فصل 13 · قراءة 26 د · استماع 33 د
صرخة الغربان
«ٱلْمُعْطِي لِلْبَهَائِمِ طَعَامَهَا، لِفِرَاخِ ٱلْغِرْبَانِ ٱلَّتِي تَصْرُخُ». مزمور 147:9.
سأفتتح هذه العظة باقتباس، إذ لا بد أن أنقل إليكم ملاحظة كاريل عن الغربان بكلماته هو: «يخبرنا علماء الطبيعة أن الغراب، بعد أن يُطعم فراخه في العش حتى يكتمل ريشها وتقوى على الطيران بعيدًا، يدفعها خارج العش ولا يدعها تمكث فيه، بل يُخرجها لتحصّل رزقها بنفسها. فحين تكون هذه الفراخ في أول طيرانها من عشها، قليلة الدراية بالسبل التي تحصّل بها طعامها، حينئذ يدبّر الرب لها قوتها.
«ويقول الثقات إن الغراب شديد صارم على نحو عجيب في هذا الأمر، فما إن تقدر فراخه على إعالة نفسها حتى يكفّ عن أن يأتيها بأي طعام. ويؤكد بعضهم أن الغربان الكبار لا تسمح لفراخها بالبقاء في البلاد التي نشأت فيها، فإن صحّ هذا فلا بد لها أن تهيم على وجهها. ونحن نقول في المثل: ‹الحاجة تجعل العجوز تهرول›، ولنا أن نضيف: ‹والصغار أيضًا›.»
لقد جرت عادة بعض الآباء، وربما لا تزال، أن يعاملوا أولادهم هكذا: فما إن يقدروا على تدبير أمورهم ويصيروا أهلًا، ولو بقدر يسير، لكسب خبزهم، حتى يطردوهم من البيت كما يطرد الغراب فراخه من العش. والآن يقول الرب في النص: حين تقع فراخ الغراب في هذا الضيق، وقد طُردت وصارت تتردّد لعدم القوت، فمن يعولها إذن؟ «أليس أنا الرب؟ أليس أنا الذي أعول الغراب الكبير أعول فراخه أيضًا، وهي في العش وحين تتردّد لعدم القوت؟»
لقد أرسل سليمان الكسلان إلى النملة، وتعلّم هو نفسه دروسًا من الوبار والسلوقي والعنكبوت! فلنكن مستعدّين أن نتعلّم من أي خليقة من خلائق الله، ولنذهب الليلة إلى عش الغربان لنتتلمذ كما في مدرسة. فليس عند الأطهار شيء نجس، وليس عند الحكماء شيء تافه. ليتشاءم أهل الخرافة من الغراب طائرَ شؤم، وليرَ الغافلون فيه مجرّد كائن مجنّح أسود لامع، أما نحن فنريد أن نرى أكثر من ذلك، ولا شك أننا لن نخرج بلا مكافأة إن كنا فقط قابلين للتعلّم.
لم يرجع غراب نوح إليه بغصن زيتون، أما غرابنا فقد يفعل! بل قد يحدث أن تأتينا الغربان الليلة بطعام كما أطعمت إيليا قديمًا عند نهر كريث. لقد استخرج ربنا المبارك مرة من الغربان حجة قوية جدًا، حجة قصد بها أن يعزّي ويشجّع من كانوا من عبيده مثقلين بهموم لا داعي لها بشأن أحوالهم المعيشية. فقال لأمثال هؤلاء: «تَأَمَّلُوا ٱلْغِرْبَانَ: أَنَّهَا لَا تَزْرَعُ وَلَا تَحْصُدُ، وَلَيْسَ لَهَا مَخْدَعٌ وَلَا مَخْزَنٌ، وَٱللهُ يُقِيتُهَا. كَمْ أَنْتُمْ بِٱلْحَرِيِّ أَفْضَلُ مِنَ ٱلطُّيُورِ!»
وإذ أتبع منطق السيد، وستتفقون جميعًا على أنه لا بد كان منطقًا سليمًا، لأنه لم يكن قط غير صادق في استدلاله كما لم يكن غير صادق في أقواله، سأحتجّ الليلة على هذا النحو: تأمّلوا الغربان وهي تصرخ! إنها تعلن حاجاتها بنعيب أجشّ مبهم، وأبوكم السماوي يستجيب صلاتها ويرسل إليها الطعام! وأنتم أيضًا قد بدأتم تصلّون وتطلبون رضاه، أفلستم أفضل منها كثيرًا؟ أيعتني الله بالغربان ولا يعتني بكم؟ أفلا يصغي إلى صراخ فراخ الغربان التي لم ينبت ريشها بعد، وهي في أعشاشها جائعة تصرخ إليه لكي تُطعَم؟
أقول: أيمدّها بحاجتها استجابة لصراخها، ولا يستجيب لكم أنتم، يا بني البشر المساكين المرتعدين الذين تطلبون وجهه ورضاه بالمسيح يسوع؟ إن كل عمل هذا المساء لن يكون سوى أن أبسط هذه الفكرة الواحدة وأستخرج ما فيها. وسأسعى الليلة، بإرشاد الروح القدس، أن أقول شيئًا لأولئك الذين ظلوا يصلّون طلبًا للرحمة ولم ينالوها بعد، الذين جثوا على ركبهم ربما شهورًا يصرخون صرخة واحدة عظيمة ومرّة جدًا، ولكنهم لا يعرفون بعد طريق السلام.
لا تزال خطيتهم معلّقة في أعناقهم كحجر الرحى. إنهم جالسون في وادي ظل الموت. لم يشرق عليهم نور، وهم يفركون أيديهم وينوحون: «هل نسي الله أن يتراءف؟ هل سدّ أذنه عن صلوات النفوس الطالبة؟ ألن يلتفت بعد إلى صراخ الخطاة المثير للشفقة؟ أتسقط دموع التائبين على الأرض ولا تحرّك رأفته بعد؟» والشيطان أيضًا يقول لكم، أيها الأصدقاء الأعزاء الذين أنتم الآن في هذه الحالة الذهنية، إن الله لن يسمع لكم أبدًا. وإنه سيدعكم تصرخون حتى تموتوا! وإنكم ستلفظون حياتكم بين التنهدات والدموع، ثم في النهاية تُطرحون في بحيرة النار!
إنني أتوق الليلة أن أقدّم لكم شيئًا من التعزية والتشجيع. أريد أن أحثّكم على أن تصرخوا بحرارة أشد! تعالوا إلى الصليب وتمسّكوا به، وانذروا ألّا تتركوا ظله أبدًا حتى تجدوا العطية التي تشتهيها نفوسكم. أريد، إن أعانني الله الروح القدس، أن أحرّككم حتى تقولوا في أنفسكم كما قالت الملكة أستير: «أَدْخُلُ إِلَى ٱلْمَلِكِ … فَإِذَا هَلَكْتُ، هَلَكْتُ». وليتكم تضيفون إلى ذلك نذر يعقوب: «لَا أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي»! هذه إذن هي المسألة التي بين أيدينا: الله يسمع فراخ الغربان. أفلا يسمع لكم؟
أولًا: إنني أحتجّ بأنه سيسمع لكم، وأول ما يدعوني إلى ذلك أنني أذكر أنه يسمع صراخ الغراب الوضيع، وأنكم، بمعنى ما، أفضل من الغراب كثيرًا. فما الغراب إلا طائر مسكين نجس، لو مات في الحال لما أحدث موته أي فجوة مؤلمة في الخليقة. ولو لُويت أعناق آلاف الغربان غدًا، فلا أظن أنه سيكون في الكون كله حزن أو أسى شديد عليها! بل سيكون الأمر مجرد عدد من الطيور المسكينة قد ماتت، وينتهي كل شيء عند هذا.
أما أنت فنفس خالدة! الغراب يزول حين تنقضي حياته، فلا يعود هناك غراب بعد. أما أنت فحين تنقضي حياتك الحاضرة لا تكون قد كففت عن الوجود، بل تكون قد أُطلقت لتوّك في بحر الحياة، ولم تبدأ إلا الآن أن تحيا إلى الأبد. سترى جبال الأرض الشائبة تنهار إلى العدم قبل أن تفنى روحك الخالدة! سيكون القمر قد أخفى نوره الواهن، وستكون نيران الشمس الأعظم قد انطفأت في ظلام دائم، ولا تزال روحك ماضية في مسيرتها الأبدية، مسيرة شقاء أبدي، ما لم يسمع الله صراخك—
«يا لها من حقيقة هائلة: هذا الفاني سيلبس الخلود! نبض العقل لن يكف عن الخفقان أبدًا؛ أيقظه الله، فهو يخفق إلى الأبد، أزليًا كأزلية الله نفسه! فوق الملائكة أو دون الشياطين: ليرتقي في المجد أو ينحدر في الخزي، هذا مصير البشر بقضاء لا مرد له.» أفتظن إذن أن الله يسمع للطائر المسكين الذي يكون ثم لا يكون، يوجد هنا لحظة ثم يُمحى من الوجود، ولا يسمع لك أنت، النفس الخالدة التي يُراد لبقائها أن يساوي بقاءه هو؟ أظن أنه لا بد يخطر لك يقينًا أنه إن كان يسمع للغراب المائت فإنه يسمع أيضًا للإنسان الذي لا يموت. لقد قال القدماء عن جوبيتر إنه لا يجد فراغًا ليلتفت إلى الأمور الصغيرة، أما يهوه فيتنازل ليعتني بأصغر خلائقه، بل وينظر في أعشاش الطيور! أفلا يعتني برحمته بأرواح هي وارثة لأبدية رهيبة؟
ثم إنني لم أسمع قط أن الغربان خُلقت على صورة الله! لكنني أجد أنه، مع ما صار إليه جنسنا من نجاسة وتشوّه وانحطاط، قال الله في الأصل: «نَعْمَلُ ٱلْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا». ففي الإنسان شيء لا يوجد في الخلائق الدنيا، وأفضلها وأنبلها أدنى بما لا يقاس من أحقر ابن من بني آدم. لقد عُقد مجلس بشأن خلق الإنسان، وفي عقله، بل وفي تهيئة جسده لمعاونة عقله، إعلان عجيب لحكمة العلي.
هاتوا إلى هنا أشد بني البشر تشوّهًا وأخملهم ذكرًا وأكثرهم شرًّا، ومع أنني لا أجرؤ على تملّق الطبيعة البشرية من الناحية الأدبية، ففي مجرد كونه إنسانًا كرامة لا توجد في كل بهائم الحقل، أيًّا كانت. فبهيموث ولوياثان قد أُخضعا تحت قدم الإنسان. والنسر لا يستطيع أن يحلّق إلى العلوّ الذي ترتقي إليه نفس الإنسان، ولا الأسد يقتات بطعام ملوكي كالذي تجوع إليه روح الإنسان. أفتظن أن الله يسمع لخليقة وضيعة حقيرة كالغراب، ثم لا يسمع لك وأنت من الجنس الذي جُبل على صورته هو؟
آه، لا تظن هذا الظن القاسي الأحمق بمن طرقه مستوية دائمًا! سأحتكم في هذا إليكم أنتم. أفلا تعلّمنا الطبيعة نفسها أن الإنسان أولى بالرعاية من طيور السماء؟ لو سمعت صراخ فراخ الغربان، فلعلك تشعر نحو تلك الطيور بشفقة تكفي لأن تعطيها طعامًا لو عرفت كيف تطعمها. لكنني لا أستطيع أن أصدّق أن أحدًا منكم يغيث الطيور، ثم لا يطير على أجنحة الشفقة لإنقاذ رضيع يهلك، وهو يسمع صراخه من الموضع الذي طرحه فيه الإهمال القاسي! ولو سمعت، في سكون الليل، أنين إنسان يلفظ أنفاسه من المرض في الشوارع ولا يرثي له أحد، أفلا تقوم وتعينه؟
أنا واثق أنك ستفعل إن كنت ممن يعينون غرابًا. فإن كانت فيك أي شفقة على غراب، فكم بالأحرى تكون فيك رحمة على إنسان! أعلم أن هناك من يهمس بأن بعض السذّج يهتمّون بالكلاب المشرّدة أكثر مما يهتمّون بالرجال والنساء المشرّدين، ومع ذلك فالأرجح بكثير أن الذين يرأفون بالكلاب هم أرقّ الناس عناية بالبشر. وعلى كل حال، لو احتجت إلى معونة لكان عندي ظن قوي في صالحهم. أفلا تظن أن الله، الحكيم في كل شيء، إذ يعتني بهذه الفراخ التي لم ينبت ريشها في العش، لا بد أن يعتني بك أيضًا؟
قلبك يقول: «نعم». إذن فأجب من الآن فصاعدًا عدم إيمان قلبك بأن تردّ عليه استدلاله الصحيح نفسه. لكنني أسمعك تقول: «آه، لكن الغراب ليس خاطئًا مثلي! قد يكون طائرًا نجسًا، لكنه لا يمكن أن يكون نجسًا مثلي من الناحية الأدبية. قد يكون أسود اللون، أما أنا فأسود بالخطية! الغراب لا يستطيع أن يكسر السبت، ولا أن يحلف، ولا أن يزني! الغراب لا يمكن أن يكون سكّيرًا! ولا يمكن أن يدنّس نفسه برذائل كالتي تلوّثت بها أنا.»
أعلم كل ذلك يا صديقي، وقد يبدو لك أنه يجعل حالتك أكثر يأسًا، لكنني لا أظنه يفعل ذلك حقًا. فكّر فيه دقيقة واحدة. ماذا يثبت هذا؟ إنه يثبت أنك خليقة قادرة على أن تخطئ، وبالتالي أنك روح عاقلة حية بمعنى لا يحيا به الغراب. أنت خليقة تتحرك في عالم الأرواح! أنت تنتمي إلى عالم النفوس الذي ليس للغراب فيه نصيب. الغراب لا يستطيع أن يخطئ، لأنه لا روح له ولا نفس. أما أنت فكائن عاقل مسؤول، والجزء الأفضل منك هو نفسك. فإن كانت النفس أثمن من الجسد بما لا يُحدّ! وإن كان الغراب، وأنا أتكلم الآن بلغة عامة الناس، ليس إلا جسدًا، بينما أنت بلا ريب نفس وجسد معًا، وإلا لما كنت قادرًا على أن تخطئ، فإنني أرى حتى في تلك الفكرة السوداء المثبّطة بصيصًا من نور!
أيعتني الله باللحم والدم والعظام والريش الأسود، ولا يعتني بعقلك وإرادتك وحكمك وضميرك ونفسك الخالدة؟ آه، لو أنك فقط تفكّر في ذلك، لا بد أن ترى أنه من المحال أن ينال صراخ الغراب إصغاء أذن الجود الإلهي، بينما تُحتقر صلاتك ويُعرض عنها العلي—
«الحشرة التي بجناحيها الواهنين تنطلق على شعاع صيفي واحد، والزهرة التي توقظها نسمة الربيع إلى الحياة نصف نهار، وأصغر ذرة، وأدق شعرة، كلها تشعر برعاية أبينا السماوي.» فلا شك إذن أنه سيلتفت إلى صراخ المساكين، ولن يرفض صلاتهم!
لا أكاد أستطيع أن أترك هذه النقطة دون أن ألاحظ أن ذكر الغراب ينبغي أن يشجّع الخاطئ. وكما يكتب مؤلف قديم: «إنه بين الطيور لا يذكر الباز أو الصقر، وهما طائران عزيزان على الأمراء يطعمونهما. بل يختار ذلك الطائر الممقوت الخبيث، الغراب الناعب، الذي لا يقيم له أحد وزنًا إلا لأنه يأكل الجيف التي كانت ستؤذيه. فانظر إذن وتعجّب من عناية الله ولطفه، أن يدبّر طعامًا للغراب، الخليقة ذات اللون الكئيب والصوت النشاز، الخليقة الممقوتة عند أكثر الناس، والمتشاءم منها عند بعضهم. إن عناية الله العظيمة تظهر في تدبيره للنملة التي تجمع طعامها في الصيف، لكنها أعظم في الغراب الذي، مع أنه ينسى أن يدبّر لنفسه أو يتهاون في ذلك، يدبّر الله له ويدّخر.»
قد يظن المرء أن الرب كان ينبغي أن يقول عن الغربان: لتدبّر أمرها بنفسها أو لتهلك! كلا، فالرب الإله لا يحتقر أي عمل من أعمال يديه. للغراب وجوده من الله، ولذلك سيعوله الله. ليست الحمامة الجميلة البريئة وحدها، بل الغراب القبيح أيضًا ينال طعامه من الله. وهذا يبيّن بوضوح أن انعدام الفضل فيك، أيها الخاطئ الأسود الشبيه بالغراب، لن يمنع صراخك من أن يُسمع في السماء! فعدم الاستحقاق سيزيله دم يسوع، والدنس سيطهّره هو تطهيرًا تامًّا. فقط آمن بيسوع فتجد السلام!
ثانيًا: ثم إن هناك، في المقام التالي، فرقًا كبيرًا بين صراخك وصراخ الغراب. فحين تصرخ فراخ الغربان، أظنها بالكاد تعرف ماذا تريد. إن فيها غريزة طبيعية تجعلها تصرخ طلبًا للطعام، لكن صراخها لا يعبّر في ذاته عن حاجتها. أظنك ستكتشف سريعًا أنها تعني الطعام، لكنها لا تملك كلامًا مفهومًا، ولا تنطق ولو بكلمة واحدة! إنما هو صراخ متواصل ناعب ملحّ، وهذا كل شيء.
أما أنت فتعرف ما تحتاج إليه، ومهما قلّت كلماتك، فقلبك يعرف مرارته وضيقه الشديد. لتنهداتك وأنّاتك معنى واضح. وفهمك قائم عن يمين قلبك الجائع. أنت تعلم أنك تريد السلام والغفران. أنت تعلم أنك تحتاج إلى يسوع، إلى دمه الثمين، إلى برّه الكامل. فإن كان
الله يسمع صراخًا غريبًا ثرثارًا مبهمًا كصراخ الغراب، أفلا تظن أنه سيسمع أيضًا الصلاة العاقلة المعبّرة لنفس مسكينة محتاجة مذنبة تصرخ إليه: «ٱللهُمَّ ٱرْحَمْنِي، أَنَا ٱلْخَاطِئَ»؟ لا شك أن عقلك نفسه يقول لك هذا!
ثم إن فراخ الغربان لا تستطيع أن تستخدم الحجج، لأنه لا فهم لها. لا تستطيع أن تقول كما تستطيع أنت—
«هو يعلم أي الحجج أتّخذ لأصارع إلهي، سأتوسّل إليه من أجل رحمته هو، ومن أجل دم المخلّص.»
إن لها حجة واحدة، هي حاجتها الماسّة التي تنتزع منها صراخها، لكنها لا تستطيع أن تتجاوز ذلك. بل حتى هذه الحجة لا تستطيع أن تعرضها بترتيب أو تصفها بلغة. أما أنت فلديك جمهور من الحجج في متناول يدك، ولديك فهم ترتّبها به صفوفًا وتحشدها لتحاصر عرش النعمة. فلا شك أنه إن كانت مجرد حجة الحاجة غير المنطوقة لدى الغراب تغلب عند الله، فكم بالأحرى تغلب أنت عند العلي إن استطعت أن تعرض دعواك أمامه وتأتي إليه وفي فمك الحجج! تعال أيها اليائس، وجرّب ربي! أتوسّل إليك الآن أن تدع تلك المرثاة الحزينة تصعد إلى أذني الرحمة! افتح ذلك القلب المتفجّر ودعه يخرج دموعًا إن كانت الكلمات فوق طاقتك!
غير أنني أخشى أن الغراب يتفوّق أحيانًا تفوّقًا كبيرًا على بعض الخطاة الذين يطلبون الله بالصلاة، وذلك في هذا: أن فراخ الغربان أكثر جدية في طلب طعامها من جدية بعض الناس في طلب خلاص نفوسهم. لكن هذا ليس تثبيطًا لك، بل هو بالأحرى سبب يدعوك لأن تكون أكثر جدية مما كنت. فحين تحتاج الغربان إلى الطعام، لا تكف عن الصراخ حتى تناله. لا سبيل إلى إسكات فرخ غراب جائع حتى يمتلئ فمه، ولا سبيل إلى إسكات خاطئ جادّ حقًا حتى يمتلئ قلبه بالرحمة الإلهية. ليت بعضكم يصلّون بحرارة أشد! «مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَٱلْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ».
قال أحد البيوريتانيين القدامى: «الصلاة مدفع منصوب عند باب السماء ليفجّر أبوابها.» عليك أن تأخذ المدينة عنوة إن أردت أن تنالها! لن تركب إلى السماء على فراش من ريش. لا بد أن تسير في رحلة الحاج، فلا ذهاب إلى أرض المجد وأنت غارق في النوم، والكسالى الحالمون سيستيقظون في جهنم! إن كان الله قد جعلك تشعر في نفسك بالحاجة إلى الخلاص، فاصرخ كمن هو مستيقظ وحيّ! كن جادًّا! اصرخ بأعلى صوتك! لا تمسك! وحينئذ أظنك ستجد أن حجتي منصفة تمامًا: أن الصلاة العاقلة المحتجّة الواعية أرجح من كل وجه أن تغلب عند الله من مجرد الصياح والثرثرة التي يحدثها الغراب، وأنه إن كان يسمع صراخًا كصراخ الغراب، فمن المؤكد أكثر بكثير أنه سيسمع صراخك.
ثالثًا: تذكّر أن موضوع صلاتك أحبّ إلى أذن الله من صراخ الغراب طلبًا للطعام. فكل ما تطلبه فراخ الغربان هو الطعام؛ أعطها قليلًا من الجيف فتكف. أما صراخك فلا بد أن يكون أطيب كثيرًا على أذن الله، لأنك تلتمس الغفران بدم ابنه الحبيب. إنه لشغل أنبل للعلي أن يمنح العطايا الروحية من أن يمنح العطايا الطبيعية. فأنهار النعمة الإلهية تجري من الينابيع العليا. أعلم أنه متنازل إلى حد أنه لا يهين نفسه حتى حين يُسقط الطعام في فم فرخ الغراب، ولكن يبقى في عمل منح السلام والغفران والمصالحة لبني البشر كرامة أعظم.
لقد عيّنت المحبة الأزلية طريقًا للرحمة قبل تأسيس العالم، والحكمة غير المحدودة منهمكة مع القدرة غير المحدودة في إتمام القصد الإلهي. فلا بد أن الرب يُسرّ كثيرًا بخلاص بني البشر! إن كان الله يُسرّ بأن يقوت بهائم الحقل، أفلا تظن أنه يبتهج أكثر بكثير بأن يقوت أولاده هو؟ أظنك تجد في تعليم أولادك شغلًا أحب إلى نفسك من مجرد إطعام ثورك العلف، أو نثر الشعير للدجاج عند باب الحظيرة، لأن في العمل الأول شيئًا أنبل يستدعي كل طاقاتك استدعاءً أتم ويُخرج ذاتك الداخلية.
ولست متروكًا هنا للتخمين. فمكتوب: «يُسَرُّ بِٱلرَّأْفَةِ». حين يستعمل الله قدرته لا يمكن أن يكون حزينًا، لأنه إله مغبوط. ولكن إن أمكن أن يكون اللاهوت غير المحدود أسعد في وقت منه في وقت آخر، فذلك حين يغفر للخطاة بدم يسوع الثمين. آه أيها الخاطئ، حين تصرخ إلى الله فإنك تمنحه فرصة ليفعل ما يحب أكثر من كل شيء أن يفعله! إنه يُسرّ بأن يغفر، وأن يضمّ أفرايمه إلى صدره، وأن يقول عن ابنه الضال: «كَانَ ضَالًّا فَوُجِدَ … كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ». وهذا أطيب لقلب الآب من إطعام العجل المسمّن أو رعاية البهائم على ألوف الجبال.
فبما أنكم إذن، أيها الأصدقاء الأعزاء، تطلبون شيئًا يكرم الله في عطائه أكثر بكثير من مجرد عطية الطعام للغربان، أظن أن مطرقة حجتي تهوي الليلة بضربة قوية جدًا لتحطّم عدم إيمانكم! ليعمل فيكم الله الروح القدس، المعزّي الحق، بقوة! لا شك أن الإله الذي يعطي الطعام للغربان لن يمنع السلام والغفران عن الخطاة الطالبين. جرّبوه! جرّبوه في هذه اللحظة! كلا، لا تتحرّكوا! جرّبوه الآن!
رابعًا: لا ينبغي أن نتوقف عند نقطة واحدة والموضوع كله بهذا الخصب. هناك مصدر آخر للتعزية لكم، وهو أن الغربان لم تؤمر في أي موضع بأن تصرخ. فحين تصرخ، لا يسند طلبتها أي حث خاص من فم الله. أما أنتم فلديكم سند مستمد من حثّ إلهي على التقدّم إلى عرش الله بالصلاة!
إن فتح رجل غني بيته لغير المدعوّين، فلا شك أنه يستقبل المدعوّين. الغربان تأتي دون أن تُدعى، ومع ذلك لا تُصرف فارغة! أما أنت فمأمور أن تأتي ضيفًا مدعوًّا، فكيف تُردّ؟ أتظن أنك غير مدعوّ إلى المجيء؟ اسمع هذا: «كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ يَخْلُصُ». «ٱدْعُنِي فِي يَوْمِ ٱلضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي». «ٱذْهَبُوا إِلَى ٱلْعَالَمِ أَجْمَعَ وَٱكْرِزُوا بِٱلْإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. مَنْ آمَنَ وَٱعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ». «آمِنْ بِٱلرَّبِّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ». «تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى ٱسْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ».
هذه دعوات معطاة بلا أي قيد من جهة صفة المدعوّ. إنها تدعوك مجانًا، بل إنها تأمرك أن تأتي. آه، أبعد هذا تظن أن الله سيزدريك؟ النافذة مفتوحة، فيطير الغراب إلى الداخل، وإله الرحمة لا يطرده! والباب مفتوح، وكلمة الموعد تدعوك أن تأتي، فلا تظن أنه سيردّك، بل بالأحرى آمن بأنه «سيقبلك قبولًا حسنًا ويحبك فضلًا»، وحينئذ «تقدّم له عجول شفتيك». على كل حال جرّبه! جرّبه الآن!
خامسًا: ثم إن هناك حجة أخرى أقوى بكثير. فصراخ فرخ الغراب ليس إلا الصراخ الطبيعي لمخلوق، أما صراخك، إن كان صادقًا، فهو ثمرة عمل النعمة الإلهية في قلبك. حين يصرخ الغراب إلى السماء فليس الصارخ إلا الغراب نفسه، أما حين تصرخ أنت: «ٱللهُمَّ ٱرْحَمْنِي، أَنَا ٱلْخَاطِئَ»، فهو الله الروح القدس يصرخ فيك!
إنها الحياة الجديدة التي أعطاك الله إياها تصرخ إلى المصدر الذي جاءت منه، لتكون لها شركة وصلة بأصلها العظيم. إن الأمر يحتاج إلى الله نفسه ليجعل إنسانًا يصلّي بإخلاص وحق! نستطيع، إن فكّرنا في الأمر، أن نعلّم أولادنا أن «يتلوا صلواتهم»، لكننا لا نستطيع أن نعلّمهم أن «يصلّوا». قد تصنع «كتاب صلوات»، لكنك لا تستطيع أن تضع حبة واحدة من «الصلاة» في كتاب، لأنها أمر روحي جدًا لا يُحبس بين أوراق. ولعل بعضكم «يقرأون الصلوات» في الأسرة. لن أشجب هذه العادة، لكنني سأقول عنها هذا القدر: قد تقرأ تلك «الصلوات» سبعين سنة ومع ذلك لا تصلّي مرة واحدة، لأن الصلاة شيء مختلف تمامًا عن مجرد الكلمات.
الصلاة الحقيقية هي تجارة القلب مع الله، والقلب لا يدخل أبدًا في تجارة روحية مع موانئ السماء حتى يضع الله الروح القدس الريح في الأشرعة ويسرع بالسفينة إلى مرفئها. «يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ». إن كانت في قلبك أي صلاة حقيقية، فالله الروح القدس هناك، وإن لم تعرف أنت السر! فإن كان يسمع صراخًا لا يصدر عنه هو، فكم بالأحرى يسمع الصراخ الذي يصدر عنه! لعلك كنت تحيّر نفسك لتعرف هل صراخك طبيعي أم روحي. قد يبدو هذا أمرًا بالغ الأهمية، ولا شك أنه كذلك، لكن سواء كان صراخك هذا أو ذاك، فاستمر في طلب الرب!
لعلك تشك في أن الله يسمع الصراخ الطبيعي. دعني أؤكد لك أنه يسمعه. أذكر أنني قلت شيئًا في هذا الموضوع ذات مرة في أحد أماكن العبادة المغالية في الكالفينية. كنت حينئذ أعظ الأطفال وأحثّهم على الصلاة. وصادف أن قلت إنني قبل أي تجديد فعلي بزمن طويل كنت أصلّي من أجل المراحم العامة، وإن الله سمع صلواتي. فلم يرق هذا لإخوتي الأفاضل من مدرسة التدقيق المفرط! وبعد ذلك التفّوا جميعًا حولي بدعوى أنهم يريدون أن يعرفوا ما قصدت، لكنهم في الحقيقة جاؤوا ليعترضوا ويتصيّدوا الأخطاء بحسب طبعهم وعادتهم.
«أحاطوا بي مثل النحل. نعم، مثل النحل أحاطوا بي!» وبعد قليل، كما توقعت، انصرفوا إلى تسليتهم المعتادة في إطلاق الألقاب. فأخذوا يقولون أي أرمينية فاضحة هذه! ولقب آخر تفضّلوا بأن يكرموني به كان لقب «فُلَري»، وهو بالمناسبة لقب مشرّف إلى حد أنني كنت أستطيع أن أشكرهم من قلبي على إلحاقه بما قدّمته! لكن القول بأن الله يسمع صلاة الإنسان الطبيعي كان عندهم أسوأ من الأرمينية، إن كان هناك حقًا ما هو أسوأ منها! واستشهدوا بذلك القول المزيّف: «صلاة الأشرار مكرهة الرب»، فأجبتهم سريعًا بأن سألتهم أن يجدوا لي هذا النص في كلمة الله، لأنني تجاسرت فأكّدت أن الشيطان هو قائل هذا الكلام، وأنه ليس في الكتاب المقدس على الإطلاق.
«ذَبِيحَةُ ٱلْأَشْرَارِ مَكْرَهَةُ ٱلرَّبِّ» موجود في الكتاب المقدس، لكن هذا يختلف كل الاختلاف عن «صلاة الأشرار». ثم إن هناك فرقًا واضحًا بين الأشرار المقصودين هناك والإنسان الطبيعي الذي كنا نتجادل بشأنه. لا أظن أن إنسانًا بدأ يصلّي، بأي معنى، يمكن أن يُحسب بجملته بين «ٱلْأَشْرَارِ» الذين قصدهم سليمان، ولا شك أنه ليس بين الذين يحوّلون آذانهم عن سماع الشريعة، الذين كُتب عنهم أن صلاتهم مكرهة.
فقالوا: «حسنًا، ولكن كيف يمكن أن يسمع الله صلاة طبيعية؟» وبينما توقفت لحظة، شقّت امرأة عجوز في عباءة حمراء طريقها إلى الحلقة الصغيرة التي حولي، وقالت لهم بقوة شديدة، كأمّ في إسرائيل كما كانت حقًا: «لماذا تثيرون هذه المسألة ناسين ما قاله الله نفسه! ما هذا الذي تقولونه، أن الله لا يسمع الصلاة الطبيعية؟ أفلا يسمع فراخ الغربان حين تصرخ إليه؟ أفتظنون أنها تقدّم صلوات روحية؟»
وفي الحال ولّى رجال الحرب الأدبار، ولم تكن هزيمة أتم من تلك، ولا بد أنهم شعروا ولو مرة في حياتهم أنهم قد يخطئون! أيها الإخوة، لا شك أن هذا يشجعكم ويعزّيكم! لن أكلّفكم الآن بمهمة البحث هل صلواتكم طبيعية أم روحية، هل تأتي من روح الله أم لا، لأن ذلك قد يثبّط عزيمتكم. إن كانت الصلاة نابعة من صميم قلبكم، فنحن نعلم كيف وصلت إليه، وإن لم تعلموا أنتم. الله يسمع الغربان، وأنا أومن حقًا أنه سيسمع لكم، بل أومن، وإن كنت لا أريد الآن أن أثير المسألة في قلوبكم، أنه يسمع صلاتكم، لأن هناك، وإن لم تعلموا، عملًا خفيًا لروح الله يجري في داخلكم يعلّمكم أن تصلّوا.
سادسًا: لكن عندي حججًا أقوى وأقرب إلى الهدف. حين تصرخ فراخ الغربان، فإنها تصرخ وحدها. أما حين تصلّي أنت، فمعك من هو أعظم منك يصلّي! أتسمع ذلك الخاطئ يصرخ: «ٱللهُمَّ ٱرْحَمْنِي، أَنَا ٱلْخَاطِئَ»؟ أصغِ! أتسمع ذلك الصراخ الآخر الصاعد مع صراخه؟ كلا، أنت لا تسمعه لأن أذنيك ثقيلتان كليلتان، لكن الله يسمعه. هناك صوت آخر، أعلى وأعذب بكثير من الأول، وأقوى غلبة بكثير، يصعد في اللحظة نفسها متوسّلًا: «يا أبتاه، اغفر لهم بدمي الثمين.»
إن صدى همسة الخاطئ مهيب كقصف الرعد! لا يصلّي خاطئ قط صلاة حقيقية إلا والمسيح يصلّي في الوقت نفسه! لا تستطيع أن تراه ولا أن تسمعه، لكن يسوع لا يحرّك أعماق نفسك بروحه قط دون أن تتحرك نفسه هو أيضًا. آه أيها الخاطئ، إن صلاتك حين تَمثُل أمام الله شيء مختلف جدًا عما هي عليه حين تخرج منك!
أحيانًا يأتينا أناس فقراء بعرائض يريدون إرسالها إلى شركة ما أو إلى شخصية عظيمة. فيحضرون العريضة ويطلبون منا أن نقدّمها عنهم. وتكون رديئة الإملاء جدًا، غريبة الخط جدًا، لا نكاد نتبيّن ما يقصدون. ولكن يبقى فيها ما يكفي ليعرّفنا بما يحتاجون إليه. فنكتب لهم أولًا نسخة نظيفة، ثم بعد أن نعرض قضيتهم نضع اسمنا نحن في أسفلها. وإن كان لنا أي نفوذ، فإنهم بالطبع ينالون ما يرغبون فيه بقوة الاسم الموقَّع في ذيل العريضة.
وهذا تمامًا ما يفعله الرب يسوع المسيح بصلواتنا المسكينة! إنه يكتب لها نسخة نظيفة، ويختمها بختم دمه الكفّاري، ويضع اسمه هو في أسفلها، وهكذا تصعد إلى عرش الله. إنها صلاتك، ولكن آه، إنها صلاته هو أيضًا! وكونها صلاته هو ما يجعلها تغلب. والآن هذه حجة كالمطرقة الثقيلة: إن كانت الغربان تغلب حين تصرخ وحدها تمامًا، إن كانت ثرثرتها المسكينة تأتيها من تلقاء نفسها بما تحتاج إليه، فكم بالأحرى تغلب الطلبات الشاكية للخاطئ المسكين المرتعد الذي يستطيع أن يقول: «من أجل يسوع»، والذي يستطيع أن يُحكم كل حججه بتلك الحجة المباركة: «الرب يسوع المسيح يستحق ذلك! يا رب، أعطني إياه من أجله»؟
إنني أرجو حقًا أن هؤلاء الطالبين الذين كنت أكلّمهم، الذين ظلوا يصرخون طويلًا ومع ذلك يخافون ألّا يُسمع لهم أبدًا، لا يضطرون إلى الانتظار أطول من ذلك بكثير، بل ينالون قريبًا جوابًا كريمًا بالسلام! وإن لم ينالوا الآن مشتهى قلوبهم، فإنني آمل أن يتشجّعوا ليثابروا حتى يطلع يوم النعمة. لديك موعد ليس للغربان، وهذا قد يكون حجة أخرى لو سمح لنا الوقت أن نتوقف عندها. أيها المرتعد، ما دام لديك موعد تحتجّ به، فلا تخف أبدًا، فإنك سيُسمع لك عند عرش النعمة!
والآن دعني أقول للخاطئ، في الختام: إن كنت قد صرخت بلا جدوى، فاستمر في الصراخ. «ٱرْجِعْ سَبْعَ مَرَّاتٍ»، نعم، وسبعين مرة سبع مرات! تذكّر أن رحمة الله في المسيح يسوع هي رجاؤك الوحيد!
فتمسّك بها إذن كما يتمسّك الغريق بالحبل الوحيد الذي في متناول يده. إن هلكت وأنت تصلّي طالبًا الرحمة بالدم الثمين، فستكون أول من هلك هكذا! استمر في الصراخ! فقط استمر في الصراخ! ولكن آه، آمن أيضًا! لأن الإيمان يأتي بكوكب الصبح وبطلوع النهار.
حين كانت بيتي، زوجة جون رايلاند، على فراش الموت، كانت في ضيق نفسي شديد، مع أنها كانت مسيحية منذ سنين كثيرة. فقال لها زوجها بأسلوبه الطريف الحكيم: «حسنًا يا بيتي، ما بك؟» «آه يا جون، إنني أموت، وليس لي رجاء يا جون!» «ولكن يا عزيزتي، إلى أين أنت ذاهبة إذن؟» «أنا ذاهبة إلى جهنم!» كان هذا هو الجواب. فقال، وهو يستر ألمه العميق بدعابته المعتادة، قاصدًا أن يوجّه ضربة تصيب المسمار في رأسه وتطرد شكوكها سريعًا: «وماذا تنوين أن تفعلي حين تصلين إلى هناك يا بيتي؟» فلم تستطع المرأة الصالحة أن تجيب، فتابع السيد رايلاند: «أتظنين أنك ستصلّين حين تصلين إلى هناك؟»
فقالت: «آه يا جون، إنني أصلّي في أي مكان. لا أستطيع إلا أن أصلّي!» فقال: «حسنًا إذن، سيقولون هناك: ‹ها هي بيتي رايلاند تصلّي هنا. اطردوها! لا نريد أحدًا يصلّي هنا! اطردوها!›» فهذه الطريقة الغريبة في عرض الأمر أتت بالنور إلى نفسها، ورأت في الحال سخف مجرد الظن بأن نفسًا تطلب المسيح حقًا يمكن أن تُطرح بعيدًا عن حضرته إلى الأبد! استمري في الصراخ أيتها النفس! استمري في الصراخ! ما دام الطفل يستطيع أن يصرخ، فهو حيّ. وما دمت تستطيع أن تحاصر عرش الرحمة، فلك رجاء! ولكن اسمع كما تصرخ، وآمن بما تسمع، لأنه بالإيمان يُنال السلام.
ولكن تمهّل قليلًا، فعندي شيء آخر أقوله. أيمكن أن تكون قد نلت بالفعل البركة نفسها التي تصرخ في طلبها؟ تقول: «آه، ما كنت لأطلب شيئًا قد نلته بالفعل! لو علمت أنه عندي لكففت عن الصراخ، وبدأت أسبّح الله وأباركه.» لست أعلم هل جميعكم أيها الطالبون في حالة آمنة إلى هذا الحد، لكنني مقتنع بأن هناك بعض النفوس الطالبة التي قد نالت الرحمة التي تطلبها. فالرب، بدلًا من أن يقول لهم الليلة: «ٱطْلُبُوا وَجْهِي»، يقول: «لماذا تصرخون إليّ؟ قد سمعتكم في ساعة مقبولة، وفي وقت مقبول أعنتكم. قد محوت خطاياكم كغيمة، وآثامكم كسحابة كثيفة. قد خلّصتكم. أنتم لي. قد طهّرتكم من كل خطاياكم. اذهبوا في طريقكم وافرحوا.»
في مثل هذه الحال يكون التسبيح المؤمن أليق من الصلاة المتألمة المتلوّية. تقول: «آه، ولكن ليس من المرجّح أن تكون الرحمة عندي بينما أنا لا أزال أطلبها.» حسنًا، لست أدري. فالرحمة أحيانًا تسقط مغشيًّا عليها خارج الباب. أفلا يمكن أن تُحمل إلى الداخل وهي في غشيتها، وتظن طوال الوقت أنها لا تزال في الخارج؟ إنها لا تزال تسمع الكلب ينبح، ولكن آه أيتها النفس المسكينة، حين تفيق ستجد أنها داخل البوّابة الصغيرة وأنها في أمان!
هكذا قد يكون بعضكم قد سقط في إغماءة من القنوط في اللحظة نفسها التي كنتم فيها آتين إلى المسيح. فإن كان الأمر كذلك، فلتردّ إليكم النعمة السيادية وعيكم، ولعلني أكون الليلة الوسيلة إلى ذلك. ما الذي تبحثون عنه؟ بعضكم ينتظر أن يرى رؤى ساطعة، لكنني أرجو ألّا تنالوا ذلك أبدًا، لأنها لا تساوي فلسًا للألف منها. كل الرؤى التي في العالم منذ أيام المعجزات، مجتمعة معًا، ليست في النهاية إلا مجرد أحلام، والأحلام ليست إلا باطلًا! يأكل الناس عشاءً أكثر من اللازم ثم يحلمون، فهو عسر هضم أو نشاط مرضي في الدماغ، وهذا كل ما في الأمر! إن كان هذا كل ما لديك من دليل على تجديدك، فحسنًا تفعل إن شككت فيه. أرجوك ألّا تقنع به أبدًا، فهو ركام بائس لا يصلح أن تبني عليه رجاءك الأبدي.
ولعلك تنتظر مشاعر غريبة جدًا، ليست صدمة كهربائية تمامًا، بل شيئًا فريدًا عجيبًا جدًا. صدّقني، لست بحاجة أبدًا إلى أن تشعر بتلك الانفعالات الغريبة التي تقدّرها تقديرًا عاليًا. كل تلك المشاعر الغريبة التي يتحدث عنها بعض الناس فيما يتعلق بالتجديد قد تنفعهم وقد لا تنفعهم، لكنني متيقّن أنه لا علاقة لها في الحقيقة بالتجديد على نحو يجعلها ضرورية له بأي حال!
سأطرح عليك سؤالًا أو اثنين. أتؤمن بأنك خاطئ؟ تقول: «نعم». ولكن لنفترض أنني نحّيت كلمة «خاطئ» جانبًا؟ أتعني أنك تؤمن بأنك كسرت شريعة الله، وأنك معتدٍ لا خير فيه على حكم الله؟ أتؤمن بأنك، في قلبك على الأقل، كسرت كل الوصايا، وأنك تستحق العقاب على ذلك؟ تقول: «نعم، لست أؤمن بذلك فحسب، بل أشعر به! إنه عبء أحمله معي كل يوم.»
والآن شيء آخر: أتؤمن بأن الرب يسوع المسيح يستطيع أن ينزع كل خطيتك هذه؟ نعم، أنت تؤمن بذلك. إذن، أتستطيع أن تثق به ليخلّصك؟ أنت تحتاج إلى الخلاص. لا تستطيع أن تخلّص نفسك. أتستطيع أن تثق به ليخلّصك؟ تقول: «نعم، إنني أفعل ذلك بالفعل.» حسنًا يا صديقي العزيز، إن كنت تثق حقًا بيسوع، فمن المؤكد أنك مخلَّص، لأن لديك الدليل الوحيد على الخلاص الذي يلازم أيًّا منا على الدوام! هناك أدلة أخرى تتبع فيما بعد، كالقداسة وفضائل الروح، لكن الدليل الوحيد الذي يلازم أفضل الناس الأحياء على الدوام هو هذا—
«لا شيء في يديّ أحمل،
بصليبك وحده أتعلّق.»
أتستطيع أن تردّد بيت جاك البائع الجوّال—
«أنا خاطئ مسكين ولا شيء على الإطلاق،
لكن يسوع المسيح هو كلّي في الكل»؟
أرجو أن تتقدّم فيما بعد أكثر من هذا بكثير في الاختبار في بعض النواحي، لكنني لا أريدك أن تتقدّم شبرًا واحدًا أبعد من هذا من جهة أساس دليلك وسبب رجائك. قف هناك فقط، فإن كنت الآن تتطلّع بعيدًا عن كل ما في داخلك وكل ما هو خارجك إلى يسوع المسيح، وتتكل على آلامه على الجلجثة وعلى عمله الكفّاري كله أساسًا لقبولك أمام الله، فأنت مخلَّص! لست تحتاج إلى شيء آخر! لقد انتقلت من الموت إلى الحياة. «اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لَا يُدَانُ». «ٱلَّذِي يُؤْمِنُ … لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ».
لو التقيت ملاكًا بعد قليل في ذلك الممر وأنا خارج من بابي إلى غرفتي، وقال لي: «يا تشارلز سبرجن، لقد جئت من السماء لأخبرك أن الله قد غفر لك»، لقلت له: «أعلم ذلك دون أن تخبرني بشيء من هذا القبيل! أعلمه على سلطان أفضل من سلطانك بكثير.» ولو سألني كيف عرفت ذلك، لأجبت: «كلمة الله أفضل عندي من كلمة ملاك، وهو قد قالها—» «اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لَا يُدَانُ». «وأنا أومن به حقًا، ولذلك فلا دينونة عليّ، وأنا أعلم ذلك دون أن يخبرني به ملاك.»
أيها المضطربون، لا تبحثوا عن ملائكة وعلامات وأدلة وآيات. إن كنتم تتكلون على عمل يسوع المكمَّل، فلديكم بالفعل أفضل دليل على خلاصكم في العالم! لديكم كلمة الله في ذلك، فماذا تحتاجون أكثر؟ أفلا تستطيعون أن تأخذوا بكلمة الله؟ أنتم تأخذون بكلمة آبائكم. وتأخذون بكلمة أمهاتكم، فلماذا لا تأخذون بكلمة الله؟ آه، ما أخسّ قلوبنا حتى نرتاب في الله نفسه!
لعلك تقول إنك لا تفعل شيئًا كهذا. آه، لكنك ترتاب في الله إن لم تثق بالمسيح، لأن «مَنْ لَا يُصَدِّقُ ٱللهَ، فَقَدْ جَعَلَهُ كَاذِبًا». إن لم تثق بالمسيح، فأنت في الواقع تقول إن الله كاذب! لا تريد أن تقول ذلك، أليس كذلك؟ آه، صدّق أن الله صادق! ليت روح الله يلزمك بأن تؤمن برحمة الآب، وقوة دم الابن، واستعداد الروح القدس أن يأتي بالخطاة إلى نفسه!
تعالوا يا سامعيّ الأعزاء، اشتركوا معي في الصلاة لكي تقتادكم النعمة الإلهية إلى أن تروا في يسوع كل ما تحتاجون إليه—
«الصلاة قوة المخلوق، بل أنفاسه وكيانه.
الصلاة هي المفتاح الذهبي الذي يفتح بوّابة الرحمة.
الصلاة هي الصوت السحري الذي قال للقدر: ليكن كذلك.
الصلاة هي العصب الدقيق الذي يحرّك عضلات القدرة الكلية،
فصلّ إذن أيها المخلوق، لأن حاجاتك كثيرة وعظيمة.
عقلك وضميرك وكيانك، حاجاتك كلها تدفعك إلى الصلاة،
شفاء كل الهموم، والدواء الأعظم لكل الآلام،
مبدّدة الشك، وعلاج الخراب، والترياق لكل القلق.»
اكتمل الفصل 13
صرخة الغربان