قوة عظيمة في الصلاة
اطلبوا تنالوا

فصل 5 · قراءة 26 د · استماع 33 د

اطلبوا تنالوا

«تَشْتَهُونَ وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ. تَقْتُلُونَ وَتَحْسِدُونَ وَلَسْتُمْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَنَالُوا. تُخَاصِمُونَ وَتُحَارِبُونَ وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ، لِأَنَّكُمْ لَا تَطْلُبُونَ. تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ، لِأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا لِكَيْ تُنْفِقُوا فِي لَذَّاتِكُمْ.» (يعقوب 4:2-3).

ليجعل الروح القدس بتعليمه هذه الكلمات اللافتة نافعةً لنا. الإنسان مخلوق كثير الحاجات دائم القلق، ولذلك امتلأ قلبه بالرغبات. ولا أكاد أتصوّر إنسانًا يعيش وليس له رغبات كثيرة من نوع أو آخر. فالإنسان يشبه شقائق النعمان البحرية بمجسّاتها الكثيرة التي لا تكفّ عن التفتيش في الماء عن طعام، أو بعض النباتات التي ترسل محاليقها باحثةً عمّا تتسلّق عليه. يقول الشاعر: «الإنسان لا يكون سعيدًا أبدًا، بل يتمنّى دائمًا أن يكون». إنه يوجّه دفّته نحو ما يظنه مرفأه، لكنه حتى الآن تتقاذفه الأمواج. ويرجو أن يجد يومًا ما بهجة قلبه، ويظل يشتهي بتوقّع يزيد أو ينقص.

وهذه الحقيقة تصدق على أشرّ الناس وعلى أفضلهم. ففي الأشرار تفسد الرغبات فتصير شهوات، فيتوقون إلى ما هو أناني وشهواني، ومن ثمّ شرير. وتيار رغباتهم يجري بقوة في اتجاه خاطئ. وكثيرًا ما تشتدّ هذه الشهوات جدًّا حتى تجعل الإنسان عبدًا لها. فتتسلّط على حكمه، وتهيّجه إلى العنف، فيخاصم ويحارب، وربما قتل قتلًا حرفيًّا. وفي نظر الله، الذي يحسب الغضب قتلًا، كثيرًا ما يقتل. ومن شدّة رغباته يسمّيها الناس عادةً أهواءً. فإذا هاجت هذه الأهواء كل الهياج، جاهد الإنسان نفسه بعنف، حتى إن مملكة إبليس تُغصب، والغاصبون يختطفونها!

وفي الوقت نفسه، في أهل النعمة أيضًا رغبات. ولو سلبنا القدّيسين رغباتهم لأضررنا بهم ضررًا بالغًا، لأنهم بها يرتفعون فوق ذواتهم الدنيا. ورغبات أهل النعمة تتّجه إلى أفضل الأمور: إلى ما هو طاهر ومسالم، وما هو جدير بالمدح ويرفع النفس. إنهم يشتهون مجد الله، ولذلك تنبع رغباتهم من دوافع أسمى من تلك التي تُلهب الذهن غير المتجدد. وكثيرًا ما تكون هذه الرغبات في المسيحيين حارّة قوية جدًّا، وينبغي أن تكون كذلك دائمًا. فالرغبات المولودة من روح الله تحرّك الطبيعة المتجددة، فتثيرها وتحفزها، وتجعل الإنسان يئنّ ويتوجّع ويتمخّض حتى ينال ما علّمه الله أن يشتاق إليه. ولكلٍّ من شهوة الأشرار ورغبة الأبرار المقدسة طريقها في طلب الإشباع. فشهوة الأشرار تظهر في الخصام: إنها تقتل وتشتهي أن تقتني، وتخاصم وتحارب. أما رغبة البار، إذا اهتدت كما ينبغي، فتسلك سبيلًا أشدّ حرارة بكثير لبلوغ غايتها، إذ تعبّر عن نفسها في صلاة حارّة لجوجة. فالإنسان التقيّ، إذا امتلأ رغبةً، يطلب ويأخذ من يد الله.

وفي هذه المرة سأحاول، بمعونة الله، أن أعرض من نصّنا: أولًا، فقر الشهوة: «تَشْتَهُونَ وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ». وثانيًا، سأبيّن بحزن فقر كثيرين من المعترفين بالمسيحية في الأمور الروحية، ولا سيّما في صفتهم ككنيسة، فهم أيضًا يتوقون ولا يمتلكون. وثالثًا، سنتكلم في الختام عن الغنى الذي ستُكافأ به الرغبات المقدسة إن نحن استعملنا الوسائل الصحيحة. إن طلبنا فسنأخذ.

أولًا، تأمّلوا فقر الشهوة: «تَشْتَهُونَ وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ». فالشهوات الجسدية، مهما بلغت قوتها، لا تنال في حالات كثيرة ما تسعى إليه. وكما يقول النص: «تَحْسِدُونَ وَلَسْتُمْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَنَالُوا». الإنسان يتوق إلى السعادة، لكنه ليس سعيدًا. ويتحرّق ليكون عظيمًا، لكنه يزداد كل يوم دناءة. ويطمح إلى هذا وذاك مما يظن أنه سيقنعه، لكنه يبقى غير راضٍ. إنه كالبحر المضطرب الذي لا يستطيع أن يهدأ. وبطريقة أو بأخرى، حياته خيبة أمل. يتعب كأنه في النار نفسها، والحصيلة باطل وقبض الريح. وكيف يكون غير ذلك؟ إن زرعنا الريح، أفلا نحصد الزوبعة ولا شيء سواها؟

أو إن كانت شهوات رجل نشيط موهوب مثابر تعطيه فعلًا ما يسعى إليه، فما أسرع ما يفقده! يمتلكه كأنه لا يمتلكه. السعي مُضنٍ، أما الامتلاك فحلم. يجلس ليأكل، وإذا بالوليمة تُختطف، والكأس تتلاشى وهي عند شفتيه! يربح ليخسر! يبني فينزلق أساسه الرملي من تحت برجه، وتصير جهوده أنقاضًا. فذاك الذي فتح الممالك مات ساخطًا على صخرة منعزلة في وسط المحيط، والذي أحيا إمبراطوريته سقط فلم يقم بعدها. وكما يبست يقطينة يونان في ليلة، هكذا سقطت إمبراطوريات فجأة، ومات أسيادها في المنفى. وما يناله الناس بالخصام والحرب ملكٌ بإيجار قصير الأجل، فالحصول عليه مؤقت إلى حدّ أن الكلمة تبقى صادقة: «يشتهون وليسوا يمتلكون».

أو إن كان لهؤلاء من المواهب والقوة ما يكفي للاحتفاظ بما ربحوه، فهم بمعنى آخر لا يملكونه وهو في أيديهم، لأن اللذة التي رجوها منه ليست فيه. يقطفون التفاحة فإذا هي من تفاح البحر الميت الذي يتفتّت رمادًا في اليد. الرجل غني، لكن الله ينزع منه القدرة على التمتّع بثروته. والفاجر بشهواته وحروبه ينال في النهاية مطلب نهمه، وبعد لحظة إشباع يمقت ما اشتهاه بكل تلك الحرارة! يتوق إلى اللذة المغرية، فيقبض عليها ويسحقها بقبضته المتلهّفة!

راقبوا الصبي وهو يطارد الفراشة التي تتنقّل من زهرة إلى زهرة وهو يلاحقها بحماسة. وأخيرًا تصير في متناوله فيضربها بقبعته فتسقط! لكنه حين يلتقط بقاياها المسكينة يجد الحشرة الملوّنة قد أفسدها الفعل نفسه الذي ظفر بها! وهكذا يمكن أن يقال عن جماهير من بني البشر: «تَشْتَهُونَ وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ». وفقرهم معروض على ثلاثة أوجه: «تَقْتُلُونَ وَتَحْسِدُونَ وَلَسْتُمْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَنَالُوا»، «وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ، لِأَنَّكُمْ لَا تَطْلُبُونَ»، «تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ، لِأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا». فإن أخفق أهل الشهوة، فليس ذلك لأنهم لم يشمّروا عن سواعدهم لبلوغ غاياتهم، فهم بحسب طبيعتهم استعملوا أكثر الوسائل عملية مما في متناولهم، واستعملوها بلهفة أيضًا!

فبحسب فكر الجسد، الطريقة الوحيدة لنيل شيء هي القتال من أجله، ويعقوب يجعل هذا سببَ كل قتال: «مِنْ أَيْنَ ٱلْحُرُوبُ وَٱلْخُصُومَاتُ بَيْنَكُمْ؟ أَلَيْسَتْ مِنْ هُنَا: مِنْ لَذَّاتِكُمُ ٱلْمُحَارِبَةِ فِي أَعْضَائِكُمْ؟» هذا هو شكل السعي الذي نقرأ عنه: «تُخَاصِمُونَ وَتُحَارِبُونَ وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ». وبهذا الأسلوب يتمسّك الناس جيلًا بعد جيل. يقولون لي: إن أراد المرء أن يتقدّم في هذا العالم فعليه أن ينازع جيرانه، ويزيحهم عن مواقعهم المتميّزة. ولا ينبغي أن يدقّق في كيف سيعيشون هم، بل عليه أن يرعى مصلحته هو، ويحرص على أن يرتفع مهما كثر عدد من يدوسهم. ولا يمكنه أن يتوقّع التقدّم إن أحبّ قريبه كنفسه! إنها معركة عادلة، وعلى كل إنسان أن يتدبّر أمر نفسه!

أتظنونني أتهكّم؟ ربما، لكنني سمعت هذا الكلام من رجال يعنونه. فيلجؤون إلى القتال، وكثيرًا ما ينتصرون فيه، لأنه بحسب النص «تَقْتُلُونَ»، أي إنهم يقاتلون حتى يصرعوا خصمهم وينتهي أمره. إنهم رجال ذوو قوة عظيمة، كالأشبال التي تخرج وتمزّق فريستها إربًا، ومع ذلك يقال فيهم: «ٱلْأَشْبَالُ ٱحْتَاجَتْ وَجَاعَتْ». أما منتظرو الرب فلا يعوزهم شيء من الخير، في حين أن أهل الشهوة هؤلاء لا يكبحهم شيء في سعيهم لبلوغ مأربهم! لا يتوقّفون عند شيء، يقتلون ويشتهون أن يقتنوا.

وفوق ذلك، يقاتلون بمثابرة عظيمة، لأن النص يقول: «تُخَاصِمُونَ وَتُحَارِبُونَ». والحرب استمرار لفعل القتال، تمدّه من حملة إلى حملة، وتديره بحسب قواعد الفن العسكري حتى يُكسب النصر. جماهير من الناس يعيشون لأنفسهم، يتنافسون هنا ويتحاربون هناك، ويقاتلون لحسابهم الخاص بأقصى مثابرة. ولا يبالون كثيرًا بكيف يفعلون ذلك. فالضمير لا يُسمح له بالتدخّل في معاملاتهم، بل تطنّ في آذانهم النصيحة القديمة: «اجمع المال! اجمعه بالأمانة إن استطعت، لكن اجمع المال بأي وسيلة». ولا يهمّ إن هلك الجسد والنفس، وغرق الآخرون في الشقاء. قاتل واستمرّ، فلا تخلية في هذه الحرب! إن أردت أن تربح فعليك أن تقاتل، وكل شيء مباح في الحرب!

فيحشدون قواهم، ويصارعون أقرانهم، ويجعلون معركة الحياة أشدّ حرارة فأشدّ، ويطردون المحبة، ويصِمون الرقّة بالحماقة، ومع كل خططهم لا ينالون غاية الحياة بأي معنى حقيقي. وحسنًا قال يعقوب: «تَقْتُلُونَ وَتَحْسِدُونَ وَلَسْتُمْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَنَالُوا. تُخَاصِمُونَ وَتُحَارِبُونَ وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ». وحين لا ينجح الذين انصرفوا بكليتهم إلى مقاصدهم الأنانية، فقد يسمعون أن سبب إخفاقهم هو: «لِأَنَّكُمْ لَا تَطْلُبُونَ». أفيُنال النجاح إذن بالطلب؟ هذا ما يلمّح إليه النص على ما يبدو، وهذا ما يجده الأبرار. فلماذا لا يلجأ هذا الرجل الشديد الرغبات إلى الطلب؟ السبب أولًا أن الصلاة غريبة عن طبيعة الإنسان الطبيعي، فانتظارها منه كانتظار أن يطير!

إنه يحتقر فكرة التضرّع. يقول: «أُصلّي؟ لا، أريد أن أعمل. لا أستطيع أن أضيّع الوقت في العبادات؛ الصلوات ليست عملية. أريد أن أشقّ طريقي بالقتال. وبينما أنت تصلّي أكون قد هزمت خصمي. أنا ذاهب إلى مكتب حساباتي، وأتركك لكتبك المقدسة وصلواتك». ليس له رغبة في الطلب من الله. ويعلن أنه لا يهتمّ بالصلاة إلا المراؤون المتشدّقون بالتقوى، معترفًا بذلك أنه لو صلّى لكان مرائيًا متشدّقًا! أما هو فله صلاة من نوع آخر تمامًا، صلاة الوحش على فريسته، والويل لمن يقع في براثنه! سيجدون أن العمل عنده عمل، وعمل حادّ جدًّا أيضًا. لن يتنازل أبدًا ليصلّي، فهو أشدّ كبرياء من ذلك. الاتكال على الله لا يفهمه؛ الاتكال على النفس هو شعاره! ذاته إلهه، ومن إلهه هذا ينتظر النجاح!

إنه متكبّر حتى إنه يحسب نفسه عنايةَ نفسه! يمينه وذراعه النشيطة تخلّصان له النصر. وحين يكون متحرّرًا جدًّا في آرائه، يعترف بأنه مع أنه لا يصلّي، قد يكون في الصلاة شيء من الخير، لأنها تهدّئ نفوس الناس وتجعلهم أكثر ارتياحًا. أما أن يأتي جواب للصلاة يومًا، فهو يضحك من الفكرة، ويتكلّم فلسفيًّا ولاهوتيًّا عن سخافة الافتراض أن الله يغيّر مسلكه اعتبارًا لصلوات الرجال والنساء. يقول: «مضحك، مضحك تمامًا!». ولذلك، بحكمته العظيمة، يعود إلى خصامه وحربه، إذ بهذه الوسائل يرجو أن يبلغ غايته. ومع ذلك لا ينال!

ويبيّن تاريخ البشرية كله إخفاق الشهوات الشريرة في نيل مطلوبها. يظلّ الإنسان الجسدي يخاصم ويحارب حينًا، لكنه بعد قليل يغيّر رأيه، لأنه مرض أو ارتاع. غايته هي هي، لكن إن لم يستطع بلوغها بطريق فسيجرّب طريقًا آخر. إن كان لا بدّ أن يطلب، فليكن، سيطلب، سيصير متديّنًا ويحسن إلى نفسه بهذه الطريقة. يجد أن بعض المتديّنين ينجحون في العالم، وأن المسيحيين المخلصين أنفسهم ليسوا حمقى في الأعمال بأي حال، فيقرّر أن يجرّب طريقتهم. وهنا يقع تحت التوبيخ الثالث في نصّنا: «تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ». فما السبب في أن الإنسان المستعبد لشهواته لا ينال مرغوبه حتى حين يلجأ إلى الطلب؟

السبب أن طلبه مجرّد أمر شكلي. قلبه ليس في عبادته. يشتري كتابًا يحوي ما يسمّى «صيغ الصلاة»، ويردّدها، لأن الترديد أسهل من الصلاة ولا يتطلّب تفكيرًا! لا اعتراض لي على استعمالكم صيغةً للصلاة إن كنتم تصلّون بها، لكنني أعرف كثيرين جدًّا لا يصلّون بها، بل يردّدون الصيغة فقط. تخيّلوا ما يحلّ بعائلاتنا لو أن أولادنا، بدل أن يكلّمونا بصراحة حين يحتاجون شيئًا، ظنّوا دائمًا أن عليهم أن يذهبوا إلى المكتبة ويفتّشوا عن صيغة طلب ويقرؤوها علينا! لا شك أن ذلك يقضي على كل دفء البيت ومحبته! ولصارت الحياة تسير في أغلال! ولصار بيتنا نوعًا من مدرسة داخلية أو ثكنة عسكرية، ولصار كل شيء استعراضًا وشكليات، بدل عيون سعيدة ترنو بثقة محبّة إلى عيون حانية تبتهج بالاستجابة!

كثيرون من الروحيين يستعملون صيغة، أما الجسديون فيكادون يفعلون ذلك حتمًا، لأنهم يقفون عند الصيغة. وصلاة هذا الرجل طلبٌ رديء لأنها كلها لنفسه. يريد أن ينجح ليتمتّع بنفسه. ويريد أن يكون عظيمًا لمجرد أن يُعجَب به الناس، فصلاته تبدأ بالذات وتنتهي بها. انظروا إلى قبح مثل هذه الصلاة حتى لو كانت مخلصة. حين يصلّي الإنسان هكذا، فهو يطلب من الله أن يكون خادمه ويشبع رغباته. بل أسوأ من ذلك! يريد أن يشاركه الله في خدمة شهواته! سيُشبع شهواته، وعلى الله أن يأتي ويعينه على ذلك! مثل هذه الصلاة تجديف، ومع ذلك يُرفع منها مقدار كبير، ولا بدّ أنها من أشدّ ما تراه السماء إغاظةً لله!

لا، إن أراد إنسان أن يعيش لنفسه ولشهواته فليفعل، وكلما ابتعد عن الله كان أكثر اتساقًا مع نفسه. فلا يتشدّق بالصلاة الربانية كأن الله أبوه، ولا يُقحم اسم المسيح المقدس ليقدّس جشعه، ولا يستدعِ قوة الروح المباركة في شأن تعظيم نفسه أو طموحه الأناني! فإن فعل ذلك فلن يكون أحسن حالًا مما كان في البداية: سيطلب ولا يمتلك. سيخيب طلبه لأنه يطلب رديًّا لكي ينفق في لذّاته. إن كانت رغباتكم أشواق الطبيعة الساقطة، وإن كانت رغباتكم تبدأ بأنفسكم وتنتهي بها، وإن كانت الغاية العظمى التي تعيشون لأجلها ليست أن تمجّدوا الله بل أن تمجّدوا أنفسكم، فقد تقاتلون، لكنكم لن تمتلكوا!

قد تبكّرون في القيام وتؤخّرون الجلوس، لكن لن يأتي من ذلك شيء يستحق الكسب! اذكروا كيف تكلّم الرب في المزمور السابع والثلاثين: «كُفَّ عَنِ ٱلْغَضَبِ، وَٱتْرُكِ ٱلسَّخَطَ، وَلَا تَغَرْ لِفِعْلِ ٱلشَّرِّ، … بَعْدَ قَلِيلٍ لَا يَكُونُ ٱلشِّرِّيرُ تَطَّلِعُ فِي مَكَانِهِ فَلَا يَكُونُ. أَمَّا ٱلْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ ٱلْأَرْضَ، وَيَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ ٱلسَّلَامَةِ.»

هذا ما يكفي عن فقر الشهوة.

ثانيًا: أمامي الآن أمر جادّ، وهو أن أبيّن كيف يمكن أن تعاني الكنائس المسيحية فقرًا روحيًّا، حتى إنها هي أيضًا «تشتهي أن تقتني ولا تقدر أن تنال». بالطبع، المسيحي يطلب أمورًا أسمى مما يطلبه أهل العالم، وإلا لما كان جديرًا بهذا الاسم أصلًا. فعلى الأقل، بحسب ما يعترف به، غايته أن ينال الغنى الحقيقي وأن يمجّد الله بالروح والحق. نعم، لكن انظروا أيها الإخوة والأخوات الأعزاء: ليس كل الكنائس تنال ما ترغب فيه. علينا أن نشكو، لا هنا وهناك فقط، بل في أماكن كثيرة، من كنائس كادت تنام وهي تتراجع تدريجيًّا.

بالطبع يجدون أعذارًا. السكان يتناقصون، أو مكان عبادة آخر يجتذب الناس. هناك دائمًا عذر في متناول اليد حين يحتاج إليه المرء. ومع ذلك تبقى الحقيقة قائمة: العبادة الجماعية تكاد تكون مهجورة في بعض الأماكن، والخدمة لا قوة فيها لجمع الناس، والذين يحضرون ساخطون أو غير مبالين. وفي مثل هذه الكنائس لا يتجدّد أحد. لو أُضيف إليهم ستة أشخاص في السنة لاحتاجوا أن يرنّموا «جوقة الهللويا»! أما أن يأتوا بالآلاف إلى المسيح، فهم يخشون سرًّا أن يكون ذلك أمرًا غير مرغوب فيه، لأنه قد يجرّ إلى الانفعال، وهم من اللياقة بحيث يرتعبون من أي شيء من هذا القبيل!

فأن لا يعملوا شيئًا ويتركوا الناس للهلاك الأبدي هو، في حكمهم، اللائق والمحترم. أما أن يكونوا أحياء ونشيطين فوضع محفوف بالخطر، لأنه قد يؤدّي إلى التعصّب وقلة اللياقة! ويخافون خاصةً من أي شيء يشبه «الإثارة». هذه الكلمة القبيحة المنظر يضعونها أمامنا كما يحاول الصينيون إرهاب أعدائهم برسم وجوه مرعبة على تروسهم! لا تبالوا بتلك الكلمة المخيفة، فلن تؤذي أحدًا! هذه الكنائس «لا تمتلك»، فلا حقّ من حقائق الله يسود بغيرتها، ولا خطيّة تُضرب، ولا قداسة تُعزَّز، ولا يُعمل شيء يتمجّد به الله. وما السبب في ذلك؟

أولًا، قد يوجد حتى بين المعترفين بالمسيحية سعيٌ وراء أمور مرغوبة بطريقة خاطئة. «تُخَاصِمُونَ وَتُحَارِبُونَ وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ». ألم تظنّ كنائس أنها ستزدهر بمنافسة كنائس أخرى؟ في مكان العبادة الفلاني عندهم رجل بارع جدًّا، فلا بدّ أن نأتي نحن أيضًا برجل بارع! بل ينبغي أن يكون أبرع قليلًا من بطل جيراننا. هذا هو المطلوب: رجل بارع! آه، أن نعيش في عصر نتكلم فيه عن رجال بارعين في الكرازة بإنجيل يسوع المسيح! وا أسفاه، أن يُظنّ أن هذه الخدمة المقدسة تتوقّف على البراعة البشرية! تنافست الكنائس فيما بينها في العمارة والموسيقى والثياب والمكانة الاجتماعية. ويتوهّم القادة أنهم لكي ينجحوا لا بدّ أن يكون لديهم شيء أجمل أو أكثر فنًّا أو أغلى ثمنًا مما لدى جيرانهم، فيبنون مبانيَ قوطية يضيع فيها صوت الخادم بين أخشاب السقف ولا يُسمع كما ينبغي أبدًا، أو يشترون أرغنًا فيه كل مفتاح إلا المفتاح الذي يوقفه!

ويبدو أن الرأي منتشر على نطاق واسع أن في الأرغن قدرًا كبيرًا من النعمة. أن نصلّي إلى الله بطاحونة هواء كما يفعل التتار أمر سخيف جدًّا! أما أن نسبّح الله بهواء يمرّ في مجموعة من الأنابيب فلائق تمامًا! لم أرَ الفرق قط، ولا أراه الآن. ليست المسألة الآن: أرغن أم لا أرغن، بل أتكلم عن حالات تُنصب فيها هذه الآلات من باب التنافس. أليس قصد كثيرين أن ينجحوا بمبنى أفخم وموسيقى أفضل وخدمة أبرع مما لدى غيرهم؟ أليس ذلك منافسة كواجهة الدكان والنافذة المزيّنة عند تجّار الأقمشة؟ أبهذه الطريقة ينمو ملكوت الله بيننا؟

وفي بعض الحالات يكون في التنافس قدر من المرارة. فلا يسرّ النفوس الصغيرة أن ترى كنائس أخرى تزدهر أكثر من كنيستها. قد يكونون أكثر جدية منا ويعملون عمل الله أفضل منا، لكننا نميل كثيرًا إلى أن نرمقهم بعين غيور، ونفضّل بصراحة ألّا يتقدّموا بهذا القدر. أتظنون أن الكتاب يقول باطلًا: «ٱلرُّوحُ ٱلَّذِي حَلَّ فِينَا يَشْتَاقُ إِلَى ٱلْحَسَدِ»؟ لو رأينا اضطرابًا بينهم يفرّقهم فيُقتلون كنسيًّا، لما فرحنا. بالطبع لا! لكننا أيضًا لن نحزن حزنًا مميتًا! في بعض الكنائس يتلكّأ روح شرير. لا أورد حكم افتراء، ولذلك لا أقول أكثر من هذا: لن يبارك الله أبدًا مثل هذه الوسائل ومثل هذا الروح، والذين يستسلمون لها سيشتهون أن يقتنوا لكنهم لن ينالوا أبدًا.

وفي الوقت نفسه، ما السبب في أنهم لا ينالون بركة؟ يقول النص: «لِأَنَّكُمْ لَا تَطْلُبُونَ». أخشى أن هناك كنائس لا تطلب. الصلاة بكل أشكالها مهملة أكثر مما ينبغي. الصلاة الفردية تُترك لتذبل. وسأترك لضمير كل إنسان أن يحكم إلى أي حدّ يُعتنى بالصلاة في الخفاء، وكم من الشركة مع الله في الخفاء بين أعضاء كنائسنا. ولا شك أن وجودها الصحيّ حيوي لازدهار الكنيسة. أما الصلاة العائلية فالحكم عليها أسهل، لأننا نراها. أخشى أن كثيرين في هذه الأيام قد تركوا الصلاة العائلية تمامًا. أتوسّل إليكم ألّا تقتدوا بهم!

ليتكم جميعًا من رأي ذلك العامل الاسكتلندي الذي وجد عملًا في بيت مزارع غني معروف بأنه يدفع أجرًا سخيًّا. فحسده كل أصدقائه على أنه ذهب ليعيش في مثل هذه الخدمة. وبعد مدة قصيرة عاد إلى قريته. ولما سألوه لماذا ترك عمله، أجاب بأنه «لا يستطيع أن يعيش في بيت ليس له سقف». البيت بلا صلاة بيت بلا سقف! لا يمكننا أن نتوقّع بركات على كنائسنا إن لم تكن لنا بركات على عائلاتنا! أما الصلاة الجماعية، أي اجتماعنا معًا فيما نسمّيه اجتماعات الصلاة، أليس فيها تراجع؟ ففي حالات كثيرة يُحتقر اجتماع الصلاة ويُنظر إليه بازدراء كأنه اجتماع من الدرجة الثانية. وهناك أعضاء في كنائس لا يحضرون أبدًا، ولا يوخزهم ضميرهم على تغيّبهم.

بعض الجماعات تخلط اجتماع الصلاة بمحاضرة، لكي تقيم خدمة واحدة فقط في الأسبوع. وقد قرأت منذ أيام عذرًا لهذا كله، إذ يقال إن الناس أفضل في بيوتهم يعتنون بشؤون عائلاتهم. هذا كلام فارغ! من منّا يريد أن يهمل الناس شؤونهم البيتية؟ وسيتّضح أن أفضل من يعتني بشؤونه هم الذين يجتهدون في ترتيب كل شيء لكي يتمكّنوا من الخروج إلى اجتماعات العبادة. وإهمال بيت الله كثيرًا ما يكون مؤشّرًا على إهمال بيوتهم! إنهم لا يأتون بأولادهم إلى المسيح، وأنا مقتنع بذلك، وإلا لأتوا بهم إلى الاجتماعات. وعلى أي حال، صلوات الكنيسة هي مقياس ازدهارها. إن حبسنا الصلاة حبسنا البركة.

نجاحنا الحقيقي ككنائس لا يُنال إلا بطلبه من الرب. ألسنا مستعدين أن نصلح ونقوّم أنفسنا في هذا الأمر؟ آه، ليت ساعة مخاض صهيون تأتي، حين تهزّ آلامُ الصلاة المبرّحة جسدَ المؤمنين كله! لكن بعضهم يجيب: «هناك اجتماعات صلاة، ونحن نطلب البركة فعلًا، ومع ذلك لا تأتي». أليس التفسير موجودًا في الجزء الآخر من النص: «لَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ … لِأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا»؟ حين تصير اجتماعات الصلاة مجرد شكل، وحين يقوم الإخوة والأخوات ويضيّعون الوقت بخطبهم الطويلة بدل أن يكلّموا الله بكلمات جادّة ملتهبة، وحين لا يكون هناك توقّع لبركة، وحين تكون الصلاة باردة فاترة، فلن يأتي منها شيء. من يصلّي بلا حرارة لا يصلّي إطلاقًا! لا يمكننا أن نتشارك مع الله، وهو نار آكلة، إن لم تكن في صلواتنا نار!

صلوات كثيرة تخفق في مهمّتها لأنه لا إيمان فيها. الصلوات المملوءة شكًّا طلباتٌ للرفض. تخيّلوا أنكم كتبتم إلى صديق وقلتم: «عزيزي، أنا في ضيق عظيم، ولذلك أخبرك وأطلب معونتك لأنه يبدو من الصواب أن أفعل ذلك. لكني مع أني أكتب هكذا، لا أؤمن أنك سترسل إليّ أي معونة. بل سأُدهش جدًّا لو فعلت، وسأتحدّث عن ذلك كأعجوبة عظيمة». أتظنون أنكم ستنالون المعونة؟ أقول إن صديقكم سيكون من الفطنة بحيث يلاحظ قلة ثقتكم به، وسيجيب بأنه بما أنكم لم تتوقّعوا شيئًا، فلن يدهشكم. رأيكم في كرمه منخفض جدًّا حتى إنه لا يشعر بأنه مدعوّ إلى أن يتكلّف شيئًا من أجلكم. وحين تكون الصلوات من هذا النوع، فلا عجب إن كنا «لا نمتلك لأننا نطلب رديًّا».

وفوق ذلك، إن كانت صلاتنا، مهما كانت جادّة ومؤمنة، مجرد طلب أن تزدهر كنيستنا لأننا نريد أن نفتخر بازدهارها، وإن كنا نريد أن نرى طائفتنا تنمو نموًّا كبيرًا وتتحسّن مكانتها لكي نشارك في أمجادها، فرغباتنا في النهاية ليست سوى شهوات! أيعقل أن يُظهر أولاد الله المنافسات والغيرة والطموحات نفسها التي لأهل العالم؟ أيكون العمل الديني مسألة تنافس وصراع؟ آه، إذن لن تُقبل عند كرسي الرحمة الصلوات التي تطلب النجاح! لن يسمعنا الله، بل يأمرنا بالانصراف، لأنه لا يبالي بالطلبات التي غرضها الذات. «وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ، لِأَنَّكُمْ لَا تَطْلُبُونَ»، أو «لِأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا».

ثالثًا: أمامي عمل أبهج بكثير، وهو أن ألمّح إلى الغنى الذي ينتظر استعمال الوسائل الصحيحة، أي الطلب من الله كما ينبغي. أدعوكم إلى أن تولوا هذا الأمر أشدّ انتباهكم وقارًا، لأنه بالغ الأهمية. وملاحظتي الأولى هي هذه: ما أصغر هذا المطلب الذي يطلبه الله منا في النهاية! أن نطلب؟ إنه أقل ما يمكن أن ينتظره منا، وليس أكثر مما نطلبه عادةً ممن يحتاجون إلى عوننا! فنحن ننتظر من الفقير أن يطلب، فإن لم يفعل ألقينا لوم عوزه عليه. فإن كان الله يعطي لمن يطلب ونحن نبقى فقراء، فمن الملوم؟ أليس اللوم أفدح ما يكون؟ ألا يبدو كأن علاقتنا بالله مختلّة، حتى إننا لا نتنازل لنطلب منه معروفًا؟ لا بدّ أن في قلوبنا عداوة كامنة له، وإلا لكان الطلب يُعدّ بهجة عظيمة بدل أن يكون ضرورة مكروهة!

ومع ذلك، أيها الإخوة والأخوات، سواء أحببنا ذلك أم لا، تذكّروا أن الطلب هو قانون الملكوت. «اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا». إنه قانون لن يُغيَّر أبدًا لأجل أحد. ربنا يسوع المسيح هو الأخ الأكبر في

العائلة، لكن الله لم يُرخِ القانون لأجله! تذكّروا هذا النص، إذ يقول يهوه لابنه: «ٱسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ ٱلْأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ، وَأَقَاصِيَ ٱلْأَرْضِ مُلْكًا لَكَ.» إن كان ابن الله الملكي الإلهي لا يُستثنى من قانون الطلب لكي ينال، فلا يمكنني ولا يمكنك أن نتوقّع أن يُرخى القانون لصالحنا!

ولماذا يكون؟ أيّ سبب يمكن أن يُحتجّ به لنُعفى من الصلاة؟ وأيّ حجة يمكن أن توجد لكي نُحرم امتياز التضرّع ونُعفى من ضرورته؟ لا أرى أيّ حجة، فهل ترون أنتم؟ سيبارك الله إيليا ويرسل المطر على إسرائيل، لكن على إيليا أن يصلّي من أجله. إن كانت الأمة المختارة ستزدهر، فعلى صموئيل أن يتضرّع لأجلها. إن كان اليهود سيُنقذون، فعلى دانيال أن يتشفّع. سيبارك الله بولس وستتجدّد الأمم بواسطته، لكن على بولس أن يصلّي! وقد صلّى فعلًا بلا انقطاع، ورسائله تُظهر أنه لم يكن ينتظر شيئًا إلا بطلبه. إن كان يمكنكم أن تنالوا كل شيء بالطلب، ولا شيء بدون الطلب، فأتوسّل إليكم أن تروا كم هي الصلاة حيوية حيوية مطلقة! وأتضرّع إليكم أن تكثروا منها.

وفوق ذلك، يتّضح حتى لأسطح المفكّرين أن هناك أمورًا ضرورية لكنيسة الله لا نستطيع أن ننالها إلا بالصلاة. يمكنكم أن تحصلوا على ذلك الرجل البارع الذي تكلّمت عنه، وربما كان كلما قلّت صلاتكم من أجله كان أفضل! ويمكنكم أيضًا أن تحصلوا على تلك الكنيسة الجديدة، والأرغن الجديد، والجوقة بلا صلاة، لكنكم لا تستطيعون أن تنالوا المسحة السماوية، فموهبة الله لا تُقتنى بدراهم! بعض أعضاء كنيسة في قرية بدائية في أمريكا ظنّوا أنهم سيجمعون جماعة بتعليق ثريّا فاخرة جدًّا في بيت الاجتماع. فتحدّث الناس عن هذه الثريّا وذهب بعضهم ليروها، لكن نورها سرعان ما خبا.

يمكنكم أن تشتروا كل أنواع الأثاث الكنسي! يمكنكم أن تشتروا أي نوع من الطلاء والنحاس والموسلين، والأسمانجوني والقرمز والبوص، مع النايات والعيدان والرباب والسناطير وكل أنواع الموسيقى. يمكنكم أن تحصلوا على هذه كلها بلا صلاة. بل إن الصلاة من أجل مثل هذه السفاسف وقاحة! لكنكم لا تستطيعون أن تنالوا الروح القدس بلا صلاة. «تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ». ولا يمكن أن يُستقدم بأي عملية أو طريقة في متناولنا بمعزل عن الطلب. ولا توجد وسائل آلية تعوّض عن غيابه! إن لم يكن الروح القدس هناك، فما فائدة رجلكم البارع ذاك؟ أيتجدّد أحد؟ أتتعزّى أي نفس؟ أينتعش أحد من أولاد الله في الحياة الروحية بدون الروح القدس؟ ولا يمكنكم أيضًا أن تنالوا الشركة مع الله بلا صلاة. من لا يريد أن يصلّي لا يمكن أن تكون له شركة مع الله. وأكثر من ذلك، لا توجد شركة روحية حقيقية بين الكنيسة وأعضائها حين تتوقّف الصلاة. لا بدّ أن تكون الصلاة عاملة، وإلا فإن البركات الجوهرية لنجاح الكنيسة لن تأتيها أبدًا. الصلاة هي باب البركة الروحية العظيم، فإن أغلقتموه حجبتم الرضى.

أيها الإخوة والأخوات الأحباء، ألا تظنون أن هذا الطلب الذي يطلبه الله امتياز عظيم جدًّا؟ افترضوا أن مرسومًا صدر بأنه لا يجوز لكم أن تصلّوا، لكان ذلك مشقّة حقًّا! لو كانت الصلاة تقطع مجرى البركة بدل أن تزيده، لكانت كارثة محزنة. هل رأيتم يومًا أبكم تحت انفعال شديد، أو يعاني ألمًا عظيمًا، فهو لذلك يتوق إلى الكلام؟ إنه منظر رهيب! الوجه مشوّه، والجسد مضطرب اضطرابًا مخيفًا، والأبكم يتلوّى ويكدّ في ضيق شديد. كل عضو منه ملتوٍ برغبة في أن يعين اللسان، لكنه لا يستطيع أن يكسر قيوده! وتخرج أصوات جوفاء من الصدر، وتأتأة كلام عاجز تسترعي الانتباه، مع أنها لا تبلغ حدّ التعبير. المسكين في ألم لا يوصف!

افترضوا أننا كنا في طبيعتنا الروحية ممتلئين رغبات قوية، ومع ذلك بكمًا من جهة لسان الصلاة؟ أظن أن ذلك سيكون من أقسى البلايا التي يمكن أن تصيبنا! لكنّا مشوّهين مقطّعي الأوصال تشويهًا رهيبًا، ولكانت آلامنا ساحقة! تبارك اسمه، فالرب يرسم طريقًا للنطق ويأمر قلوبنا أن تتكلّم إليه! أيها الأحباء، لا بدّ أن نصلّي، ويبدو لي أنه ينبغي أن يكون أول ما نفكر في فعله حين نحتاج. لو كان الناس على وفاق مع الله ويحبّونه حقًّا، لصلّوا بطبيعية كما يتنفّسون! أرجو أن يكون بعضنا على وفاق مع الله فلا يحتاجون أن يُساقوا إلى الصلاة، لأنها صارت غريزة في طبيعتهم.

أخبرني صديق أمس قصة صبي ألماني صغير، قصة كان راعيه يحبّ أن يرويها. كان الطفل العزيز الصغير يصدّق إلهه ويبتهج بالصلاة. وكان معلّمه قد حثّ التلاميذ على أن يحضروا إلى المدرسة في الموعد، وكان هذا الطفل يحاول دائمًا أن يفعل ذلك. لكن أباه وأمه كانا بطيئين، وفي صباح ما، وبسبب تقصيرهما وحدهما، خرج من الباب حين دقّت الساعة موعد فتح المدرسة. فسمع صديقٌ واقف بالقرب الصغيرَ يصرخ: «يا إلهي العزيز، اجعلني أصل إلى المدرسة في الوقت». فخطر للسامع أن هذه الصلاة لا يمكن أن تُستجاب هذه المرة، لأن أمام الطفل مسافة لا بأس بها ليمشيها، والساعة قد حلّت. فتشوّق أن يرى النتيجة.

وقد حدث ذلك الصباح أن المعلّم، وهو يحاول فتح باب المدرسة، أدار المفتاح في الاتجاه الخطأ فلم يستطع أن يحرّك المزلاج. فاضطرّوا أن يستدعوا قفّالًا ليفتح الباب. ومن هنا كان التأخير، وفي اللحظة التي

فُتح فيها الباب، دخل صديقنا الصغير مع الباقين، في الوقت تمامًا! لله طرق كثيرة لاستجابة الرغبات المستقيمة. كان من أكثر الأمور طبيعية أن يكلّم طفلٌ يحب الله حقًّا إلهَه عن ضيقه بدل أن يبكي وينتحب. أفلا ينبغي أن يكون طبيعيًّا لكم ولي أن نخبر الرب بأحزاننا تلقائيًّا وفورًا ونطلب العون؟ أفلا ينبغي أن يكون هذا الملجأ الأول؟ وا أسفاه، بحسب الكتاب والملاحظة، وأحزن أن أضيف: بحسب الاختبار، كثيرًا ما تكون الصلاة آخر شيء!

انظروا إلى المريض في المزمور المئة والسابع. يأتيه أصدقاؤه بأطعمة متنوّعة، لكن نفسه تكره كل طعام. والأطباء يفعلون ما في وسعهم لشفائه، لكنه يزداد سوءًا، ويقترب إلى أبواب الموت. «فَصَرَخُوا إِلَى ٱلرَّبِّ فِي ضِيقِهِمْ». فقد وُضع أخيرًا ما كان ينبغي أن يكون أولًا! «استدعوا الطبيب. أعدّوا له طعامًا مغذّيًا. لفّوه بالصوف». هذا كله حسن، لكن متى تصلّون إلى الله؟ يُدعى الله حين تصير الحالة ميؤوسًا منها! انظروا إلى الملّاحين الموصوفين في المزمور نفسه. السفينة توشك أن تتحطّم. «يَصْعَدُونَ إِلَى ٱلسَّمَاوَاتِ، يَهْبِطُونَ إِلَى ٱلْأَعْمَاقِ. ذَابَتْ أَنْفُسُهُمْ بِٱلشَّقَاءِ.» ومع ذلك يفعلون كل ما في وسعهم لينجوا من العاصفة. لكن حين «يَتَمَايَلُونَ وَيَتَرَنَّحُونَ مِثْلَ ٱلسَّكْرَانِ، وَكُلُّ حِكْمَتِهِمِ ٱبْتُلِعَتْ. فَيَصْرُخُونَ إِلَى ٱلرَّبِّ فِي ضِيقِهِمْ».

آه، نعم، يُطلب الله حين نُحصر في زاوية ونوشك أن نهلك! ويا لها من رحمة أنه يسمع مثل هذه الصلوات المتلكّئة وينقذ المتضرّعين من ضيقاتهم! لكن أينبغي أن يكون الأمر هكذا معكم ومعي ومع كنائس المسيح؟ أفلا ينبغي أن يكون أول دافع لكنيسة متراجعة: «لنصلِّ نهارًا وليلًا حتى يظهر الرب لأجلنا. لنجتمع معًا بنفس واحدة في مكان واحد ولا نفترق أبدًا حتى تنزل علينا البركة»؟ أتعرفون، أيها الإخوة والأخوات، ما الأمور العظيمة التي تُنال بالطلب؟ هل فكّرتم فيها يومًا؟ ألا يحفزكم ذلك إلى الصلاة بحرارة؟ السماء كلها في متناول يد الإنسان الطالب! كل مواعيد الله غنية لا تنضب، وتحقيقها يُنال بالصلاة!

يقول يسوع: «كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي»، ويقول بولس: «كُلُّ شَيْءٍ لَكُمْ … وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلِلْمَسِيحِ». فمن لا يصلّي وكل شيء قد سُلّم إلينا هكذا؟ نعم، والمواعيد التي أُعطيت أولًا لأفراد بعينهم هي كلها لنا إن عرفنا كيف نحتجّ بها في الصلاة. عبر إسرائيل البحر الأحمر قبل دهور، ومع ذلك نقرأ في المزمور السادس والستين: «هُنَاكَ فَرِحْنَا بِهِ». كان يعقوب وحده حاضرًا في فنيئيل، ومع ذلك يقول هوشع: «هُنَاكَ تَكَلَّمَ مَعَنَا». يريد بولس أن يعطينا موعدًا عظيمًا لأوقات الحاجة، فيقتبس من العهد القديم: «لِأَنَّهُ قَالَ: ‹لَا أُهْمِلُكَ وَلَا أَتْرُكُكَ›». من أين أخذ بولس ذلك؟ إنه التأكيد الذي أعطاه الرب ليشوع: «لَا أُهْمِلُكَ وَلَا أَتْرُكُكَ».

لا بدّ أن الموعد كان ليشوع وحده! لا، إنه لنا! «كُلَّ نُبُوَّةِ ٱلْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ». الكتاب كله لنا. انظروا كيف يتراءى الله لسليمان ليلًا ويقول: «ٱسْأَلْ مَاذَا أُعْطِيكَ». فيطلب سليمان الحكمة. تقولون: «آه، هذا سليمان». اسمعوا: «إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ ٱللهِ». وقد أعطى الله سليمان الغنى والشهرة فوق ذلك! أليس هذا خاصًّا بسليمان؟ لا، لأنه يقال عن الحكمة الحقيقية: «فِي يَمِينِهَا طُولُ أَيَّامٍ، وَفِي يَسَارِهَا ٱلْغِنَى وَٱلْمَجْدُ»، أوليس هذا شبيهًا جدًّا بكلمات مخلّصنا: «ٱطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَ ٱللهِ وَبِرَّهُ، وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ»؟ فترون إذن أن لمواعيد الرب تحقيقات كثيرة، وهي تنتظر أن تسكب كنوزها في حِجر الصلاة! أفلا يرفع هذا الصلاة إلى مستوى رفيع، حين يكون الله راغبًا في أن يعيد فينا سِيَر قدّيسيه، وحين ينتظر ليتراءف علينا ويحمّلنا إحساناته؟

وسأذكر حقًّا آخر من حقائق الله ينبغي أن يدفعنا إلى الصلاة، وهو أننا إن طلبنا فإن الله سيعطينا أكثر بكثير مما نطلب. طلب إبراهيم من الله أن يعيش إسماعيل أمامه. فقد فكّر: «لا بدّ أن هذا هو النسل الموعود به؛ لا يمكنني أن أتوقّع أن تلد سارة ولدًا في شيخوختها. لقد وعدني الله بنسل، ولا بدّ أن يكون هذا الولد من هاجر». «لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ!» فمنحه الله ذلك، وأعطاه إسحاق أيضًا، وكل بركات العهد! وهناك يعقوب. يركع ليصلّي ويطلب من الرب أن يعطيه خبزًا ليأكل وثيابًا ليلبس. لكن ماذا أعطاه إلهه؟ حين عاد إلى بيت إيل كان له جيشان، وآلاف من الغنم والجمال، وثروة كثيرة! لقد سمعه الله وفعل أكثر جدًّا مما طلب!

ويقال عن داود: «حَيَاةً سَأَلَكَ فَأَعْطَيْتَهُ. طُولَ ٱلْأَيَّامِ»، نعم، لم يعطه طول الأيام فقط، بل عرشًا لبنيه مدى الأجيال، حتى دخل داود وجلس أمام الرب، مغمورًا بصلاح الرب. تقولون: «حسنًا، لكن هل يصدق هذا على صلوات العهد الجديد؟» نعم، هكذا هي الحال مع المتضرّعين في العهد الجديد، قدّيسين كانوا أو خطاة! أتوا إلى المسيح برجل مفلوج وطلبوا منه أن يشفيه. فقال: «يا بُنَيَّ. مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ». لم يكن قد طلب ذلك، أليس كذلك؟ لا، لكن الله يعطي أعظم مما نطلب!

اسمعوا صلاة اللص المسكين المائت المتواضعة: «ٱذْكُرْنِي يَارَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ». فيجيبه يسوع: «إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي ٱلْفِرْدَوْسِ»! لم يحلم قط بمثل هذا الشرف!

حتى قصة الابن الضال تعلّمنا هذا. فقد عزم أن يقول: «لَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ٱبْنًا. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ». فما الجواب؟ «ٱبْنِي هَذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ … أَخْرِجُوا ٱلْحُلَّةَ ٱلْأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَٱجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ، وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ». ضع نفسك مرة في موضع الطالب، فتنال ما لم تطلبه قط ولم تفكّر قط أن تناله! كثيرًا ما يُقتبس النص خطأً: «الله قادر أن يفعل أكثر جدا فوق كل ما نستطيع أن نطلب أو حتى نفتكر». كان يمكننا، لو كنا أكثر فطنة وأعظم إيمانًا، أن نطلب أعظم الأمور، لكن الله راغب في أن يعطينا أكثر مما نطلب بما لا نهاية له!

في هذه اللحظة أؤمن أن كنيسة الله يمكن أن تنال بركات تفوق التصوّر لو كانت مستعدة الآن أن تصلّي. هل لاحظتم يومًا تلك الصورة العجيبة في الأصحاح الثامن من سفر الرؤيا؟ إنها جديرة بملاحظة دقيقة. لن أحاول أن أشرحها في سياقها، بل أشير فقط إلى الصورة كما هي معلّقة على الحائط وحدها. اقرؤوا: «وَلَمَّا فَتَحَ ٱلْخَتْمَ ٱلسَّابِعَ حَدَثَ سُكُوتٌ فِي ٱلسَّمَاءِ نَحْوَ نِصْفِ سَاعَةٍ.» سكوت في السماء!؟ لا تسابيح، ولا هللويات، ولا ملاك حرّك جناحًا! سكوت في السماء!؟ أتستطيعون أن تتخيّلوه؟ وانظروا! ترون سبعة ملائكة واقفين أمام الله، وقد أُعطوا سبعة أبواق. هناك ينتظرون والأبواق في أيديهم، لكن لا صوت! ولا نغمة واحدة للتشجيع أو الإنذار طوال فترة كانت طويلة بما يكفي لإثارة انفعال حيّ، وقصيرة بما يكفي لمنع نفاد الصبر.

سكوت لا ينقطع، عميق، رهيب، ساد في السماء! توقّف العمل في السماء، مركز كل نشاط. «وَجَاءَ مَلَاكٌ آخَرُ وَوَقَفَ عِنْدَ ٱلْمَذْبَحِ، وَمَعَهُ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ». هناك يقف، لكن لا تقدمة تُقدَّم، وكل شيء قد توقّف. فما الذي يمكن أن يحرّكه؟ «وَأُعْطِيَ بَخُورًا كَثِيرًا لِكَيْ يُقَدِّمَهُ مَعَ صَلَوَاتِ ٱلْقِدِّيسِينَ جَمِيعِهِمْ عَلَى مَذْبَحِ ٱلذَّهَبِ ٱلَّذِي أَمَامَ ٱلْعَرْشِ». تُقدَّم الصلاة مع استحقاق الرب يسوع! والآن، انظروا ماذا سيحدث: «فَصَعِدَ دُخَانُ ٱلْبَخُورِ مَعَ صَلَوَاتِ ٱلْقِدِّيسِينَ مِنْ يَدِ ٱلْمَلَاكِ أَمَامَ ٱللهِ». هذا هو مفتاح الأمر كله!

والآن سترون: يبدأ الملاك يعمل، فيأخذ المبخرة ويملؤها من نار المذبح ويلقيها إلى الأرض، «فَحَدَثَتْ أَصْوَاتٌ وَرُعُودٌ وَبُرُوقٌ وَزَلْزَلَةٌ». «ثُمَّ إِنَّ ٱلسَّبْعَةَ ٱلْمَلَائِكَةَ ٱلَّذِينَ مَعَهُمُ ٱلسَّبْعَةُ ٱلْأَبْوَاقُ تَهَيَّأُوا لِكَيْ يُبَوِّقُوا.» كل شيء يتحرّك الآن! فما إن امتزجت صلوات القدّيسين ببخور استحقاق المسيح الأبدي وبدأ دخانها يصعد من المذبح، حتى صارت الصلاة فعّالة! فسقطت الجمرات الحيّة بين بني البشر، بينما ملائكة العناية الإلهية، الذين كانوا واقفين من قبل بلا حراك، ينفخون أبواقهم المدوّية، وتتمّ مشيئة الرب! هذا هو المشهد في السماء، إلى حدّ ما، حتى يومنا هذا. هاتوا البخور إلى هنا! هاتوا صلوات القدّيسين إلى هنا! أضرموا فيها النار باستحقاقات المسيح، ولتتصاعد دخانًا على مذبح الذهب أمام العليّ! حينئذ نرى الرب يعمل، وتكون مشيئته كما في السماء كذلك على الأرض! ليرسل الله بركته مع هذه الكلمات، من أجل المسيح. آمين.

صفحة 1 / 1 · 26 دقيقة متبقية في الفصل
السابق التالي