قوة عظيمة في الصلاة
الصلاة علاج الهمّ

فصل 12 · قراءة 26 د · استماع 34 د

الصلاة علاج الهمّ

«لَا تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِٱلصَّلَاةِ وَٱلدُّعَاءِ مَعَ ٱلشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى ٱللهِ. وَسَلَامُ ٱللهِ ٱلَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ.» فيلبي 4:6-7.

لنا مَلَكة التبصّر في العواقب، لكنها، ككل ملكاتنا، قد فسدت، وكثيرًا ما يُساء استعمالها. حسنٌ أن يكون للإنسان اهتمام مقدّس، وأن يولي كل تفصيل من تفاصيل حياته ما يستحق من انتباه؛ ولكن، وا أسفاه، ما أسهل أن نحوّل هذا الاهتمام إلى همّ غير مقدّس، وأن نحاول أن ننتزع من يد الله عمل العناية الإلهية الذي هو له لا لنا! كم كان لوثر يحب أن يتحدث عن الطيور وعن كيف يعتني الله بها! فحين كانت الهموم تملؤه، كان كثيرًا ما يغبط الطيور لأنها تحيا حياة حرة سعيدة إلى هذا الحد. وهو يتكلم عن الدكتور عصفور والدكتور سُمنة وغيرهما ممن كانوا يأتون فيحدّثون الدكتور لوثر ويخبرونه بأمور حسنة كثيرة! أنتم تعلمون، أيها الإخوة والأخوات، أن الطيور الطليقة هناك في الفضاء، التي يعتني بها الله، أحسن حالًا بكثير من تلك التي يعتني بها الإنسان. ذهبت طفلة صغيرة من لندن إلى الريف، فقالت مرة: «انظري يا أمي إلى هذا العصفور الصغير المسكين، ليس له قفص!» أما أنا فما كان ليخطر لي أن ذلك خسارة للعصفور؛ ولو كنا، أنتم وأنا، بلا قفصنا، وبلا علبة الحَبّ وكأس الماء، لما كانت خسارة تُذكر لو أُطلقنا في الحرية المجيدة لحياة اتكال متواضع على الله!

إن ذلك القفص، قفص الاتكال الجسدي، وتلك العلبة من الحَبّ التي نكدّ دائمًا لنملأها، هما ما يصنع عناء هذه الحياة الفانية. أما من نال نعمة ليبسط جناحيه ويحلّق بعيدًا، ويبلغ الحقل الرحب، حقل الثقة بالله، فيمكنه أن يغني النهار كله، ويكون له دائمًا هذا اللحن:

«أيها الفاني، كف عن الكد والحزن؛ فالله يدبر أمر الغد.»

هذا إذن هو تعليم النص: «لَا تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ». والكلمة التي تقابل ‹تهتموا› في الترجمة الإنجليزية لم تعد تعني اليوم تمامًا ما كانت تعنيه حين تُرجم الكتاب المقدس؛ أو على الأقل صارت تحمل لي معنى غير الذي حملته للمترجمين. فأنا أقول إن علينا أن نكون حريصين منتبهين. «كن منتبها» درس جيد للصبيان والشبان وهم يبدؤون حياتهم؛ أما بالمعنى الذي فُهمت به الكلمة في زمن المترجمين، أي أن يكون المرء «ممتلئا هما»، فلا ينبغي أن نكون كذلك. فالنص يعني: لا تكونوا قلقين، ولا تظلوا تفكرون دائمًا في حاجات هذه الحياة الفانية. سأقرؤه مرة أخرى، وأمدّ الكلمة قليلًا، فتدركون معناه: «لا تمتلئوا هما من جهة شيء». ليت الله يعلّمنا كيف نتجنب الشر المنهيّ عنه هنا، وكيف نحيا ذلك الخلوّ المقدّس من الهمّ الذي هو جمال الحياة المسيحية بعينه، حين نُلقي همّنا كله على الله، ونستطيع أن نبتهج ونفرح بعنايته الإلهية بنا!

يقول أحدهم: «آه، لا أستطيع إلا أن أهتم.» حسنًا، إن موضوع الليلة هو أن يساعدك على الكفّ عن الهمّ والقلق. فتأمل هنا أولًا البديل عن الهمّ: لا تهتموا بشيء، بل صلّوا من أجل كل شيء؛ هذا هو البديل عن الهمّ: «بِٱلصَّلَاةِ وَٱلدُّعَاءِ». وثانيًا، لاحظ الطابع الخاص لهذه الصلاة التي ينبغي أن تحلّ محلّ القلق: «فِي كُلِّ شَيْءٍ بِٱلصَّلَاةِ وَٱلدُّعَاءِ مَعَ ٱلشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى ٱللهِ». ثم أرجو أن تبقى لنا دقائق قليلة نتأمل فيها الأثر العذب لهذه الصلاة: «سَلَامُ ٱللهِ ٱلَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ».

أولًا: لنبدأ إذن بالأمر الأول هنا، وهو البديل عن الهمّ أو القلق.

أظن أنه يصدق على كثيرين منا أن همومنا كثيرة. فإن صرتَ مرةً مهمومًا، قلقًا، متبرّمًا، فلن تستطيع أن تحصي همومك، ولو استطعت أن تحصي شعر رأسك. والهموم من شأنها أن تتكاثر على

الممتلئين همًّا؛ وحين تكون ممتلئًا همًّا إلى أقصى ما تظن أنك تحتمل، فلا بد أن ينبت حولك من كل جانب محصول آخر من الهموم. إن الاسترسال في عادة القلق الشريرة هذه يقود إلى أن تتسلط على الحياة، حتى لا تعود الحياة جديرة بأن تُعاش بسبب ما نحمله من همّ بشأنها. الهموم كثيرة، فلتكن صلواتكم إذن كثيرة مثلها. حوّل كل ما هو همّ إلى صلاة. لتكن همومك المادة الخام لصلواتك؛ وكما كان الخيميائيون يرجون أن يحوّلوا الخبث إلى ذهب، كذلك أنت، بخيمياء مقدسة، تحوّل فعلًا ما كان بطبيعته سيصير همًّا إلى كنز روحي في صورة صلاة! عمّد كل قلق باسم الآب والابن والروح القدس، وهكذا اجعله بركة!

أعندك همّ أن تكسب؟ احذر أن يكسبك هو! أتريد أن تربح؟ انتبه لئلا تخسر بأرباحك أكثر مما تربح. أتوسل إليكم ألا يكون لكم من همّ الربح أكثر مما تجرؤون أن تحوّلوه إلى صلاة! لا تشتهِ أن تنال ما لا تجرؤ أن تطلب من الله أن يعطيك إياه. قِس رغباتك بمقياس روحي، فتُحفظ هكذا من كل ما يشبه الطمع. وتأتي الهموم إلى كثيرين من خسائرهم، إذ يخسرون ما كانوا قد ربحوه. حسنًا، هذا عالم من طبعه الخسارة. يعقب الجزرُ المدَّ، ويسحق الشتاءُ أزهار الصيف. فلا تتعجب إن خسرت كما يخسر غيرك من الناس، بل صلِّ من أجل خسائرك. اذهب بها إلى الله، وبدل أن تتبرّم، اجعلها مناسبة لانتظار الرب، وقل: «ٱلرَّبُّ أَعْطَى وَٱلرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ ٱسْمُ ٱلرَّبِّ مُبَارَكًا». «فَهِّمْنِي لِمَاذَا تُخَاصِمُنِي». «ونج عبدك، أطلب إليك، من أن يتذمر عليك في أي حال، مهما سمحت لي أن أخسر!»

ربما تقول إن همّك ليس بشأن ربحك ولا خسارتك، بل بشأن خبزك اليومي. آه، حسنًا، لك مواعيد من أجل ذلك، كما تعلم! فقد قال الرب: «فتسكن الأرض، وتنال قوتك بلا ريب». وهو يمنحك تشجيعًا عذبًا حين يقول إنه يُلبس عشب الحقل، أفلا يُلبسك أنت بالحري جدًّا، يا قليل الإيمان؟ والرب يسوع يدعوك أن تتأمل طيور السماء كيف لا تزرع ولا تجمع إلى مخازن، وأبوك السماوي يقوتها. فاذهب إذن إلى إلهك بكل همومك! إن كانت لك عائلة كبيرة ودخل ضئيل، وتعاني الأمرّين لتسدّ حاجتك وتعتني بأمور حسنة قدام جميع الناس، فلك بذلك أعذار كثيرة لتقرع باب الله، وأسباب أكثر لتوجد مرارًا عند عرش النعمة! أتوسل إليكم أن تستثمروها حسنًا. أنا أشعر بالحرية في أن أزور صديقًا حين يكون لي معه شأن حقيقي، ولك أن تتجاسر فتأتي إلى الله حين تضغط عليك الحاجات. فبدل أن تهتم بشيء بهمّ قلق، اجعله على الفور سببًا لتجديد روح الصلاة.

يقول أحدهم: «آه، ولكني في حيرة، لا أعرف ماذا أفعل.» حسنًا يا صديقي العزيز، ينبغي لك قطعًا أن تصلي حين لا تستطيع أن تعرف أهو الطريق الأيمن أم الأيسر أم المستقيم، أم أن عليك أن ترجع! بل حين تكون في ضباب كثيف لا ترى فيه المصباح التالي، فذلك هو الوقت الذي ينبغي أن تصلي فيه. سينجلي الطريق أمامك فجأة. كثيرًا ما اضطُررت أنا نفسي أن أجرّب هذه الطريقة، وأشهد أنني حين اتكلت على نفسي كنت أحمق عملاقًا! أما حين اتكلت على الله، فقد قادني مستقيمًا في الطريق الصحيح، ولم يكن في ذلك خطأ! وأعتقد أن أولاد الله كثيرًا ما يرتكبون في الأمور البسيطة أخطاء أكبر مما يرتكبون في الأمور الأصعب. تعلمون ما جرى لإسرائيل حين جاء أولئك الجبعونيون بنعالهم وثيابهم البالية، وأروهم الخبز اليابس المتفتت الذي قالوا إنهم أخذوه ساخنًا من أفرانهم. فقال بنو إسرائيل في أنفسهم: «هذه قضية واضحة. هؤلاء غرباء، جاؤوا من أرض بعيدة، فلنا أن نقطع معهم عهدا.» كانوا موقنين أن شهادة عيونهم تثبت أن هؤلاء ليسوا كنعانيين، فلم يسألوا الله! بدا الأمر كله واضحًا جدًّا، فقطعوا عهدًا مع الجبعونيين، فصار ذلك متاعب لهم كل أيامهم بعد ذلك! لو ذهبنا إلى الله بالصلاة في كل شيء، لما قادتنا حيرتنا إلى أخطاء أكثر مما تقودنا إليه بساطة الأمور؛ ولكنا في الأمور البسيطة والصعبة على السواء مقودين من العليّ.

وربما يقول صديق آخر: «ولكني أفكر في المستقبل.» أحقًّا؟ حسنًا، أسمح لنفسي أولًا أن أسألك: ما شأنك أنت بالمستقبل؟ أتعلم ماذا يلده يوم؟ لقد كنت تفكر فيما سيصير إليه أمرك حين تشيخ، ولكن أأنت واثق أنك ستشيخ أصلًا؟ عرفت امرأة مسيحية كانت تقلق نفسها بشأن كيف سيتدبرون دفنها. هذه المسألة لم تزعجني قط، وهناك أمور كثيرة غيرها لا حاجة بنا أن نقلق أنفسنا بشأنها. يمكنك دائمًا أن تجد عصا تضرب بها كلبًا، وإن احتجت إلى همّ، فإنك تجد عادةً همًّا تضرب به نفسك! لكن هذا شغل بائس لأيٍّ منكم. فبدل ذلك، حوّل كل ما يمكن أن يكون موضوعًا للهمّ إلى موضوع للصلاة. لن يطول الوقت حتى يكون لك موضوع همّ، فلن تبقى طويلًا بلا موضوع صلاة. اشطب كلمة «هم» واكتب مكانها كلمة «صلاة»، وحينئذ، وإن كانت همومك كثيرة، فستكون صلواتك كثيرة أيضًا.

ولاحظوا بعد ذلك، أيها الأصدقاء الأعزاء، أن الهمّ الزائد تعدٍّ على دائرة الله. إنه أن تجعل نفسك ربّ البيت بدل أن تكون ابنًا فيه؛ وأن تجعل نفسك السيد بدل أن تكون خادمًا يدبّر له سيده طعامه. فإن حوّلت الهمّ إلى صلاة بدل ذلك، فلن يكون هناك تعدٍّ، لأنك تستطيع أن تأتي إلى الله بالصلاة دون أن تُتّهم بالتجاسر. إنه يدعوك أن تصلي. بل إنه هنا، على لسان خادمه، يأمرك: «فِي كُلِّ شَيْءٍ بِٱلصَّلَاةِ وَٱلدُّعَاءِ مَعَ ٱلشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى ٱللهِ». ثم إن الهموم، مرة أخرى، لا نفع لنا منها، بل تُلحق بنا ضررًا بالغًا. لو قلقت ما شئت أن تقلق، لما استطعت أن تزيد قامتك شبرًا، ولا أن تُنبت شعرة أخرى في رأسك، ولا أن تجعل شعرة واحدة بيضاء أو سوداء! هكذا يخبرنا المخلّص، ويسأل: إن كان الهمّ يعجز في هذه الأمور الصغيرة، فماذا يستطيع الهمّ أن يفعل في أمور العناية الإلهية الأسمى؟ لا يستطيع شيئًا! وقف مزارع في حقوله وقال: «لا أدري ما الذي سيحل بنا جميعا. سيتلف القمح إن استمر هذا المطر. لن يكون لنا حصاد على الإطلاق ما لم يأتنا طقس صحو.» وأخذ يذرع المكان جيئة وذهابًا، يفرك يديه، متبرّمًا، مكدّرًا أهل بيته كلهم. ولم يُخرج بكل قلقه شعاعًا واحدًا من نور الشمس؛ ولم يستطع أن ينفخ سحابة واحدة بكل كلامه النزق، ولا أن يوقف قطرة مطر واحدة بكل تذمّره.

فما الفائدة إذن من أن تظل تنهش قلبك، وأنت لا تجني من ذلك شيئًا؟ ثم إنه يُضعف قدرتنا على أن نعين أنفسنا، ولا سيما قدرتنا على أن نمجّد الله. فالقلب الممتلئ همًّا يعوقنا عن الحكم الصائب في أمور كثيرة. كثيرًا ما استعملت هذا التشبيه (ولا أعرف أفضل منه): أن نأخذ منظارًا ونتنفس عليه بأنفاس قلقنا الحارة، ثم نضعه على عيننا ونقول إننا لا نرى شيئًا سوى السحب! طبعًا لا نرى، ولن نرى ما دمنا نتنفس عليه. لو كنا هادئين ساكنين، مالكين أنفسنا ومملوكين لله، لفعلنا الصواب. ولكنا، كما يقال، حاضرين بكل كياننا في وقت الضيق. إن الإنسان الذي له حضور الله يمكنه أن يتوقع أن يكون له حضور الذهن. فإن نسينا أن نصلي، أتتعجبون أننا نصير في اضطراب وقلق، فنفعل أول ما يخطر لنا، وهو في الغالب أسوأ الأمور، بدل أن ننتظر حتى نرى ما ينبغي فعله، ثم نفعله بثقة وإيمان كما أمام الله؟ إن الهمّ، أو القلق، مؤذٍ؛ أما إن حوّلت هذا الهمّ إلى صلاة، فسيصير كل قلق نفعًا لك.

الصلاة مادة عجيبة لبناء الصرح الروحي. فنحن أنفسنا نُبنى بالصلاة. نحن ننمو في النعمة بالصلاة؛ وإن كنا نأتي إلى الله كل لحظة بالطلبات، فسنكون مسيحيين ينمون بسرعة! قلت لإحداهن هذا الصباح: «صلي من أجلي، فهذا وقت حاجة»، فأجابت: «لم أفعل شيئا غير ذلك منذ استيقظت.» وطلبت الطلب نفسه من آخرين عدة، فقالوا إنهم كانوا يصلّون من أجلي. ففرحت كثيرًا، لا من أجل نفسي فحسب، إذ نلت نفعًا من صلواتهم، بل من أجلهم هم أيضًا، لأنهم لا بد أن ينموا بذلك! حين تظل صغار الطيور تخفق بأجنحتها، فإنها تتعلم الطيران. ستشتد عضلاتها، وتغادر العش عن قريب. ذلك الخفق بالأجنحة نفسه تعليم؛ وكذلك محاولة الصلاة، والأنين، والتنهد، والصراخ الصادر عن روح مصلّية، هو في ذاته بركة! فكفّوا إذن عن عادة القلق المؤذية هذه، والتزموا عادة الصلاة المُغنية هذه! وانظروا كيف تربحون بذلك ربحًا مضاعفًا: أولًا بتجنّب خسارة، وثانيًا بنيل ما ينفعك حقًّا وينفع الآخرين أيضًا!

ثم إن الهموم، مرة أخرى، ناتجة عن نسيان قرب المسيح منا. هل لاحظتم كيف يجري سياق الكلام؟ «اَلرَّبُّ قَرِيبٌ. لَا تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ». لقد وعد الرب يسوع المسيح أن يأتي ثانية، وقد يأتي الليلة. في أي لحظة قد يظهر! لذلك يكتب بولس: «اَلرَّبُّ قَرِيبٌ. لَا تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِٱلصَّلَاةِ وَٱلدُّعَاءِ مَعَ ٱلشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى ٱللهِ». آه، لو استطعنا أن نقف على هذه الأرض كأنها مجرد ظل! لو استطعنا أن نحيا كمن سيفرغون قريبًا من هذه الحياة الزائلة المسكينة! لو أمسكنا كل شيء أرضي بيد رخوة جدًّا، لما كنا نهتم ونقلق ونتبرّم، بل لاتجهنا إلى الصلاة، لأننا بذلك نمسك بالحقيقي الراسخ، ونثبّت أقدامنا على غير المنظور، الذي هو، في النهاية، الأبدي! آه، أيها الأصدقاء الأعزاء، ليسقط النص الذي قرأته عليكم مرة بعد مرة في قلوبكم الآن كما تسقط حصاة في بحيرة جبلية، وحين يدخل، ليصنع دوائر من التعزية على سطح نفوسكم!

ثانيًا: والآن نحتاج أن ننظر في النص عن كثب أكثر قليلًا، لنرى، في المقام الثاني، الطابع الخاص لهذه الصلاة. ما نوع الصلاة التي تريحنا من الهمّ؟

حسنًا، إنها أولًا صلاة تتناول كل شيء. «فِي كُلِّ شَيْءٍ» «لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى ٱللهِ». يمكنك أن تصلي من أجل أصغر الأمور ومن أجل أعظمها؛ فلا تصلي فقط من أجل الروح القدس، بل يمكنك أن تصلي من أجل زوج جديد من الأحذية. يمكنك أن تذهب إلى الله بشأن الخبز الذي تأكله، والماء الذي تشربه، والثوب الذي تلبسه، وتصلي إليه من أجل كل شيء. لا ترسم خطًّا وتقول: «إلى هنا يكون الأمر تحت رعاية الله.» يا لَلعجب، فماذا ستفعل إذن ببقية حياتك؟ أتُعاش تحت لفحة نوع من الإلحاد تذبل بها؟ حاشا! ليتنا نحيا في الله بكياننا كله، لأن كياننا من طبيعة لا نستطيع تقسيمها! جسدنا ونفسنا وروحنا واحد؛ وما دام الله يُبقينا في هذا العالم، ولنا حاجات تنشأ من حال أجسادنا،

فلا بد أن نأتي بحاجاتنا الجسدية أمام الله في الصلاة. وستجد أن الإله العظيم يسمعك في هذه الأمور. لا تقل إنها أصغر من أن يلتفت إليها؛ فكل شيء صغير بالمقارنة معه! حين أفكر في عظمة إلهنا، يبدو لي أن عالمنا الصغير المسكين هذا ليس إلا حبة رمل تافهة على شاطئ الكون، لا تستحق أي التفات على الإطلاق. الأرض كلها مجرد ذرّة في عالم الطبيعة الكبير؛ فإن تنازل الله ليعتني بها، فلا عجب أن ينحني أكثر قليلًا ويعتني بنا! وهو يفعل ذلك، لأنه يقول: «حَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ». لذلك، في كل شيء لتُعلم طلباتكم لدى الله.

والصلاة التي تنقذنا من الهمّ صلاة متكررة: «فِي كُلِّ شَيْءٍ بِٱلصَّلَاةِ وَٱلدُّعَاءِ». صلِّ إلى الله ثم صلِّ مرة أخرى: «بِٱلصَّلَاةِ وَٱلدُّعَاءِ». إن لم يستجب لك الرب في المرة الأولى، فكن شاكرًا جدًّا لأن لك سببًا وجيهًا لتصلي ثانية! وإن لم يمنحك طلبتك في المرة الثانية، فآمن أنه يحبك كثيرًا حتى إنه يريد أن يسمع صوتك مرة أخرى! وإن أبقاك منتظرًا حتى تذهب إليه سبع مرات، فقل لنفسك: «الآن أعلم أني أعبد إله إيليا، لأن إله إيليا تركه يذهب سبع مرات قبل أن تعطى البركة.» احسب ذلك كرامة أن يُسمح لك أن تصارع ملاك الله! هكذا يصنع الله رؤساءه! ما كان يعقوب ليصير إسرائيل لو نال البركة من الملاك عند أول طلب؛ لكنه حين اضطر أن يظل يصارع حتى غلب، صار رئيسًا عند الله! إن الصلاة التي تقتل الهمّ هي الصلاة المستمرة اللجوجة.

ثم إنها صلاة واعية: «لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى ٱللهِ». سمعت عن مسلم كان يقضي، على ما أظن، ست ساعات في الصلاة كل يوم؛ ولئلا يغلبه النوم وهو على ظهر سفينة، كان يقف منتصبًا، وليس له إلا حبل مشدود أمامه يستند إليه، فإن نام سقط. كان هدفه أن يواظب ست ساعات على ما يسميه صلاة. فقلت لأحد الذين عرفوه، ورأوه على متن قاربه في النيل: «حسنا، وأي صلاة كانت تلك؟» فأجابني صديقي: «كان يكرر: ‹لا إله إلا الله، ومحمد رسول الله›، الشيء نفسه مرة بعد مرة بعد مرة.» قلت: «وهل كان يطلب شيئا؟» «كلا!» «وهل كان يتوسل إلى الله أن يعطيه شيئا؟» «كلا، كان يواظب فقط على ترديد كلمات بعينها ترديدا لا ينقطع، كما قد تردد ساحرة تعويذة.»

أتظنون أن في هذا النمط من الصلاة شيئًا؟ إن جثوت على ركبتيك ورددت صيغة معينة فحسب، فلن تكون إلا ملء فم من الكلمات. وما شأن الله بهذا النوع من الصلاة؟ «لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى ٱللهِ». هذه هي الصلاة الحقيقية! الله يعرف طلباتك، لكن عليك أن تصلي إليه كأنه لا يعرف. عليك أن تُعلم طلباتك، لا لأن الرب لا يعرف، بل لأنك ربما أنت لا تعرف. وحين تُعلم طلباتك لديه كما يقول لك النص، تكون قد أعلمتها لنفسك بوضوح أكبر. وحين تطلب بوعي، عارفًا ما تطلب، وعارفًا لماذا تطلبه، فربما تتوقف وتقول لنفسك: «لا، لا ينبغي لي في النهاية أن أطلب هذا الطلب.» وأحيانًا، حين تظل تصلي من أجل ما لا يعطيك الله إياه، قد يتسلل إلى ذهنك اقتناع بأنك لست على الطريق الصحيح؛ وهذه الثمرة لصلاتك ستنفعك في ذاتها وتكون لك بركة.

لكن عليك أن تصلي مُعلمًا طلباتك لدى الله. أي، بعبارة بسيطة: قل ما تحتاج إليه، فهذه هي الصلاة الحقيقية. اختلِ وحدك وأخبر الرب بما تحتاج إليه؛ اسكب قلبك أمامه. لا تتصور أن الله يحتاج إلى لغة منمّقة! لا، لا حاجة بك أن تصعد الدرج مسرعًا لتأتي بكتاب صلواتك وتبحث عن صلاة من الصلوات المحفوظة؛ فستمضي وقتًا طويلًا قبل أن تجد صلاة محفوظة تناسبك إن كنت تصلي حقًّا! صلِّ من أجل ما تحتاج إليه كما لو كنت تخبر أمك أو أعزّ أصدقائك بحاجتك. اذهب إلى الله على هذا النحو، فهذه هي الصلاة الحقيقية، وهذا هو نوع الصلاة الذي يطرد همومك.

ثم إن نوع الصلاة الذي يجلب التحرر من الهمّ، أيها الأصدقاء الأعزاء، هو الشركة مع الله. إن لم تكن قد كلّمت الله، فأنت لم تصلِّ حقًّا. قد عُرف عن طفل صغير (ولعل أولادكم فعلوا ذلك) أنه ذهب فوضع رسالة في فتحة مصرف، وطبعًا لم يأتِ قط أي رد على رسالة أُرسلت بهذه الطريقة. فإن لم توضع الرسالة في صندوق البريد لتذهب إلى الشخص المرسلة إليه، فما نفعها؟ كذلك الصلاة اتصال حقيقي بالله. ينبغي أن تدرك أنه موجود، وأنه يجازي الذين يطلبونه بجدّ، وإلا فلا تستطيع أن تصلي. ينبغي أن يكون حقيقة لك، حقيقة حية، وينبغي أن تؤمن بأنه يسمع الصلاة، ثم ينبغي أن تكلّمه وتؤمن أن لك الطلبة التي تطلبها منه، وهكذا تنالها. لم يقصّر قط في أن يكرم الصلاة المؤمنة. قد يُبقيك منتظرًا حينًا، لكن التأخير ليس رفضًا، وكثيرًا ما استجاب صلاة طلبت فضة بأن أعطى ذهبًا! ربما منع كنزًا أرضيًا، لكنه أعطى غنى سماويًا قيمته عشرة آلاف ضعف، فكان المتضرّع أكثر من راضٍ بهذه المبادلة! «لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى ٱللهِ».

أعرف ما تفعلونه حين تكونون في ضيق: تذهب إلى جارك، لكن جارك لا يرغب أن يراك كثيرًا جدًّا لمثل هذا الشأن. وربما تذهب إلى أخيك، لكن هناك آية تحذّرك من أن تدخل بيت أخيك في يوم بليّتك. قد تزور صديقًا أكثر مما ينبغي حين تكون في عسر؛ فقد يُسرّ كثيرًا برؤيتك حتى يسمع ما جئت من أجله! أما إن ذهبت إلى إلهك، فلن يُعرض عنك أبدًا. لن يقول أبدًا إنك تأتي أكثر مما ينبغي. بل بالعكس، سيعاتبك لأنك لا تأتي إليه بما يكفي من التكرار!

هناك كلمة تجاوزتها قبل قليل، لأني أردت أن أتركها لملاحظتي الأخيرة في هذه النقطة: «بِٱلصَّلَاةِ وَٱلدُّعَاءِ مَعَ ٱلشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى ٱللهِ». فماذا يعني ذلك؟ يعني أن نوع الصلاة الذي يقتل الهمّ صلاة تطلب ببشاشة وفرح وشكر. «يا رب، أنا فقير. دعني أباركك على فقري، ثم، يا رب، أفلا تسد كل احتياجي؟» هكذا ينبغي أن نصلي. «يا رب، أنا مريض. أباركك على هذه البلية، لأني واثق أنها تعني لي خيرا ما. والآن تنازل واشفني، أتوسل إليك!» «يا رب، أنا في ضيق عظيم، لكني أسبحك على الضيق، لأني أعلم أنه يحوي بركة وإن كان الظرف مجللا بالسواد! يا رب، أعني لأجتاز ضيقي!» هذا هو نوع الصلاة الذي يقتل الهمّ: «ٱلدُّعَاءِ مَعَ ٱلشُّكْرِ». امزجوا هذين الأمرين جيدًا! درهم واحد، لا، بل درهمان من الصلاة، الصلاة والدعاء، ثم درهم واحد من الشكر! اسحقوهما معًا فيصنعان دواءً مباركًا للهمّ. ليعلّمنا الرب أن نمارس فن العطّار المقدس هذا!

ثالثًا: أختم بهذه النقطة الثالثة، الأثر العذب لهذه الصلاة: «وَسَلَامُ ٱللهِ ٱلَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ».

إن استطعت أن تصلي على هذا النحو، بدل أن تستسلم للقلق الشرير، فستكون النتيجة أن سلامًا غير عادي سيتسلل إلى قلبك وذهنك. غير عادي، لأنه سيكون «سَلَامُ ٱللهِ». ما سلام الله؟ إنه الصفاء الذي لا يعكّره شيء للإله السعيد سعادة لا نهائية، والسكينة الأبدية للإله الراضي رضى كاملًا! هذا سيملك قلبك وذهنك. لاحظوا كيف يصفه بولس: «سَلَامُ ٱللهِ ٱلَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ». لن يفهمه الآخرون. لن يستطيعوا أن يدركوا كيف تكون هادئًا هكذا. بل أكثر من ذلك، لن تستطيع أنت أن تخبرهم، لأنه إن كان يفوق كل عقل، فهو حتمًا يفوق كل تعبير! والأعجب من ذلك أنك أنت نفسك لن تفهمه!

سيكون سلامًا لا يُسبر غوره ولا يُقاس بالنسبة إليك. حين كان أحد الشهداء على وشك أن يُحرق من أجل المسيح، قال للقاضي الذي كان يأمر بإشعال المحرقة: «أتأتي وتضع يدك على قلبي؟» ففعل القاضي ذلك. فسأله الشهيد: «هل يخفق بسرعة؟ هل تظهر علي أي علامة خوف؟» قال القاضي: «لا.» «والآن ضع يدك على قلبك أنت وانظر أما أنت أشد اضطرابا مني.» فكّروا في رجل الله ذاك الذي كان، في صباح اليوم الذي سيُحرق فيه، مستغرقًا في النوم حتى اضطروا أن يهزّوه ليوقظوه؛ كان عليه أن يقوم ليُحرق! ومع أنه كان يعلم أن الأمر سيكون كذلك، كانت له ثقة بالله جعلته ينام نومًا هنيئًا. هذا هو «سَلَامُ ٱللهِ ٱلَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ». في اضطهادات ديوكلتيانوس القديمة تلك، حين كان الشهداء يُساقون إلى المدرّج ليُمزّقوا بالوحوش الضارية، حين أُجلس أحدهم على كرسي من حديد محمّى، وطُلي آخر بالعسل ليُلدغ حتى الموت من الدبابير والنحل، لم يرتعدوا قط!

فكّروا في ذلك الرجل الشجاع الذي وُضع على مشواة ليُشوى حتى الموت، فقال لمضطهديه: «لقد نضج هذا الجانب مني، فاقلبوني الآن على الجانب الآخر.» لماذا هذا السلام في مثل هذه الظروف؟ إنه كان «سَلَامُ ٱللهِ ٱلَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ». لسنا مضطرين أن نتألم هكذا في أيامنا هذه، لكن إن جاء يومًا شيء كهذا، فعجيب هو السلام الذي يتمتع به المسيحي! بعد أن هبّت عاصفة عظيمة، قام السيد في مقدّم السفينة وقال للرياح: «اِبْكَمْ». ونقرأ: «صَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ». هل شعرت بهذا يومًا؟ إنك تشعر به الليلة إن كنت قد تعلّمت هذا الفن المقدس، أن تُعلم طلباتك لدى الله في كل شيء، وكان سلام الله الذي يفوق كل عقل يحفظ قلبك وفكرك في المسيح يسوع.

هذا السلام المبارك يحفظ قلوبنا وأفكارنا؛ إنه سلام حارس. والكلمة اليونانية تعني حامية عسكرية. أليس أمرًا غريبًا أن يُستعمل هنا تعبير عسكري، وأن يكون السلام هو الذي يقوم حارسًا للقلب وللفكر؟ إن سلام الله هو الذي يحمي ولد الله؛ يا لها من صورة غريبة لكنها جميلة! سمعت أن الخوف هو مدبّر البيت عند المسيحي. حسنًا، قد يكون الخوف حارسًا جيدًا يُبعد الكلاب، لكن خزانته ليست ملأى! أما السلام، وإن بدا ضعفًا، فهو جوهر القوة؛ وفيما يحرسنا، يطعمنا أيضًا ويسدّ كل حاجاتنا.

وهو أيضًا سلام يربطنا بيسوع: «سَلَامُ ٱللهِ ٱلَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ». أي عواطفكم وأفكاركم، رغباتكم وعقولكم؛ قلبكم، فلا يخاف.

وفكركم، فلا يعرف أي نوع من الحيرة: «سَلَامُ ٱللهِ … يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ». الأمر كله «فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ»، ولذلك فهو عذب وثمين لنا مضاعفًا!

يا سامعيّ الأعزاء، بعضكم يأتي إلى هنا في أمسيات الخميس ولا يعرف شيئًا عن سلام الله هذا، وربما تتعجبون لماذا نحن المسيحيين نُكثر الضجة حول ديانتنا! آه، لو عرفتم، لربما أكثرتم أنتم الضجة حولها أكثر منا؛ لأنه لو لم تكن هناك حياة آتية، ونحن نعلم أنها موجودة، فإن العادة المباركة في الذهاب إلى الله بالصلاة وإلقاء كل همّنا عليه تعيننا على أن نحيا بأعظم فرح، حتى في هذه الحياة! نحن لا نؤمن بالعلمانية، لكن لو آمنّا بها، لما كان هناك استعداد للحياة الأرضية مثل هذه الحياة لله والحياة في الله! إن كان لك إله زائف، وكنت تذهب فقط إلى الكنيسة أو إلى المصلّى، وتحمل معك كتاب صلواتك أو كتاب ترانيمك، فتظن لذلك أنك مسيحي، فأنت تخدع نفسك! أما إن كان لك إله حي، وكانت لك شركة حقيقية معه، وكنت تحيا على الدوام، كعادة ثابتة، تحت ظل جناحي القدير، فستتمتع بسلام يُدهش الآخرين ويجعلك أنت نفسك تتعجب أيضًا، بل «سَلَامُ ٱللهِ ٱلَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ». ليمنحكم الله إياه، يا سامعيّ الأحباء، من أجل المسيح! آمين.

شرحٌ بقلم ت. هـ. سبرجن: فيلبي 4

العدد 1. إِذًا يَا إِخْوَتِي ٱلْأَحِبَّاءَ، وَٱلْمُشْتَاقَ إِلَيْهِمْ، يَا سُرُورِي وَإِكْلِيلِي، ٱثْبُتُوا هَكَذَا فِي ٱلرَّبِّ أَيُّهَا ٱلْأَحِبَّاءُ. تعلمون أن الكنيسة في فيلبي كانت عزيزة جدًّا على قلب الرسول. لم يكن ليستطيع أن ينسى الوقت الذي صلّى فيه هو وسيلا مع النساء عند النهر، ثم بعد ذلك صلّيا وسبّحا الله في السجن، والمسجونون يسمعونهما. كانت ليدية وأهل بيتها وسجّان فيلبي من باكورة عمل بولس في فيلبي، وكانت بينه وبين أعضاء الكنيسة في ذلك المكان محبة حميمة جدًّا على الدوام. اعتنوا به واعتنى بهم. ومرتين في هذا العدد الواحد يدعوهم «ٱلْأَحِبَّاءَ». ويصفهم بأنهم «وَٱلْمُشْتَاقَ إِلَيْهِمْ»، فقد اشتاق إليهم، واشتاق أن يأتي ويراهم وجهًا لوجه، واشتاق أن يكونوا سعداء في الرب إلى أقصى درجة. لذلك يقول: «يَا إِخْوَتِي ٱلْأَحِبَّاءَ، وَٱلْمُشْتَاقَ إِلَيْهِمْ، يَا سُرُورِي». كان مجرد التفكير فيهم كأولاده الروحيين فرحًا عظيمًا له، ولا سيما أن يرى على أي نحو تقيّ سخيّ سلكوا. نعم، ويدعوهم «إِكْلِيلِي»، إكليلًا ناله في مصارعة روحية! إن الذين يربحهم المسيحي للمسيح هم فرحه هنا، وسيكونون إكليله إلى الأبد في السماء. وقد أوصى بولس هؤلاء الفيلبيين: «ٱثْبُتُوا هَكَذَا فِي ٱلرَّبِّ». يبدو الثبات أمرًا بسيطًا جدًّا، لكن الذين يحاولونه يعرفون كم هو مهمة عسيرة.

2. أَطْلُبُ إِلَى أَفُودِيَةَ وَأَطْلُبُ إِلَى سِنْتِيخِي أَنْ تَفْتَكِرَا فِكْرًا وَاحِدًا فِي ٱلرَّبِّ. مجرد امرأتين تخاصمتا، لكن الرسول حريص جدًّا على الوحدة الكاملة حتى إنه يضع «أَطْلُبُ» لكل واحدة منهما. لا يقول أيهما كانت على حق وأيهما على خطأ، لكنه يريدهما «أَنْ تَفْتَكِرَا فِكْرًا وَاحِدًا فِي ٱلرَّبِّ». إن الخلافات الصغيرة، حتى بين أعضاء مغمورين في الكنيسة، قد تعوق عمل روح الله. الروح القدس مثل حمامة، والحمام يحب الأماكن الهادئة؛ لا يأتي حيث الضجيج والخصام. آه، لننمِّ المحبة بعضنا نحو بعض! وإن كنا قد اختلفنا في أمر ما في أي وقت، فلنحسب أننا نسمع بولس يقول الليلة: «أَطْلُبُ إِلَى أَفُودِيَةَ وَأَطْلُبُ إِلَى سِنْتِيخِي أَنْ تَفْتَكِرَا فِكْرًا وَاحِدًا فِي ٱلرَّبِّ». تصالحن، يا أخواتي! تصالحوا، يا إخوتي! أيًّا كان الخصام، أنهوه، و«افتكروا فكرا واحدا في الرب». أنتم الذين اشتُريتم بالدم الكريم نفسه، وكُسيتم بالبر الكامل نفسه، وتسيرون في الطريق إلى السماء نفسها، «افتكروا فكرا واحدا في الرب».

3. نَعَمْ أَسْأَلُكَ أَنْتَ أَيْضًا، يَا شَرِيكِي ٱلْمُخْلِصَ، سَاعِدْ هَاتَيْنِ ٱللَّتَيْنِ جَاهَدَتَا مَعِي فِي ٱلْإِنْجِيلِ، مَعَ أَكْلِيمَنْدُسَ أَيْضًا وَبَاقِي ٱلْعَامِلِينَ مَعِي، ٱلَّذِينَ أَسْمَاؤُهُمْ فِي سِفْرِ ٱلْحَيَاةِ. لا نعرف من كان هذا «شَرِيكِي ٱلْمُخْلِصَ» (وحرفيًا: رفيقي تحت النير). على الأرجح كان أبفرودتس الذي حمل هذه الرسالة إلى فيلبي. وأيًّا كان، فقد كان شخصًا عمل مع بولس كتفًا إلى كتف. إن حمل ثوران النير نفسه ولم يتفقا، جعل كل منهما الأمر مزعجًا جدًّا للآخر. إن حاول أحدهما أن يربض وأراد الآخر أن يقف، أو إن سار أحدهما أسرع من الآخر، صار النير مؤلمًا مضاعفًا. يتكلم بولس هنا عن أحدهم بأنه كان «شَرِيكِي ٱلْمُخْلِصَ»، ويقول له: «سَاعِدْ هَاتَيْنِ ٱللَّتَيْنِ جَاهَدَتَا مَعِي فِي ٱلْإِنْجِيلِ».

يا لها من مكانة سامية شغلتها النساء دائمًا في خدمة الرب يسوع المسيح! وهنا يتكلم بولس عنهن كمجاهدات معه في الإنجيل! لا بد أن ليدية كانت من أولئك. «مَعَ أَكْلِيمَنْدُسَ أَيْضًا وَبَاقِي ٱلْعَامِلِينَ مَعِي، ٱلَّذِينَ أَسْمَاؤُهُمْ فِي سِفْرِ ٱلْحَيَاةِ». يرى بعض المفسرين العلماء أن اسم الإنسان قد يكون في سفر الحياة إلى حين، لكنه قد يُمحى منه. إن كان تعليمهم صحيحًا، فسيكون ذلك السفر مليئًا بالشطب والمحو. أشكر الله أنني لا أؤمن بسفر كهذا! إن كان الرب يسوع المسيح قد كتب اسمي في سفر الحياة، في سجل العائلة العظيم للمفديين، فإني أتحدى كل شياطين الجحيم أن يمحوه يومًا!

4. اِفْرَحُوا فِي ٱلرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: ٱفْرَحُوا. إن كنت تفرح في الرب أي وقت، فيمكنك أن تفرح في الرب كل حين، لأنه هو هو دائمًا، ومنعم دائمًا! هناك من أسباب الفرح بالله في وقت ما بقدر ما في أي وقت آخر، لأنه لا يتغير أبدًا.

5. لِيَكُنْ حِلْمُكُمْ مَعْرُوفًا عِنْدَ جَمِيعِ ٱلنَّاسِ. الكلمة المترجمة «حِلْمُكُمْ» كلمة يونانية يصعب جدًّا نقلها إلى الإنجليزية، وقد نقلتها الترجمة الإنجليزية بكلمة «الاعتدال». وهي لا تعني الاعتدال بالمعنى الذي يستعمل به بعض الناس الكلمة، إذ يجعلونها، في رأيي، كلمة ملعونة تقريبًا. «لِيَكُنْ حِلْمُكُمْ»، أي لطفكم واستعدادكم للتنازل واحتمالكم، «مَعْرُوفًا عِنْدَ جَمِيعِ ٱلنَّاسِ». هذا ما تعنيه. لا تدفع بحقوقك إلى أبعد مما ينبغي؛ قف دون ما يحق لك أن تطالب به، وحين تشعر في أي وقت بشيء من الحدّة في طبعك، فاكبح نفسك؛ أمسك نفسك، احتمل وتسامح. لا تذهب في الدفاع عن حقوقك إلى أقصى ما يجوز لك، ولا حتى إلى ما يظن بعضهم أنه ينبغي لك. ليكن لطفكم وليونتكم معروفين عند جميع الناس.

5. اَلرَّبُّ قَرِيبٌ. المسيح آتٍ؛ فلماذا تضطرب؟ الرب قريب منك ليعينك؛ فلماذا أنت قلق إلى هذا الحد؟ لماذا تنجرف هكذا مع التجربة الحاضرة المؤقتة؟ «اَلرَّبُّ قَرِيبٌ».

6. لَا تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، لا تحملوا همّ أي شيء بقلق! رنّموا مع فابر:

«ليس لي هموم، أيها الرب المبارك، فكل همومي صارت لك.»

6-8. بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِٱلصَّلَاةِ وَٱلدُّعَاءِ مَعَ ٱلشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى ٱللهِ. وَسَلَامُ ٱللهِ ٱلَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ. أَخِيرًا أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ، كُلُّ مَا هُوَ حَقٌّ، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هَذِهِ ٱفْتَكِرُوا. كل ما هو من هذا النوع يعنيك، فأعِنه قدر استطاعتك. كن في صف كل قضية يمكن وصفها هكذا. إن كانت تنتصر للحق والاستقامة والوقار والدين والعفة والقداسة، فكن في ذلك الصف. وإن كان هناك ما هو عكس ذلك، فلا يكن لك شأن به؛ أما إن كانت في العالم حركة تساعد على تقدّم ما هو حق وجليل وعادل وطاهر ومسرّ وصيته حسن، «فَفِي هَذِهِ ٱفْتَكِرُوا»، وافتكروا فيها بحيث تزيدون تأثيرها بين بني البشر وبناتهم!

9. وَمَا تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَتَسَلَّمْتُمُوهُ، وَسَمِعْتُمُوهُ، وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، فَهَذَا ٱفْعَلُوا، حسنٌ أن يستطيع الواعظ أن يتكلم هكذا؛ حين لا يضطر أن يقول: «افعلوا ما أقول لا ما أفعل»، بل يستطيع، كالرسول، أن يقول: «وَمَا تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَتَسَلَّمْتُمُوهُ، وَسَمِعْتُمُوهُ، وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، فَهَذَا ٱفْعَلُوا».

9. وَإِلَهُ ٱلسَّلَامِ يَكُونُ مَعَكُمْ. إله السلام دائمًا مع الذين يقبلون ابنه العزيز ويعينون إنجيله. ومن امتيازات المؤمنين الحقيقيين أن إله السلام يكون معهم على الدوام.

10. ثُمَّ إِنِّي فَرِحْتُ بِٱلرَّبِّ جِدًّا لِأَنَّكُمُ ٱلْآنَ قَدْ أَزْهَرَ أَيْضًا مَرَّةً ٱعْتِنَاؤُكُمْ بِي ٱلَّذِي كُنْتُمْ تَعْتَنُونَهُ، وَلَكِنْ لَمْ تَكُنْ لَكُمْ فُرْصَةٌ. كان بولس سجينًا في رومية، وكان هؤلاء الفيلبيون قد جمعوا تقدمة، وأرسلوها مع أبفرودتس ليخفّفوا عن الرسول فقره، فقال لهم: «لقد اعتنيتم بي من قبل، لكن لم تكن لكم فرصة لإعانتي حينا، والآن ذكرتموني ثانية، لذلك أفرح بالرب جدا.»

11. لَيْسَ أَنِّي أَقُولُ مِنْ جِهَةِ ٱحْتِيَاجٍ، فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيهِ. أليس هذا علمًا رائعًا؟ كان بولس رجلًا متعلمًا، وكذلك أنت، إن كنت قد تعلّمت هذا الدرس! قد لا تستطيع أن تضع بعد اسمك لقب دكتور في اللاهوت أو دكتور في القانون، لكنك رجل متعلم إن استطعت أن تقول: «قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيهِ».

12. أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضًا أَنْ أَسْتَفْضِلَ. هذان أمران عظيمان يُتعلّمان. هناك من يعرفون الأول لكنهم لا يعرفون الثاني. عرفت عدة من أولاد الله بدوا بارزين جدًّا في التقوى حين كانوا متضعين، لكنهم لم يعودوا يساوون شيئًا بعد أن اغتنوا. لم يعرفوا كيف يستفضلون؛ صاروا ثقيلي الرأس، وتعاظموا حتى ضاقت عليهم ثيابهم! لم يكن الأمر كذلك مع الرسول، إذ كان يستطيع أن يقول بصدق: «أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضًا أَنْ أَسْتَفْضِلَ».

12. فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي جَمِيعِ ٱلْأَشْيَاءِ قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ. أما كان أستاذًا حقيقيًا في الفنون؟ لقد أتقن فن الجوع بلا تذمر، وفن الشبع بلا تفاخر، وفن النقص بلا نفاد صبر، وفن الاستفضال بلا تعلّق القلب بالأمور الدنيوية. لقد كان حقًّا أستاذًا في الفنون من أرفع طراز!

13. أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ يبدو هذا تبجحًا، أليس كذلك؟ أكمل الجملة.

14. فِي ٱلْمَسِيحِ ٱلَّذِي يُقَوِّينِي. ليس هنا افتخار في غير موضعه، لأن بولس كان يستطيع كل شيء بقوة المسيح العظيمة! وقد قيل بحق إن الملائكة يتفوقون في القوة، أما القديسون فيتفوقون في ضعفهم. فحين نكون في أشد ضعفنا ويقوّينا المسيح، حينئذ تُنتج أسمى الفضائل.

14-17. غَيْرَ أَنَّكُمْ فَعَلْتُمْ حَسَنًا إِذِ ٱشْتَرَكْتُمْ فِي ضِيقَتِي. وَأَنْتُمْ أَيْضًا تَعْلَمُونَ أَيُّهَا ٱلْفِيلِبِّيُّونَ أَنَّهُ فِي بَدَاءَةِ ٱلْإِنْجِيلِ، لَمَّا خَرَجْتُ مِنْ مَكِدُونِيَّةَ، لَمْ تُشَارِكْنِي كَنِيسَةٌ وَاحِدَةٌ فِي حِسَابِ ٱلْعَطَاءِ وَٱلْأَخْذِ إِلَّا أَنْتُمْ وَحْدَكُمْ. فَإِنَّكُمْ فِي تَسَالُونِيكِي أَيْضًا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ لِحَاجَتِي. لَيْسَ أَنِّي أَطْلُبُ ٱلْعَطِيَّةَ، بَلْ أَطْلُبُ ٱلثَّمَرَ ٱلْمُتَكَاثِرَ لِحِسَابِكُمْ. لقد سُجّل سخاؤهم لحسابهم في سفر الله.

18، 19. وَلَكِنِّي قَدِ ٱسْتَوْفَيْتُ كُلَّ شَيْءٍ وَٱسْتَفْضَلْتُ. قَدِ ٱمْتَلَأْتُ إِذْ قَبِلْتُ مِنْ أَبَفْرُودِتُسَ ٱلْأَشْيَاءَ ٱلَّتِي مِنْ عِنْدِكُمْ، نَسِيمَ رَائِحَةٍ طَيِّبَةٍ، ذَبِيحَةً مَقْبُولَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ ٱللهِ. فَيَمْلَأُ إِلَهِي كُلَّ ٱحْتِيَاجِكُمْ بِحَسَبِ غِنَاهُ فِي ٱلْمَجْدِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ. إن إله بولس هو الذي اعتنى بالفيلبيين، وإله بولس هو الذي سيعتني بك وبي! يقول بولس: «فَيَمْلَأُ إِلَهِي كُلَّ ٱحْتِيَاجِكُمْ»، لا كما سددتم أنتم حاجتي من فقركم، بل «بِحَسَبِ غِنَاهُ فِي ٱلْمَجْدِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ»! لا تتصور أنك ستستنفد يومًا غنى الله في المجد، أو تستنزف خزينة الكفاية الكاملة؛ هذا لا يمكن أن يكون.

20. وَلِلهِ وَأَبِينَا ٱلْمَجْدُ إِلَى دَهْرِ ٱلدَّاهِرِينَ. آمِينَ. إنه يباركنا، فلنباركه! إنه يملأ كل احتياجنا بحسب غناه في المجد، فلنعظّم مجده إلى دهر الداهرين.

21. سَلِّمُوا عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ. صافحه. قل له: «كيف حالك يا أخي؟ أتمنى لك الخير.» ينبغي أن تكون هذه التحيات القلبية شائعة في كل اجتماع مسيحي. إني دائمًا أستهجن ذلك الوقار العجيب السائد في بعض أماكن العبادة حيث لا يعرف أحد أحدًا. إنهم أوقر من أن يتعرفوا بإخوتهم. إن كنتم في المسيح يسوع، فتعارفوا! «سَلِّمُوا عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ».

21، 22. يُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ ٱلْإِخْوَةُ ٱلَّذِينَ مَعِي. يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ جَمِيعُ ٱلْقِدِّيسِينَ وَلَا سِيَّمَا ٱلَّذِينَ مِنْ بَيْتِ قَيْصَرَ. أظن أن أكثر هؤلاء لم يكونوا إلا عبيدًا في البيت الإمبراطوري. ربما كان هناك واحد أو اثنان من طبقة أعلى، لكن الأرجح أن الإنجيل وصل أولًا إلى العبيد في القصر الروماني، ذلك الوكر الشيطاني للرذيلة، حيث كثرت الشهوة والقسوة. كان هناك قديسون حتى هناك؛ وما زال لله بعض جواهره ملقاة على المزابل!

23. نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ.

صفحة 1 / 1 · 26 دقيقة متبقية في الفصل
السابق التالي