قوة عظيمة في الصلاة
شروط القوة في الصلاة

فصل 6 · قراءة 26 د · استماع 33 د

شروط القوة في الصلاة

«وَمَهْمَا سَأَلْنَا نَنَالُ مِنْهُ، لِأَنَّنَا نَحْفَظُ وَصَايَاهُ، وَنَعْمَلُ ٱلْأَعْمَالَ ٱلْمَرْضِيَّةَ أَمَامَهُ. وَهَذِهِ هِيَ وَصِيَّتُهُ: أَنْ نُؤْمِنَ بِٱسْمِ ٱبْنِهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، وَنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا كَمَا أَعْطَانَا وَصِيَّةً. وَمَنْ يَحْفَظْ وَصَايَاهُ يَثْبُتْ فِيهِ وَهُوَ فِيهِ. وَبِهَذَا نَعْرِفُ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِينَا: مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلَّذِي أَعْطَانَا.» (يوحنا الأولى 3:22-24).

فكّرتُ أن أكلّمكم هذا الصباح عن أهمية الصلاة، وقصدتُ أن أحثّكم بكل جدّية على أن تصلّوا لأجلي ولأجل عمل الرب في هذا المكان. وحقًّا لا أظن أنه كان يمكن أن يكون لي موضوع أثقل وزنًا من هذا، ولا موضوع يثقل على نفسي أكثر منه. ولو سُمح لي أن أقدّم إليكم طلبًا واحدًا فقط لكان هذا: «أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ، صَلُّوا لِأَجْلِنَا». فأيّ نفع لخدمتنا بدون البركة الإلهية؟ وكيف نتوقّع البركة الإلهية ما لم تطلبها كنيسة الله؟ إنني أقولها ولو بالدموع: «أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ، صَلُّوا لِأَجْلِنَا». لا تمنعوا الصلاة، بل على العكس أكثِروا من الشفاعة، لأنه بهذا، وبهذا وحده، يمكن أن يزداد ازدهارنا ككنيسة، بل أن يدوم أصلًا.

ولكن عندئذ خطر لي هذا السؤال: ماذا لو كان في الكنيسة شيء يمنع صلواتنا من أن تنجح؟ إنه سؤال مهم، وينبغي أن يُنظر فيه بأشد الجدية حتى قبل أن نحثّكم على الشفاعة. فكما تعلّمنا من الأصحاح الأول من إشعياء، فإن صلوات شعب غير مقدّس سرعان ما تصير رجسًا عند الله: «فَحِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيَكُمْ أَسْتُرُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ، وَإِنْ كَثَّرْتُمُ ٱلصَّلَاةَ لَا أَسْمَعُ». قد تسقط الكنائس في حال تصير فيها عباداتها إثمًا، وحتى «ٱلِٱعْتِكَافَ» يصير عبئًا ثقيلًا على الرب. وقد تكون في قلب أيّ واحد منا شرور تجعل من المستحيل على الله، إن كان ثابتًا على صفاته وطبيعته، أن يلتفت إلى شفاعاتنا أدنى التفات.

إن راعينا إثمًا في قلوبنا لا يستمع لنا الرب. وبحسب نصّنا، هناك أمور لا غنى عنها لكي تغلب الصلاة. إن الله يسمع كل صلاة حقيقية، ولكن هناك أمورًا معيّنة يجب أن تكون في شعب الله، وإلا قصّرت صلواتهم عن بلوغ الهدف. يقول لنا النص: «وَمَهْمَا سَأَلْنَا نَنَالُ مِنْهُ، لِأَنَّنَا نَحْفَظُ وَصَايَاهُ، وَنَعْمَلُ ٱلْأَعْمَالَ ٱلْمَرْضِيَّةَ أَمَامَهُ». فموضوع تأمّلنا هذا الصباح هو مقوّمات القوة في الصلاة: ماذا يجب أن نفعل، وماذا يجب أن نكون، وماذا يجب أن يكون لنا، إن أردنا أن نغلب عند الله في الصلاة غلبةً معتادة، كأمر واقع دائم. فلنتعلّم كيف نصير أمثال إيليا ويعقوب.

أولًا: سأبدأ بالنظر في مقوّمات القوة في الصلاة. ولا بد أن نميّز بين أمور قليلة في البداية. فأنا أرى أن هناك فرقًا كبيرًا بين صلاة نفس تطلب الرحمة وصلاة إنسان قد خلص. وأقول لكل شخص حاضر، أيًّا كانت سيرته: إن طلبتَ الرحمة من الله بإخلاص بيسوع المسيح فستنالها. ومهما كانت حالك في حياتك الماضية، إن طلبتَ الآن وجه يهوه تائبًا بالوسيط المعيَّن، فإنه يوجد لك.

إن كان الروح القدس قد علّمك أن تصلّي، فلا تتردّد بعد، بل أسرِع إلى الصليب، وهناك أَرِحْ نفسك المذنبة على يسوع. لست أعرف شرطًا لأول صلاة يصلّيها الخاطئ سوى الإخلاص، ولكن علينا أن نكلّم الذين خلصوا منكم بطريقة مختلفة. لقد صرتم الآن شعب الله، ومع أنكم ستُسمَعون كما يُسمَع الخاطئ، وستجدون كل يوم النعمة اللازمة التي ينالها كل طالب استجابةً للصلاة، فإنك الآن ولد الله، وأنت تحت تأديب خاص تنفرد به العائلة المولودة من جديد. وفي هذا التأديب تحتلّ استجابات الصلاة مكانة رفيعة، ولها نفع عظيم.

هناك شيء يتمتّع به المؤمن فوق الخلاص المجرّد وزيادةً عليه. هناك مراحم وبركات وتعزيات وألطاف تجعل حياته الحاضرة نافعة وسعيدة ومكرَّمة. وهذه سينالها بغضّ النظر عن سيرته. إنها ليست أمورًا حيوية من جهة الخلاص، فالمؤمن يملكها بلا شرط، لأنها بركات العهد. ولكننا نشير الآن إلى كرامات البيت وأطايبه التي تُعطى أو تُمنع بحسب طاعتنا كأولاد للرب. فإن أهملتَ الشروط الملحقة بها، فإن أباك السماوي سيمنعها عنك. أما البركات الجوهرية في عهد النعمة فتبقى بلا شرط، والدعوة إلى طلب الرحمة موجّهة إلى الذين لا يملكون أيّ أهلية على الإطلاق سوى حاجتهم.

ولكن ادخلوا إلى داخل العائلة الإلهية كرجال ونساء مخلَّصين، وستجدون أن بركات مختارة أخرى تُعطى أو تُمنع بحسب انتباهنا لقواعد الرب في عائلته. ولأضرب مثلًا مألوفًا: لو وقف إنسان جائع ببابك وطلب خبزًا لأعطيته إياه أيًّا كانت سيرته. وستعطي ابنك أيضًا طعامًا أيًّا كان سلوكه، فلن تمنع عن ابنك شيئًا ضروريًّا للحياة. ولن تمضي أبدًا في أيّ نوع من التأديب ضدّه إلى حدّ أن تحرمه طعامه الضروري، أو ثوبًا يقيه البرد. ولكن هناك أشياء أخرى كثيرة قد يرغب فيها ابنك، تعطيه إياها إن كان مطيعًا، ولا تعطيه إياها إن كان متمرّدًا عليك. وأرى أن هذا يوضّح إلى أيّ حدّ تمضي حكومة الله الأبوية في هذا الأمر، وأين تقف.

وافهموا أيضًا أن النص لا يشير إلى أن الله يسمع صلاة عبيده بين الحين والآخر، فهذا سيفعله حتى حين يكون عبيده قد حادوا عن الطريق معه، وحين يحجب وجهه عنهم. بل إن القوة في الصلاة المقصودة هنا هي قوة دائمة ومطلقة عند الله، حتى إنه، بحسب كلمات النص، «مَهْمَا سَأَلْنَا نَنَالُ مِنْهُ». ولهذه الصلاة شروط ومقوّمات لا بد منها، علينا الآن أن نتكلّم عنها. وأولها الطاعة البنوية: «وَمَهْمَا سَأَلْنَا نَنَالُ مِنْهُ، لِأَنَّنَا نَحْفَظُ وَصَايَاهُ». فإن كنا خالين من هذه، فقد يقول لنا الرب كما قال لشعبه إسرائيل: «قَدْ تَرَكْتُمُونِي وَعَبَدْتُمْ آلِهَةً أُخْرَى. لِذَلِكَ لَا أَعُودُ أُخَلِّصُكُمْ. اِمْضُوا وَٱصْرُخُوا إِلَى ٱلْآلِهَةِ ٱلَّتِي ٱخْتَرْتُمُوهَا».

أيّ أب سيقول لك إنه لو استجاب طلب ولد عاصٍ لشجّع التمرّد في العائلة، ولجعل من المستحيل عليه أن يحكم في بيته. وكثيرًا ما يتوجّب على الوالد أن يقول: «يا ولدي، لم تسمع لكلمتي منذ قليل، ولذلك لا أستطيع أن أسمع لكلمتك». ليس لأن الأب لا يحب، بل لأنه يحب ولده، وبسبب محبته يشعر أنه ملزم بأن يُظهر استياءه برفض طلب ابنه الضال. والله يعاملنا كما ينبغي أن نعامل نحن أولادنا المعاندين. فإن رأى أننا سنمضي في الخطية ونتعدّى، فإن من تأديبه الأبوي الرحيم أن يقول: «سأصدّ صلاتك حين تصرخ إليّ، ولن أسمعك حين تتضرّع إليّ. لن أهلكك، بل ستخلص، وسيكون لك خبز الحياة وماء الحياة، ولكن لن يكون لك أكثر من ذلك: ستُمنع عنك أطايب ملكوتي، ولن تنال شيئًا يشبه الغلبة الخاصة عندي في الصلاة».

أما أن الرب يعامل شعبه هكذا فواضح من المزمور الحادي والثمانين: «لَوْ سَمِعَ لِي شَعْبِي، وَسَلَكَ إِسْرَائِيلُ فِي طُرُقِي، سَرِيعًا كُنْتُ أُخْضِعُ أَعْدَاءَهُمْ، وَعَلَى مُضَايِقِيهِمْ كُنْتُ أَرُدُّ يَدِي. … وَكَانَ أَطْعَمَهُ مِنْ شَحْمِ ٱلْحِنْطَةِ، وَمِنَ ٱلصَّخْرَةِ كُنْتُ أُشْبِعُكَ عَسَلًا». بل لو وُضع في يد ولد الله العاصي هذا الموعد: «وَكُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ فِي ٱلصَّلَاةِ … تَنَالُونَهُ»، لكان من المؤكّد أن يطلب شيئًا يسنده في تمرّده! كان سيطلب تدبيرًا لشهوته وعونًا لعصيانه. وهذا لا يمكن أن يُحتمل أبدًا! أيتملّق الله فسادنا؟ أيجلب وقودًا للهيب الشهوة الجسدية؟

القلب العنيد يتوق إلى مزيد من الحرية لكي يزداد عنادًا. والروح المتكبّرة تتوق إلى مزيد من الرفعة لكي تزداد كبرياء. والروح الكسولة تطلب مزيدًا من الراحة لكي تزداد تراخيًا. والروح المتسلّطة تطلب مزيدًا من السلطة لكي تجد فرصًا أكثر للظلم. وكما يكون الإنسان تكون صلاته: الروح المتمرّدة تقدّم صلوات عنيدة متكبّرة. أيصغي الله إلى صلوات كهذه؟ لا يمكن! إنه سيعطينا ما نطلب إن حفظنا وصاياه، ولكن إن صرنا عصاة ورفضنا حكمه، فإنه هو أيضًا سيرفض صلواتنا ويقول: «وَإِنْ سَلَكْتُمْ مَعِي بِٱلْخِلَافِ … فَإِنِّي أَنَا أَسْلُكُ مَعَكُمْ بِٱلْخِلَافِ»، و«مع المعاند أُظهر نفسي معاندًا». طوبى لنا إن استطعنا، بالنعمة الإلهية، أن نقول مع داود: «أَغْسِلُ يَدَيَّ فِي ٱلنَّقَاوَةِ، فَأَطُوفُ بِمَذْبَحِكَ يَارَبُّ». لن تكون هذه نقاوة كاملة أبدًا، ولكنها على الأقل ستكون نقاوة من محبة الخطية ومن التمرّد المتعمّد على الله.

وبعد هذا يأتي مقوّم آخر للصلاة الغالبة: التوقير البنوي. لاحظوا العبارة التالية. إننا ننال ما نطلب «لِأَنَّنَا نَحْفَظُ وَصَايَاهُ، وَنَعْمَلُ ٱلْأَعْمَالَ ٱلْمَرْضِيَّةَ أَمَامَهُ». نحن لا نسمح للأولاد، حين يتلقّون أمرًا من أبيهم، أن يجادلوا في صوابه أو حكمته. فالطاعة تنتهي حيث يبدأ الجدال. ولا ينبغي أن يصير مقياس الولد لواجبه معيارًا لحق الأب في أن يأمر؛ فالأولاد الصالحون يقولون: «أمرنا أبي أن نفعل كذا وكذا، ولذلك سنفعله، لأننا نُسَرّ بأن نرضيه دائمًا». إن أثقل دافع لعمل الولد المحب هو اقتناعه بأن هذا العمل يرضي والديه. وأقوى ما يمكن أن يُقال ليردع الولد الكريم الطبع هو أن يُبرهَن له أن هذا المسلك سيُغضب والديه. وهكذا تمامًا هو حالنا مع الله، الذي هو والد كامل، ولذلك يمكننا، دون خوف من الخطأ، أن نجعل رضاه دائمًا قاعدة الصواب، بينما تبقى قاعدة الخطأ بأمان هي ما لا يرضيه.

لنفترض أن أحدنا صار عنيدًا وقال: «لن أفعل ما يرضي الله، بل سأفعل ما يرضيني». فلاحظوا عندئذ: ماذا ستكون طبيعة صلواتنا؟ يمكن أن تُلخَّص صلواتنا حينئذ في هذا الطلب: «دعني أفعل ما أريد». فهل نتوقّع أن يوافق الله على ذلك؟ أنكون متسلّطين لا على أنصبة الله فحسب، بل على الله نفسه؟ أتريد أن يتنازل القدير عن عرشه ليُجلس عليه فانيًا متكبّرًا؟ لو كان في بيتك ولد لا يحترم أباه أيّ احترام، بل يقول: «أريد أن أفعل ما أشاء في كل شيء»، فإن جاءك بطلب، أفتنحني له؟ أتسمح له أن يُملي عليك وتنسى الكرامة الواجبة لك؟ أتقول: «نعم يا ولدي العزيز، أنا أعترف بأهميتك. ستكون سيّد البيت، وكل ما تطلبه يكون لك»؟

أيّ بيت سيكون هذا؟ أخشى أن هناك بيوتًا كهذه، لأن هناك والدين حمقى يتركون أولادهم يصيرون سادتهم، فيصنعون عصًا لظهورهم. ولكن بيت الله ليس مدبَّرًا هكذا! إنه لن يصغي إلى أولاده العنيدين، إلا أن يسمعهم في غضب ويجيبهم في سخط! أتذكرون كيف سمع صلاة إسرائيل طالبًا اللحم، وبينما كان اللحم بعدُ في أفواههم صار لعنة عليهم؟ كثيرون يُؤدَّبون بنيلهم رغباتهم، كما يشبع المرتدّون من طرقهم. يجب أن يكون لنا توقير بنوي لله، حتى نشعر بأن نقول: «يا رب، إن كان ما أطلبه لا يرضيك، فلن يرضيني أنا أيضًا. إن رغباتي موضوعة بين يديك لكي تُصحَّح. اشطب بالقلم كل طلبة أقدّمها ليست صائبة، وضَعْ يا رب ما أغفلته، حتى لو لم أكن لأرغب فيه لو تذكّرته. أيها الرب الصالح، إن كان ينبغي أن أرغب فيه، فاسمعني كأنني رغبت فيه». «لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ». والآن أظن أنكم ترون أن روح التسليم هذه لا غنى عنها للغلبة الدائمة عند الله في الصلاة. وعكسها حاجز أكيد أمام التفوّق في التضرّع. فالرب سيُوقَّر من الذين حوله. يجب أن يكون نظرهم إلى رضاه في كل ما يفعلون وكل ما يطلبون، وإلا فلن ينظر إليهم بعين الرضا.

وفي المقام الثالث، يشير النص إلى ضرورة الثقة البنوية: «وَهَذِهِ هِيَ وَصِيَّتُهُ: أَنْ نُؤْمِنَ بِٱسْمِ ٱبْنِهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ». في كل موضع من الكتاب المقدس يُذكر الإيمان بالله على أنه ضروري لنجاح الصلاة. يجب أن نؤمن بأن الله موجود وأنه يجازي الذين يطلبونه، وإلا فإننا لم نصلِّ أصلًا. فعلى قدر إيماننا يكون نجاح صلاتنا. إنها قاعدة ثابتة في الملكوت: «بِحَسَبِ إِيمَانِكُمَا لِيَكُنْ لَكُمَا». أتذكرون كيف يتكلّم الروح القدس بفم الرسول يعقوب؟ «إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ ٱللهِ ٱلَّذِي يُعْطِي ٱلْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلَا يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ. وَلَكِنْ لِيَطْلُبْ بِإِيمَانٍ غَيْرَ مُرْتَابٍ ٱلْبَتَّةَ، لِأَنَّ ٱلْمُرْتَابَ يُشْبِهُ مَوْجًا مِنَ ٱلْبَحْرِ تَخْبِطُهُ ٱلرِّيحُ وَتَدْفَعُهُ. فَلَا يَظُنَّ ذَلِكَ ٱلْإِنْسَانُ أَنَّهُ يَنَالُ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ».

يتكلّم النص عن الإيمان باسم ابنه يسوع المسيح، وأفهم أن هذا يعني الإيمان بصفاته المُعلَنة، والإيمان بإنجيله، والإيمان بالحق المتعلّق بنيابته عنا وخلاصه. أو قد يعني الإيمان بسلطان المسيح، حتى إنني حين أتوسّل إلى الله وأقول: «افعل ذلك باسم يسوع»، أعني: «افعل لي كما كنت ستفعل ليسوع، لأنني مفوَّض منه أن أستعمل اسمه. افعل ذلك لي كما كنت ستفعله له». ومن يستطيع أن يصلّي بالإيمان باسم يسوع لا يمكن أن يخيب، لأن الرب يسوع قال: «إِنْ سَأَلْتُمْ شَيْئًا بِٱسْمِي فَإِنِّي أَفْعَلُهُ». ولكن لا بد من الإيمان، وإن لم يكن إيمان فلا يمكننا أن نتوقّع أن نُسمَع. أتفهمون

هذا؟

لنرجع مرة أخرى إلى تشبيهاتنا العائلية. لنفترض أن ولدًا في البيت لا يصدّق كلمة أبيه، ويقول على الدوام إنه يجد ذهنه مملوءًا بالشكوك في صدق أبيه. لنفترض أنه يقول لإخوته وأخواته إن إيمانه بأبيه ضعيف جدًّا. إنه يذكر هذه الحقيقة البائسة ولا يصدمه أبدًا أن يقول شيئًا كهذا، بل يشعر بالأحرى أنه ينبغي أن يُرثى له، كأن ذلك ضعف لم يكن في وسعه أن

يتجنّبه. وبطريقة أو بأخرى لا يصدّق أن أباه يقول الحق، ويعلن أنه مع أنه يحاول أن يصدّق موعد أبيه، فإنه لا يستطيع.

أظن أن أبًا يُرتاب فيه بهذه الدناءة لن يكون في عجلة كبيرة ليستجيب طلبات ابن كهذا. بل من المرجّح جدًّا أن تكون طلبات الابن المرتاب مما لا يمكن تلبيته حتى لو أراد أبوه ذلك، لأنها ستكون إرضاءً لعدم إيمانه وإهانةً لوالده! فمثلًا، لنفترض أن هذا الولد خطر له أن يشكّ في أن أباه سيدبّر له طعامه اليومي. فقد يأتي حينئذ إلى أبيه ويقول: «يا أبي، أعطني من المال ما يكفيني للسنوات العشر القادمة، لأنني سأكون عندئذ رجلًا وأستطيع أن أعول نفسي. أعطني المال نقدًا لتهدأ مخاوفي، لأنني في قلق عظيم». فيجيبه الأب: «يا ابني، لماذا أفعل ذلك؟».

فيأتيه الجواب: «يؤسفني جدًّا أن أقولها يا أبي العزيز، ولكنني لا أستطيع أن أثق بك. إن إيماني بك وبمحبتك ضعيف إلى حدّ أنني أخاف أن تتركني يومًا ما أموت جوعًا. ولذلك أودّ أن يكون لي شيء مضمون في المصرف». مَن منكم أيها الآباء يصغي إلى طلب ولد يلتمس شيئًا كهذا؟ ستحزنون لأن أفكارًا مُهينة لكم هكذا تجول في ذهن واحد من أحبّائكم! ولن تستسلموا لها، بل لا تستطيعون. فدعوني إذن أطلب إليكم أن تطبّقوا المثل على أنفسكم. ألم تقدّموا قطّ طلبات من الطابع نفسه تقريبًا؟ لقد عجزتم عن أن تثقوا بأن الله يعطيكم خبزكم يومًا فيومًا، ولذلك صرتم تشتهون ما تسمّونه «شيئًا من التدبير للمستقبل».

تريدون معيلًا أوثق من العناية الإلهية، وضمانًا أفضل من موعد الله! أنتم عاجزون عن الثقة بكلمة أبيكم السماوي. وترون بضعة سندات لحكومة أجنبية شبه مفلسة أجدر بالثقة بكثير. تستطيعون أن تثقوا بسلطان تركيا أو بوالي مصر، ولكن لا تثقون بإله الأرض كلها! إننا نهين الرب بألف طريقة حين نتصوّر أن «ٱلْأَشْيَاءِ ٱلَّتِي تُرَى» أرسخ من قدرته غير المنظورة على كل شيء. نطلب من الله أن يعطينا حالًا ما لا نحتاج إليه الآن، وقد لا نحتاج إليه أبدًا! وفي العمق، قد يكمن سبب هذه الرغبات في ارتياب مُخزٍ فيه يجعلنا نتخيّل أن المخازن العظيمة ضرورية لضمان تدبير حاجاتنا.

أيها الإخوة والأخوات، ألستم ملومين هنا؟ وهل تتوقّعون أن يعين الرب حماقتكم ويشجّعها؟ أيتملّق الله ارتيابكم؟ أيعطيكم كومةً من ذهب وفضة يصدآن ليسرقهما اللصوص، وصناديق ثياب ليأكلها العث؟ أتريدون أن يتصرّف الرب كأنه يُقرّ بصحة شكوككم ويعترف بعدم أمانته؟ حاشا! فلا تتوقّعوا إذن أن تُسمَعوا حين تكون صلاتكم من إيحاء قلب غير مؤمن: «سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ وَٱتَّكِلْ عَلَيْهِ وَهُوَ يُجْرِي». والمقوّم التالي للنجاح المستمر في الصلاة هو المحبة البنوية: «أَنْ نُؤْمِنَ بِٱسْمِ ٱبْنِهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، وَنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا كَمَا أَعْطَانَا وَصِيَّةً».

الوصية العظمى بعد الإيمان هي المحبة. فكما يُقال عن الله: «ٱللهُ مَحَبَّةٌ»، كذلك يمكننا أن نقول: «المسيحية محبة». لو كان كل واحد منا تجسيدًا للمحبة لبلغنا الشبه الكامل بالمسيح. ولفاضت فينا المحبة لله، والمحبة للمسيح، والمحبة للكنيسة، والمحبة للخطاة، والمحبة للناس في كل مكان! حين لا تكون لإنسان محبة لله، فهو في حال ولد لا محبة له لأبيه. أفيعِده أبوه وعدًا مطلقًا بأن يحقّق كل رغبات قلبه غير المحب وغير البار بأبيه؟ أو إن لم تكن لولدٍ محبة لإخوته وأخواته، أفيأتمنه الأب على موعد مطلق ويقول: «اِسْأَلُوا تُعْطَوْا»؟ إن الابن غير المحب سيُفقر العائلة كلها بمطالبه الأنانية! ولن يبالي إلا بإشباع أهوائه، غير مكترث بسائر أهل البيت. وسرعان ما يصير طلبه: «يا أبي، أعطني الميراث كله». أو: «يا أبي، دبّر البيت على هواي، واجعل كل إخوتي يخضعون لرغباتي».

وإذ يكون مُعجبًا بمظهره، مثل أبشالوم الذي كان مفتخرًا بشعره، فإنه سرعان ما يطلب المُلك لنفسه! وقليلون أمثال يوسف يستطيعون أن يلبسوا القميص الملوّن دون أن يصيروا طغاة في البيت. مَن يسمح لابن مسرف أن يهرب بالتركة؟ ومَن يبلغ به الحمق أن يُجلس أخًا جشعًا متسلّطًا في مقعد الكرامة فوق إخوته وأخواته؟ فترون إذن أن الأنانية لا يمكن أن تُؤتمن على القوة في الصلاة. والأرواح غير المحبة، التي لا تحب الله ولا الناس، لا يمكن أن تُؤتمن على مواعيد عظيمة واسعة غير محدودة. إن كان الله سيسمعنا فيجب أن نحب الله ونحب إخوتنا في البشرية، لأننا حين نحب الله لن نصلّي لأجل شيء لا يمجّد الله، ولن نرغب في أن يحدث لنا شيء لا يبارك إخوتنا أيضًا. ستنبض قلوبنا بالإخلاص لله ولخلائقه، ولن نكون منطوين على أنفسنا. يجب أن تتخلّصوا من الأنانية قبل أن يستطيع الله

أن يأتمنكم على مفاتيح السماء. وحين تموت الذات، حينئذ يمكّنكم من أن تفتحوا خزائنه، وكأمير تكون لكم قدرة عند الله وتغلبون.

وبعد هذا، يجب أن تكون لنا أيضًا طرق بنوية. اقرأوا العدد التالي: «وَمَنْ يَحْفَظْ وَصَايَاهُ يَثْبُتْ فِيهِ وَهُوَ فِيهِ». من طرق الولد أن يحب بيته. فالولد الصالح الذي يصغي أبوه دائمًا إلى طلباته لا يحب مكانًا كما يحب البيت القديم العزيز الذي يسكن فيه والداه. والآن، الذي يحب وصايا الله ويحفظها يُقال عنه إنه يثبت فيه، فقد جعل الرب مسكنه، ويقيم في أُلفة مقدّسة مع الله. فيه يتمّ كلام ربنا: «إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ وَثَبَتَ كَلَامِي فِيكُمْ تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ». الإيمان والمحبة، كجناحَي كروب، قد حملا نفس المؤمن فوق العالم وأتيا به قريبًا من عرش الله. لقد صار مشابهًا لله، والآن صارت صلواته مما يستطيع الله أن يستجيبه، ولكن إلى أن يتشكّل هكذا على فكر الله، لا بد أن يكون هناك حدّ لفاعلية توسّلاته. إن الثبات في الله ضروري للقوة عند الله.

لنفترض أن لأحدكم صبيًّا قال: «يا أبي، أنا لا أحب بيتي، ولا أبالي بك، ولن أحتمل قيود نظام العائلة. سأذهب لأعيش مع الغرباء، ولكن انتبه يا أبي، سآتي إليك كل أسبوع وسأطلب منك أشياء كثيرة، وأتوقّع أن تعطيني كل ما أطلبه منك». فإن كنت أهلًا أصلًا لأن تكون ربّ البيت، فستقول: «يا ابني، كيف تكلّمني بهذه الطريقة؟ إن كنت عنيدًا إلى حدّ أن تترك بيتي، فهل تتوقّع أن أنفّذ أوامرك؟ إن كنت تستخفّ بي استخفافًا تامًّا، فهل تتوقّع أن أسندك في جفائك القاسي وعصيانك الشرير؟ كلا يا ابني، إن لم تبقَ معي وتعترف بي أبًا، فلا أستطيع أن أعدك بشيء».

وهكذا الأمر مع الله. إن سكنّا معه وشاركناه، فإنه يعطينا كل شيء. إن أحببناه كما ينبغي أن يُحَب، ووثقنا به كما ينبغي أن يُوثَق به، فإنه يسمع طلباتنا. ولكن إن لم يكن الأمر كذلك، فليس من المعقول أن نتوقّع ذلك. بل إنه يكون وصمة على صفات الله لو حقّق رغبات غير مقدّسة وأرضى نزوات شريرة. «وَتَلَذَّذْ بِٱلرَّبِّ فَيُعْطِيَكَ سُؤْلَ قَلْبِكَ»، ولكن إن لم تكن لك لذّة في الله، ولم يكن هو مسكنك، فلن يستجيب لك. قد يعطيك خبز الضيق وماء الضيق ويجعل الحياة مُرّة عليك، ولكنه بالتأكيد لن يعطيك ما يشتهيه قلبك.

وأمر آخر بعد: يبدو من النص أنه يجب أن تكون لنا روح بنوية، لأنه يقول: «وَبِهَذَا نَعْرِفُ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِينَا: مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلَّذِي أَعْطَانَا». وما هذا إلا روح التبنّي، الروح الذي يسود في جميع أولاد الله؟ فالعنيدون الذين يفكّرون ويشعرون ويتصرّفون على خلاف الله لا ينبغي أن يتوقّعوا أن الله سيتحوّل إلى طريقتهم في التفكير والشعور والتصرّف! والأنانيون الذين تحرّكهم روح الكبرياء، والكسالى الذين تحرّكهم محبة الراحة، لا ينبغي أن يتوقّعوا أن الله سيدلّلهم! إن الروح القدس، إن كان يسود فينا، سيُخضع طبيعتنا لسلطانه، وحينئذ تكون الصلوات النابعة من قلوبنا المجدَّدة متّفقة مع مشيئة الله، وصلوات كهذه تُسمَع بطبيعة الحال.

ما من والد يفكّر في أن يصغي إلى ولد عنيد، إلى ولد يقول: «أعلم أن أبي لا يريد أن يكون لي هذا، ولكنني سآخذه». ما كنتَ، وأنت رجل، لتدع ناشئًا متطاولًا يلويك هكذا! أيمنحنا الله ما نطلبه حين يكون مخالفًا لفكره المقدّس؟ لا يجوز أن يكون! إن احتمالًا كهذا لا يُتصوّر! يجب أن يكون فينا الفكر نفسه الذي في المسيح يسوع أيضًا، وحينئذ نستطيع أن نقول: «عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي». ولكن علينا أن نمضي ونشغل انتباهكم دقائق قليلة بفرع آخر من الموضوع نفسه.

ثانيًا: في المقام الثاني سننظر في غلبة هذه الأمور الجوهرية. إن كانت فينا وكثُرت، فلا يمكن أن تكون صلواتنا عقيمة أو بلا ثمر. أولًا، إن كان لنا إيمان بالله، فلا شك في أن الله يسمع صلاتنا. إن استطعنا أن نتوسّل بالإيمان باسم يسوع ودمه، فلا بد أن ننال أجوبة سلام. ولكن ألف اعتراض يُثار. لنفترض أن هذه الصلوات تتعلّق بقوانين الطبيعة؟ إذن فرجال العلم ضدّنا. وماذا في ذلك؟ إنني سأفتخر بأن أعطي رجال العلم هؤلاء مجالًا كافيًا، بل كدت أقول مجالًا كافيًا ليتيهوا فيه.

لا أعرف صلاة تستحق أن تُصلّى لا تحتكّ بقانون طبيعي أو بآخر، ومع ذلك أؤمن بأن الصلوات تُستجاب! يُقال إن الله لن يغيّر قوانين الطبيعة لأجلنا، فأجيب: «ومَن قال إنه سيفعل؟». للرب طرق يستجيب بها صلواتنا بمعزل عن صنع المعجزات أو تعطيل القوانين. لقد اعتاد أن يستجيب الصلاة بالمعجزة، ولكن، كما قلت لكم مرارًا، يبدو ذلك طريقة أخشن لتحقيق قصده، فهي كإيقاف آلة ضخمة من أجل نتيجة صغيرة. إنه يعرف كيف يحقّق غاياته ويستجيب صلواتنا بوسائل خفية لا أعرف ما هي.

ربما هناك قوى وقوانين أخرى رتّبها لتعمل تمامًا في الأوقات التي تعمل فيها الصلاة أيضًا، قوانين ثابتة بالقدر نفسه وقوى طبيعية بالقدر نفسه كتلك التي استطاع منظّرونا العلماء أن يكتشفوها. فأحكم الناس لا يعرفون كل القوانين التي تحكم الكون، كلا، ولا عُشرها! إننا نؤمن بأن صلوات المسيحيين جزء من آلة العناية الإلهية، وتروس في عجلة المصير العظيمة. وحين يقود الله أولاده إلى الصلاة، يكون قد أدار من قبلُ عجلةً ستُنتج النتيجة المطلوبة في الصلاة، والصلوات المقدَّمة تدور كجزء من العجلة. إن كان هناك إيمان بالله فقط، فإما أن يكفّ الله عن الوجود، أو يكفّ عن أن يكون صادقًا، وإما أن يسمع الصلاة!

يقول العدد الذي قبل النص: «إِنْ لَمْ تَلُمْنَا قُلُوبُنَا، فَلَنَا ثِقَةٌ مِنْ نَحْوِ ٱللهِ، وَمَهْمَا سَأَلْنَا نَنَالُ مِنْهُ». فالذي له ضمير صالح يأتي إلى الله بثقة، وتلك الثقة التي للإيمان تضمن له استجابة صلاته. إن الثقة البنوية تجعلنا نصلّي كما لا يستطيع غيرنا أن يصلّي. إنها تجعل الإنسان يصلّي لأجل أمور عظيمة ما كان ليطلبها لو لم يتعلّم هذه الثقة. وتجعله يصلّي لأجل أمور صغيرة يخاف كثيرون أن يطلبوها، لأنهم لم يشعروا بعدُ نحو الله بثقة الأولاد. لقد قلت مرارًا إن الصلاة إلى الله في أمر صغير تحتاج إلى ثقة به أكثر مما تحتاج إليه الصلاة في الأمور العظيمة. فنحن نتوهّم أن أمورنا العظيمة جديرة إلى حدّ ما باهتمام الله، مع أنها في الحقيقة صغيرة جدًّا عنده! ثم نتخيّل أن أمورنا الصغيرة تافهة إلى حدّ أن عرضها عليه يكاد يكون إهانة، بينما ينبغي أن نعلم أن ما هو عظيم جدًّا عند الولد قد يكون صغيرًا جدًّا عند والده، ومع ذلك فالوالد لا يقيس الأمر من وجهة نظره هو، بل من وجهة نظر الولد.

سمعتَ ابنك الصغير قبل أيام يبكي بكاءً مُرًّا. فنادته أمه وسألته ما به. كانت شظية في إصبعه. حسنًا، كان ذلك أمرًا صغيرًا. لم تُرِد أن تستدعي ثلاثة جرّاحين لاستخراجها، ولا أن تُثير ضجّة في الصحف العامة! هاتوا إبرة وسنُصلح الأمر سريعًا. آهِ، ولكن ما أعظم ذلك الأمر في عيني ذلك المتألّم الصغير الجميل وهو واقف هناك وعيناه مبلّلتان بدموع الألم! كان أمرًا عظيمًا عنده! فهل خطر لذلك الصبي أن ألمه أصغر من أن تلتفت إليه أمه؟ أبدًا! لماذا خُلقت الأمهات والآباء إلا ليعتنوا بالحاجات الصغيرة للأولاد الصغار؟ والله أبونا أب صالح. إنه يترأّف علينا كما يترأّف الآباء على البنين، ويتنازل إلينا. إنه يُحصي عدد الكواكب ويدعو كلها بأسماء، ومع ذلك يشفي المنكسري القلوب ويجبر كسرهم. والإله نفسه الذي يُشعل الشمس قد قال: «لن أطفئ فتيلة مدخّنة». إن كانت لك ثقة بالله، فستأتي إليه بأمورك العظيمة وأمورك الصغيرة، ولن يخيّب ثقتك أبدًا، لأنه قال إن الذين يتّكلون عليه لا يخزون ولا يخجلون إلى دهور الأبد. لا بد للإيمان أن ينجح!

ولكن بعد ذلك، لا بد للمحبة أيضًا أن تنجح، إذ قد رأينا أن الإنسان الذي يحب، بالمعنى المسيحي، هو في وفاق مع الله. إن حصرتَ محبتك في عائلتك، فلا تتوقّع أن يفعل الله ذلك، والصلوات المحصورة في تلك الدائرة سيُعرض عنها. إن كان إنسان يحب ذاته الصغيرة، ويتمنّى أن يفشل محصول القمح عند كل الناس لكي تُباع غلّته بسعر أعلى، فإنه بالتأكيد لا يمكن أن يتوقّع أن يوافق الرب على أنانية دنيئة كهذه! أما إن كان لإنسان قلب يتّسع ليحتضن كل خلائق الله في محبته، بينما يصلّي بنوع خاص لأجل أهل الإيمان، فإن صلواته ستكون بحسب فكر الله. إن محبته وصلاح الله يجريان جنبًا إلى جنب. ومع أن محبة الله كنهر عظيم متدفّق، ومحبته كجدول صغير يقطر، فإنهما يجريان في الاتجاه نفسه، وسيصلان كلاهما إلى الغاية نفسها. إن الله يسمع دائمًا صلوات الإنسان المحب، لأن تلك الصلوات ظلال لمقاصده هو.

ثم إن الإنسان المطيع هو الإنسان الذي يسمعه الله، لأن قلبه المطيع يقوده إلى أن يصلّي باتّضاع وخضوع، إذ يشعر أن أسمى رغباته أن تكون مشيئة الرب. ولذلك فإن الإنسان ذا القلب المطيع يصلّي كنبيّ: صلواته نبوّات. أليس هو واحدًا مع الله؟ أليس يرغب في ما يقصده الله تمامًا ويطلبه؟ فكيف يمكن لصلاة تنطلق من قوس كهذا أن تخطئ هدفها؟ إن صارت نفسك في وفاق مع نفس الله، فسترغب في ما يرغب فيه الله نفسه! والصعوبة أننا لا نبقى، كما يُقال، في تناغم مع الله. ولكن لو بقينا، لضربنا النغمة نفسها التي يضربها الله، ومع أن نغمته تدوّي كالرعد ونغمتنا كالهمس، يكون هناك انسجام كامل: فالنغمة التي تضربها الصلاة على الأرض تتطابق مع تلك التي تدوّي من المقاصد الإلهية في السماء.

ثم إن الإنسان الذي يحيا في شركة مع الله سيغلب في الصلاة بكل تأكيد، لأنه إن كان يثبت في الله والله يثبت فيه، فسيرغب في ما يرغب فيه الله. فالمؤمن الذي في شركة مع الرب يرغب في خير الإنسان، والله كذلك. ويرغب في مجد المسيح، والله كذلك. ويرغب في ازدهار الكنيسة، والله كذلك. ويرغب في أن يكون هو نفسه نموذجًا للقداسة، والله يرغب في ذلك أيضًا. وإن كانت لذلك الإنسان في وقت ما رغبة ليست بحسب

مشيئة الله، فهي نتيجة الجهل، لأن الإنسان إنما هو إنسان وليس الله. وحتى في أفضل أحواله لا بد أن يخطئ، ولكنه يتدارك هذا النقص بصيغة صلاته التي تحمل دائمًا هذه الإضافة في ختامها: «يا رب، إن كنت قد طلبت في صلاتي هذه شيئًا ليس بحسب فكرك، فأتوسّل إليك ألّا تلتفت إليّ. وإن كانت أيّ رغبة عبّرتُ لك عنها، حتى لو كانت الرغبة المتّقدة في صدري فوق كل الرغبات الأخرى، رغبةً ليست مستقيمة في عينيك، فلا تلتفت إليّ يا أبي، بل بمحبتك ورأفتك غير المحدودتين اصنع لعبدك شيئًا أفضل مما يعرف عبدك أن يطلب».

والآن، حين تكون الصلاة على هذا النحو، فكيف يمكن أن تخيب؟ إن الرب يطلّ من كوى السماء فيرى صلاة كهذه آتية إليه، كما رأى نوح الحمامة راجعة إلى الفلك، فيمدّ يده إلى تلك الصلاة. وكما أدخل نوح الحمامة إليه إلى الفلك، هكذا يأخذ الله تلك الصلاة إليه ويضعها في حضنه ويقول: «لقد خرجتِ من حضني، وأنا أرحّب بعودتك إليّ؛ روحي صاغكِ، فلذلك أستجيبك». وهنا أيضًا، لنقل إن نصّنا يتكلّم عن الإنسان المسيحي على أنه مملوء من روح الله: «نَعْرِفُ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِينَا: مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلَّذِي أَعْطَانَا». مَن من الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان؟ وهكذا، مَن يعرف أمور الله إلا روح الله؟ فإن كان روح الله ساكنًا فينا، فهو يخبرنا بما هو فكر الله. إنه يشفع في القدّيسين بحسب مشيئة الله!

يُظَن أحيانًا أن الرجال الذين لهم غلبة في الصلاة يستطيعون أن يصلّوا لأجل ما يشاؤون، ولكنني أؤكّد لكم أن أيّ واحد منهم سيقول لكم إن الأمر ليس كذلك. قد تزور رجلًا كهذا وتطلب منه أن يصلّي لأجلك، ولكنه لا يستطيع أن يعدك بأنه سيفعل. فهناك موانع غريبة تعترض هؤلاء الرجال، فيشعرون، ولا يعرفون كيف ولا لماذا، أنهم لا يستطيعون أن يصلّوا صلوات حارّة مقتدرة في حالات معيّنة، مع أنهم قد يرغبون في ذلك. فكما حاول بولس أن يذهب إلى بيثينية فلم يدعه الروح، هكذا هناك طلبات نودّ بطبيعتنا أن نرفعها، ولكننا مقيّدون بالروح. قد لا يبدو في الصلاة ما يُعترض عليه، ولكن سرّ الرب لخائفيه، وهو يعطي إشارات خفية متى وأين يمكن لمختاريه أن يرجوا الغلبة. إنه يعطيك الموعد بأنه سيسمع صلاتك المؤمنة، إذ أنت إنسان يسلك معه، مملوء من روحه. ولكنه لا يعطيك في الوقت نفسه إيمانًا بشأن كل ما يحب كل واحد أن يعرضه عليك، بل على العكس يعطيك تمييزًا وحكمًا وحكمة، والروح يشفع في القدّيسين بحسب مشيئة

الله.

وهكذا أظن أنني قد عرضت التعليم بوضوح كافٍ. والآن دقائق قليلة للتطبيق العملي، كما كان البيوريتانيون القدماء يقولون. وكم أتمنّى أن يكون فيه نفع لكثيرين منا. أول ذلك أننا نريد أن نصلّي لأجل بركة عظيمة ككنيسة. أظن أنني سأنال أصواتكم لو قلت إننا نعتزم أن نصلّي إلى الله ليرسل بركة على الكنيسة عمومًا. حسنًا جدًّا. فهل لنا مقوّمات النجاح؟ هل نؤمن باسم يسوع المسيح؟ حسنًا، أظن أننا نؤمن. ولا أظن أنه يمكن أن يُعاب على سلامة إيماننا، وإن كان هناك الكثير مما يجب الاعتراف به من جهة ضعفه.

لننتقل إلى السؤال التالي. هل نحن ممتلئون محبة لله ولبعضنا لبعض؟ الوصية المزدوجة هي أن نؤمن باسم يسوع المسيح وأن نحب بعضنا بعضًا. فهل نحب بعضنا بعضًا؟ هل نسلك في المحبة؟ ليس أحد منا كاملًا فيها. وسأبدأ أنا بالاعتراف، فأُقرّ بأنني لست كما ينبغي أن أكون من هذه الجهة. فهلّا تركتم الاعتراف يدور بينكم، وفكّر كل واحد كم مرة فعلنا أمورًا غير محبة، وفكّرنا أفكارًا غير محبة، وقلنا أقوالًا غير محبة، وأصغينا إلى نميمة غير محبة، وأمسكنا يدنا بلا محبة حين كان ينبغي أن نقدّم العون، ومددنا يدنا بلا محبة لندفع إلى الأسفل إنسانًا كان يسقط؟ إن كان في كنيسة الله نقص في المحبة، فلا يمكن أن نتوقّع أن تُسمَع الصلاة، لأن الله سيقول: «تطلبون الازدهار. لأجل ماذا؟ لتضيفوا أكثر إلى جماعة لا تحب بعضها بعضًا الآن؟ تطلبون التجديد. ماذا؟ لتأتوا بآخرين لينضمّوا إلى جماعة غير محبة؟».

أتتوقّعون أن يخلّص الله خطاة لا تحبّونهم، وأن يجدّد نفوسًا لا تبالون بها أدنى مبالاة؟ يجب أن نجتذب النفوس إلى المسيح بالمحبة، لأن الأداة العظمى، تحت يد روح الله القدوس، لإخضاع العالم هي المحبة! إن أحبّ المسيحيون أكثر مما يحب المسلمون واليهود، فسيغلبون المسلمين واليهود! وإن أظهروا محبة أقل، فسيغلبهم المسلمون واليهود! إن سيف الروح الذي هو كلمة الله هو السلاح الأعظم. ولكن يليه سلوك المسيحيين المحب وتصرّفهم الكريم نحو إخوتهم في البشرية. فكم لنا من ذلك؟ أأقول: ما أقلّه؟

ثم، هل نعمل ما هو مَرضيّ أمام الله؟ لا يمكننا أن نتوقّع استجابات للصلاة إن لم نكن نفعل ذلك. اطرحوا هذا السؤال على أنفسكم جميعًا. وليُجب كل عضو في الكنيسة، بنوع خاص، عن هذا السؤال. هل كنت تفعل في الآونة الأخيرة ما تحب أن يراه يسوع المسيح؟ هل بيتك مدبَّر على نحو يرضي الله؟ لنفترض أن يسوع

المسيح زار بيتك هذا الأسبوع، دون دعوة ودون توقّع، فماذا كان سيظن بما كان سيراه؟ يقول أحدهم: «آه، أعرف أن فلانًا يتصرّف بتناقض شديد». يا سيدي، أرجوك أن تفكّر في نفسك. هذه هي المسألة. أصلِح نفسك. ما لم يعمل أعضاء كنيسة الله ما هو مَرضيّ أمامه، فإنهم يغلقون الباب في وجه الازدهار، ويمنعون صلوات الكنيسة من أن تنجح. مَن يريد أن يكون الإنسان الذي يقف في طريق ازدهار كنيسة الله بسبب تناقض سلوكه؟ مَن يرضى أن يكون مذنبًا هكذا؟ ليغفر الله لبعضكم. ويمكننا أن نتكلّم عن بعضهم ونحن نبكي، لأنهم، وا أسفاه، مع أنهم يعترفون بأنهم أتباع المسيح، متناقضون إلى حدّ أنهم ليسوا أصدقاء، بل أعداء صليب المسيح.

والسؤال التالي هو: هل نثبت في الله؟ يقول النص إننا إن حفظنا وصاياه فالله يثبت فينا ونحن فيه. فهل الأمر كذلك؟ أعني: هل نفكّر في الله أثناء النهار؟ هل نبقى مع الله في أعمالنا؟ ليس المسيحي مَن يركض إلى الله في الصباح ثم في المساء، ويستعمله ملجأً ووسيلة مؤقّتة، كما يفعل الناس بقنطرة أو رواق يحتمون تحته من زخّة مطر. بل علينا أن نثبت في الله ونحيا فيه من مشرق الشمس إلى مغربها، جاعلين إياه تأمّلنا اليومي، وسالكين كأننا أمام عينيه، شاعرين على الدوام: «أنت الله تراني». كيف حالكم في هذا أيها الأصدقاء الأعزّاء؟ آه، ليَدُر السؤال من مقعد إلى مقعد، ومن قلب إلى قلب، وانتبهوا: ليُجب كل واحد عن نفسه.

وأخيرًا، هل روح الله هو الذي يحرّكنا، أم روح آخر؟ هل ننتظر الله ونقول: «يا رب، ليخبرني روحك ماذا أقول في هذه الحالة وماذا أفعل. تسلّط على حكمي، وأخضِع أهوائي، واكبح دوافعي الدنيئة، وليقُدني روحك. يا رب، كن لي أفضل من نفسي. كن لي نفسًا وحياة، وفي المملكة الثلاثية التي هي روحي ونفسي وجسدي، أيها الرب الصالح، كن أنت السيّد الأعلى، حتى تُقام شريعتك في كل إقليم من طبيعتي وتُراعى مشيئتك»؟ لكانت لنا كنيسة قوية لو كنا جميعًا على هذا الفكر. ولكن اللفيف معنا، اللفيف الذي خرج من مصر، وهؤلاء يشتهون شهوة. والأذى يبدأ دائمًا منهم. ليحفظنا الله ككنيسة من أن نفقد حضوره.

لا بد أن يكون اللفيف معنا ليمتحننا، لأن الرب قال: «دَعُوهُمَا يَنْمِيَانِ كِلَاهُمَا مَعًا إِلَى ٱلْحَصَادِ»، ولو حاولنا أن نقلع الزوان لقلعنا الحنطة أيضًا. ولكن على أيّ حال، لنصلِّ إلى الله أن يجعل الحنطة هي الأقوى. إن أحد أمرين يحدث دائمًا في الكنيسة: فإما أن تخنق الحنطةُ الأعشابَ الضارة، وإما أن تخنق الأعشابُ الضارة الحنطةَ. ليُعطِ الله أن تعلو الحنطة فوق الأعشاب الضارة عندنا. ليُعطِ الله عبيده نعمة ليكونوا أقوياء بما يكفي ليغلبوا الشر المحيط بهم، وبعد أن يتمّموا كل شيء أن يثبتوا، لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب. الرب يبارككم ويكون معكم إلى الأبد. آمين ثم آمين.

جزء الكتاب المقدس الذي قُرئ قبل العظة: يوحنا الأولى 3؛ إشعياء 1:10-20.

صفحة 1 / 1 · 26 دقيقة متبقية في الفصل
السابق التالي