فصل 10 · قراءة 14 د · استماع 18 د
الطيران
حين يضع الله مسحته على خدمة إنسان، رجلًا كان أو امرأة، سيختبر ما يعنيه القول: «يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَٱلنُّسُورِ». سيشعر برياح الروح تحمله، فيحلّق عاليًا فوق الحياة الرتيبة التي يحياها كثيرون غيره من المؤمنين. سيكون النير هيّنًا والحمل خفيفًا.
رويت في الفصول السابقة قصصًا كثيرة عن بعض الذين كان لي امتياز أن أعرف حياتهم. لقد التقطت شيئًا من حماستهم، وشعرت بشيء من مسحتهم، ولم يعد يرضيني الآن ما هو أقلّ من ذلك في خدمتي أنا. فليس هناك ما يشبعني ويملؤني رضًى أكثر من أن أقضي الوقت مع مؤمنين شبّان جائعين يطلبون مسيرة أعمق مع الرب. فإن استطعت أن أقودهم إلى نمط حياة مسيحي سليم، متحرّر من الآلام والجراح التي يحملها كثيرون، يخدمون فيه بحسب موهبتهم، فإنني أعرف معنى «فَرَحٍ لَا يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ»! هناك أختبر القرب الذي يكون في الاقتران بالرب تحت نير واحد، لأنه عبئه هو الذي أحمله، العبء الذي أعطاني إياه لأحمله معه.
دعني أخبرك عن آخرين التقيتهم. بعض الأسماء ستعرفها، وبعضها غريب عنك لكنه ليس غريبًا عن الرب.
جاكي بولينجر.
حين عرفت جاكي في 1967-1969، كنّا كلانا معلّمَين شابَّين في هونغ كونغ.
دخلت معها مرتين إلى «وكر التنين» (مدينة كولون المسوّرة السيّئة السمعة) وهي تعقد اجتماعات للأطفال. لم يكن الوضع سهلًا، وقليلون هم الذين كانوا يجرؤون على الذهاب معها إلى هناك.
كنّا نمشي في الأزقّة الضيّقة حريصين أشدّ الحرص على ألّا نطأ مياه الصرف التي تجري في وسط الممرّ. وفي إحدى المرّات وجدنا رجلًا مطروحًا في مياه الصرف، «مخدرا» بالهيروين. فساعدت جاكي على إسناده إلى الجدار، ثم وقفت أراقبها وهي تغسل وجهه بمنديلها النظيف.
في ذلك الوقت لم أكن أراها مختلفة عن شابّات كثيرات غيرها يردن أن يخدمن الرب. ربما كان لها شيء من الشجاعة أكثر من معظمهنّ - أو من الحماقة، كما ظنّ كثيرون من المرسلين الآخرين - لكنها لم تكن إلا واحدة أخرى من «ضعفاء العالم وجهاله» الذين سيستخدمهم الرب. رأيت إحباطها وصلّيت معها من أجل الحالة «الميؤوس منها» التي كان عليها كثيرون كانت تتوق إلى أن تعرّفهم بمخلّصها. ليس هناك شابّة أو شابّ يقرأ هذا الكتاب إلا وله «في المسيح» الإمكانية نفسها التي لجاكي بولينجر لتغيير هذا العالم. وهي أوّل من يعترف بأنها لم تكن هي من أتى بالنصرة، بل «المسيح فيها».
وبعد سنوات كثيرة، حين قرأت كتاب جاكي «مطاردة التنين»، لاحظت كيف قالت إنها لم تشعر بالخوف قطّ في ذلك المكان الشرّير، حتى حين هدّدها المدمنون وزعماء العصابات الذين يسكنونه بالاغتصاب والقتل.
كان هذا غريبًا عليها وغير مفهوم للآخرين، لكنه دليل أكيد على مسحة الله على خدمتها، وهي حقيقة يعترف بها الآن العالم المسيحي كله.
الرائد أ. س.
كان الرائد س. في جيش الخلاص، المعروف بعمله الإنساني أكثر منه بوعّاظه العظام. لكنه في سنة تخرّجي من الجامعة جاء إلى بلدتنا لأسبوع من الاجتماعات في مقرّ جيش الخلاص المحلي. وبعد الأمسية الأولى نُقلت الاجتماعات إلى الكنيسة الرسولية، لأن المقرّ كان أصغر من أن يتّسع لأعداد الحاضرين. ومع أنه كان مجهولًا لدى معظم الناس خارج جيش الخلاص، فقد نشر الناس بأفواههم خبر المسحة العظيمة، وسرعان ما صار الحاضرون أكثر بكثير. وفي منتصف الأسبوع صارت الكنيسة الرسولية أصغر من أن تتّسع لهم، فاضطرّوا إلى تغيير المكان مرة أخرى!
كنت أستعدّ لامتحاناتي النهائية، فلم أستطع أن أحضر اجتماعات كثيرة. لكنني كنت حاضرًا مساء الخميس حين توقّف الرائد س. عن الكلام، ونظر إلى ساعته، ثم أطال النظر مرة ثانية وهتف: «أنا آسف جدا! لم تكن لدي أي فكرة أن وقتي قد انقضى. أرجو أن تسامحوني لأنني أبقيتكم هنا إلى هذه الساعة المتأخرة. أعرف أن كثيرين منكم عليهم أن يلحقوا بالحافلات، فسأختم الآن وأتابع هذا الموضوع مساء الغد». فلم يتحرّك أحد، وساد الصمت حتى قام رجل من الحاضرين وقال: «يا سيدي، لا يمكنك أن تتركنا هنا! نحن في محضر الرب. أرجوك أن تتابع».
فدعا الرائد س. كل من يحتاج إلى المغادرة أن يغادر، لكن لمّا لم يتحرّك أحد، تابع الكلام نحو نصف ساعة أخرى. وكان كثيرون في تلك الليلة سيطلبون سيارات الأجرة أو يعودون إلى بيوتهم مع أصدقائهم، لأن آخر الحافلات كانت قد مضت.
في هذه الأيام التي يريد فيها الناس عظات «المصادفات السعيدة»، ولا يستطيع إلا قليل من الوعّاظ أن يحتفظوا بجماعتهم إن وعظوا أكثر من أربعين دقيقة، قد نسأل: ما الذي كان لدى الرائد س. فأبقانا مأسورين أكثر من تسعين دقيقة بكثير؟ والجواب هو المسحة.
الدكتور مارتن لويد-جونز
لا يستطيع أحد ممّن نالوا امتياز الجلوس تحت خدمة هذا الواعظ العظيم أن يشكّ في مسحته. لقد شاهدته في أمسيات منتصف الأسبوع وهو يعلّم من رسالة رومية جماعة معظمها من طلاب كلّيات جامعة لندن المختلفة. ويقدّر عدد السامعين بنحو خمسة آلاف وهو يقف على منبره المرتفع في كنيسة وستمنستر ويتكلّم بالكلمة. لست متأكدًا إن كان يستخدم مكبّرًا للصوت، وهو أمر لا غنى عنه اليوم حتى في أصغر مباني الكنائس، لكن صوته كان رنّانًا إلى حدّ أنني أشكّ في الحاجة إليه. كانت حركة جسده قليلة، ولا شيء متكلّف في لباسه أو أسلوبه، وكانت جاذبيته الشخصية قليلة، لكن مواهب الروح (الكاريزماتا) فيه لا شكّ فيها - وكذلك المسحة.
ي. ر.
كان ي. يتلعثم تلعثمًا شديدًا حتى كان من المستحيل إجراء حديث معه. وفي شبابه اتُّهم بالسرقة، وكان ينتظر محاكمته مع أفراد آخرين من العصابة حين سلّم حياته للرب.
فأُرسل رفاقه جميعًا إلى دور احتجاز الأحداث، أما ي.، مع أنه كان زعيم العصابة، فقد أُطلق إلى رعاية راعٍ محلي. لقد عرف ذلك القاضي الحكيم أن الله أقدر بكثير على إصلاح حياة ضائعة من سنين تُقضى في السجن. وفي أحد الأيام، بعد ذلك بسنتين صرنا خلالهما هو وأنا صديقين حميمين، أراد ي. أن أرتّب له اجتماعًا في بلدته ليخبر الجميع بما صنعه الرب له.
ومع أنني حاولت أن أثنيه بسبب لسانه المتلعثم، فقد أصرّ، فاضطررت إلى أن أقف جانبًا في رهبة والرب يأخذ ذلك الإناء الضعيف، ويتكلّم من خلاله بوضوح، ويمسح خدمته. وعرفت سرّه بعد ذلك بقليل، فقد كان يعتزل كل مساء تقريبًا في كوخ في الحديقة فيه طاولة وكرسي ومصباح وكتاب مقدس. ومع أن ي. لم ينل تعليمًا متقدّمًا، صار تلميذًا عند قدمي يسوع. وصار واعظًا منتظمًا ضمن دائرة الوعّاظ العلمانيين، وكانت جموع كبيرة تخرج لتسمع وعظه الممسوح. وقد سافر مرتين ليخدم في كندا، واضطرّ إلى أن يعتذر عن دعوات ليصير راعيًا هناك وفي بريطانيا العظمى.
أ. ج.
كانت أ. في معهد إعداد المعلّمين حين دفعها ضغط العمل كله وافتقارها إلى صداقات قريبة إلى التفكير في الانتحار. وفيما هي تمشي على الشاطئ يومًا، رأت ورقة تتطاير عبر الرمال. كانت نبذة إنجيلية، وفيما هي تقرؤها حرّك روح الرب نفسها حتى ركعت هناك على الشاطئ وطلبت باكية من الرب أن يخلّصها. وبدأت تحضر كنيستنا. وبعد ذلك بقليل سألت إن كانت تستطيع أن تلقي قصيدة في اجتماع الأحد.
فوافق الراعي، بشيء من التردّد لأن هذا لم يكن أمرًا مألوفًا في الكنيسة، لكننا شاكرون جدًا أنه وافق. فقد تأثّر كل قلب، وجرت دموع الفرح الدافئة على كل وجه، بينما أخذتنا أ. إلى اختبار جديد مع الرب بكلماتها الممسوحة. أنا أحبّ إلقاء الشعر، لكنني لم أستطع قطّ أن أحرّك الناس هكذا! وكنّا نتطلّع إلى كل مرة تخدم فيها أ. بتلك المسحة.
هـ. و.
أتى هـ. إلى الرب في سنيّ مراهقته، بعد أن تورّط في عراك في الشارع ظنّ أنه قتل فيه رجلًا. ولحسن الحظ لم يكن لخوفه أساس، لكنه في خوفه جاء إلى كنيستنا في الصباح التالي، وسمع الإنجيل أول مرة، وأسلم نفسه للرب. لم يكن يفهم شيئًا عن العقائد أو الطوائف، فكان يذهب من كنيسة إلى كنيسة حيثما رأى بابًا مفتوحًا، ويدخل لينضمّ إلى أي اجتماع قائم. فإن كان اجتماع صلاة، لم يكن يمضي وقت طويل حتى يقف ويصلّي. لقد جلست في اجتماعات كثيرة جافّة كالتراب، إلى أن يقف هـ. ليصلّي. حينئذ تنفتح السماوات، ويُظهر الله حضوره بيننا. كانت على صلوات هذا الرجل البسيط مسحة لم أعرفها قطّ في صلواتي، لأنه كان يستطيع أن يحرّك السماء ببضع كلمات فقط.
ك. مك.
جلست في اجتماعات كثيرة أستمع إلى الترنيم الذي يقوده فريق التسبيح والعبادة. كانوا يوجّهونني متى أصفّق ومتى أجلس أو أقف، ويطلبون مني أن أرنّم بصوت أعلى أو أن أستمع إلى الآلات وحدها. وأحيانًا استطعت أن أشارك حين كانت الكلمات معروفة لي، لكنني أعترف بأن ذلك صار يندر أكثر فأكثر.
لم يكن التسبيح والعبادة يعني أكثر من جلسة غناء جماعي يستطيع فيها العابدون أن يعبدوا على انفراد (إن استطاعوا أن يحجبوا الضجيج الذي كثيرًا ما كان يحيط بهم!)
ولكن حين كان ك. يجلس إلى البيانو ويقودنا إلى العبادة، لم تكن معرفة الكلمات كلها ضرورية، لأنه كان يأخذنا إلى محضر الرب، فنصير «غائبين في الدهشة والمحبة والتسبيح». كان هو يعبد، ونحن نعبد. لم يكن يختار الترانيم لأسلوبها الموسيقي أو تركيب أوتارها أو إيقاعها، بل لأنها توجّهنا إلى يسوع. ولم يكن يتلاعب بنا صعودًا وهبوطًا بالتناوب بين ترانيم الشهادة أو الحرب الروحية وترانيم التعبّد، متنقّلًا بين الأفقي (الترنيم بعضنا لبعض) والعمودي (مخاطبة الرب). كانت خدمته في قيادة العبادة ممسوحة، وعرف ذلك كل الحاضرين.
وإن كان عليّ أن أتكلّم، كنت في العادة أفعل ذلك في وقت مبكر من الاجتماع، لكي نصل إلى العبادة في النهاية، حين لا يضطرّ أحد إلى المغادرة حتى يشعر بأن الوقت قد حان. وفي اجتماعات كثيرة كان عدد من الناس يبقون طويلًا بعد أن يغادر الآخرون، محتاجين إلى البقاء في المحضر الإلهي. والفرق بين عبادته الممسوحة وكثير ممّا اختبرته في أماكن أخرى يقودني إلى الإيمان بأن الرب ما زال يطلب الذين يسجدون له بالروح والحق.
ك. ن.
كنت في سنتي الأولى راعيًا لكنيسة، وكنت حريصًا على أن أعدّ طعامًا روحيًا جيدًا لشعبي كل أسبوع. لم أرد أن أنحبس في روتين تعليمي يمكن التنبّؤ به قبل أسابيع، بل كنت أطلب من الرب مادة جديدة لكل عظة.
لذلك كنت كل يوم أربعاء أقفل باب مكتبي، وأفصل الهاتف، وأقضي الوقت في دراسة الكلمة، طالبًا ما عند الرب لشعبي.
وكان الشيوخ قد خصّصوا ساعة من الاجتماع لتعليم الكلمة، فكانوا يتوقّعون شيئًا من «الطعام القوي» في العظة كل أحد. ومرّات كثيرة صعدت إلى المنبر واثقًا أن معي كلمته، لكن كانت هناك أيضًا مرّات كثيرة كنت فيها متوجّسًا.
وكان ك.، أحد الشيوخ، كثيرًا ما يقف في الجزء الأول من الاجتماع، كعادته، ليقرأ مقطعًا من الكتاب المقدس. ومرّات عدّة، وغالبًا حين لم أكن متيقّنًا أنني سمعت من الرب في ذلك الأسبوع، كان ك. يعلن قراءته فأرجع في مقعدي مذهولًا وهو يقرأ سياق النصّ الذي أعددته لذلك الصباح! ولك أن تتخيّل الثقة التي أعطاني إياها ذلك، إذ عرفت أنني سمعت حقًا من الرب وأن معي رسالته لذلك الصباح. لم يكن ممكنًا بأي حال أن يعرف ك. موضوعي أو نصّي كل أسبوع، لكنه كان قد سمع صوت الرب يوجّهه إلى مقطع الكتاب لذلك اليوم.
تلك هي المسحة.
أ. أ.
كان لي امتياز العمل مع أ.، وهو أخ أفريقي، حين كنت راعيًا على متن سفينة الرحمة «أناستاسيس» بين 1991 و1994. وكانت مسؤوليته أن يتأكّد من أن الماء على متن السفينة صالح للشرب دائمًا وغير ملوّث بالبكتيريا الشائعة في المياه الأفريقية.
وفي أمسيات الثلاثاء كنت أعقد صفًّا صغيرًا لمن يريدون أن يقضوا وقتًا في إعداد أنفسهم لخدمة رعوية محتملة في المستقبل، وكان أ. عضوًا متحمّسًا في المجموعة. لكنه كلّما تكلّم، كنت أصغي كأنه هو المعلّم وأنا التلميذ، لأن تعليقاته كانت غنيّة بفهم من غمر نفسه في الكلمة.
وفي إحدى رحلاتنا الإرسالية إلى غرب أفريقيا، طُلب من أ. أن يساعد في تنظيم الحشود في عيادة الأسنان الميدانية التي أقامتها «سفن الرحمة». فأدّى عمله بأمانة، وكثيرًا ما كان يقدّم الإنجيل للمسلمين المنتظرين بصبر دورهم ليفحصهم أطبّاء الأسنان عندنا. ومسلمو غرب أفريقيا ليسوا متشدّدين، ومعظمهم لا يفهم إلا القليل من أركان الإسلام، فهم يكرمون أي رجل دين، مسلمًا كان أو مسيحيًا أو ساحرًا وثنيًا. وفي أحد الأيام طُلب من أ. أن يصلّي من أجل شيخين مسنّين كلاهما مصاب بمرض مُقعِد، ففعل ما طلباه، مؤكّدًا لهما أنه لن يصلّي إلا «باسم يسوع». فشُفيا كلاهما في الحال، وسارعا إلى الاعتراف بأن شفاءهما من الرب، حتى إن زعيم تلك القرية أعلن أنها صارت من الآن فصاعدًا «قرية يسوع». ولم يكن هذا أمرًا نادرًا عند أ.، فقد كانت هناك أمثلة مشابهة كثيرة تُظهر مسحة الله على خدمته.
إ. و أ.
أجريت مراسم زواج إ. وأ. ولم أكن أتوقّع كثيرًا أن يستطيع الرب أن يستخدمهما في أي خدمة «حقيقية».
كانا زوجين بسيطين أرادا أن يعيشا حياة غير مثقلة بالمناصب أو المقتنيات أو الضغوط الدنيوية، فاعتزلا في بيتهما قرب الساحل. ولم أرهما ثانية سنوات عدّة، ولم أعرف إلا القليل عن نمط حياتهما، إلى أن زارني صديق وبدأ يخبرني عن الخدمة الرائعة في الإرشاد والشفاء الداخلي التي نالها مؤخّرًا.
تحدّث عن رجل وامرأة ساعداه كثيرًا بموهبتي التمييز وكلام الحكمة، وتحدّياه بأن أشارا إلى أمور في حياته تحتاج إلى أن تتغيّر. وكان مذهولًا وهو يصغي إليهما، مدركًا أن الرب يقودهما. وتابع يخبرني أنهما، مع أنهما ليسا جزءًا من أي كنيسة أو خدمة موازية، كانا يتلقّيان اتصالات هاتفية من أنحاء البلاد من أناس يطلبون مشورتهما وصلواتهما.
فعبّرت عن رغبتي في لقاء هذين الزوجين الفريدين، لكنني دُهشت حين أخبرني باسميهما. فهتفت: «مستحيل! أنا أجريت زواجهما، ولم أحلم قط بالإمكانية العظيمة التي لديهما لخدمة الرب!» لكن الرب كان يعرفها - ومسحته عليهما!
م. م.
كنت أتحدّث مع صديق راعٍ عن موضوع هذا الكتاب، فروى لي القصة التالية.
كان يخدم كنيسة في مقاطعات البراري في كندا حين تلقّى اتصالًا هاتفيًا بأن أحد أبناء رعيّته مريض. فذهب في الحال ليزور الرجل المريض، واستطاع أن يعطيه شيئًا من التعزية.
ولمّا خرج من الغرفة، أبدى إعجابه بباقة صغيرة جميلة من الزهور البرّية في مزهرية بجانب السرير. فقيل له: «م. أرسلتها في وقت سابق من بعد ظهر اليوم».
وبعد أسابيع زار صديقي بيتًا آخر، وكان يأكل قطعة من كعكة قُدّمت له. فأثنى على مضيفته، فإذا بها تقول له: «م. أحضرتها لي بعد ظهر اليوم».
وبعد عدّة حالات مشابهة، استوقف الراعيَ تكرارُ اسم م. مرة بعد مرة. كانت عانسًا مسنّة في كنيسته يسهل ألّا يلحظها أحد في أي اجتماع. لم تكن تقول شيئًا، وكانت شديدة التحفّظ في أسلوبها. فقرّر أن يزور م. ليعرف كيف كانت تعلم بمرض الناس في الكنيسة حتى قبل أن تخبره عائلاتهم. وفي البداية كانت متوجّسة قليلًا، تظنّ أن الراعي جاء يوبّخها على جرأتها في الاتصال بالمرضى أو زيارتهم أو إرسال الزهور والكعك إليهم، لكنه سرعان ما طمأنها إلى أن الأمر ليس كذلك.
فأخبرته م. كيف كانت تصلّي كل مساء من أجل كل شخص في الكنيسة، ذاكرةً كل واحد باسمه في صلواتها. وفي إحدى المرات ظلّ اسم أرمل مسنّ يتردّد في ذهنها مع فكرة أن عليها أن تتصل به. وبالطبع تردّدت في ذلك ظانّةً أن تصرّفها قد يُساء فهمه، لكن الفكرة ظلّت تلحّ عليها. وأخيرًا، بعد تسويف طويل وساعات من القلق، رفعت الهاتف واتصلت به. ولمّا ردّ، اتّضح أن الأرمل في ضيق، وبدا مشوّشًا جدًا.
كان قد سقط وأصاب نفسه، لكنه في قلقه وتشوّشه لم يعرف ماذا يفعل ولا بأي أرقام هاتف يتصل. فقالت م. شيئًا يشجّعه، ثم اتصلت بالطبيب الذي ذهب سريعًا إلى البيت واستطاع أن يساعد الرجل المسنّ. فندمت على الساعات الطويلة التي سوّفت فيها، وعزمت على أنها في المستقبل، كلّما حثّها الرب، ستستجيب فورًا بالاتصال أو بالزيارة لمن يكلّمها الرب عنه.
وكان صديقي الراعي مبتهجًا جدًا بأن م. وجدت خدمتها، فكان داعمًا لها جدًا، يشجّعها على أن تستمرّ في العمل الصالح، قائلًا لها ألّا تخاف أبدًا من أن تحمّل الكنيسة أي تكاليف لشراء الزهور أو خَبز الكعك وما إلى ذلك.
لقد وجدت خدمتها، والرب يمسحها.
س. ب.
قضى س. مدة في السجن بسبب جرائم تتعلّق بالمخدّرات. ومع أنه كان قد صار مسيحيًا قبل ذلك بسنوات، لم يكن يعيش للرب، وكان مدمنًا على المخدّرات القوية وعلى الكحول والسجائر أيضًا. وكان قد فكّر في الانتحار بوصفه المخرج الوحيد من الفوضى التي صارت إليها حياته. ولمّا أُطلق من السجن، حضر اجتماعات جمعية «مدمني الكحول المجهولين»، وهناك جدّد تكريس حياته للمسيح. وفي مدة قصيرة بعد رجوعه، غيّر الله هذا الرجل وأعطاه النصرة على الإدمانات كلها.
وصار يؤمن بأنه لا يحتاج إلى عكّاز يساعده على المحافظة على صحوه، بل إن الرب قد شفاه تمامًا - فالعمل قد كمل. فبدأ عملًا جديدًا، مجموعة دعم للمدمنين، مبنيًا على وعد الكلمة بـ«ٱلْحُرِّيَّةِ ٱلَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا ٱلْمَسِيحُ بِهَا».
وفي وقت كتابة هذه السطور، بدأت خدمته «صلة إلى الحرية» تُحدث أثرًا كبيرًا بين المدمنين والمساجين والمساجين السابقين في مدينتي، وهناك مسحة واضحة على العمل، إذ يفتح الرب أبوابًا إلى حياة أناس وأماكن لا تستطيع الكنيسة عمومًا أن تخترقها. ويسارع س. إلى الاعتراف بأن الرب يصنع أمورًا مذهلة بيننا، ويعرف كم هو مهمّ أن يبقى في مكان رضى الرب ومسحته.
لقد رمزت عمدًا إلى أسماء معظم هؤلاء الأشخاص، لكنهم جميعًا معروفون لي جيدًا. وهناك كثيرون غيرهم تحمل حياتهم شهادة مشابهة لمسحة الرب، مع أنهم ليسوا من رجال الدين، ولا مشاهير، ولا يكرمهم العالم. وأنا واثق أنك، يا قارئي، تستطيع أن تضيف شهادات أخرى عدّة إلى هذه القائمة. فقوّتهم وسلطانهم وخدمتهم لا ترجع إلى جاذبية شخصية (فلمغنّي البوب ذلك)، ولا إلى القدرة على تقديم عرض جيد أمام الجمهور (فللسياسيين ذلك)، ولا إلى أساليب قيادة حكيمة (فلرجال الأعمال الناجحين ذلك)، بل إلى دعوة الله وتكميله ومسحته.
ربما سمعت قصة الممثّل الشهير الذي حضر سوقًا خيريًا لإحدى الكنائس. فدُعي ليقدّم بعض المونولوجات لإمتاع الجميع، فشرع في ذلك. وبعد كل عرض كان هناك تصفيق حماسي، ولا سيّما حين ختم بتلاوة مزمور الراعي العظيم، المزمور 23.
ولمّا هدأ التصفيق، قام رجل مسنّ عن كرسيه، ومشى إلى الميكروفون، وتلا المزمور نفسه كلمة كلمة.
وفي هذه المرة لم يكن هناك تصفيق حين انتهى، بل كان كثيرون يمسحون الدموع من عيونهم، وآخرون يحنون رؤوسهم. فاقترب الممثّل من الرجل المسنّ.
وقال: «لقد أنفقت آلاف الجنيهات على الدراسة، وبلغت قمة مهنتي، لكنني لم أستطع قط أن أحرك جمهوري كما فعلت أنت الآن. ما سرك؟»
فأجاب الرجل المسنّ: «أنت تعرف المزمور - أما أنا فأعرف الراعي!»
ذلك هو سرّ المسحة - الارتباط بالراعي. أن تكون معه تحت نير واحد وأنتما تحملان معًا عبئه (الذي لك).
أسئلة للتأمّل
كيف يصف إيفانز ما يحدث حين يضع الله مسحته على خدمة إنسان؟
سيختبر ما يعنيه القول «يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَٱلنُّسُورِ»، شاعرًا برياح الروح تحمله فيحلّق عاليًا فوق الحياة الرتيبة التي يحياها كثيرون من المؤمنين. وسيكون النير هيّنًا والحمل خفيفًا.
ما العلامة على مسحة الله التي رآها إيفانز في خدمة جاكي بولينجر؟
في كتابها «مطاردة التنين» قالت إنها لم تشعر بالخوف قطّ في مدينة كولون المسوّرة، حتى حين هدّدها المدمنون وزعماء العصابات بالاغتصاب والقتل. ويسمّي إيفانز ذلك دليلًا أكيدًا على مسحة الله على خدمتها، مع أنها بدت له، حين عرفها، كغيرها من شابّات كثيرات يردن أن يخدمن الرب.
ما السرّ وراء وعظ ي. ر. الممسوح رغم تلعثمه؟
كان يعتزل كلّ مساء تقريبًا في كوخ في الحديقة فيه طاولة وكرسيّ ومصباح وكتاب مقدس، فصار تلميذًا عند قدمي يسوع. وكان الرب يتكلّم من خلاله بوضوح، فصار واعظًا علمانيًّا منتظمًا تخرج جموع كبيرة لتسمعه.
كيف اكتشفت م. م. خدمتها في كنيستها في مقاطعات البراري في كندا؟
كانت تصلّي كلّ مساء من أجل كلّ شخص في الكنيسة، وبعد تسويف كلّفها غاليًا مرّةً، عزمت على أن تستجيب فورًا كلّما حثّها الرب، بالاتصال أو بالزيارة أو بإرسال الزهور والكعك إلى المرضى. فشجّعها راعيها، وقال لها أن تحمّل الكنيسة التكاليف.
ماذا تعلّمنا قصّة الممثّل والرجل المسنّ اللذين تلَوا المزمور 23 عن المسحة؟
صفّق الناس للممثّل، أمّا تلاوة الرجل المسنّ فتركتهم يمسحون الدموع؛ وقد شرح ذلك قائلًا: «أنت تعرف المزمور - أما أنا فأعرف الراعي!» ويقول إيفانز إنّ ذلك هو سرّ المسحة: الارتباط بالراعي، والكون معه تحت نير واحد وأنتما تحملان معًا عبئه.
اكتمل الفصل 10
الطيران