قوة عظيمة في الصلاة
المفتاح الذهبي للصلاة

فصل 3 · قراءة 26 د · استماع 33 د

المفتاح الذهبي للصلاة

«اُدْعُنِي فَأُجِيبَكَ وَأُخْبِرَكَ بِعَظَائِمَ وَعَوَائِصَ لَمْ تَعْرِفْهَا» (إرميا 33:3).

بعض أعظم المؤلفات علمًا في العالم تفوح منها رائحة زيت السهر في منتصف الليل. أما أكثر كتب البشر وأقوالهم روحانيةً وتعزيةً فتحمل في العادة شيئًا من رطوبة السجون. وقد أسوق أمثلة كثيرة، لكن «سياحة المسيحي» لجون بنيان تكفي عن مئة غيرها. وهذا النص الطيب الذي بين أيدينا، مع أنه كله عفن وبارد من السجن الذي رقد فيه إرميا، فيه مع ذلك إشراق وجمال ربما ما كان ليناله لو لم يأتِ كلمةَ تشجيع لأسير الرب المحبوس في دار السجن.

لقد وجد شعب الله دائمًا، في أسوأ أحوالهم، أفضل ما في إلههم. هو صالح في كل الأوقات، لكنه يبدو في أحسن حالاته حين يكونون هم في أسوأ حالاتهم. قال أحدهم للاندغراف هسّه الذي سُجن لتمسّكه بمبادئ الإصلاح: «كيف استطعت أن تحتمل سجنك الطويل بهذا الصبر؟» فأجاب: «كانت معي التعزيات الإلهية التي للشهداء».

لا شك أن هناك تعزية أعمق وأقوى من كل تعزية أخرى، يحفظها الله للذين، إذ هم شهوده الأمناء، عليهم أن يحتملوا ضيقًا عظيمًا جدًا من عداوة الناس. ففي المنطقة المتجمّدة شفق مجيد، والنجوم تتلألأ في سماء الشمال ببهاء غير مألوف. وكان لرذرفورد قول طريف: إنه حين طُرح في أقبية الضيق تذكّر أن الملك العظيم يحفظ خمره هناك دائمًا، فبدأ في الحال يبحث عن قوارير الخمر ويشرب من «خَمْرٍ عَلَى دَرْدِيٍّ… دَرْدِيٍّ مُصَفًّى».

الذين يغوصون في بحر الضيق يُخرجون لآلئ نادرة. وأنتم تعلمون، يا رفاقي في الضيق، أن الأمر كذلك. أنتم الذين كادت عظامكم تخرج من جلودكم من طول رقادكم على فراش التعب. أنتم الذين رأيتم خيراتكم الأرضية تُحمل عنكم حتى صرتم على حافة الفقر. أنتم الذين ذهبتم إلى القبر سبع مرات حتى خفتم أن يخطف الموت الذي لا يرحم آخر صديق أرضي لكم. لقد اختبرتم كلكم أنه إله أمين، وأنه كما تكثر ضيقاتكم كذلك تكثر تعزياتكم أيضًا بالمسيح يسوع!

وصلاتي، وأنا آخذ هذا النص هذا الصباح، أن يبلغ وعده المفرح إلى قلوب أسرى آخرين للرب! وأن تسمعوه، أنتم المحبوسين الذين لا تقدرون أن تخرجوا بسبب ثقل الروح الحاضر، يقول كما بهمسة رقيقة في آذانكم وفي قلوبكم: «اُدْعُنِي فَأُجِيبَكَ وَأُخْبِرَكَ بِعَظَائِمَ وَعَوَائِصَ لَمْ تَعْرِفْهَا».

ينقسم النص من تلقاء نفسه إلى ثلاث حبّات متميزة من حق الله. فلنتكلم عليها بقدر ما يُقدرنا الله الروح القدس. أولًا، الصلاة مأمور بها: «اُدْعُنِي». ثانيًا، جواب موعود به: «فَأُجِيبَكَ». ثالثًا، إيمان مُشجَّع: «وَأُخْبِرَكَ بِعَظَائِمَ وَعَوَائِصَ لَمْ تَعْرِفْهَا».

أولًا: البند الأول هو الصلاة المأمور بها. فنحن لسنا منصوحين بالصلاة ومُرغَّبين فيها فحسب، بل مأمورون بها. وهذا تنازل عظيم. يُبنى مستشفى، فيُعدّ كافيًا أن يُسمح للمرضى بالدخول مجانًا متى طلبوه، لكن لا يصدر أمر من المجلس بأن على الإنسان أن يدخل أبوابه. ويُجهَّز مطبخ للحساء تجهيزًا حسنًا في عمق الشتاء، ويُذاع إعلان بأن الفقراء ينالون الطعام عند الطلب، لكن لا يخطر لأحد أن يسنّ قانونًا في البرلمان يُلزم الفقراء بأن يأتوا وينتظروا عند الباب ليأخذوا الإحسان.

يُظن أنه يكفي أن يُعرض الإحسان من غير إصدار أي أمر بأن يقبله الناس. ومع ذلك، ما أغرب حماقة الإنسان من جهة، إذ يحتاج إلى أمر لكي يرحم نفسه! وما أعجب تنازل إلهنا الكريم من جهة أخرى، إذ يُصدر أمر محبة لولاه ما شارك إنسان واحد من بني آدم في وليمة الإنجيل، بل لآثر أن يموت جوعًا على أن يأتي! وهكذا الأمر في الصلاة أيضًا. فشعب الله نفسه يحتاج إلى أمر بالصلاة، وإلا لما أُعطي إياه.

ولماذا ذلك؟ لأننا، أيها الأصدقاء الأعزاء، عرضة جدًا لنوبات من العالمية، إن لم تكن هي حالنا المعتادة. نحن لا ننسى أن نأكل، ولا ننسى أن ننزل مصاريع الدكان، ولا ننسى أن نجتهد في أعمالنا، ولا ننسى أن نأوي إلى أسرّتنا لنستريح، لكننا كثيرًا ما ننسى أن نصارع مع الله في الصلاة، وأن نقضي، كما ينبغي أن نقضي، أوقاتًا طويلة في شركة مكرَّسة مع أبينا وإلهنا. عند كثيرين جدًا من المعترفين بالدين، دفتر الحسابات ضخم حتى لا تقدر أن تحرّكه! أما الكتاب المقدس الذي يمثّل عبادتهم فصغير حتى تكاد تضعه في جيب صدريتك.

ساعات للعالم! ولحظات للمسيح! العالم يأخذ أفضل ما عندنا، ومخدع صلاتنا يأخذ فضلات وقتنا. نعطي قوتنا ونضارتنا لطرق المال، ونعطي تعبنا لطرق الله. ولذلك نحتاج إلى أن نؤمر بالانصراف إلى ذلك العمل الذي ينبغي أن يكون أعظم سعادتنا، كما هو أسمى امتيازاتنا، أي أن نلتقي بإلهنا! «اُدْعُنِي» يقول، لأنه يعلم أننا ميّالون إلى أن ننسى أن ندعو الله.

«مَا لَكَ نَائِمًا؟ قُمِ ٱصْرُخْ إِلَى إِلَهِكَ» تحريض نحتاج إليه نحن كما احتاج إليه يونان في العاصفة. وهو يفهم ما أثقل قلوبنا أحيانًا حين نكون تحت الشعور بالخطية. يقول لنا الشيطان: «لماذا تصلي؟ كيف ترجو أن تغلب؟ عبثًا تقول: ‹أقوم وأذهب إلى أبي›، فأنت لست مستحقًا أن تكون واحدًا من أجرائه! كيف ترى وجه الملك بعد أن خنته؟ كيف تجرؤ على الاقتراب إلى المذبح وأنت نفسك قد نجّسته، والذبيحة التي تريد أن تقدّمها عليه ذبيحة حقيرة ملوّثة؟»

أيها الإخوة والأخوات، حسنًا لنا أننا مأمورون بالصلاة، وإلا لتركناها في أوقات الثقل! إن كان الله يأمرني، فمع أني غير أهل، سأزحف إلى موطئ النعمة الإلهية. وبما أنه يقول: «صَلُّوا بِلَا ٱنْقِطَاعٍ»، فمع أن كلماتي تخذلني وقلبي نفسه يشرد، سأظل أتلعثم بأشواق نفسي الجائعة وأقول: «يا الله، علّمني على الأقل أن أصلي، وأعنّي على أن أغلب معك».

أوَلسنا مأمورين بالصلاة أيضًا بسبب عدم إيماننا المتكرر؟ فعدم الإيمان يهمس: «أي نفع لك إن طلبت الرب في هذا الأمر أو ذاك؟ هذه حالة خارجة تمامًا عن قائمة الأمور التي تدخّل الله فيها، ولذلك (يقول إبليس) لو كنت في أي وضع آخر لأمكنك أن تستند إلى ذراع الله القديرة، أما هنا فلن تنفعك صلاتك. فإما أن الأمر تافه جدًا، أو متصل جدًا بالأمور الزمنية، أو هو أمر أخطأت فيه كثيرًا جدًا، أو هو عالٍ جدًا وصعب جدًا ومعقّد جدًا، فليس لك حق أن تأتي به أمام الله!» هكذا يوسوس عدو الجحيم النجس.

ولذلك كُتبت وصية يومية تصلح لكل حال يمكن أن يُطرح فيها المسيحي: «اُدْعُنِي». «ادعني. أأنت مريض؟ أتريد أن تُشفى؟ اصرخ إليّ، فأنا الطبيب العظيم. أتزعجك العناية الإلهية؟ أتخاف ألا تقدر أن تعتني بأمور حسنة قدام الناس؟ ادعني! أيغيظك أولادك؟ أتشعر بما هو أحدّ من ناب الأفعى، أي الولد الجاحد؟ ادعني! أأحزانك صغيرة لكنها موجعة، كوخزات الشوك الدقيقة؟ ادعني! أحِملك ثقيل كأنه يكاد يكسر ظهرك تحت ثقله؟ ادعني! ألقِ على الرب همّك فهو يعولك! لا يدع الصديق يتزعزع إلى الأبد».

في الوادي، على الجبل، على الصخرة الجرداء، في البحر المالح! مغمورًا تحت اللجج، ثم مرفوعًا بعد قليل على قمة الأمواج، في الأتون حين يتّقد الجمر، عند أبواب الموت حين توشك فكّا الجحيم أن تنطبقا عليك، لا تكفّ، لأن الوصية تخاطبك إلى الأبد قائلة: «اُدْعُنِي». فالصلاة ما زالت قديرة ولا بد أن تغلب عند الله فتأتيك بالنجاة. هذه بعض الأسباب التي من أجلها يُتكلَّم عن امتياز الطلبة في الكتاب المقدس على أنه واجب أيضًا، وهناك أسباب أخرى كثيرة، لكن هذه تكفي هذا الصباح.

ولا ينبغي أن نترك قسمنا الأول قبل أن نبدي ملاحظة أخرى. يجب أن نفرح كثيرًا بأن الله أعطانا هذا الأمر في كلمته، لكي يكون أكيدًا وثابتًا. تستطيعون أن ترجعوا إلى خمسين موضعًا تُقال فيها الوصية نفسها. لا أقرأ في الكتاب كثيرًا: «لَا تَقْتُلْ»، «لَا تَشْتَهِ». فالناموس أُعطي مرتين، أما وصايا الإنجيل فأقرأها كثيرًا، لأنه إن كان الناموس قد أُعطي مرتين، فالإنجيل أُعطي سبعين مرة سبع مرات. ومقابل كل وصية لا أستطيع أن أحفظها لأني ضعيف بالجسد، أجد ألف وصية يحلو لي ويطيب أن أحفظها بقوة الروح القدس الساكن في أولاد الله!

وهذا الأمر بالصلاة يُشدَّد عليه مرة بعد مرة. وقد يكون تمرينًا نافعًا لبعضكم أن تبحثوا كم مرة تؤمرون في الكتاب المقدس بأن تصلّوا. ستُدهشون حين تجدون كم مرة تُقال كلمات كهذه: «ٱدْعُنِي فِي يَوْمِ ٱلضِّيقِ أُنْقِذْكَ». «يَا قَوْمُ. ٱسْكُبُوا قُدَّامَهُ قُلُوبَكُمْ».

«اُطْلُبُوا ٱلرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ. ٱدْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ». «اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ». «اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلَّا تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ». «صَلُّوا بِلَا ٱنْقِطَاعٍ». «فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ ٱلنِّعْمَةِ». «اِقْتَرِبُوا إِلَى ٱللهِ فَيَقْتَرِبَ إِلَيْكُمْ». «وَاظِبُوا عَلَى ٱلصَّلَاةِ».

لا حاجة إلى أن أُكثر مما لا أستطيع أن أستنفده. إنما ألتقط اثنتين أو ثلاثًا من هذا الكيس العظيم من اللآلئ. تعال أيها المسيحي، لا ينبغي لك أبدًا أن تشك في أن لك حقًا في الصلاة، ولا ينبغي أن تسأل أبدًا: «هل يُسمح لي بأن آتي إلى حضرته؟» فما دامت لك أوامر كثيرة كهذه (وأوامر الله كلها مواعيد، وكلها تمكين)، فلك أن تتقدم بثقة إلى عرش النعمة بالطريق الحديث الحي، عبر الحجاب المشقوق. لكن هناك أوقاتًا لا يأمر الله فيها شعبه بالصلاة في الكتاب المقدس فحسب، بل يأمرهم بها مباشرة بتحريكات روحه القدوس.

أنتم الذين تعرفون الحياة الداخلية تفهمونني في الحال. تشعرون فجأة، ربما في وسط أعمالكم، بفكرة ملحّة أن عليكم أن تنفردوا لتصلّوا. وقد لا تلتفتون أولًا إلى هذا الميل التفاتًا خاصًا، لكنه يعود مرة بعد مرة بعد مرة: «انفرد وصلِّ!» وأنا أجد نفسي في أمر الصلاة أشبه كثيرًا بدولاب الماء الذي يدور جيدًا حين يكثر الماء، لكنه يدور بقوة ضعيفة جدًا حين يأخذ الجدول في الضحالة. أو كالسفينة التي تطير فوق الأمواج وقد نشرت كل أشرعتها حين تكون الريح مواتية، لكنها تضطر إلى أن تراوح في سيرها بعناء شديد حين لا يهب من النسيم المواتي إلا القليل.

ويبدو لي أنه كلما أعطاك ربنا ميلًا خاصًا إلى الصلاة، ينبغي أن تضاعف اجتهادك. ينبغي أن تصلي كل حين ولا تمل، ولكن حين يعطيك الشوق الخاص إلى الصلاة، وتشعر باستعداد ولذة غير عاديين فيها، يكون لك، فوق الأمر الملزم دائمًا، أمر آخر ينبغي أن يدفعك إلى الطاعة بفرح. في أوقات كهذه أظن أننا نقف في موضع داود الذي قال له الرب: «وَعِنْدَمَا تَسْمَعُ صَوْتَ خَطَوَاتٍ فِي رُؤُوسِ أَشْجَارِ ٱلْبُكَا، حِينَئِذٍ ٱحْتَرِصْ».

تلك الخطوات في رؤوس أشجار البكا ربما كانت وقع أقدام ملائكة يسرعون لنجدة داود، وحينئذ كان على داود أن يضرب الفلسطينيين. وحين تكون مراحم الله آتية، يكون وقع أقدامها أشواقنا إلى الصلاة. وأشواقنا إلى الصلاة ينبغي أن تكون في الحال علامة على أن الميعاد المعيَّن للترؤف على صهيون قد جاء. ازرع بسخاء الآن، فإنك تستطيع أن تزرع على رجاء! احرث بفرح الآن، فحصادك مضمون! صارع الآن يا يعقوب، فإنك على وشك أن تصير رئيسًا غالبًا ويُدعى اسمك إسرائيل! هذا وقتكم أيها التجار الروحيون! السوق مرتفعة، فتاجروا كثيرًا، وربحكم سيكون عظيمًا. احرصوا على أن تحسنوا استعمال الساعة الذهبية، وأن تحصدوا حصادكم ما دامت الشمس مشرقة.

حين نتمتع بافتقادات من العلاء، ينبغي أن نواظب على الصلاة مواظبة خاصة. وإن تقدّم ذلك على واجب آخر أقل إلحاحًا إلى حين، فلن يكون في ذلك ضير، ولن نخسر شيئًا، لأنه حين يدعونا الله دعوة خاصة إلى الصلاة بتنبيهات روحه، ينبغي حينئذ أن نحترص في الصلاة.

ثانيًا: لنأخذ الآن البند الثاني، وهو الجواب الموعود به. لا ينبغي أن نحتمل لحظة واحدة الفكرة المريعة المحزنة بأن الله لا يستجيب الصلاة! فطبيعته، كما أُعلنت في المسيح يسوع، تقتضي أن يستجيب. لقد أعلن نفسه في الإنجيل إلهًا محبًا، مملوءًا نعمة وحقًا. فكيف يرفض أن يعين الذين من خلائقه يطلبون وجهه ورضاه باتضاع، بالطريق الذي عيّنه هو؟ حدث مرة أن مجلس الشيوخ في أثينا رأى أنسب له أن يجتمع في الهواء الطلق، وبينما كانوا جالسين يتداولون، طار عصفور تطارده باشق نحو المجلس.

ولما ضيّق عليه الطائر الجارح، احتمى في حضن أحد الشيوخ. أما هذا، وكان رجلًا غليظ الطبع سوقيّه، فأخذ العصفور من حضنه وضرب به الأرض فقتله. فثار المجلس كله، وبلا صوت واحد مخالف حكموا عليه بالموت، لأنه غير مستحق لمقعد معهم في المجلس، ولا لأن يُدعى أثينيًا، إن كان لا يغيث مخلوقًا ائتمنه على نفسه. فهل نظن أن إله السماء، الذي طبيعته المحبة، يمكن أن ينتزع من حضنه الحمامة المسكينة المرتعشة التي تفر من نسر العدل إلى حضن رحمته؟

هل يدعونا إلى أن نطلب وجهه، ثم حين نستجمع، ونحن كما يعلم في رعدة خوف شديدة، شجاعة كافية لنطير إلى حضنه، يكون حينئذ ظالمًا وقاسيًا فينسى أن يسمع صراخنا ويستجيب لنا؟ لا نظنّ بإله السماء هذا الظن القاسي! ولنتذكر بعد ذلك صيته العظيم كما نتذكر طبيعته. أعني الصيت الذي ناله لنفسه بأعمال نعمته الماضية. تأملوا، يا إخوتي وأخواتي، ذلك المشهد الهائل الوحيد من الجود. لو ذكرت ألف مشهد لما استطعت أن أعطي توضيحًا لصفة الله أفضل من ذلك العمل الواحد: «اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ٱبْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لِأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ». وليس هذا استنتاجي أنا فقط، بل هو الخلاصة الموحى بها لرسول: «كَيْفَ لَا يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟»

إن كان الرب لم يرفض أن يسمع صوتي حين كنت خاطئًا مذنبًا وعدوًا، فكيف يتجاهل صراخي الآن وقد تبرّرت وخلصت؟ وكيف سمع صوت شقائي حين كان قلبي لا يعرفه ولا يريد أن يطلب الفرج، إن كان في النهاية لن يسمعني الآن وأنا ابنه وصديقه؟ إن جراح يسوع النازفة هي الضمانات الأكيدة لاستجابة الصلاة. ويصوّر جورج هربرت، في قصيدته الطريفة «الكيس»، المخلّص قائلًا:

«إن كان عندك شيء ترسله أو تكتبه (ليس لي كيس، لكن ها هنا متّسع) إلى يدي أبي ونظره، (صدّقني) فسيصل سالمًا. ولكي ترى أني سأعتني بما تودعني إياه، انظر، يمكنك أن تضعه قريبًا جدًا من قلبي. وإن أراد أحد أصدقائي في ما بعد أن يستخدمني على هذا النحو، فالباب سيبقى مفتوحًا؛ وما يرسله سأقدّمه، وشيئًا فوقه، لا لضرره».

لا شك أن فكرة جورج هربرت كانت أن الكفّارة في ذاتها ضمان لأن الصلاة لا بد أن تُسمع، وأن الطعنة العظيمة قرب قلب المخلّص، التي أدخلت النور إلى أعماق قلب اللاهوت، كانت برهانًا على أن الجالس في السماء سيسمع صراخ شعبه! إنكم تسيئون قراءة الجلجثة إن ظننتم أن الصلاة بلا جدوى. لكن، أيها الأحباء، لنا على ذلك وعد الرب نفسه، وهو إله لا يمكن أن يكذب: «ادعني في يوم الضيق فأستجيب لك». أوَلم يقل: «كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ»؟ بل لا نستطيع أن نصلي ما لم نؤمن بهذه العقيدة، «لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ ٱلَّذِي يَأْتِي إِلَى ٱللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي ٱلَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ».

وإن كان عندنا أي شك على الإطلاق في أن صلاتنا ستُسمع، فنحن أشبه بالمرتاب، «لِأَنَّ ٱلْمُرْتَابَ يُشْبِهُ مَوْجًا مِنَ ٱلْبَحْرِ تَخْبِطُهُ ٱلرِّيحُ وَتَدْفَعُهُ. فَلَا يَظُنَّ ذَلِكَ ٱلْإِنْسَانُ أَنَّهُ يَنَالُ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ». وفوق ذلك، ليس الأمر ضروريًا، لكنه قد يقوّي الحجة أن نضيف أن اختبارنا نحن يقودنا إلى الإيمان بأن الله يستجيب الصلاة. لا يجوز لي أن أتكلم عنكم، لكن يجوز لي أن أتكلم عن نفسي. إن كان هناك شيء أعرفه، شيء أنا متيقن منه تمامًا فوق كل شك، فهو أن نَفَس الصلاة لا يُبذل عبثًا أبدًا. ولو لم يستطع رجل آخر هنا أن يقول ذلك، فأنا أجرؤ على أن أقوله، وأعلم أنني أستطيع أن أبرهنه.

إن تجديدي أنا نفسه ثمرة الصلاة، صلاة طويلة محبة حارة لجوجة. صلّى والداي من أجلي! فسمع الله صراخهما، وها أنا هنا أكرز بالإنجيل. ومنذ ذلك الحين أقدمت على أمور كانت تفوق طاقتي بكثير، كما ظننت. لكنني لم أفشل قط، لأنني ألقيت نفسي على الرب. وأنتم تعلمون، بصفتكم كنيسة، أنني لم أتردد في أن أحمل تصورات واسعة لما يمكن أن نعمله لله. وقد أنجزنا كل ما قصدناه. طلبت عون الله ومساعدته ونصرته في كل مشروعاتي الكثيرة! ومع أنني لا أستطيع أن أروي هنا قصة حياتي الخاصة في عمل الله، فإنها لو كُتبت لكانت برهانًا قائمًا على أن هناك إلهًا يستجيب الصلاة!

لقد سمع صلواتي، لا من حين إلى حين، ولا مرة أو مرتين، بل مرات كثيرة حتى صار عادة عندي أن أبسط قضيتي أمام الله وأنا متيقن تمامًا أن كل ما أطلبه من الله سيعطيني إياه. لم يعد الأمر عندي «ربما» أو احتمالًا. أنا أعلم أن ربي يستجيب لي، ولا أجرؤ على الشك! بل يكون ذلك حماقة حقًا لو شككت. وكما أنني متيقن أن قدرًا معيّنًا من قوة الرافعة يرفع ثقلًا، كذلك أعلم أن قدرًا معيّنًا من الصلاة ينال أي شيء من الله. كما تأتي سحابة المطر بالوابل، كذلك تأتي الصلاة بالبركة. وكما ينثر الربيع الأزهار، كذلك تضمن الطلبة المراحم. في كل تعب منفعة، لكن أكثر ما تكون المنفعة في عمل الشفاعة. أنا متيقن من هذا، لأنني حصدته.

وكما أثق بنقود الملكة، ولم يحدث قط أن عجزت عن شراء ما أريد حين أخرج المال، كذلك أضع ثقتي بمواعيد الله، وأنوي أن أبقى على ذلك إلى أن يقول لي ولو مرة واحدة إنها نقود زائفة لا تصلح للتجارة في سوق السماء. لكن لماذا أتكلم؟ أيها الإخوة والأخوات، كلكم تعلمون في أنفسكم أن الله يسمع الصلاة! وإن لم تكونوا تعلمون، فأين مسيحيتكم؟ وأين دينكم؟ ستحتاجون إلى أن تتعلموا أولى مبادئ حق الله، لأن كل القديسين، صغارًا وكبارًا، يعدّون أمرًا أكيدًا أنه يسمع الصلاة!

ومع ذلك، تذكّروا أن الصلاة يجب أن تُقدَّم دائمًا في خضوع لمشيئة الله. حين نقول: «الله يسمع الصلاة»، لا نقصد بذلك أنه يعطينا دائمًا حرفيًا ما نطلبه. لكننا نقصد هذا: أنه يعطينا ما هو خير لنا. وأنه إن لم يعطنا الرحمة التي نطلبها فضةً، فإنه يهبها لنا ذهبًا. وإن لم ينزع الشوكة في الجسد، فإنه يقول: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي»، وهذا ينتهي إلى الشيء نفسه في الآخر. قال اللورد بولينغبروك لكونتيسة هنتنغدون: «لا أستطيع أن أفهم يا سيدتي كيف توفّقين بين الصلاة الحارة والخضوع للمشيئة الإلهية».

فقالت: «يا سيدي اللورد، هذا أمر لا صعوبة فيه. لو كنت من رجال حاشية ملك كريم، وأذن لي أن أطلب منه أي معروف أشاء، لحرصت على أن أصوغ طلبي هكذا: ‹هل يتنازل جلالتكم فيتفضّل بأن يمنحني المعروف الفلاني؟ لكني، مع رغبتي الشديدة فيه، إن كان ينتقص بأي حال من كرامة جلالتكم، أو إن بدا لحكم جلالتكم أن الأفضل ألا أناله، فسأكون راضية تمامًا بأن أبقى بدونه كما لو نلته›. فترى إذن أنني قد أقدّم الطلبة بحرارة، ومع ذلك أتركها بخضوع في يدي الملك».

وهكذا الأمر مع الله. لا نرفع صلاة أبدًا من غير أن ندرج هذا الشرط، إما بالروح وإما بالكلام: «وَلَكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ … لِتَكُنْ لَا إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ». ولا نستطيع أن نصلي بلا «إن» إلا حين نكون متيقنين تمامًا أن مشيئتنا لا بد أن تكون مشيئة الله، لأن مشيئة الله هي مشيئتنا تمامًا. وقد أحسن شاعر كثر الافتراء عليه حين قال: «أيها الإنسان، اعتبر صلواتك قصدًا من المحبة لنفسك، واعدد العناية التي قادتك إليها دليلًا على إرادة الله الصالحة. هكذا تصلي كما ينبغي، وتلقى كلماتك قبولًا. وحين تتشفّع في الآخرين أيضًا، كن شاكرًا لامتلاء صلاتك، فإنك إن كنت مستعدًا أن تسأل، فالرب أكثر من مستعد أن يعطي. الملح يحفظ البحر، والقديسون يسندون الأرض، وصلواتهم هي الألف عمود التي تحمل سقف الطبيعة.

«حقًا، إن ساعة بلا صلاة، من عقل أرضي ما، لكانت لعنة في تقويم الزمان، وبقعة من قتام الظلام. ولعل اليوم الرهيب الذي يتهاوى فيه العالم إلى الخراب يكون يومًا لم تبيّضه صلاة: أفيجد إيمانًا على الأرض؟ فإن للرحمة تدبيرًا، كما للحكمة والقوة والوسائل. ولا تُمنح بركة واحدة من خزانة الخير من غير أن تُطلب، والقلب المحسن للكائن الذي في الاتكال عليه السعادة لا يمنع عطية أبدًا ما دام رعيّته يصلي. نعم، اطلب ما شئت، حتى العرش الثاني في السماء، فهو لك، أنت الذي عُيّن لك. لا حدّ للصلاة، لكن إن كففت عن الطلب فارتعد أيها المخلوق المعلّق عن نفسه، لأن قوتك قد انقطعت كما انقطعت قوة شمشون، وساعة هلاكك قد جاءت».

ثالثًا: آتي إلى نقطتنا الثالثة، التي أراها مملوءة تشجيعًا لكل الذين يمارسون فن الصلاة المقدس، وهي التشجيع للإيمان. «وَأُخْبِرَكَ بِعَظَائِمَ وَعَوَائِصَ لَمْ تَعْرِفْهَا». ولنلاحظ فقط أن هذا قيل أصلًا لنبي في السجن، ولذلك ينطبق أولًا على كل معلّم، بل لما كان كل معلّم لا بد أن يكون متعلّمًا، فله صلة بكل متعلّم في الحق الإلهي.

إن أفضل طريق يعرف به النبي والمعلّم والمتعلّم حقائق الله المذخورة، أي حقائق الله الأسمى والأكثر سرية، هو انتظار الله في الصلاة. لقد لاحظت بوجه خاص جدًا أمس، وأنا أقرأ سفر النبي دانيال، كيف اكتشف دانيال حلم نبوخذنصّر. فالعرّافون والمجوس والمنجّمون من الكلدانيين أخرجوا كتبهم الغريبة وأدواتهم العجيبة المنظر، وأخذوا يتمتمون بطلاسمهم وبكل أنواع التعاويذ الغامضة، لكنهم فشلوا جميعًا.

فماذا فعل دانيال؟ لقد أكبّ على الصلاة، وإذ كان يعلم أن صلاة جماعة متحدة من الناس أقوى غلبة من صلاة واحد، نجد أن دانيال جمع إخوته وطلب منهم أن يتحدوا معه في صلاة حارة لكي يتفضل الله برحمته غير المحدودة فيكشف الرؤيا. «حِينَئِذٍ مَضَى دَانِيآلُ إِلَى بَيْتِهِ، وَأَعْلَمَ حَنَنْيَا وَمِيشَائِيلَ وَعَزَرْيَا أَصْحَابَهُ بِٱلْأَمْرِ، لِيَطْلُبُوا ٱلْمَرَاحِمَ مِنْ قِبَلِ إِلَهِ ٱلسَّمَاوَاتِ مِنْ جِهَةِ هَذَا ٱلسِّرِّ، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ دَانِيآلُ وَأَصْحَابُهُ مَعَ سَائِرِ حُكَمَاءِ بَابِلَ».

وفي حالة يوحنا، الذي كان دانيال العهد الجديد، تذكرون أنه رأى سفرًا في يمين الجالس على العرش، سفرًا مختومًا بسبعة ختوم لم يوجد أحد مستحقًا أن يفتحه أو أن ينظر إليه. فماذا فعل يوحنا؟ لقد فُتح السفر بعد قليل على يد الأسد الذي من سبط يهوذا، الذي غلب ليفتح السفر. لكنه مكتوب أولًا، قبل أن يُفتح السفر: «فَصِرْتُ أَنَا أَبْكِي كَثِيرًا». نعم، ودموع يوحنا، التي كانت صلواته السائلة، كانت، بقدر ما يتعلق الأمر به، المفاتيح المقدسة التي فُتح بها السفر المطوي.

أيها الإخوة في الخدمة، وأنتم المعلّمون في مدرسة الأحد، وجميعكم يا من أنتم متعلّمون في مدرسة المسيح يسوع، أتوسل إليكم أن تذكروا أن الصلاة هي أفضل وسيلة لدرسكم. مثل دانيال ستفهمون الحلم وتعبيره حين تطلبون الله. ومثل يوحنا سترون الختوم السبعة لحق الله الثمين تُحل بعد أن تكونوا قد بكيتم كثيرًا. «إِنْ دَعَوْتَ ٱلْمَعْرِفَةَ، وَرَفَعْتَ صَوْتَكَ إِلَى ٱلْفَهْمِ، إِنْ طَلَبْتَهَا كَٱلْفِضَّةِ، وَبَحَثْتَ عَنْهَا كَٱلْكُنُوزِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُ مَخَافَةَ ٱلرَّبِّ، وَتَجِدُ مَعْرِفَةَ ٱللهِ»

الحجارة لا تتكسر إلا باستعمال المطرقة بجد. وكاسر الحجارة في العادة يجثو على ركبتيه. استعملوا مطرقة الاجتهاد، ولتتمرّن ركب الصلاة أيضًا، فلن تبقى عقيدة صخرية في الوحي يفيدكم أن تفهموها إلا وتتطاير شظايا تحت ممارسة الصلاة والإيمان. «Bene orasse est bene studuisse» قول حكيم للوثر، استُشهد به كثيرًا حتى إننا لا نكاد نجرؤ إلا على أن نلمّح إليه: «أن تكون قد صليت جيدًا هو أن تكون قد درست جيدًا».

تستطيعون أن تشقّوا طريقكم في أي شيء برافعة الصلوات. قد تكون الأفكار والاستدلالات كأسافين الفولاذ التي تفتح طريقًا إلى حق الله، لكن الصلاة هي الرافعة التي تفتح عنوةً الصندوق الحديدي للسر المقدس، لكي نصل إلى الكنز المخبوء هناك للذين يستطيعون أن يشقّوا طريقهم إليه. ما زال ملكوت السماوات يُغصب، والغاصبون يختطفونه. احرصوا على أن تعملوا دائمًا بأداة الصلاة القديرة، فلا يقف أمامكم شيء.

لكن لا يجوز أن نتوقف هنا. لقد طبّقنا النص على حالة واحدة فقط، وهو ينطبق على مئة. ولنفرد حالة أخرى. يمكن للقديس أن يتوقع اكتشاف اختبار أعمق، ومعرفة المزيد عن الحياة الروحية الأسمى، بكثرة الصلاة. لنصي ترجمات مختلفة. ترجمة تقول: «سأريك أمورًا عظيمة وحصينة لم تعرفها». وأخرى تقول: «أمورًا عظيمة ومذخورة لم تعرفها». والحق أن مراحل الحياة الروحية ليست كلها سهلة البلوغ على السواء. هناك الحالات والمشاعر العامة من التوبة والإيمان والفرح والرجاء التي تتمتع بها العائلة كلها، لكن هناك عالمًا أعلى من الانخطاف، ومن الشركة والاتحاد الواعي بالمسيح، أبعد ما يكون عن أن يكون المسكن العام للمؤمنين.

كل المؤمنين يرون المسيح، لكن ليس كل المؤمنين يضعون أصابعهم في أثر المسامير، ولا يضعون أيديهم في جنبه. ليس لنا امتياز يوحنا الرفيع بأن نتكئ على صدر يسوع، ولا امتياز بولس بأن نُختطف إلى السماء الثالثة. في فلك الخلاص نجد طبقة سفلى ووسطى وعليا. الجميع في الفلك، لكن ليس الجميع في الطبقة نفسها. أكثر المسيحيين، من جهة نهر الاختبار، لم يبلغ الماء إلا كعابهم. وآخرون خاضوا حتى صار الماء إلى ركبهم. وقليلون يجدونه إلى صدورهم. وقليلون، آه ما أقلّهم!، يجدونه نهرًا للسباحة لا يستطيعون أن يلمسوا قاعه.

يا إخوتي، هناك مرتفعات في المعرفة الاختبارية لأمور الله لم ترها قط عين النسر الثاقبة، عين الفطنة والفكر الفلسفي. وهناك سبل خفية لم يتعلم شبل الأسد، شبل العقل والحكم، أن يسلكها بعد. الله وحده يستطيع أن يحملنا إلى هناك، لكن المركبة التي يصعدنا فيها، والخيل النارية التي تجر تلك المركبة، هي الصلوات الغالبة. الصلاة الغالبة تنتصر على إله الرحمة. «وَبِقُوَّتِهِ جَاهَدَ مَعَ ٱللهِ. جَاهَدَ مَعَ ٱلْمَلَاكِ وَغَلَبَ. بَكَى وَٱسْتَرْحَمَهُ. وَجَدَهُ فِي بَيْتِ إِيلَ وَهُنَاكَ تَكَلَّمَ مَعَنَا». الصلاة الغالبة تأخذ المسيحي إلى الكرمل، وتمكّنه من أن يغطي السماء بسحب البركة والأرض بفيضانات الرحمة.

الصلاة الغالبة ترفع المسيحي إلى الفسجة وتريه الميراث المحفوظ. نعم، وترفعه إلى تابور وتغيّر هيئته، حتى إنه على شبه ربه: كما هو، هكذا نحن أيضًا! في هذا العالم، إن أردتم أن تبلغوا شيئًا أعلى من الاختبار الزاحف العادي، فانظروا إلى الصخرة التي أعلى منكم، وانظروا بعين الإيمان من نوافذ الصلاة اللجوجة. فلكي تنموا في الاختبار، لا بد من صلاة كثيرة.

لا بد أن تصبروا عليّ قليلًا وأنا أطبّق هذا النص على حالتين أو ثلاث أخرى. إنه صادق بلا شك في حق المتألم تحت التجربة: إن انتظر الله في الصلاة فسينال نجاة أعظم بكثير مما حلم به قط، «بِعَظَائِمَ وَعَوَائِصَ لَمْ تَعْرِفْهَا». وهذه شهادة إرميا: «دَنَوْتَ يَوْمَ دَعَوْتُكَ. قُلْتَ: ‹لَا تَخَفْ!›. خَاصَمْتَ يَا سَيِّدُ خُصُومَاتِ نَفْسِي. فَكَكْتَ حَيَاتِي». وشهادة داود هي نفسها: «مِنَ ٱلضِّيقِ دَعَوْتُ ٱلرَّبَّ فَأَجَابَنِي مِنَ ٱلرُّحْبِ. … أَحْمَدُكَ لِأَنَّكَ ٱسْتَجَبْتَ لِي وَصِرْتَ لِي خَلَاصًا».

ومرة أخرى أيضًا: «فَصَرَخُوا إِلَى ٱلرَّبِّ فِي ضِيقِهِمْ، فَأَنْقَذَهُمْ مِنْ شَدَائِدِهِمْ، وَهَدَاهُمْ طَرِيقًا مُسْتَقِيمًا لِيَذْهَبُوا إِلَى مَدِينَةِ سَكَنٍ». قالت المرأة المسكينة: «زَوْجِي قَدْ مَاتَ… فَأَتَى ٱلْمُرَابِي لِيَأْخُذَ وَلَدَيَّ لَهُ عَبْدَيْنِ». وكانت ترجو أن يقول لها إيليا: «كم ديونك؟ أنا أوفيها». لكنه بدلًا من ذلك كثّر زيتها حتى كُتب: «ٱذْهَبِي… وَأَوْفِي دَيْنَكِ، وَ»، وما هذه «الواو»؟ «عِيشِي أَنْتِ وَبَنُوكِ بِمَا بَقِيَ». وهكذا يحدث كثيرًا أن الله لا يعين شعبه في مواضع الطريق الموحلة فحسب، حتى يقفوا بالكاد على الضفة الأخرى من المستنقع، بل يحملهم سالمين شوطًا بعيدًا في رحلتهم.

كانت تلك معجزة رائعة حين جاء يسوع المسيح ماشيًا على البحر في وسط العاصفة! فقبله التلاميذ في السفينة، ولم يهدأ البحر فحسب، بل مدوَّن: «وَلِلْوَقْتِ صَارَتِ ٱلسَّفِينَةُ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِي كَانُوا ذَاهِبِينَ إِلَيْهَا». تلك كانت رحمة فوق ما طلبوه. وأنا أسمعكم أحيانًا تصلّون مستعملين اقتباسًا ليس في الكتاب المقدس: «القادر أن يفعل أكثر جدًا مما نستطيع أن نطلب أو حتى نفتكر». ليس هذا مكتوبًا هكذا في الكتاب المقدس. ولست أعرف ما الذي نستطيع أن نطلبه أو ما الذي نستطيع أن نفتكر فيه. لكنه مقول: «ٱلْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ».

فلنقل إذن، أيها الأصدقاء الأعزاء، حين نكون في تجربة عظيمة: «ها أنا الآن في السجن. سأصلي كما صلّى إرميا، لأن لي أمر الله بأن أفعل ذلك. وسأترقّب كما ترقّب، منتظرًا أن يريني مراحم مذخورة لا أعرف عنها شيئًا الآن». إنه لن يُخرج شعبه من المعركة فحسب، ساترًا رؤوسهم فيها، بل سيُخرجهم والرايات خافقة ليقسموا الغنيمة مع الأقوياء ويطالبوا بنصيبهم مع العظماء! انتظروا أمورًا عظيمة من إله يعطي مواعيد عظيمة كهذه!

ثم إن هنا تشجيعًا للعامل. أكثركم يعملون شيئًا للمسيح. ويسعدني أن أستطيع قول هذا، وأنا أعلم أني لا أتملّقكم. أيها الأصدقاء الأعزاء، انتظروا الله كثيرًا في الصلاة، فلكم الوعد بأنه سيعمل لكم أمورًا أعظم مما تعرفون. نحن لا نعلم كم في داخلنا من طاقة على النفع. ذلك اللحي، لحي الحمار، الملقى هناك على الأرض، ماذا يستطيع أن يفعل؟ لا أحد يعلم ماذا يستطيع أن يفعل. ثم يصير في يدي شمشون، فما الذي لا يستطيع أن يفعله؟ لا أحد يعلم ما الذي يعجز عنه الآن وقد صار شمشون يلوّح به! وأنت، يا صديقي، كثيرًا ما حسبت نفسك حقيرًا كذلك العظم، وقلت: «ماذا أستطيع أن أفعل؟» نعم، لكن حين يمسك بك المسيح بروحه، فما الذي لا تستطيع أن تفعله؟

حقًا يمكنك أن تتبنّى لغة بولس فتقول: «أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي ٱلْمَسِيحِ ٱلَّذِي يُقَوِّينِي». ومع ذلك، لا تتكل على الصلاة من غير جهد. كانت في إحدى المدارس بنت تعرف الرب. كانت طفلة ممتلئة نعمة جدًا، بسيطة القلب، واثقة. وكالعادة نمت النعمة الإلهية في الطفلة بحسب موضع الطفلة. فكانت دروسها دائمًا أحسن ما يُسمَّع في الصف. فقالت لها بنت أخرى: «كيف تُسمّعين دروسك دائمًا بهذا الإتقان؟» فقالت: «أصلي إلى الله أن يعينني على أن أتعلم درسي». ففكّرت الأخرى: «حسنًا، إذن سأفعل الشيء نفسه». وفي الصباح التالي، حين وقفت في الصف، لم تكن تعرف شيئًا. ولما وقعت في الخزي اشتكت إلى الأخرى: «صلّيت إلى الله أن يعينني على أن أتعلم درسي، ولا أعرف منه شيئًا. فما نفع الصلاة؟»

«ولكن هل جلستِ وحاولتِ أن تتعلميه؟» فقالت: «آه، لا، لم أنظر إلى الكتاب قط». فقالت الأخرى: «آه، إذن! أنا طلبت من الله أن يعينني على أن أتعلم درسي، ثم جلست إليه باجتهاد وثابرت عليه حتى عرفته جيدًا، فتعلمته بسهولة، لأن رغبتي الحارة التي عبّرت عنها لله كانت: أعنّي على أن أجتهد في السعي إلى أداء واجبي». وهكذا الحال مع بعض الذين يأتون إلى اجتماعات الصلاة ويصلّون، ثم يطوون أذرعهم وينصرفون راجين أن يتقدم عمل الله. مثل تلك المرأة السوداء التي كانت ترنّم: «طر بعيدًا أيها الإنجيل القدير»، ولكنها لم تضع قرشًا في الصحن، حتى لمستها صديقتها وقالت: «ولكن كيف يطير إن لم تعطيه جناحين يطير بهما؟»

هناك كثيرون يبدون أقوياء جدًا في الصلاة، عجيبين في الطلبات! لكنهم بعد ذلك يطلبون من الله أن يعمل ما يستطيعون هم أن يعملوه بأنفسهم، ولذلك لا يعمل الله لهم شيئًا على الإطلاق. قال أعرابي مرة لمحمد: «سأترك ناقتي غير معقولة وأتوكّل على العناية الإلهية». فقال محمد: «اعقلها، ثم توكّل على العناية الإلهية». فأنتم الذين تقولون: «سأصلي وأترك كنيستي أو صفّي أو عملي لصلاح الله»، اسمعوا بالحري صوت الاختبار والحكمة القائل: «ابذل أقصى ما عندك. اعمل كأن كل شيء يتوقف على تعبك، كأن سعيك أنت هو الذي يأتي بخلاصك. وحين تكون قد عملت كل شيء، فألقِ نفسك عليه، هو الذي بدونه باطل أن تبكّر إلى القيام وتؤخّر الجلوس وتأكل خبز الهموم. وإن أنجحك فأعطه الحمد».

لن أحبسكم دقائق كثيرة بعد، لكني أريد أن ألاحظ أن هذا الوعد ينبغي أن يكون نافعًا لتعزية الذين يتشفّعون في الآخرين. أنتم الذين تدعون الله أن يخلّص أولادكم، وأن يبارك جيرانكم، وأن يذكر أزواجكم أو زوجاتكم بالرحمة، يمكنكم أن تتعزّوا بهذا! «وَأُخْبِرَكَ بِعَظَائِمَ وَعَوَائِصَ لَمْ تَعْرِفْهَا». كان خادم مشهور في القرن الماضي، هو السيد بيلي، ابنًا لأم تقية. وكانت هذه الأم قد كادت تكف عن الصلاة من أجل زوجها، وكان رجلًا من أشد الناس فجورًا ومضطهِدًا مريرًا.

وصلّت الأم من أجل ابنها، وبينما كان بعد في الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمره، لاقته الرحمة الأبدية. وكان الطفل قد تعلّم أمور ملكوت الله تعليمًا عذبًا حتى إن أمه طلبت منه، وظل يفعل ذلك مدة من الزمن، أن يقود الصلاة العائلية في البيت. فصباحًا ومساءً كان هذا الصغير يفتح الكتاب المقدس. ومع أن الأب كان يأنف من أن يبقى للصلاة العائلية، فقد تملّكه الفضول مرة ليعرف «ماذا سيصنع الولد منها»، فوقف في الجهة الأخرى من الباب، فبارك الله صلاة ابنه، الذي لم يبلغ الثالثة عشرة من عمره، لتجديده!

وقالت الأم: «كان يحق لي أن أقرأ نصّي بعينين دامعتين وأقول: ‹نعم يا رب، لقد أريتني أمورًا عظيمة وعويصة لم أعرفها! لم تخلّص ابني فقط، بل أتيت بزوجي إلى الحق بواسطة ابني›». لا تستطيعون أن تخمّنوا إلى أي حد سيبارككم الله! اذهبوا فقط وقفوا عند بابه، فلا تستطيعون أن تعرفوا ما هو مذخور لكم. إن لم تستعطوا أبدًا فلن تنالوا شيئًا. لكن إن استعطيتم، فقد لا يعطيكم العظام وفتات الطعام فحسب، بل قد يقول للخادم عند مائدته: «خذ ذلك الطعام الشهي وضعه أمام هذا المسكين».

ذهبت راعوث لتلتقط. كانت تتوقع أن تنال بضع سنابل جيدة، لكن بوعز قال: «دَعُوهَا تَلْتَقِطْ بَيْنَ ٱلْحُزَمِ أَيْضًا وَلَا تُؤْذُوهَا». وقال لها أيضًا: «عِنْدَ وَقْتِ ٱلْأَكْلِ تَقَدَّمِي إِلَى هَهُنَا وَكُلِي مِنَ ٱلْخُبْزِ، وَٱغْمِسِي لُقْمَتَكِ فِي ٱلْخَلِّ». لقد وجدت زوجًا حيث لم تكن تتوقع أن تجد إلا حفنة من الشعير. وهكذا في الصلاة من أجل الآخرين، قد يعطينا الله مراحم تدهشنا، إذ لم نكن نتوقع إلا القليل. اسمعوا ما قيل عن أيوب وتعلّموا درسه. قال الرب: «وَعَبْدِي أَيُّوبُ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ، لِأَنِّي أَرْفَعُ وَجْهَهُ لِئَلَّا أَصْنَعَ مَعَكُمْ حَسَبَ حَمَاقَتِكُمْ، لِأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ ٱلصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ … وَرَدَّ ٱلرَّبُّ سَبْيَ أَيُّوبَ لَمَّا صَلَّى لِأَجْلِ أَصْحَابِهِ، وَزَادَ ٱلرَّبُّ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لِأَيُّوبَ ضِعْفًا.»

والآن هذه الكلمة أختم بها. بعضكم يطلبون تجديد نفوسهم. لقد أحياكم الله لصلاة جادة من أجل نفوسكم. لا ترضون بأن تذهبوا إلى الجحيم. تريدون السماء. تريدون أن تُغسلوا في الدم الكريم، تريدون الحياة الأبدية. أيها الأصدقاء الأعزاء، أتوسل إليكم أن تأخذوا هذا النص، فالله نفسه يقوله لكم: «اُدْعُنِي فَأُجِيبَكَ وَأُخْبِرَكَ بِعَظَائِمَ وَعَوَائِصَ لَمْ تَعْرِفْهَا». خذوا الله بكلمته في الحال. اذهبوا إلى البيت، ادخلوا مخدعكم وأغلقوا الباب وجرّبوه!

أيها الشاب، أقول لك: جرّب الرب! أيتها الشابة، امتحنيه، وانظري هل هو صادق أم لا! إن كان الله صادقًا، فلا يمكنكم أن تطلبوا الرحمة من يديه بيسوع المسيح وتنالوا جوابًا بالرفض. لا بد أن يفتح، لأن وعده وصفته يلزمانه بذلك، باب الرحمة لكم يا من تقرعون بكل قلوبكم! ليعنكم الله، وأنتم مؤمنون بالمسيح يسوع، على أن تصرخوا بصوت عالٍ إلى الله، فجواب سلامه في الطريق الآن لملاقاتكم! ستسمعونه يقول: «خطاياك الكثيرة كلها مغفورة». ليبارككم الرب من أجل محبته. آمين.

[ملاحظة: في عظة سابقة، بينما كنا نشجب ضلال «عدم اعتراف المؤمنين بالخطية»، نسبنا خطأً تلك البدعة الفادحة إلى الإخوة البليموثيين. وقد علمنا منذ ذلك الحين أن الأشخاص الذين أشرنا إليهم قد طُردوا من تلك الجماعة، ولذلك نرغب في تبرئة هذه الجماعة من خطأ ليست مذنبة به. ونأسف لأننا وجّهنا هذه التهمة، إذ إننا أبعد ما نكون عن الرغبة في أن نتكلم بالسوء على أحد، لكننا لم نكن على علم بطرد الأشخاص المذنبين.]

صفحة 1 / 1 · 26 دقيقة متبقية في الفصل
السابق التالي