حلّق كالنسر
المسحة

فصل 9 · قراءة 12 د · استماع 16 د

المسحة

في الفصل الثاني عرّفتُ المسحة بأنها أن يضع الله ختمه، أي رضاه، على شخص أو خدمة، فيكون لها أثر أبدي في حياة الذين تُقدَّم لهم الخدمة.

لا شكّ أن الله يمسح بعض الخدمات، فتُرى نتائج مذهلة ما كان لإنسان أن يدبّرها. ففي هذه اللحظة (سنة 1999) مثلًا، تجري «مسيرة المصالحة»، حيث تقتفي أعداد صغيرة من المؤمنين خطى الصليبيين قبل تسعمئة سنة. فأولئك المسيحيون الأوائل يُذكَرون بما ارتكبوه من قتل واغتصاب ونهب في زحفهم عبر أوروبا في طريقهم إلى أورشليم لتحرير المدينة المقدسة من المسلمين.

فقد قُتل كل مسلم أو يهودي تقريبًا استطاعوا أن يأسروه. وزرعوا بذور الكراهية وسوء الفهم اللذين يحملهما المسلم اليوم تجاه المسيحي. أما حجّاج اليوم فلهم غاية مختلفة تمامًا. فحيثما ذهبوا، يتقدّمون إلى القادة المسلمين باعتذار مكتوب يُقرأ بالعربية والإنجليزية واللغة المحلية. لا شروط مرفقة به، بل مجرّد تماهٍ متواضع واعتراف بالمظالم التي ارتُكبت منذ زمن بعيد تحت راية الصليب. ويتوقّعون في نهاية سنة 1999 أن يصلوا إلى أورشليم برسالتهم، رسالة التوبة والمصالحة.

وكان تجاوب الأئمة وقادة المساجد تجاوب دهشة وقبول، حتى إن بعضهم شبّه مجيء هؤلاء المسيحيين بـ«ظهور إلهي» - افتقاد علني من الله لشعبه. ونقلت الصحف الوطنية والتلفزيون والإذاعة تقارير إيجابية كثيرة إلى جميع شعوب بلدانهم.

هناك رجال ونساء ترتبط أسماؤهم بهذا الحدث الرائع، لكنهم جميعًا حريصون على البقاء في الخلفية بينما يعمل الله في قلوب الشعوب المسلمة في أوروبا. حقًا إن مسحته على هذه الخدمة.

وأنا واثق أنك تستطيع أيضًا أن تفكّر في خدمات يظهر فيها سرور الله، ويتحقّق فيها أثر أبدي عظيم. غير أن هناك برامج أخرى كثيرة جدًا وُلدت لا في قلب الله بل في عقل الإنسان. قد يكون صاحب المبادرة مخلصًا وجادًّا في التزامه بهذا العمل - وقد يعطيه الله قدرًا من النجاح إكرامًا لأمانته - لكن المسحة قليلة أو معدومة. بل كنت جزءًا من خدمات كبيرة رأيت فيها أمثلة كثيرة جدًا على سلوك غير أخلاقي وتفكير إنساني النزعة، وكل ذلك باسم نشر الإنجيل.

مورس الضغط السياسي على الناس، وهُدّدت وظائف، وتلاعبوا بالظروف، وقيلت أنصاف حقائق (وهي لا تختلف عن الأكاذيب!)، لمجرّد أن نستمرّ في برنامجنا من دون عقبات كثيرة. وخلصت نفوس - أليست نعمة الله عجيبة؟ - لكن الناس صدّقوا بعدئذ أن الغاية تبرّر الوسيلة، واستمرّوا يخطّطون لبرنامجهم التالي على الأساس المهتزّ نفسه. فكم كنّا سنرى من نعمة الله أكثر لو حافظنا على النزاهة والتواضع أمامه؟

هناك اليوم أناس كثيرون لهم «خدمات» كبيرة، وكانوا سينجحون بالقدر نفسه لو أسّسوا عملًا تجاريًا دنيويًا. فالخدمة مبنية على جاذبيتهم الشخصية أو حسّهم التجاري، لا على مواهب الروح (الكاريزماتا) ومسحة الله. وهذا بالتأكيد من الأسباب الرئيسية التي تجعل كثيرين في كنائسنا سطحيين في إيمانهم، عاجزين عن أن يكونوا الغالبين الذين يدعونا يسوع - ويتوقّع منّا - أن نكونهم؛ ولماذا تتعثّر كنائس ورعاة كثيرون، ولماذا تقوى أبواب الجحيم على كثير ممّا نسمّيه كنيسة؛ ولماذا لا يُحدث إلا أثر ضئيل في التفكير الإنساني الدنيوي لحكوماتنا.

نحن في حاجة ماسّة إلى رجال ونساء وبرامج عليها مسحة الله. فلماذا يمسح الله برامج لم يبادر هو إليها، وأناسًا لم يكمّلهم ولم يطلقهم إلى الخدمة التي يعملون فيها؟ لقد وضع الله العبء على أناس، وكمّلهم، وهو ينتظر أن يُطلَقوا إلى خدمته لكي يُظهر مجده من خلالهم بمسحة عظيمة.

أحيانًا ليس العلمانيون هم الذين يحتاجون إلى أن يُطلَقوا، بل الإكليروس!

زرت بيت جيم وكاثي، وهما زوجان شابّان في كوينزلاند بأستراليا. كان جيم مستشارًا للشركات الصغيرة التي تفكّر في التوسّع وتحتاج إلى نظرة خبير في المخاطر المحتملة لمثل هذه الخطوة. وأخبرني كيف عانيا ماليًا بضع سنوات، لأن بعض الشركات رفضت أن تستعين به بسبب رفضه أن يشارك في «دهن أيدي» مديري الشركات بالرشوة. وكان جيم وكاثي يحضران كنيسة نادرًا ما تجاوز الحضور فيها أربعين شخصًا.

وفي إحدى السنوات قام هو وراعيه برحلة إرسالية إلى بابوا غينيا الجديدة، أقرب أمّة نامية، قبالة الساحل الشمالي الشرقي لأستراليا. ولمّا عاد إلى البيت كان جيم متحمّسًا جدًا وهو يروي القصص عن الطريقة التي مسح بها الرب خدمتهم، ولا سيّما خدمة راعيهم.

قال: «يا كاثي، كانت على راعينا مسحة عظيمة وهو يخدم شعب بابوا غينيا الجديدة. لقد استخدمه روح الرب استخداما عجيبا، وأتى كثيرون إلى الإيمان بالمسيح. علينا أن نرسله إلى هناك أكثر، لكنني أعرف أنه لا يقدر على ذلك، ولا الكنيسة حاليا. فهل نستطيع أن نمد دخلنا لنضع جانبا بعض المال كل شهر، لنكون صندوقا نرسل منه الراعي في رحلات إرسالية أكثر؟»

فاتّفقا على ذلك. سيطلقان راعيهما إلى الخدمة المعيّنة له. ولمّا روى لي جيم هذه القصة بعد سنة، أضاف إليها خاتمة مذهلة. ففي تلك السنة الواحدة، تلقّى عمله دخلًا يبلغ عشرة أضعاف ما تلقّوه في أي سنة سابقة، ولم يستطيعا أن يرسلا راعيهما بضع مرات إلى بابوا غينيا الجديدة فحسب، بل استطاعا أيضًا أن يموّلا عددًا من أفراد الكنيسة ليرافقوه في الخدمة!

كان حجم العمل على جيم هو نفسه، لكن الشركات التي صارت تستعين به الآن كانت تدفع عمولات أكبر بكثير ممّا تلقّاه من قبل. فلم يكن الله يمسح خدمة راعيهما فحسب، بل كان يمسح أيضًا خدمة جيم وكاثي في «العطاء بسخاء». قد لا يصير جيم واعظًا أو مبشّرًا أبدًا، لكنه وجد خدمته، وهو يجد فيها شبعًا عظيمًا، محلّقًا كالنسر.

وكانت القصة أكثر إدهاشًا في المرة التالية التي زرت فيها جيم وكاثي. فقد أخبرني كيف تضاعف دخله كل سنة منذ زيارتي، فصار الآن يتقاضى ثمانية أضعاف ما كان يكسبه. وأضاف: «لكنك سترى أنني ما زلت أسكن البيت نفسه، وأن السيارة (الصغيرة) نفسها ما زالت أمام بيتي. ذلك لأننا في السنوات الأربع الأخيرة أرسلنا كل عضو في كنيستنا إلى حقل الإرسالية، وبعضهم مرات عدة. فلماذا نريد بيتا أكبر أو سيارة أفضل ونحن نستمتع إلى هذا الحد بخدمة الرب؟»

كان يسوع «مولودا من الروح القدس»، على خلاف أيّ واحد منّا نحن الذين نحتاج إلى أن «نولد ثانية» من ذلك الروح نفسه، لكي نُدعى مثله أبناء الله. لقد سكن روح الله في يسوع الإنسان.

حقًا كان هو ابن الله المتجسّد. فالكلمة (إعلان الله عن ذاته) صار جسدًا وحلّ بيننا. وفي أحد الأيام جاء يسوع إلى قريبه يوحنا الذي كان يعمّد الناس في الأردن. ولم تكن معموديته معمودية تجديد، ولا اعترافًا علنيًا بالإيمان، بل معمودية توبة ورجوع إلى استقامة الناموس.

قال يسوع: «عمدني يا يوحنا».

فقال يوحنا: «لا أستطيع أن أعمدك يا يسوع. بل أنت من يجب أن يعمدني!»

فقال يسوع ثانية: «عمدني يا يوحنا، لكي نكمل كل بر».

فعمّده يوحنا.

«وَنَزَلَ عَلَيْهِ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ بِهَيْئَةٍ جِسْمِيَّةٍ مِثْلِ حَمَامَةٍ. وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ ٱلسَّمَاءِ قَائِلًا: ‹أَنْتَ ٱبْنِي ٱلْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ›»

وفي الحال اقتاده الروح إلى البرية حيث كان سيقضي أربعين يومًا صامتة. وهي صامتة فقط بمعنى أنه لا سجلّ لدينا لما حدث فيها حتى جرّبه الشيطان في نهاية تلك المدة. والتخمين لا يضرّ ما لم نجعله عقيدة، لكنني كثيرًا ما تساءلت لماذا قاده الروح القدس على هذا النحو.

وقد صرت أؤمن أن الأيام الأربعين قضاها في شركة مع أبيه، حيث تعلّم الطريق الموضوع أمامه، الرحلة عبر جثسيماني والجلجثة، التي وحدها تستطيع أن تشتري فداءنا. لقد أُعطي خدمته.

ولمّا عاد إلى بلدته الناصرة، دخل يسوع المجمع وأخذ الكتاب وقرأ: «رُوحُ ٱلرَّبِّ عَلَيَّ، لِأَنَّهُ مَسَحَنِي لِأُبَشِّرَ ٱلْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي … لِأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِٱلْإِطْلَاقِ ولِلْعُمْيِ بِٱلْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ ٱلْمُنْسَحِقِينَ فِي ٱلْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ ٱلرَّبِّ ٱلْمَقْبُولَةِ».

...وهذا ما بدأ يفعله. ولم يسمح لنفسه بأن ينحرف عن طريقه بسبب مطالب الآخرين ورغباتهم.

حين أُلقي يوحنا في الزنازين تحت قصر هيرودس، توقّع أن يفعل قريبه يسوع شيئًا في الأمر. أليس هو آتيًا ليقيم ملكوته على الأرض؟

أليس سيُسقط الإمبراطورية الرومانية وآل هيرودس معها؟ أليس سيطلق المأسورين أحرارًا؟ وبعد وقت قصير اتّضح للمعمدان أن يسوع لن يأتي - بل إنه لم يرسل حتى بطاقة تمنّيات بخروج قريب إلى قريبه السجين! فدعا يوحنا بعض تلاميذه وطلب إليهم أن يبحثوا عن يسوع، ومتى وجدوه أن يسألوه هذا السؤال: «أَنْتَ هُوَ ٱلْآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟»

لا بدّ أن يوحنا كان مستاءً حقًا ممّا بدا من قلّة اهتمام يسوع، فلم يكن أحد أكثر يقينًا من يوحنا نفسه بأن يسوع هو المسيّا. فقد تنبّأ، ورأى الحمامة، وسمع الصوت الذي أعلنه كذلك. لاحظ الجواب الذي أرسله يسوع إلى يوحنا.

«ٱذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَٱلْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَٱلْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَٱلصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَٱلْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَٱلْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ.

....وَطُوبَى لِمَنْ لَا يَعْثُرُ فِيَّ!»

وبعبارة أخرى: «إنني أفعل بالضبط ما دعيت إليه وكملت له ومسحت لأفعله!»

إن كان يسوع قد احتاج إلى أن يُمسح ليتمّم خدمته، فكم بالأحرى نحن؟

لقد امتلأ من الروح القدس منذ ولادته، لكنه احتاج إلى مسحة الروح قبل أن يبدأ خدمته!

وهناك فرق كبير بين هذين الاختبارين للروح القدس، وإخفاقنا في فهمه يُضعف خدمة جسد المسيح.

عند الولادة الجديدة «اعتمدنا بالروح إلى جسد المسيح». وقد حدث هذا أولًا للتلاميذ بعد الجلجثة بثلاثة أيام، حين جاء يسوع إليهم في غرفة مغلقة ونفخ فيهم قائلًا: «ٱقْبَلُوا ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ!» (صيغة الأمر في زمن الأوريست اليوناني، التي تقتضي مفعولًا فوريًا). لقد «ولدوا ثانية»، كما وُلدت أنا بعد ذلك بنحو ألفي سنة وأنا في السابعة عشرة، حين دخل الروح القدس نفسه حياتي. وهذا ما نسمّيه التبرير.

أخبر يوحنا الناس عن آتٍ بعده سيعمّدهم بالروح القدس ونار. وهذا هو موعد الآب الذي أشار إليه يسوع حين أوصى تلاميذه: «فَأَقِيمُوا فِي مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ ٱلْأَعَالِي». وقد حدث هذا أولًا يوم الخمسين، بعد الجلجثة بسبعة أسابيع، حين نال المئة والعشرون المجتمعون في العلّيّة قوة عظيمة إذ عمّدهم يسوع الممجَّد بالروح القدس. فهذه المعمودية يجريها يسوع، وهي إلى الروح القدس. واضح أن الكتاب المقدس يتكلّم عن اختبارين مختلفين.

إن مشيئة الله أن يمتلئ كل مؤمن من الروح. وهذا اختبار حاسم واختبار مستمرّ في آن واحد، يلي التجديد.

يحثّنا الرسول بولس في أفسس 5:18 على أن «نداوم على الامتلاء بالروح». فواضح أنه مع أن المعمودية (الامتلاء الأول) بالروح القدس عمل سيادي من الرب، فنحن مسؤولون عن الامتلاء المستمرّ. هناك شيء نستطيع أن نفعله.

ويتابع بولس بما هو ثلاثة براهين على الحياة الممتلئة بالروح: العدد 19: موقف العبادة؛ العدد 20: موقف الشكر؛ العدد 21: موقف الخدمة.

وبقية الأصحاح الخامس ومعظم السادس أمثلة على كيفية عيش هذه الحياة الممتلئة بالروح في علاقاتنا بأزواجنا وأولادنا وزملائنا في العمل.

ومن المحزن أننا خلطنا بين هذا الامتلاء (أو المعمودية) بالروح القدس ومسحة الروح. فالأول امتلاء - في داخلك؛ والثانية تقوية - عليك. الأول هو التكميل استعدادًا للخدمة؛ والثانية تأتي بعد الإطلاق إلى الخدمة. الأول يتوقّف الآن على مواقفنا وانفتاحنا؛ أما الثانية فما زالت سيادية.

هناك حركة في الكنيسة اليوم للاعتراف مجدّدًا بمواهب الخدمة التي كانت في زمن العهد الجديد، كالرسول والنبي. لم نجد صعوبة في أن ندعو رجالًا مبشّرين أو رعاة أو معلّمين، أما الاثنان الآخران المذكوران في أفسس 4 فقد أثارا لدينا قلقًا أكبر. وأنا أؤمن أن هاتين الخدمتين ينبغي أن تكونا حاضرتين في الكنيسة، ظاهرتين بمسحتهما.

ولكن من المحزن أنني حضرت مرات كثيرة جدًا حين أنهى متكلّم وقته على المنبر بأن يتكلّم علنًا مستهدفًا أفرادًا في الجماعة بنبوّات عن المستقبل. وكثير منها لم يتحقّق قطّ، ولم يحاسب أحد النبي على أقواله الخاطئة. وبصفتي راعيًا، اضطررت إلى معالجة عدّة أوضاع محزنة نشأت في حياة أفراد تصرّفوا بناءً على النصيحة النبوية لشخص آخر. ففي أيام العهد القديم، إن لم تكن كلمة النبي صادقة، كان يُقتل! فلم يكن يتكلّم إلا حين يعرف أن عليه مسحة الله!

وبين قوسين، لا بدّ أن أمتدح الأخ الذي زار بلدة للخدمة، وتركها بكلمة قوية عن انسكاب عظيم لروح الله يوشك أن يحلّ على الكنائس. وقال: «لو كنت راعيا هنا لألغيت عطلتي، لكي أكون متاحا للكثيرين الذين سيأتون إلى كنيستي في الأشهر القادمة».

وقد فعل بعض الرعاة ذلك بالضبط، تاركين زوجاتهم وأولادهم يذهبون في العطلة وحدهم.

ولكن حين أوشكت السنة على الانتهاء، كان واضحًا أن شيئًا مميّزًا لم يحدث، فأرسل ممثّلو رعاة البلدة رسالة مهذّبة إلى النبي يسألونه إن كانوا قد فعلوا شيئًا حوّل بركة الله عن بلدتهم. وكان جوابه متّضعًا، إذ اعترف بأنه «أفسد الأمر»، وأنه لذلك ألغى اجتماعات نبوية أخرى لعدّة أشهر، واضعًا نفسه تحت تأديب قادة كنيسته المحلية. وطلب منهم الصفح.

وأفضل نصيحة سمعتها عن النبوة جاءت من فلويد ماكلنغ من «شباب مع رسالة».

قال: «إن أعطاك أحد كلمة نبوية، فضعها في الدرج السفلي من خزانتك وأقفل الدرج. فهي لم تعط لك للإرشاد في الحاضر، بل للتشجيع في المستقبل». ثم شرح أنه إن كانت النبوة من الله، فسيأتي وقت تكون فيه في موقف تحتاج فيه إلى يقين. حينئذ ستتذكّر النبوة التي أخبرتك أن هذا سيحدث، فتزداد ثقتك بأن الله هو الذي قادك إلى هنا.

إن تحقّق النبوة هو البرهان الوحيد على مسحتها.

يسارع الناس إلى ادّعاء المسحة دون أن يعتبروا ثمن غيابها. فإن كان الأنبياء الكذبة في العهد القديم يُقتلون، فالمرء يتساءل كيف ينظر الرب إلى الأنبياء الكذبة في العهد الجديد. كم يخسرون من أفضل بركاته؟

ويمكن أن يُبدى قلق مماثل بشأن المعلّمين. فقد حذّر بولس الكنيسة الأولى باستمرار من المعلّمين «الكذبة»، ومن أن الناس «لَا يَحْتَمِلُونَ … ٱلتَّعْلِيمَ ٱلصَّحِيحَ، بَلْ حَسَبَ شَهَوَاتِهِمُ ٱلْخَاصَّةِ يَجْمَعُونَ لَهُمْ مُعَلِّمِينَ مُسْتَحِكَّةً مَسَامِعُهُمْ».

قضيت بعض الوقت في أمريكا اللاتينية حيث يتمتّع بعض المعلّمين من أمريكا الشمالية بشعبية كبيرة، وقد تُرجم كثير من كتبهم وأشرطة الفيديو الخاصة بهم إلى الإسبانية والبرتغالية. وشاهدت مع أصدقائي من أمريكا اللاتينية أشرطة فيديو أطلق فيها المعلّم أقوالًا جازمة لا سند لها في الكتاب المقدس. فهو يقول خمس عبارات، الثلاث الأولى منها سليمة كتابيًا، أما الأخيرتان فمن نسج خياله.

غير أن جمهوره يتقبّل العبارات الخمس كلها على أنها كتابية، وكثير من الرعاة، لقلّة خبرتهم في الدراسة الشخصية والبحث الكتابي، يتقبّلون هذا التعليم أساسًا عقائديًا لهم. أثّر في راعٍ تؤثّر في كنيسة - للخير أو للشرّ.

كتبت من قبل أن الصفة التي تميّز الشيخ عن الشمّاس هي أن يكون «صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ» (قادر على تطبيق الكلمة وسريع إليه). والشيخ الذي يعلّم جيدًا يُحسب أهلًا لـ«كَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ». فخدمته تُعدّ ثمينة إلى حدّ أن الكنيسة تضعها فوق كل خدمة أخرى بـ«كَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ». لماذا؟

ولنضف أيضًا قبل الإجابة عن السؤال أن الشيوخ (الرعاة والمعلّمين) الذين يخفقون في خدمتهم يجب أن يُوبَّخوا أمام الكنيسة كلها! كرامة مضاعفة، وخطر مضاعف. وهذا لا ينطبق على أي منصب آخر في الكنيسة!

لنعد إلى السؤال. لماذا ينال المعلّم كرامة مضاعفة لا النبي ولا المبشّر ولا أي أحد آخر؟

دعني أقترح أن السبب قد يتّضح من الأمثلة التالية.

إن أدّى المبشّر عمله جيدًا، فسيأتي بمؤمنين جدد كثيرين إلى الكنيسة. وإن أدّاه بشكل رديء، فلن يضيف إلى الكنيسة مؤمنين جددًا. النتيجة إمّا صفر وإمّا كثيرون، وهي نتيجة جمعية.

وإن أدّى المعلّم عمله جيدًا، فسيُخرج تلاميذ كثيرين يتكاثرون. وإن أدّاه بشكل رديء، فسيُخرج أيضًا تلاميذ كثيرين، لكنهم تلاميذ سيّئون يتكاثرون. النتيجة كثير إيجابي أو كثير سلبي، وكلاهما قابل للتكاثر.

كتب بولس: «وَضَعَ ٱللهُ أُنَاسًا … مُعَلِّمِينَ». ثم سأل: «أَلَعَلَّ ٱلْجَمِيعَ مُعَلِّمُونَ؟» نحن نحتاج إلى معلّمين مسحهم الروح ليعلّموا غنى المسيح المكتوم. لا تدّعِ لنفسك أيًّا من دعوات الخدمة في الكنيسة، كالراعي أو المعلّم أو النبي، ما لم يطلقك آخرون إلى هذه الخدمة، معترفين بالعبء والموهبة الظاهرين اللذين نلتهما من الرب. إنه لأمر خطر أن تدّعي مسحة حيث لا مسحة. هذا ليس إيمانًا - بل هو اجتراء، وخطية.

هناك اليوم حركة بين المؤمنين الذين خاب أملهم لتأسيس كنائس بيتية. فقد سئموا البنية الهرمية لكنائسهم الطائفية، معتقدين أنها غير كتابية وتسلّطية. ومن المحزن أن كثيرًا جدًا من هذه الكنائس ينتهي إلى القالب نفسه الذي كانت عليه الكنيسة السابقة، إذ يصعد إلى القمة «قادة» متسلّطون مسيطرون. فمن طبيعة البشر أن يتسلّطوا على من يعدّونهم أضعف منهم أو أقلّ كفاءة.

حين أسّس الرسول بولس كنائس بيتية في آسيا الصغرى، أقام شيوخًا ليرعوا هذه الجماعات الناشئة. وهذه خدمة أعطاها الله. فسلطان القائد ليس في لقبه بل في مسحته شيخًا.

وحين يستوفي حقًا الشروط الكتابية للشيخ كما وردت في تيطس وتيموثاوس الأولى، تكون أمام تلك الكنيسة البيتية إمكانية عظيمة للنموّ تحت مسحة الرب.

أسئلة للتأمّل

لماذا يشير إيفانز إلى «مسيرة المصالحة» مثالًا على خدمة ممسوحة؟

اقتفى مؤمنون خطى الصليبيّين، مقدّمين للقادة المسلمين اعتذارًا مكتوبًا عن المظالم التي ارتُكبت تحت راية الصليب. فتجاوب الأئمّة بدهشة وقبول، حتى إنّ بعضهم شبّه ذلك بـ«ظهور إلهي»، وبقي القائمون على المسيرة في الخلفيّة بينما كان الله يعمل.

كيف بارك الله جيم وكاثي لأنهما أطلقا راعيهما؟

بعد أن بدآ يدّخران ليرسلا راعيهما الممسوح ثانيةً إلى بابوا غينيا الجديدة، تلقّى عمل جيم في سنة واحدة دخلًا يبلغ عشرة أضعاف ما كان من قبل، وظلّ يتضاعف بعد ذلك. ومع ذلك بقيا في البيت نفسه ومعهما السيارة الصغيرة نفسها، وفي أربع سنوات كانا قد أرسلا كلّ عضو في كنيستهما إلى حقل الإرساليّة.

كيف يميّز إيفانز بين الامتلاء بالروح ومسحة الروح؟

الامتلاء في داخلك، أمّا المسحة فتقوية عليك. والامتلاء تكميل استعدادًا للخدمة، أمّا المسحة فتأتي بعد الإطلاق إلى الخدمة؛ والامتلاء يتوقّف الآن على مواقفنا وانفتاحنا، أمّا المسحة فما زالت عملًا سياديًّا.

ما النصيحة بشأن النبوّة التي ينقلها إيفانز عن فلويد ماكلنغ؟

أن تضع أيّ كلمة نبويّة في الدرج السفلي من خزانتك وتقفله، لأنها لم تُعطَ لك للإرشاد في الحاضر، بل للتشجيع في المستقبل. فإن كانت من الله، فسيأتي وقت تتذكّرها فيه فتزداد ثقتك بأنّ الله هو الذي قادك إلى هناك؛ وتحقّق النبوّة هو البرهان الوحيد على مسحتها.

لماذا يرى إيفانز أنّ المعلّمين ينالون «كرامة مضاعفة» ويواجهون خطرًا مضاعفًا؟

عمل المبشّر جمعيّ: فإن أدّاه بشكل رديء فهو ببساطة لا يضيف أحدًا. أمّا عمل المعلّم فيتكاثر في الحالتين، لأنّ المعلّم الرديء يُخرج هو أيضًا تلاميذ، لكنهم تلاميذ سيّئون يتكاثرون؛ ولذلك ينال الشيوخ الذين يعلّمون جيّدًا كرامة مضاعفة، ويُوبَّخ الذين يخفقون أمام الكنيسة كلّها.

اكتمل الفصل 9

المسحة

صفحة 1 / 1 · 12 دقيقة متبقية في الفصل
السابق التالي