قوة عظيمة في الصلاة
صلاة الشفاعة

فصل 10 · قراءة 26 د · استماع 34 د

صلاة الشفاعة

«لِأَنَّ صَلَاتِي بَعْدُ فِي مَصَائِبِهِمْ» (مزمور 141:5)

هذه الآية عسيرة جدًّا في الأصل، ومن الصعب أن نقطع بمعناها قطعًا تامًّا. غير أنه ليس من شأني الآن أن أخوض في التفسيرات المختلفة التي قُدِّمت لها، فأنا أرمي إلى غرض آخر. ويكفيني تمامًا، لغرضي الحاضر، ما جاء في الترجمة المعتمدة. والمعنى الذي أعطاه مترجمونا للآية هو هذا: يقول داود إنه وإن وبّخه الرجل البار أشدّ التوبيخ حتى يضرب ضميره ويضع أمامه خطيئته، بل وإن فعل ذلك بقسوة بالغة، فإنه لن يغضب عليه. بل سيحبّه أكثر، ويشكره لأنه عامله بهذه الأمانة، وسيبرهن على محبته بأن يستمر في الصلاة لأجل موبّخه إن حلّت بهذا الرجل الصالح مصيبة في أي وقت.

كان داود سيفسح لناقده الأمين مكانًا دافئًا في صلواته على الدوام. فإن كان هذا هو المعنى، وأنا أظنه كذلك، فهو يُرينا أن داود كان معتادًا أن يصلّي لأجل القدّيسين. ولو لم يكن كذلك لما قال إن صلواته سترتفع لأجلهم حتى في مصائبهم. لقد جعل من عادته اليومية أن يرفع أمام إلهه في صلواته الخاصة أسماء أبرار الله، وإلا، أقول، لما قال إنه حتى لو وبّخه بعضهم ولامه بشدّة فإنه سيظل يصلّي لأجلهم.

سيكون موضوعنا هذا الصباح واجب الشفاعة السامي، وهو واجب قلّما يُلتفت إليه في هذه الأيام. وسنتكلم عنه أولًا، كما يقودنا النص، من جهة القدّيسين، وثانيًا سنحثّكم عليه لأجل الخطاة.

أولًا: علينا إذن أن نتكلم عن واجب الشفاعة لأجل شعب الله. ولكي نرتّب أفكارنا على نحو ما، سنأخذ كلمة «الالتزام» نغمةً أولى لحديثنا. فواجب على كل ولد لله أن يصلّي لأجل سائر أفراد العائلة المقدسة. أفلا تعلّمنا الطبيعة نفسها هذا؟ ولست أعني الطبيعة العتيقة، بل الطبيعة الجديدة التي خلقها فينا الروح القدس. ألم تجدوا يا إخوتي، ما إن صرتم أنتم أنفسكم أصحاب حياة إلهية، أنكم بدأتم تصلّون لأجل الآخرين من غير أن يحثّكم أحد؟ فأولى صرخات إيمانكم بدأت بـ«أَبَانَا ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ»، فشملت آخرين غيركم.

ومن أولى الصلوات التي يرفعها القلب المتجدّد صلاةٌ لأجل الإنسان الذي أُتي به على يده إلى يسوع. فلا ينسى مهتدٍ جديد أن يصلّي لأجل الخادم الذي كان أداة اهتدائه. والنفس التي نجت حديثًا تتوسّل أيضًا لأجل آخرين ما زالوا في الحال البائسة التي مكّنتها النعمة من الإفلات منها: «يا رب، قد أخرجت نفسي من الحبس، فأطلق رفاقي في الأسر. وبرحمتك مكّن آخرين من أن يذوقوا حلاوة خلاصك». ثم إن المسيحيين الذين حادثوا المهتدي في أي وقت، والذين خدموا تعزيته أو تعليمه، سينالون حتمًا نصيبًا في صلواته، لأن القلب المتجدّد قلب شاكر رقيق، وليس مولودًا من فوق إنسانٌ لا يشعر بالامتنان لأصدقائه الغيورين هنا على الأرض.

أطلق طائرًا من قفصه، فيغرّد لك شكره وهو ينطلق في الهواء! وكذلك إن مُكِّنتَ من أن تفتح أبواب السجن لأرواح مقيّدة، فإنها ستكافئ جهودك المحبّة بالصلاة. أقول إنها غريزة طبيعية في المؤمن المولود حديثًا أن يبدأ بالتشفّع في الآخرين، وتبقى هذه الغريزة معه طوال حياته. إنها من الأمور التي لا بدّ أن يفعلها، وفعلها لذّة له، ومن المستحيل أن يكفّ عنها كليًّا، لأن الروح الساكن في صدره يشفع في القدّيسين بحسب مشيئة الله.

ويا أيها الإخوة والأخوات، كما أنها غريزة في الطبيعة المولودة من السماء، فهي كذلك ناموس في بيت المختارين. فالقدّيسون، كلٌّ في رتبته، يمكن أن يوصفوا بأنهم «مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلَاةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي ٱلرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ … بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ، لِأَجْلِ جَمِيعِ ٱلْقِدِّيسِينَ». ولكل مؤمن موضع حارس معيّن له في أمر الصلاة، وهو ملزم ألّا يسكت، بل ألّا يدع الرب يستريح حتى يثبّت أورشليم ويجعلها تسبيحة في

الأرض. وكلّنا ملزمون على السواء أن نصلّي لأجل سلام أورشليم، وقد عُلّق نجاحنا على ذلك. والوصية الجديدة التي أعطانا إياها الرب، والتي يأمرنا فيها «أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا»، تقتضي أن نصلّي بعضنا لأجل بعض. فكيف يدّعي إنسان أنه يحبّ أخاه إن لم يتشفّع فيه عند الله قط؟

أيمكنني أن أعيش على الدوام مع إخوتي المؤمنين وأرى أحزانهم، ثم لا أصرخ إلى الله لأجلهم أبدًا؟ أيمكنني أن ألاحظ فقرهم وضيقهم وتجربتهم وثقل قلوبهم، ثم أنساهم في تضرّعاتي؟ أيمكنني أن أرى عمل إيمانهم وتعب محبتهم ولا ألتمس لهم بركة قط؟ أيمكنني أن أنطوي على نفسي وأقف غير مبالٍ بهموم الذين هم إخوتي وأخواتي في المسيح يسوع؟ مستحيل! فإن استطعت ذلك فلا بدّ أنني أنتمي إلى عائلة أخرى غير عائلة الله، لأن العاطفة المشتركة في عائلة المحبة تقود إلى شفاعة دائمة. حاشا لنا أن نخطئ إلى الرب بالكفّ عن الصلاة لأجل إخوتنا! على كل نحلة في خليّة الكنيسة أن تأتي بنصيبها من هذا العسل إلى المخزن المشترك. وكما أن جذور الشجرة كلها تجوب الأرض طلبًا للغذاء، وكلها تمتصّ القوت لمنفعة الجميع، كذلك ينبغي لكل مؤمن أن يبحث بفم الصلاة المفتوح عن البركات الروحية ويشربها لمنفعة الكنيسة كلها. فلا تنسوا إذن يا إخوتي الالتزام الحلو الذي وُضعتم تحته بحكم صلتكم بالقدّيسين وبربّهم المبارك إلى الأبد.

وفوق ذلك، أيها الأحباء، نحن نعترف بوحدة حيّة بين المؤمنين، وحدة وثيقة جدًّا. فلسنا مجرد إخوة، بل نحن «أعضاء في جسد واحد». المسيح هو رأس جسده السرّي، أي الكنيسة، ونحن جميعًا أعضاء جسده. وكما أن كل طرف وعضو وجهاز وعرق وعصب في جسم الإنسان ضروري للكل، كذلك في الكنيسة كل مؤمن ضروري للباقين، والباقون ضروريون له. قد لا نستطيع أن نبيّن الضرر المحدّد الذي يصيب الذراع من إصابة الركبة، ولكن ثقوا أنه سيكون هناك ألم مشترك. فلا يمكن لخلية واحدة أو كيس واحد في الجهاز كله أن يختلّ من غير أن يؤثر بدرجة ما في بقية الجسم.

وهكذا جعلنا الله معتمدين بعضنا على بعض، أكثر بكثير مما نتصوّر. ففي وحدة الكنيسة يساهم كل إنسان في صحة الجماعة كلها أو في مرضها، ولا يستطيع أن يتجنّب ذلك. فليس أحد في كنيسة الله يعيش لذاته، ولا أحد يموت لذاته. حين ينمو المؤمن في النعمة لا يغتني لنفسه وحده، بل تزداد ثروة الجماعة المسيحية الروحية بمكاسبه. وحين يتراجع إنسان، من الجهة الأخرى، في الأمور الإلهية فيصير فقيرًا ضعيفًا، فإن الضرر لا يقع عليه وحده، بل تفتقر الكنيسة وتضعف وتتأذّى بقدر ما. أيها الإخوة، ما دام الأمر كذلك، فلنؤدِّ بسخاء الواجبات التي علينا نحو الجسد الذي نحن جزء منه! ولنزدد أكثر فأكثر في ممارسة التضرّع المبهجة.

ينبغي أن تنبض الشفاعة كالنبض في الجسد كله، فيشعر كل عضو حيّ بالدفعة المقدسة. الشفاعة من أصغر الأمور التي نستطيع أن نعملها، ومع ذلك فهي من أعظمها، فلا نتهاون فيها. إن عضو الكنيسة الذي لا يصلّي عائق، فهو في الجسد كعظم متعفّن أو سنّ نخرة، وعمّا قليل، لأنه لا يساهم في منفعة إخوته، يصير خطرًا عليهم وحزنًا لهم. أيها الإخوة والأخوات، لا يكن الأمر هكذا مع أحد منكم! ثم أيها الإخوة، إن احتجنا إلى حجّة تمسّ قلوبنا، فهي ليست ببعيدة. فنحن أنفسنا مدينون كثيرًا لصلوات الآخرين. كثير من المسيحيين يستطيعون أن يردّوا اهتداءهم إلى صلوات أمهاتهم التي صعدت إلى السماء لأجلهم حين كانت ألسنتهم الطفلة لا تزال عاجزة عن النطق باسم المخلّص.

أتت بهم أمٌّ إلى يسوع وتوسّلت إليه أن يضع يديه عليهم ويباركهم. وكثيرون منكم مدينون باهتدائهم لتوسّلات معلّمي مدارس الأحد، أو لتضرّعات الخدّام، أو لمسيحيين غيورين أفراد اقتيدوا إلى التشفّع فيكم. فإن كنتم قد نلتم بركة عن طريق الصلاة، فأظهروا امتنانكم بالصلاة لأجل الآخرين! اجتهدوا أن تمنحوا البركة بالطريقة نفسها التي نلتموها بها. أما أنا شخصيًّا فأقول هذا الصباح إنه لا يستطيع إنسان أن يصنع إليّ معروفًا أصدق في هذا العالم من أن يصلّي لأجلي! وأنا أحسب، أيها الإخوة، أنه كلما كثرت الصلوات التي لي ازددت غنى في الثروة الحقيقية، في ذلك النوع من الملك الشخصي الذي هو أفضل من الذهب والفضة.

يلاحظ أحد البيوريتانيين القدامى أن الإنسان حين يزدهر في تجارته يشغّل أيادي كثيرة لحسابه، ويقول إن الإنسان حين ينمو في نفعه يأتي بنفوس كثيرة لتصلّي لأجله، وهكذا تمضي تجارته. وكلما عظم ما يُنفَق من النعمة الإلهية في حالة خادم الرب، ازدادت حاجته إلى معونة الشفاعة من جميع إخوته وأخواته، لكي يقدر أن يمضي في عمله تحت البركة الإلهية. وأنا ملزم يا إخوتي أن أصلّي لأجلكم، إذ أعلم أن كثيرين منكم يحاصرون عرش النعمة على الدوام لأجلي. فأعرض الحجّة

إذن عليكم: إن كنتم قد نلتم بركات بشفاعة القدّيسين، أفلا تكونون جاحدين حقًّا إن لم تتشفّعوا في الآخرين بالمقابل؟

هل أتت بك صلوات أمٍّ إلى المسيح؟ إذن، أيتها الأم الشابة العزيزة، ارفعي توسّلاتك إلى الرب لأجل صغارك الأعزاء. هل قادت تضرّعات أبٍ إلى خلاصك؟ إذن، أيها الشاب، اسند أباك بصلواتك الدائمة فتُغني أيامه الأخيرة. مجانًا أخذتم، مجانًا أعطوا. التربة التي يخصبها الندى تردّ حصادها، فردّوا أنتم أيضًا ردًّا عادلًا إلى الكنيسة التي كانت قناة البركة لكم. فليس الأمر إذن، اليوم، أمر اختيار لنا: أنصلّي لأجل إخوتنا وأخواتنا في المسيح أم لا! أيها الإخوة الأحباء، لستم أحياء لله، وليست لكم غرائز الحياة الجديدة، إن لم تتشفّعوا في أهل الإيمان! وليست لكم المحبة التي هي من الله، وهي العلامة الأكيدة للولادة الجديدة، إن نسيتم الشفاعة! إنكم غافلون عن الدَّين الذي عليكم، وتسلكون بما لا يليق باتحادكم المعلَن بكنيسة المسيح إن أهملتم الشفاعة. وكما بصوت بوق أتوسّل إليكم يا إخوتي وأخواتي أن تصلّوا صلاة فعّالة حارّة لأجل عائلة الله الحي.

لنغيّر كلمة السرّ الآن من «الالتزام» إلى «الكرامة». يا لها من كرامة أن يُسمح لنا أن نصلّي لأجل القدّيسين! فلاحظوا أن هذا يُدخلنا في أوثق شركة يمكن تصوّرها مع الرب يسوع المسيح نفسه. لا نستطيع أن نساهم في تقديم كفّارة عن خطيئة البشر، فقد قال المخلّص: «قَدْ أُكْمِلَ»، وقد أُكمل حقًّا. وليس لنا في ذلك العمل شركة إلا بأن ننال ثماره، لأنه «قد داس المعصرة وحده، ومن الشعوب لم يكن معه أحد». وفي الكرازة بالإنجيل اليوم نحن نمارس وظيفة ليس لربّنا يسوع الآن نصيب فيها؛ فالروح القدس يعيننا، أما الإنسان يسوع المسيح فهو عن يمين الآب، ولا يُسمع صوته مناديًا بالبشارة المفرحة. ولذلك فنحن، من بعض الوجوه، في أشغال متباينة ونمارس وظائف مختلفة، أما في عمل الشفاعة فنحن واحد: ففي هذه اللحظة عينها يتوسّل ربّنا أمام العرش، وحين نتشفّع في شعبه نعمل الأمر عينه تمامًا!

نحن، إذ نصلّي لأجل القدّيسين، في شركة فعلية حاضرة مع رئيس كهنتنا العظيم الذي يشفع داخل الحجاب. أقول ثانية: إن وعظت اليوم فالمسيح لا يعظ، أما إن صلّيت فصوتي يتناغم مع صوته! وإن صلّيت لأجل الإخوة تذكّرت أنه واقف أمام عرش المجد لابسًا الصدرة، وأسماء جميع مختاريه تتلألأ عليها في حجارتها الكريمة. أفليس إذن أمرًا مبهجًا أن نكون شركاء ابن الله في خدمة الشفاعة؟ في هذه الخدمة جعلنا كهنة لإلهنا! إنه الملاك العظيم الذي معه مبخرة الذهب، ودخان البخور الذي يقدّمه يصعد مع صلوات القدّيسين أمام الرب! أيها الأحباء، إن كنتم تريدون أن تتشبّهوا بالرب يسوع في الخدمة، فالفرصة في متناول أيديكم: أكثروا من الشفاعة لأجل القدّيسين!

ثم يا لها من كرامة أن نُقبَل نحن، الذين كنّا منذ قليل شحّاذين لأنفسنا على باب الرحمة، في رضى الملك إلى حدّ أن نجرؤ على أن نقول كلمة في أذن الملك لأجل غيرنا! لقد كانت الرحمة ذات السيادة هي التي سمحت لنا أن نقول: «اِرْحَمْنِي»! ولكن أيّ تنازل هذا الذي أدنانا منه إلى هذا الحدّ حتى صرنا نستطيع أن نأتي إلى الرب ونقول: «أودّ أن أكلّمك كلمة لأجل أخ لي. أجرؤ أن أسأل من يديك عطايا، يا أبي، لأجل أخت تحتاج إلى الرأفة». انظروا يا إخوتي وأخواتي كيف رُقّيتم ترقية عظيمة: لقد عُيّنتم في الوظيفة السامية، وظيفة «مذكّري الملك»، لتسألوه عن خيرات عهده! لقد أُقمتم أمناء على عطايا الملك يوزّعونها باسمه! إنه يضع أمامكم خزانته المفتوحة ويأمركم أن تسألوا ما تريدون. يا لها من نعمة لا تُقدَّر بثمن!

إن كنت أيها المؤمن تعرف كيف تسأل بالإيمان، فإنك تستطيع أن تناول إخوتك وأخواتك غنى أثمن من ذهب أوفير، لأن الشفاعة هي مفتاح قصور العاج التي فيها كنوز الله غير المحدودة! إن القدّيسين في الشفاعة يبلغون موضعًا لا تستطيع الملائكة أن تقف فيه! فتلك الكائنات المقدسة تفرح بالخطاة التائبين، ولكننا لا نقرأ أنه أُذن لها أن تكون متضرّعة لأجل القدّيسين. أما نحن، على نقصنا، فلنا هذه الحظوة! يُسمح لنا أن نفتح فمنا أمام الرب لأجل المرضى والمجرَّبين، ولأجل المضطربين والمنحنين، واثقين أن كل ما نطلبه في الصلاة مؤمنين ننالُه. في هذا الأمر وُضعت علينا كرامة عظيمة. أيها الإخوة والأخوات، انتفعوا بهذه الكرامة!

أعلم جيدًا أنه لو أذنت جلالة الملكة لأيّ واحد منكم أن يأتي إلى القصر ويسأل ما يشاء لأصدقائه، لما أضعتم الفرصة. ففي هذه الأيام، إن ظنّ إنسان أن له أذن عضو في البرلمان، أو أحد أصحاب السلطة، فقلّما يضيّع فرصة أن يتكلم لأجل ابن عمّه أو ابنه الذي يطلب وظيفة قليلة العمل كثيرة الدخل. وفي العالم كله يكثر

طلّاب المناصب. وأصحاب النفوذ، الذين لهم أذن ذوي السلطان، يُلحّ عليهم دائمًا أن يستعملوا مكانتهم في المجتمع أقصى استعمال ممكن. ومع ذلك عليّ أن أقف هنا هذا الصباح وأحثّكم، أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، يا من لكم أذن الله، أن تمارسوا امتيازكم الثمين!

لكم من الله مواعيد بأن يمنحكم طلبتكم، وكثيرون يقولون: «أريد من يتكلم عني إلى الملك»، فلا تبطئوا في المعونة. استعملوا الحرية التي أعطاكم إياها أميركم، وتوسّلوا لأجل إخوتكم وأخواتكم! وإن لم يكن هناك غيري يحتاج إلى صلواتكم، فإني ألتمس بلهفة مكانًا فيها. قال رسول: «أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ، صَلُّوا لِأَجْلِنَا»، فكم بالأحرى أقولها أنا! فإذ نخدم كل يوم في الأقداس، فإن مسؤولياتنا واحتياجاتنا عظيمة جدًّا. فلا تنسونا إذن حين يكون لكم خير. قولوا كلمة طيبة للأمير لأجل عبيده، واسألوه أن يمنحنا مزيدًا من نعمته.

لنغيّر الكلمة الآن من «الكرامة» إلى «الفضل». فصلاة الشفاعة أمر فاضل جدًّا، لأنها أولًا تنفع الذين يمارسونها. أعلم أيها الأحباء أنكم تريدون أن تكونوا ذوي نفع حقيقي في كنيسة الله. وأرجو ألّا يكون بيننا من أعضاء هذه الكنيسة من يكتفي بأن يكون اسمه في السجلّ، وأن يحضر الاجتماعات، ويشعر أن كل شيء قد تمّ متى تمّ هذا. كلا، إنكم تريدون أن تكونوا عونًا حقيقيًّا وأن تأتوا بالمجد لله. حسنًا إذن، أحثّكم لهذه الغاية على فضل صلاة الشفاعة! فأولًا، أيها الإخوة، ستدفعكم إلى أن تعرفوا إخوتكم وأخواتكم. لا تستطيعون أن تحسنوا الصلاة لأجل من لا تعرفون عنهم شيئًا. فلن تدخلوا الجماعة وتخرجوا منها إذن وأنتم لا تعرفون الشخص الجالس بجانبكم في المقعد، بل ستسألون عن أحوال الإخوة، وحين تسمعون أن أحدًا في ضيق في نفسه أو جسده أو ماله، ستكونون مستعدّين أن تلتفتوا إلى ذلك لكي تقدّموا الصلاة لأجله، وعندئذ تكون فيكم معرفة متعاطفة بإخوتكم.

يوصينا بولس أن نعرف الذين يتعبون بيننا ويدبّروننا في الرب! وليت جميع أعضاء الكنيسة يعرفون أكثر عن صراعات راعيهم وأحزانه وأفراحه، لكي يكون لهم مزيد من التعاطف معه. والأمر نفسه يصحّ في سائر الإخوة: فكلما ازدادت معرفتكم وتعاطفكم جادت صلواتكم. ولأنكم ستحتاجون أن تعرفوا لكي تتشفّعوا، أسمّي الشفاعة رياضة فاضلة. والشفاعة الحارّة لا بدّ أن تجلب معها المحبة. لا أظن أنكم تستطيعون أن تبغضوا إنسانًا تصلّون لأجله عادةً. فإن كنتم تنفرون من أحد المسيحيين، فصلّوا لأجله مضاعفًا، لا لأجله فقط بل لأجل أنفسكم أيضًا، لكي تُشفوا من التحامل وتخلصوا من كل شعور قاسٍ.

أتذكرون القصة القديمة عن الرجل الذي ذهب إلى راعيه ليخبره أنه لا يستمتع بوعظه؟ فقال له الخادم بحكمة: «يا أخي العزيز، قبل أن نتحدث في هذا الأمر، لنصلِّ معًا». وبعد أن صلّى كلاهما، وجد المشتكي أنه ليس لديه ما يقوله إلا أن يعترف بأنه هو نفسه كان مقصّرًا جدًّا في الصلاة لأجل راعيه. فردّ عدم انتفاعه إلى هذا السبب. وأنا أنسب نقص المحبة الأخوية إلى تراجع صلاة الشفاعة. صلّوا بعضكم لأجل بعض بجدّ وبانتظام وبحرارة، فتحبكون قلوبكم معًا في المحبة كقلب رجل واحد. هذا هو الملاط ذو الألوان الجميلة الذي ينبغي أن توضع فيه حجارة الكنيسة إن أُريد لها أن تكون مرصوصة معًا.

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، حين تصلّون بعضكم لأجل بعض، لن ينمو تعاطفكم ومحبتكم فحسب، بل ستكون أحكامكم بعضكم على بعض ألطف. فنحن دائمًا نحكم بالرفق على الذين نتشفّع فيهم. إن صوّر نمّام أخي في صورة قاتمة جدًّا، جعلتني محبتي واثقًا أنه مخطئ. ألم أصلِّ لأجله هذا الصباح؟ فكيف أسمعه يُدان؟ وإن اضطررت أن أصدّق أنه مذنب، فإني أحزن جدًّا، لكني لن أغضب عليه، بل سأصلّي إلى الرب أن يغفر له ويردّه، ناظرًا إلى نفسي أيضًا لئلا أُجرَّب أنا. نحن نرى أولادنا جميلين لأنهم أولادنا ولهم مكان في قلوبنا. وبالطريقة نفسها نسرع إلى ملاحظة أيّ صفات خُلقية جديرة بالإعجاب قد تكون في الذين نتشفّع فيهم، ونكون مستعدّين أن نلتمس أعذارًا لعيوب طباعهم.

الصلاة مازجة عجيبة للقلوب، وخالقة عظيمة للمحبة. ولصلاة الشفاعة فاعلية كبيرة في تنمية السهر. افترض أنك، بصفتك عضوًا في هذه الكنيسة، احتككت بمرتدّين، واقتِدت إلى السعي في ردّهم. فإن صلواتك لأجل استرجاعهم ستقودك بطبيعة الحال إلى أن تصلّي: «يا رب، احفظني من هذا الشر. احفظني من الارتداد. احفظني من أن أصير باردًا غير مبالٍ كما صار هؤلاء الإخوة». وإن صادفنا مسيحيين بالاسم سقطوا في السُّكر، وكنّا جادّين في التوسّل إلى الرب أن ينقذهم من تلك الحفرة الرهيبة، فإن نفوسنا نفسها تتعلّم أن تمقت الخطيئة وأن تقف على برج حراستها ضدّها. وإن رأينا أخوين قد اختلفا ولا سبيل إلى ردّهما إلى الصلح، وصلّينا إلى الله أن تعود

الوحدة بينهما، فإننا نُقاد أيضًا إلى أن نسأل أن تكون لنا الروح الوديعة الهادئة، وألّا نسبّب خصامًا، وإن كنّا قد سبّبناه في أي وقت أن نكون مستعدّين للاعتراف بالخطأ وإصلاحه.

وهكذا يصير الذين نهتمّ بهم في صلواتنا منارات لنا. فإن راقبت الآخرين بروح الانتقاد ولُمتهم بلهفة، وطفت من بيت إلى بيت تنشر الرائحة الكريهة بنشاط، فإن مسلكك غير المقدّس هذا سيولّد فيك البرّ الذاتي. أما إن أتيت إلى الرب حزينًا على كل زلّات الإخوة، وطلبت بلجاجة ردّ الضالّين، فإنك تنمّي في قلبك رقّة الشعور والسهر ضد الخطيئة. والذين يتضرّعون كثيرًا لأجل الآخرين كثيرًا ما يجدون على شفاههم هذه الصلاة: «ٱخْتَبِرْنِي يَا ٱللهُ … ٱمْتَحِنِّي … وَٱنْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ، وَٱهْدِنِي طَرِيقًا أَبَدِيًّا».

لا أستطيع أن أتوقف لأخبركم بما في هذه الرياضة، رياضة الشفاعة، من أمور فاضلة أخرى، لكنني مقتنع بأنها من أقدس الرياضات وأصحّها وأقربها إلى السماء مما يمكن أن ينشغل به إنسان تقيّ. ألا تظنون، أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، أنه لو طُلب من كل واحد منّا في الحال أن يقدّم حسابًا عن عنايته بهذا الواجب الفاضل، لاحتاج أكثرنا أن يخجل؟ هل لي أن أجرؤ فأوجّه السؤال إلى كل مسيحي هنا: هل أدّيت لله ولكنيسته نصيبك العادل من صلاة الشفاعة؟ إننا لم نتشفّع أكثر مما ينبغي، أنا متأكد من ذلك، لأنه يصحّ أن يقال عن هذا الملح: «ٱلْمِلْحِ مِنْ دُونِ تَقْيِيدٍ». فلا أحد يصلّي أكثر مما ينبغي لأجل أخيه الإنسان!

هل صلّينا بما يكفي؟ أترك لكم مجالًا وأقف وقفة تطرحون فيها السؤال على أنفسكم. وسأعطيكم جوابي أنا. إن ضميري مرتاح من جهة واجبي نحو هذه الكنيسة في أمر الوعظ، لأني لم أؤخّر أن أخبركم بكل مشورة الله. ولو استطعت أن أتعلّم الوعظ على نحو أفضل لفعلت بسرور. أنا أدرك إخفاقاتي، لكني خدمتكم من القلب وبأمانة أمام الله على هذا المنبر. أما عن شفاعاتي فلا أستطيع أن أقول ذلك. لديّ اعترافات كثيرة أقدّمها لله عن تقصيري في هذا الباب. وأخشى أن عددًا كبيرًا من رفاقي في العمل هنا لا بدّ أن يقرّوا بالذنب في التهمة نفسها. أنت لم تتغيّب قط عن صفّك بعد ظهر الأحد. وأنت دائمًا في عملك في موعدك، وقد درست درس الكتاب جيدًا. هذا حسن، ولكن يا أخي العزيز، هل تصلّي الدرس دائمًا إلى داخل نفسك؟

وأنتِ يا أختي العزيزة، هل اعتدتِ أن تصلّي لأجل الفتيات اللواتي في رعايتك، واحدة واحدة، بحرارة شديدة؟ لست أتّهم، لكني أطلب إليكم أن تنظروا في نفوسكم، لأن هذا التقصير ليس أمرًا تافهًا، بل يُلحق بنا وبالكنيسة ضررًا غير قليل. يا شيوخ هذه الكنيسة وشمامستها، هل أنتم أبرياء في أمر الشفاعة؟ قد يكون بعض الرجال بيننا بلا لوم في هذا الشأن، لكني أخشى أن أكثرنا قد اهتمّ بواجبات أخرى أكثر بكثير من النسبة التي اهتممنا بها بهذا الواجب. لقد صلّينا علنًا في اجتماعات الصلاة، ولم ننسَ أيضًا، كما أرجو، التضرّع لأجل القدّيسين عند المذبح العائلي. ولكن مع ذلك، لو صلّينا لأجل إخوتنا عشرة أضعاف ما صلّينا، بل مئة ضعف، لما تجاوزنا الحدّ!

نقف أحيانًا على المنابر العامة ونتّهم كنيسة الله بأنها تبرد. فلنسأل أنفسنا هذا السؤال: هل زدنا حرارتها بصلواتنا؟ هل توسّلنا لأجل نهضتها؟ نلوم جمعيات الإرساليات لأن النتائج الظاهرة ضئيلة جدًّا. فهل نصلّي لأجل الإرساليات كما ينبغي؟ أسمع شكوى حزينة من الجيل الحاضر والناشئ من الوعّاظ، فهل تشفّعنا لأجل الطلّاب والرعاة كما ينبغي؟ أسمع الناس يتكلمون عن المسيحيين بأنهم إما دنيويون أو سطحيون أو متكبّرون. فهل صلّيتم حتى تخرجوهم من دنيويتهم وكبريائهم؟ أليس من الممكن أنكم كنتم ستُحسنون صنعًا كثيرًا لو صلّيتم لأجلهم بدلًا من أن تعيبوهم؟ نعم، أليس من الممكن أن الأخطاء التي ترونها فيهم يرجع جانب كبير منها إلى إهمالكم أنتم لوظيفة الشفاعة؟ آه، لنكفّ عن التذمّر والشكوى، والانتقاد والتعييب، ولنحمل الأمر كله إلى كرسي الرحمة، لأنه لو تحوّل نصف النَّفَس الذي يُبدَّد عبثًا في الشكاوى اللائمة إلى شفاعة، لكانت في الكنيسة قداسة أكثر بكثير!

والآن لا بدّ أن أعود إلى النص مرة أخرى، وأنا أقدّم لكم كلمة أخرى، هي «المدى». يقول داود في النص: «لِأَنَّ صَلَاتِي بَعْدُ فِي مَصَائِبِهِمْ»، ومعناه هذا: إن أغضبه أحد قدّيسي الله بأمانته لنفسه، فإنه مع ذلك سيصلّي لأجله. أيها الإخوة والأخوات، لا ينبغي أن نحصر صلواتنا في الذين يُرضوننا بطريقة مخاطبتهم لنا، بل علينا أن نصلّي بمحبة لأجل الذين هم حادّون جدًّا، قساة جدًّا، جارحون جدًّا في ملاحظاتهم.

افترضوا أنهم كانوا قساة إلى حدّ أن يحزنوا أرواحنا؟ افترضوا أن توبيخاتهم بدت بلا داعٍ، مؤذية وظالمة؟ فنحن مع ذلك ملزمون أن نصلّي لأجلهم. يبدو أن داود يقول في النص هذا: ليفعل الأبرار به ما شاؤوا، فإنه سيظل يصلّي لأجلهم في مصائبهم. وأنا أحثّكم يا إخوتي، إن كان أحد من أعضاء

هذه الكنيسة قد عاملكم بقسوة، أن تنتقموا منه بأن تحبّوه عشرة أضعاف ما أحببتموه قط، وأن تصلّوا لأجله بمواظبة أكثر وجدّية أكثر! وإن كان أخ قد سحق روحك وجرحك حتى صار التفكير فيه يؤلمك، فلا بأس! فأفضل علاج للجرح أن تذهب إلى الله في الصلاة وتسكب نفسك لأجله، وتسأل الرب أن يعطيه بركة عظيمة، وأن يجعله مسيحيًّا أفضل، وأن يملأه بالمحبة الإلهية!

وعندئذ، حين تراه وقد تحسّن، فإما أن تصل إلى أنك أخطأت في الحكم على ما قاله، وأسأت فهم ما قصد به نفعك، وإما أن تجده يأتي إليك ويقول: «كنت أنا المخطئ يا أخي». أو إن لم يعترف بذلك بالكلام، فإنه سيقرّ به بأفعاله بلطف زائد نحوك. ثم أيها الإخوة، إن وجدنا يومًا أخًا مسيحيًّا في مصيبة، فعلينا أن نصلّي لأجله مضاعفًا. إن أهل العالم يتركون رفاقهم حين يقعون في ضيق، كما يترك القطيع الظبي الجريح. لنا أصدقاء كثيرون حين تسير الأمور على ما يرام، وقليلون جدًّا حين تتجهّم أيام الشر. أما عند المسيحيين فلا ينبغي أن يكون الأمر هكذا! يجب أن نكون أصدقاء أمناء، وينبغي أن نكون ألطف مع الذين افتقروا مما نحن مع غيرهم.

إن صادفنا أخًا مسيحيًّا فقد تعزيته وصار يائسًا، فمع أن صحبته قد لا تكون مبهجة جدًّا، بل قد يكون لها أثر محبط فينا نحن، ينبغي أن نصلّي لأجله أكثر، وأن نحاول أن ننتشله من مستنقع اليأس. وبخاصة إن افتُري على أخ في المسيح، فنحن ملزمون أن نقف إلى جانبه. كثيرون يتّبعون العادة الرديئة، أن يبتعدوا تمامًا عن طريق إنسان لحقه العار. رمى أحدهم حفنة من الوحل على مسيحي بالاسم، فلنُخلِ الطريق، لأن الوحل قد يصيبنا نحن أيضًا! هكذا يقول الجبناء، أما نحن فلا! كلا يا أخي، إن كنت تنتمي إلى جيش عمّانوئيل، وكان أخونا المضطهَد لم يرتكب خطأ، فلنقف معه أو نسقط معه! لا نتخلَّ عن رفيق السلاح أبدًا!

إن قال العالم: «فليسقط! فليسقط! فليسقط!» فسنندفع كالبطل الإغريقي القديم إلى النجدة، ونرفع ترسنا فوق الساقط، ونقاتل عنه حتى يستطيع أن ينهض من جديد، لأننا قد نسقط نحن أيضًا يومًا ما، وقد نحتاج إلى أخ جندي يسترنا من العدو. لنصلِّ حتى نُخرج إخوتنا وأخواتنا من ضيقاتهم ولا نتخلَّ عنهم، وإن طال انتظار تلك الصلاة قبل أن تُستجاب، فلنثابر بلجاجة قائلين مع داود: «لِأَنَّ صَلَاتِي بَعْدُ فِي مَصَائِبِهِمْ».

لن أقول المزيد في أمر الشفاعة لأجل القدّيسين، بل سأتركه أمام العرش الأزلي ومع ضمائركم. أتوسّل إليكم، إلّا إذا كنتم خائنين للمسيح، إن كنتم أعضاء في الوحدة الحقيقية، وإن كانت نفوسكم قد ارتبطت معًا بالروح القدس، أن تجاهدوا كثيرًا بعضكم لأجل بعض، وألّا تطلقوا ملاك العهد حتى تحلّ بركة على بيت الله كله، ثم تفيض منه إلى العالم بأسره.

ثانيًا: والآن، وظيفة الشفاعة السامية لأجل الخطاة. سأتكلم في هذا بإيجاز، ولكن بجدّية كما أرجو. لنا ككنيسة إكليل، وقد احتفظنا به سنين كثيرة. ولكنني أودّ أن أستعمل كلام المسيح في سفر الرؤيا. فهو يقول مخاطبًا إحدى الكنائس: «تَمَسَّكْ بِمَا عِنْدَكَ لِئَلَّا يَأْخُذَ أَحَدٌ إِكْلِيلَكَ». فما الذي كان إكليلنا ككنيسة؟ لم يكن ثروتنا، فنحن لا نتفوّق فيها. ولم يكن علمنا، فنحن لا نتباهى به. ولم يكن خدماتنا الأنيقة، ولا جمال موسيقانا، ولا عذوبة ترانيمنا.

كلا، فنحن لا نبالي بهذه الأمور، بل نتمسّك بالبساطة. لقد كان إكليلنا هذا الأمر الواحد: إن كانت في العالم المسيحي كنيسة كرّست نفسها لربح النفوس، فهذه الكنيسة قد فعلت ذلك. وقد رمت خدمتنا دائمًا إلى هذا: انتشال الشُّعَل من النار، وإخراج الخطاة من الظلمة إلى النور العجيب. ولست أفعل سوى أن أنصفكم إنصافًا بسيطًا يا إخوتي حين أقول إن الجزء الأكبر بكثير من هذه الكنيسة حيّ حقًّا لربح النفوس. يسرّ قلبي أن ألتقي جماعات مختلفة من الإخوة بينكم، يعملون في كل أنحاء هذه المدينة بلا تباهٍ، ولكن بنجاح، في الإتيان بالنفوس إلى المسيح. وأرجو أن يكون الأمر هكذا دائمًا. تمسّكي أيتها الكنيسة بما عندك لئلا يأخذ أحد إكليلك! ليكن فرحنا ومجدنا دائمًا أن الله يعطينا أولادًا روحيين، وأن نفوسًا تولد له.

والآن نحن نرغب في أن نفعل هذا، وأنا متأكد أننا نرغب، ولكن علينا أن نتطلّع أكثر إلى الشفاعة لأجل نفوس غير المهتدين. صلّوا أولًا، لأن هذا هو الأمر الأكثر ضرورة. ماذا نستطيع، أنا وأنت وحدنا، أن نعمل في هداية إنسان؟ لا نستطيع أن نغيّر قلبه! لا نستطيع أن نضع فيه حياة، ولنا أن نفكر كذلك في خلق نفس بين أضلاع الموت! إن تجديد النفوس عمل الله. فماذا إذن؟ إن كنت سأكون أداته في عمل ذلك، فإن أول ما ينبغي أن أفعله هو أن أجثو على ركبتيّ وأصلّي: «يا الله، اعمل معي». أنت ذاهب إلى مدرسة الأحد بعد ظهر اليوم، أو منطلق إلى الوعظ في الشارع. فلو كنتم تستطيعون أن تعملوا العمل لما حثثتكم على أن تضيّعوا الوقت في أن تسألوا الله أن يعمل

ما تقدرون أن تعملوه وحدكم! ولكن بما أنكم عاجزون تمامًا عن أن تربحوا نفسًا واحدة ليسوع بدون روح الله، فليكن أول ما تفعلونه أن تصلّوا: «أيتها القوة الإلهية، تعالي وألبسيني! يا لسان النار، حلّ عليّ! ويا أيتها الريح المقدسة العاصفة الشديدة، اهبّي لتنفخي الحياة في النفوس الميتة!» الصلاة هي الأمر الأكثر ضرورة في ردّ الخطاة عن ضلال طرقهم.

ثم إن صلاة الشفاعة تؤهّلك لأن تصير أداة الله. فإن صلّيت لأجل اهتداء إنسان، وبخاصة إن خصّصت فردًا بعينه، فإن قلبي يدفأ بالمحبة لذلك الفرد وأنا أتأمّل في وضعه وحاله في الصلاة. حسنًا جدًّا، هذا يعلّمني ويعينني على أن أقدّم له الكلمة المناسبة حين أقترب منه. أنا كالجرّاح الذي، إذ يأتي إلى حالة عليه أن يستعمل فيها المشرط، يعرف تمامًا أين كل عظم، ويعرف أيضًا أيّ جزء أصيب. لقد أعطتني صلاتي تشخيصًا لحال الإنسان. لقد فحصتها تمامًا وتأمّلتها في طلباتي، وحين آتي فعليًّا لأعمل فيه، سأكون حكيمًا، بروح الله، لأعمل الأمر الصائب بالطريقة الصائبة.

لو أردنا أن نرسل إنسانًا إلى كلية ليصير معينًا صالحًا للقلوب المضطربة، لأرسلناه إلى كلية «كل صلاة»، لأن الشفاعة هي السبيل إلى أن يصير المرء حكيمًا في ربح النفوس! ثم أيها الإخوة، سيكون للصلاة فيكم هذا الأثر: أنكم ستذهبون إلى العمل بالرجاء. إنه لأمر مروّع جدًّا أن يفكر المرء في أناس يُدفنون أحياء، يضعهم أصدقاؤهم تحت الأرض في توابيتهم والنَّفَس لا يزال في أجسادهم. فلننتبه ألّا ندفن نفسًا حيّة أبدًا، وأخشى أننا معتادون أن نفعل ذلك. نحكم على أحدهم بأنه لن يهتدي أبدًا، ونقول إنها حالة يكون فيها كل جهد بلا جدوى. ونظن في آخر أنه منغمس في الفساد إلى حدّ أننا نستطيع أن نتخلّى عنه وننصرف إلى حالات أكثر رجاءً.

في هذا كله نحن مخطئون، إذ ليس لنا حقّ أن نوقّع حكم إعدام نفس، أو أن نقول لنعمة الله: «إِلَى هُنَا تَأْتِي وَلَا تَتَعَدَّى». آمنوا أنه ما دام الإنسان حيًّا في هذا العالم فهناك إمكانيات للنعمة لأجله! احملوه بين ذراعيكم أمام الله في الصلاة، وحين تبدأون الصلاة لأجله ستشعرون أن هناك رجاءً، وستحادثونه بعد ذلك بطريقة مليئة بالرجاء، وربما بالإيمان. لا أظن أن إنسانًا خلص قط بأن كلّمه آخر بنبرة يائسة، أما النطق البهيج بالمحبة الراجية فيشقّ طريقه. آمنوا أن القلب القاسي يمكن أن ينكسر، ولسان المجدّف أن يتطهّر، وفكر المضطهِد أن يتغيّر، وأن المتمرّد قد يطيع بعدُ المسيح المصلوب ويصير كوكبًا لامعًا في سماء الله.

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، أتوسّل إليكم إذن، بما أن القوة لله، وبما أن الشفاعة تجعلكم صالحين لأن يستعملكم الله، وبما أنها أيضًا تعطيكم رجاءً عظيمًا من جهة الذين تتعاملون معهم، أن تروّضوا أنفسكم في صلاة الشفاعة أكثر بكثير من أي وقت مضى. هذا عمل تستطيعون جميعكم أن تساهموا فيه. لو أتيت إليكم هذا الصباح وقلت: «أيها الإخوة والأخوات، عمل الرب يحتاج إلى مال»، فإني أعلم من خبرة طويلة أنكم ستبذلون أقصى جهدكم. ولكن هناك من سيضطرون أن يجيبوا: «حاجات عائلتي لا تسمح لي أن أعمل شيئًا في هذا الاتجاه». أما حين نطلب الشفاعة، فلا يستطيع مسيحي أن يقول: «لا أستطيع أن أتوسّل إلى الله». ولو ألححت عليكم في هذه اللحظة في الحاجة إلى مزيد من الوعظ العلني، لكان كثيرون من جماعتي معذورين بحق، لأنهم بطيئو الكلام وليست لهم موهبة النطق.

ولكن أيها الإخوة والأخوات، حين يتعلّق الأمر بالشفاعة، فإنكم جميعًا تستطيعون أن تقوموا بهذه الوظيفة! وبذلك يكون لكم نصيب في كل أعمال الكنيسة العظيمة. سمعت عن امرأة تقيّة كانت تقول: «لا أستطيع أن أعظ، لكنني أستطيع أن أعين خادمي على الوعظ بصلواتي. لذلك كلما رأيته يصعد إلى المنبر سأصلّي أن يبارك الله كلمته، وهكذا يكون لي نصيب فيما يعمله». حين تسمعون عن مرسل يعمل في مكان ما في الخارج، صلّوا لأجله، فتصيروا شريكه في العمل. أيها الأحباء، بعضكم كثيرًا ما يكونون مرضى في أجسادهم، ولا ينالون في الليل المضني إلا قليلًا من النوم، أتعرفون لماذا يُبقيكم الرب ساهرين؟ لكي تصلّوا لأجلنا بينما ينام آخرون منّا!

لا بدّ أن يكون لله من يحرسون هزع الليل! إنه يقرّر أن يُقام حول كنيسته حرس من الصلاة النهار كله والليل كله، وأنتم حرّاس هزع الليل. لا تستطيعون أن تعملوا شيئًا آخر، لكنكم تستطيعون أن تصلّوا، وبالصلاة تستطيعون أن تنالوا نصيبًا في أنبل أعمال الكنيسة! والآن لاحظوا: داود يخبرنا ضمنًا أن بعض الذين نصلّي لأجلهم ربما لا يبالون بصلواتنا، وقد يقعون في مصائب عظيمة بسبب خطاياهم. عندئذ يكون وقتنا لكي نكون أكثر جدّية في الشفاعة لأجلهم! إن كنت قد كلّمت إنسانًا شريرًا سنين كثيرة وهو يسخر من كل ما قلته، فإني أعزم في نفسي: «لن أكفّ أبدًا عن الصلاة لأجله. ربما أجده يومًا ما مريضًا، فيطلب عندئذ الصلوات التي يرفضها الآن. ربما أجده بقلب منكسر، فتصير الكلمات التي يهزأ بها الآن حلوة جدًّا في مذاقه».

يا من تسعون وراء النفوس، يجب أن تعرفوا كيف تواصلون المطاردة؛ فالذين يقصر نَفَسهم في ربح النفوس لن ينجحوا أبدًا. تعقّبوهم! تعقّبوهم! تعقّبوهم إلى أبواب القبر! وإن لم يخلصوا بعد عشرين سنة من الصلاة، فتعقّبوهم إلى أبواب الجحيم! فإن عبروا تلك الأبواب مرة صارت صلواتكم غير جائزة ولا نافعة، أما إلى حافّة الهاوية الجهنمية نفسها فاتبعوهم، اتبعوهم بصلواتكم. إن لم يسمعوا لكم وأنتم تتكلمون، فلا يستطيعون أن يمنعوكم من الصلاة. أيهزأون بنصائحكم؟ لا يستطيعون أن يزعجوكم في صلواتكم، لأنهم لا يعرفون متى تقدّمونها. أهم بعيدون حتى إنكم لا تستطيعون الوصول إليهم؟ صلواتكم تستطيع أن تصل إليهم! وتستطيعون أن تباركوهم بعد. أأعلنوا أنهم لن يسمعوا لكم بعد ولن يروا وجوهكم؟ لا بأس، لله صوت لا بدّ أن يسمعوه؛ كلّموه هو، وهو يجعلهم يشعرون.

ومع أنهم يسيئون إليكم الآن ويجازونكم عن خيركم شرًّا، فاتبعوهم، اتبعوهم، اتبعوهم بصلواتكم! لا تدعوهم يهلكون لنقص في تضرّعاتكم. قد يأتي الوقت الذي فيه يكافئنا أبطأ الناس في تسليم قلوبهم للمسيح ألف ضعف عن كل الجهود والتضرّعات التي قد نبذلها. لقد رأيت أحيانًا خاطئًا عظيمًا، حين يخلص، يصير نافعًا بقدر عشرين مهتديًا عاديًّا، لأنه بقدر ما كان ربحه عسيرًا صار نافعًا بعد أن رُبح. لا نتوقع أن نرى كل يوم شاولًا يصير بولس، ولكن حين يحدث ذلك تغتني الكنيسة حقًّا، لأن بولس واحدًا يساوي ألف مؤمن عادي! إن لآلئ أعماق البحر هذه ثمينة. وهذه الحالات العسيرة قد يتّضح أنها «بولسات»، فاعكفوا إذن في وقت مناسب وغير مناسب، مصلّين لأجلهم حتى يُؤتى بهم إلى المسيح.

الأمر الواحد الذي أرغب فيه هذا الصباح هو أن يتعهّد إخوتي وأخواتي الأعزاء في المسيح أن يكونوا أكثر لجاجة في الصلاة لأجل الخطاة المحيطين بنا. أمامنا، كما كان أمام إبراهيم، مدينة عظيمة، فلنتوسّل لأجلها! ونحن، كموسى، نسكن بين شعب خاطئ، فلنقف في الثغر لأجلهم. أناشد كل عضو في هذه الكنيسة، بولائه لله، إن لم يكن حقًّا كاذبًا في الاعتراف الذي قدّمه، أن يصلّي بلجاجة لأجل الأشرار لكي يُؤتى بهم إلى يسوع! توسّلوا إلى يهوه! توسّلوا، فهو يحبّ صلواتكم، وشفاعاتكم كالبخور العطر على مذبح الذهب. توسّلوا إليه فتعيشوا لتروا مكافأة توسّلاتكم في اهتداء بني البشر! اذهبوا إلى بيوتكم واجعلوا أولادكم الموضوع الخاص لصرخاتكم هذا المساء. ابتهلوا إلى الرب أن يخلّص أزواجكم أو زوجاتكم، وأقرباءكم وأقرب جيرانكم.

ابتهلوا لأجل بركة على أصحاب المقاعد والسامعين في هذه الجماعة الذين لا يزالون غير متجدّدين! ثم خذوا شوارعكم، خذوا الحيّ الذي تسكنون فيه، والتمسوا له افتقادًا كريمًا. لن ينقصكم أبدًا أناس تصلّون لأجلهم، فواظبوا إذن على التضرّع. منذ أيام قليلة فقط رأيت أربعة أزواج كانوا قد اهتدوا إلى الله، أما زوجاتهم فبقين خارج الكنيسة. فاجتمع هؤلاء الإخوة الأربعة، وربما هم جميعًا هنا هذا الصباح، للصلاة لأجل اهتداء زوجاتهم، وفي أول أحد للعشاء الرباني من الشهر الماضي أُدخلت الزوجات الأربع استجابةً لصلوات الأزواج الأربعة!

كل شيء ممكن! كل شيء مستطاع للمؤمن! أعاننا الله على أن نؤمن ونتشفّع، ثم ليرسل بركته، لأجل المسيح. آمين.

صفحة 1 / 1 · 26 دقيقة متبقية في الفصل
السابق التالي