أن الله، الجالس في أعلى السماوات، يصغي إلى صراخ شعبه، ويعطيهم بحسب سؤل قلوبهم». إن كان الروح يعلّمكم أن تصلّوا، فإنه مؤكّد كما أن اثنين في اثنين أربعة أن الله سيعطيكم ما تطلبون.
خامسًا: سأستعمل النص في الختام مركبةً نحمل فيها نفوسنا قُدمًا في تمرين الصلاة المبهج. فالتمرين المعيّن لنا اليوم وغدًا هو الصلاة في الروح. أيها الإخوة والأخوات، إنه لمبهج لبعضنا أن نؤمن بأن روح الله هو مُنشئ موجة الصلاة العظيمة التي تتكسّر الآن على الكنائس التي ننتمي إليها. لم تكن من تدبيرنا ولا من تخطيطنا، بل كانت تحريك روح الله القدوس لبضعة إخوة رغبوا في أن يقضوا يومًا في صلاة مهيبة، فوجدوا فيه بركة جعلتهم لا يستطيعون إلا أن يخبروا الآخرين بها!
ثم تحرّك آخرون من تلقاء أنفسهم، ودون كلمة معارضة أو اختلاف في الرأي قال الجميع: «آمين. فلنجتمع نحن أيضًا للصلاة». وأُعطيت طائفتنا روح المودّة الأخوية والإجماع والمحبة، ثم روح رغبة جادّة في إنزال بركة من الله. لقد عرفنا وقتًا لم يكن فيه الأمر كذلك. عرفنا وقتًا كان يوم الصوم والصلاة فيه، إن لم يكن محتقرًا، فعلى الأقل لم يكن ليُقدَّر كما سيُقدَّر الآن. نحن على قلب واحد في هذا الأمر، وأعلم من مراسلات مع كثير من المسيحيين أن كثيرين من شعب الله يشعرون منذ الآن كأنهم في حال صلاة على نحو خاص—كأن الصلاة لم تعد الآن جهدًا، بل كأنها صارت نَفَسهم نفسه، يتنفّسون أشواقًا إلى نهضة القديسين وجمع الخطاة.
أيها الإخوة والأخوات في هذه الكنيسة، لقد كان لكم حضور الله. فلسنين كثيرة أُنعم عليكم بالكثير من «مُصَلِّينَ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ»، ورأيتم بعيونكم الأمور العظيمة التي صنعها الله استجابة للتضرّع. أفيتراجع أحد منكم الآن؟ أيكون رجل واحد اليوم أو غدًا غير جادّ في الصلاة؟ أيكون رجل واحد، أو حتى طفل واحد في شركة هذه الكنيسة، فاترًا في الصلاة؟ أقول: لا تخطئوا إلى الرب بالامتناع عن الصعود إلى كرسي الرحمة مع إخوتكم وأخواتكم. لا تُغضبوا الرب حتى يحرمكم البركة لأنكم تحرمون أنفسكم من الاشتراك في هذا التمرين.
أيها الأصدقاء الأعزاء، حين كانوا جميعًا مجتمعين بنفس واحدة في مكان واحد، صار بغتةً صوت كما من هبوب ريح عاصفة. لا يمكننا أن نكون جميعًا في مكان واحد، ولكن فلنكن على الأقل جميعًا بنفس واحدة. ماذا؟ أتقولون إنه ليس لكم ما تصلّون لأجله؟ ماذا؟ أليس لكم أولاد غير متجدّدين، ولا أصدقاء غير مخلَّصين، ولا جيران ما زالوا في الظلمة؟ ماذا؟ تسكنون لندن ولا تصلّون من أجل الخطاة؟ أين تسكنون؟ أفي برية شاسعة، وسط «امتداد لا حدّ له من الظلال»، حيث لم يبلغ آذانكم قط خبر خطية أو جهل؟ كلا، بل أنتم ساكنون في وسط ملايين من الملايين الفجّار! ملايين يحتقرون الله الذي خلقهم! ملايين يحتقرون إنجيل المسيح!
ملايين، لا آلاف! اسمعوا هذه الكلمة وانظروا هل تستطيعون أن تدركوا معناها! ملايين يعيشون بلا إله ولا رجاء، وهم منحدرون إلى الجحيم! وفي أنحاء المملكة كلها أيضًا شرور خطيرة تنتشر. أأحتاج أن أذكّركم بها باستمرار؟ الإلحاد لابسًا تاج الأسقف، والبابوية تغتصب مكان البروتستانتية! أنتم محاصَرون من الذئب والأسد، والحية والدب! كل أشكال الشر خارجة لتهاجم
الكنيسة. ألا تصلّون؟ إن كنتم لا تصلّون، فهل أقول: لتتألّموا لإهمالكم؟ كلا، لا أجرؤ أن أتكلم بأدنى ظلّ كأنني أستنزل عليكم ويلًا، لكن الويل سيأتي عليكم، فاعتمدوا على ذلك! وإن لم أقله أنا، فسيقوله الله في هذه الساعة الحاضرة. «اِلْعَنُوا مِيرُوزَ»، قال الرب، «لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتُوا لِمَعُونَةِ ٱلرَّبِّ، مَعُونَةِ ٱلرَّبِّ بَيْنَ ٱلْجَبَابِرَةِ».
لسنا نطلب منكم في هذه الحال أن تُسهموا من ثروتكم. ولو طلبنا، فللرب يسوع حقّ فيها، وينبغي أن تعطوها بسخاء. ولا نطلب منكم جميعًا في هذا اليوم أن تعظوا. ولو طلبنا، لكان بعضكم معذورًا لقلّة المقدرة. لكننا نطالب بصلواتكم، ولا ينبغي أن نُرَدّ! لا تستطيعون أن تصلّوا؟ إذن أنتم بلا نعمة، بلا مسيح، بلا رجاء، هالكون، ولن أطلب إليكم أن تنضمّوا إلينا! بل أطلب إليكم أولًا أن تذهبوا إلى الله لأجل أنفسكم. وإن كنتم مسيحيين فإنكم تستطيعون أن تصلّوا. الفقر لا يجعلكم فقراء في الصلاة. وقلّة التعليم لا ينبغي أن تعيقكم على ركبكم. وقلّة المكانة والرتبة في المجتمع لن تكون عائقًا لكم حين تتعاملون مع الله الذي يسمع المسكين حين يصرخ ويستجيب له بعطاء جزيل من النعمة الإلهية!
أيها الإخوة والأخوات، إن كنتم تحبون المسيح، إن كنتم قد شعرتم يومًا بمحبته منسكبة في قلوبكم. إن كنتم قد غُسلتم بدمه. إن كنتم قد خلصتم به من الغضب. إن كنتم خليقة جديدة فيه. إن كنتم ترجون أن تروا وجهه بقبول في النهاية، فلي أن أطرح هذا عليكم مطالبةً! لكني أُلحّ به عليكم توسّلًا أخويًّا—انضمّوا إلينا في الصلاة في الروح القدس! أيرتدّ أحد؟ فاحذر إذن، إن رفضت أن تتّحد مع إخوتك في الصلاة، لئلا تجد نفسك، حين تشاء أن تصرخ، مضيَّقًا عليك ومحبوسًا في سجن! احذر لئلا، برفضك أن تصلّي الآن وقد جاء روح الله، تشعر بعد ذلك بأنك محروم من حضور الروح القدس المعزّي، وتجد حلاوة العبادة قد فارقتك.
ليُرسل الرب بركة. لا بد أن يرسلها—قلوبنا ستنكسر إن لم يفعل! نشعر بأنها آتية. لقد أمسكنا بالموعد. لقد توسّلنا إلى يهوه! لقد توسّلنا بدم يسوع! ونحن نتوسّل به الآن! ونعتزم أن نواظب على هذا التوسّل حتى تأتي البركة، ويمكننا أن نعتمد على أن المطر السماوي سينزل عن قريب! إنه لم يقل لنسل يعقوب: «بَاطِلًا ٱطْلُبُونِي». أيها الإخوة والأخوات، كونوا ذوي رجاء، ولننضمّ بنفس واحدة إلى الصلاة في الروح القدس!
ليبارككم الرب، أيها الأصدقاء الأعزاء، في هذا الأمر من أجل يسوع.
اكتمل الفصل 7
الصلاة في الروح القدس