سياحة المسيحي
المرحلة السابعة

فصل 8 · قراءة 26 د

المرحلة السابعة

رأيتُ في حلمي أن المسيحي لم يخرج وحده؛ إذ كان هناك واحدٌ اسمه الرجاء (وقد صار كذلك بما رآه من المسيحي والأمين في أقوالهما وسلوكهما، وفي آلامهما في السوق)، فانضمّ إليه، ودخل معه في عهدٍ أخويّ، وأخبره أنه سيكون رفيقه. وهكذا مات واحدٌ ليشهد للحق، وقام آخر من رماده ليكون رفيقًا للمسيحي في رحلة سياحته. وأخبر الرجاءُ المسيحيَّ أيضًا أن كثيرين غيره من رجال السوق سيتريّثون حتى يحين وقتهم، ثم يتبعونهما.

ثم رأيتُ أنهما ما لبثا أن خرجا من السوق حتى أدركا رجلًا يسير أمامهما، اسمه ذو المآرب؛ فقالا له: من أيّ البلاد أنت يا سيدي؟ وإلى أين تمضي في هذا الطريق؟ فأخبرهما أنه آتٍ من بلدة معسول الكلام، وأنه ذاهب إلى المدينة السماوية؛ لكنه لم يخبرهما باسمه.

من معسول الكلام؟ قال المسيحي؛ أيسكن هناك أحدٌ صالح؟ أمثال 26:25.

ذو المآرب: نعم، قال ذو المآرب، أرجو ذلك.

المسيحي: أرجوك يا سيدي، بماذا أدعوك؟ قال المسيحي.

ذو المآرب: أنا غريب عنك، وأنت غريب عني: فإن كنتَ ماضيًا في هذا الطريق سرّتني صحبتك؛ وإن لم تكن، فلا بدّ لي أن أقنع.

المسيحي: قد سمعتُ ببلدة معسول الكلام هذه، قال المسيحي؛ وعلى ما أذكر يقولون إنها بلدة غنية.

ذو المآرب: نعم، وأؤكّد لك أنها كذلك؛ ولي فيها أقرباء أغنياء كثيرون جدًّا.

المسيحي: ومن هم أقرباؤك هناك، أرجوك، إن جاز للمرء أن يتجرّأ فيسأل؟

ذو المآرب: البلدة كلها تقريبًا؛ وعلى الخصوص اللورد المنقلب، واللورد مسايِر الزمان، واللورد معسول الكلام، الذي من أجداده أخذت تلك البلدة اسمها أولًا؛ وكذلك السيد الأملس، والسيد ذو الوجهين، والسيد أيّ-شيء؛ وكاهن أبرشيتنا، السيد ذو اللسانين، كان أخا أمّي من أبيها؛ ولأصدقك القول، لقد صرتُ من عِلية القوم؛ مع أن جدّ أبي لم يكن إلا ملّاحًا، ينظر إلى جهة ويجدّف نحو أخرى، وقد جمعتُ معظم ثروتي من الحرفة نفسها.

المسيحي: هل أنت متزوّج؟

ذو المآرب: نعم، وزوجتي امرأة فاضلة جدًّا، ابنة امرأة فاضلة؛ فهي ابنة السيدة المتصنّعة؛ ولذلك فهي من أسرة كريمة جدًّا، وقد بلغت من حسن التهذيب مبلغًا صارت معه تعرف كيف تتعامل مع الجميع، من الأمير إلى الفلّاح. صحيح أننا نختلف بعض الشيء في الدين عن أهل التشدّد، ولكن في نقطتين صغيرتين فقط: أولًا، لا نجاهد أبدًا ضدّ الريح والمدّ. ثانيًا، نكون أشدّ ما نكون غيرةً حين يمشي الدين في خفّيه الفضّيين؛ ونحبّ كثيرًا أن نسير معه في الشارع، إن كانت الشمس مشرقة والناس يصفّقون له.

حينئذ تنحّى المسيحي قليلًا إلى رفيقه الرجاء قائلًا: يخطر ببالي أن هذا هو ذو المآرب من بلدة معسول الكلام؛ فإن كان هو، ففي صحبتنا محتالٌ لا يفوقه محتال في كل هذه النواحي. فقال الرجاء: اسأله؛ أظنّه لا يخجل من اسمه. فعاد المسيحي إليه وقال: يا سيدي، إنك تتكلّم كأنك تعرف أكثر مما يعرفه العالم كله؛ وإن لم تُخطئ فراستي، فإني أحسب أني أكاد أعرف من أنت. أليس اسمك السيد ذا المآرب من بلدة معسول الكلام؟

ذو المآرب: ليس هذا اسمي، لكنه في الحقيقة لقبٌ أطلقه عليّ بعض الذين لا يطيقونني، ولا بدّ لي أن أرضى بحمله عارًا، كما حمل صالحون آخرون ألقابهم قبلي.

المسيحي: ولكن ألم تعطِ الناس قطّ سببًا ليدعوك بهذا الاسم؟

ذو المآرب: أبدًا، أبدًا! أسوأ ما فعلتُه قطّ مما أعطاهم سببًا لتسميتي بهذا الاسم، أنني كنت دائمًا محظوظًا في أن يوافق رأيي مسلكَ الزمان الحاضر، أيًّا كان، وكان من حظّي أن أكسب من وراء ذلك: فإن كانت الأمور قد أُلقيت عليّ هكذا، فلأحسبها بركة؛ ولكن لا يحمّلني الحاقدون عارًا بسببها.

المسيحي: لقد ظننتُ حقًّا أنك الرجل الذي سمعتُ عنه؛ ولأقول لك ما أفكّر فيه، أخشى أن هذا الاسم يليق بك أكثر مما تودّ أن نظنّ.

ذو المآرب: حسنًا، إن شئتم أن تتصوّروا هذا، فلا حيلة لي فيه؛ وستجدونني رفيق صحبة لطيفًا، إن قبلتموني بعدُ رفيقًا لكم.

المسيحي: إن أردتَ أن تسير معنا، فعليك أن تسير ضدّ الريح والمدّ؛ وهذا، كما أرى، مخالف لرأيك: وعليك أيضًا أن تعترف بالدين في أسماله، كما تعترف به وهو في خفّيه الفضّيين؛ وأن تقف معه أيضًا وهو مقيّد بالحديد، كما تقف معه وهو يمشي في الشوارع والناس يصفّقون له.

ذو المآرب: لا يحقّ لكم أن تفرضوا عليّ شيئًا، ولا أن تتسلّطوا على إيماني؛ اتركوني لحريتي، ودعوني أسير معكم.

المسيحي: ولا خطوة واحدة أبعد، ما لم تفعل فيما أعرضه عليك كما نفعل نحن.

فقال ذو المآرب: لن أتخلّى أبدًا عن مبادئي القديمة، إذ هي لا ضرر فيها ومربحة. فإن لم يُسمح لي أن أسير معكم، فلا بدّ أن أفعل كما كنت أفعل قبل أن تدركوني، أي أن أسير وحدي، حتى يدركني من يسرّه أن يصحبني.

ثم رأيتُ في حلمي أن المسيحي والرجاء تركاه، وحافظا على مسافة بينهما وبينه وهما أمامه؛ لكن أحدهما التفت إلى الوراء، فرأى ثلاثة رجال يتبعون السيد ذا المآرب؛ وإذا هو، لما لحقوا به، قد انحنى لهم انحناءة عميقة جدًّا؛ وحيّوه هم أيضًا بتحية. وكانت أسماء الرجال: السيد ممسك الدنيا، والسيد محبّ المال، والسيد مدّخر الكل، وهم رجال كان للسيد ذي المآرب بهم معرفة سابقة؛ إذ كانوا في صغرهم رفاق مدرسة، تعلّموا على يد رجل يُدعى السيد القابض، معلّم مدرسة في بلدة حبّ الربح، وهي بلدة سوق في مقاطعة الطمع، في الشمال. وقد علّمهم هذا المعلّم فنّ الكسب، إما بالعنف، أو بالغشّ، أو بالتملّق، أو بالكذب، أو بالتظاهر بمظهر الدين؛ وقد أتقن هؤلاء السادة الأربعة الكثير من فنّ معلّمهم، حتى إن كلًّا منهم كان يستطيع أن يدير مدرسة كهذه بنفسه.

حسنًا، ولما حيّا بعضهم بعضًا هكذا كما قلت، قال السيد محبّ المال للسيد ذي المآرب: من هذان اللذان على الطريق أمامنا؟ إذ كان المسيحي والرجاء لا يزالان على مرمى البصر.

ذو المآرب: هما رجلان من بلاد بعيدة، ماضيان على طريقتهما في رحلة السياحة.

السيد محبّ المال: وا أسفاه! لماذا لم يتمهّلا لننعم بصحبتهما الطيبة؟ فهما ونحن وأنت يا سيدي، كما أرجو، ماضون جميعًا في رحلة السياحة.

ذو المآرب: نحن كذلك حقًّا؛ لكن الرجلين اللذين أمامنا متصلّبان جدًّا، ويحبّان آراءهما كثيرًا، ويستخفّان كذلك بآراء الآخرين، حتى إن الإنسان مهما بلغت تقواه، إن لم يوافقهما في كل شيء، طرداه من صحبتهما طردًا.

السيد مدّخر الكل: هذا أمر سيّئ؛ لكننا نقرأ عمّن يكون «بَارًّا كَثِيرًا»، وتصلّب أمثال هؤلاء يغلبهم حتى يدينوا الجميع ويحكموا عليهم إلا أنفسهم. ولكن أرجوك، ما الأمور التي اختلفتم فيها، وكم عددها؟

ذو المآرب: حسنًا، إنهما، على طريقتهما العنيدة، يقرّران أن من واجبهما أن يندفعا في رحلتهما في كل الأحوال الجوية، أما أنا فمع الانتظار حتى تواتي الريح والمدّ. هما مع المخاطرة بكل شيء من أجل الله دفعة واحدة؛ وأنا مع اغتنام كل فرصة لأؤمّن حياتي وثروتي. هما مع التمسّك بآرائهما، ولو كان كل الناس ضدّهما؛ أما أنا فمع الدين فيما يحتمله الزمان وسلامتي، وإلى الحدّ الذي يحتملانه. هما مع الدين وهو في الأسمال والهوان؛ أما أنا فمعه حين يمشي في خفّيه الفضّيين، في ضوء الشمس، والناس يصفّقون له.

السيد ممسك الدنيا: أجل، واثبت على ذلك يا سيد ذا المآرب الطيب؛ فأنا من جهتي لا أحسب إلا أحمق من كانت له الحرية أن يحتفظ بما يملك، ثم يكون من قلّة الحكمة بحيث يضيّعه. فلنكن «حُكَمَاءَ كَٱلْحَيَّاتِ». وخيرٌ للمرء أن يجمع حصاده ما دامت الشمس مشرقة. ترون كيف تلزم النحلة السكون في الشتاء، ولا تنشط إلا حين تستطيع أن تنال الربح مع المتعة. إن الله يرسل أحيانًا مطرًا، وأحيانًا شمسًا: فإن كانا من الحماقة بحيث يمضيان في الأول، فلنرضَ نحن بأن نأخذ الجوّ الصحو معنا. وأنا من جهتي أفضّل الدين الذي يتّفق مع ضمان بركات الله الطيبة لنا؛ إذ من ذا الذي يحكمه عقله يستطيع أن يتصوّر، ما دام الله قد أنعم علينا بخيرات هذه الحياة، إلا أنه يريدنا أن نحتفظ بها من أجله؟ لقد اغتنى إبراهيم وسليمان في الدين؛ ويقول أيوب إن الرجل الصالح يكنز الذهب كالتراب؛ لكن لا ينبغي أن يكون مثل الرجلين اللذين أمامنا، إن كانا كما وصفتهما.

السيد مدّخر الكل: أظن أننا جميعًا متّفقون في هذا الأمر؛ ولذلك لا حاجة إلى مزيد من الكلام فيه.

السيد محبّ المال: لا، لا حاجة حقًّا إلى مزيد من الكلام في هذا الأمر؛ لأن من لا يؤمن لا بالكتاب ولا بالعقل (وأنتم ترون أن كليهما في صفّنا)، لا يعرف حريته ولا يطلب سلامته.

ذو المآرب: يا إخوتي، إننا، كما ترون، ماضون جميعًا في رحلة الحجّ؛ ولكي نصرف أذهاننا عن الأمور الرديئة، ائذنوا لي أن أطرح عليكم هذا السؤال.

افرضوا أن رجلًا، قسّيسًا أو تاجرًا أو غير ذلك، سنحت له فرصة لينال بركات هذه الحياة الطيبة، غير أنه لا يستطيع بأي حال أن يحصل عليها إلا إذا صار، في الظاهر على الأقل، غيورًا غيرة فائقة في بعض أمور الدين التي لم يكن يتدخّل فيها من قبل؛ أفلا يجوز له أن يستعمل هذه الوسيلة ليبلغ غايته، ويبقى مع ذلك رجلًا أمينًا مستقيمًا؟

السيد محبّ المال: إني أرى قعر سؤالك؛ وبإذن هؤلاء السادة الكرام، سأجتهد أن أصوغ لك جوابًا. وأولًا، لأتكلّم في سؤالك من جهة ما يخصّ القسّيس نفسه: افرض أن قسّيسًا، رجلًا جديرًا، لا يملك إلا رعيّة صغيرة الدخل جدًّا، وعينه على رعيّة أعظم منها، أدسم وأوفر بكثير؛ وقد سنحت له الآن فرصة الحصول عليها، ولكن بأن يصير أكثر اجتهادًا في الدرس، وأن يعظ أكثر تكرارًا وغيرةً، وأن يغيّر بعض مبادئه لأن مزاج الناس يقتضي ذلك؛ فأنا من جهتي لا أرى سببًا يمنع الرجل من أن يفعل هذا، ما دامت له دعوة، بل وأكثر من ذلك بكثير أيضًا، ويبقى مع ذلك رجلًا أمينًا. ولماذا؟

1. رغبته في رعيّة أعظم مشروعة (وهذا لا يمكن نقضه)، إذ قد وضعتها العناية الإلهية أمامه؛ فله إذن أن ينالها إن استطاع، غير فاحص عن شيء من أجل الضمير.

2. ثم إن رغبته في تلك الرعيّة تجعله أكثر اجتهادًا في الدرس، وواعظًا أكثر غيرة، وهكذا، فتجعله رجلًا أفضل، بل تجعله ينمّي مواهبه تنمية أفضل، وهذا موافق لفكر الله.

3. أما مجاراته لمزاج رعيّته، بتخلّيه عن بعض مبادئه ليخدمهم، فهذا يدلّ على: 1. أنه ذو طبع ينكر ذاته. 2. وذو سلوك لطيف جذّاب. و3. أنه لذلك أصلح لوظيفة الخدمة.

4. فأخلص إذن إلى أن القسّيس الذي يستبدل صغيرًا بكبير، لا ينبغي أن يُحكم عليه بسبب ذلك بأنه طمّاع؛ بل بالأحرى، ما دامت قد نمت بذلك مواهبه واجتهاده، أن يُحسب واحدًا يتبع دعوته، والفرصةَ التي وُضعت في يده ليفعل الخير.

والآن إلى الشقّ الثاني من السؤال، الذي يخصّ التاجر الذي ذكرتَه. افرض أن رجلًا كهذا ليس له في العالم إلا عمل فقير، لكنه إذا صار متديّنًا قد يُصلح تجارته، وربما يحصل على زوجة غنية، أو على زبائن أكثر وأفضل بكثير لدكّانه؛ فأنا من جهتي لا أرى إلا أن هذا يجوز فعله بلا حرج. ولماذا؟

1. أن يصير المرء متديّنًا فضيلة، بأية وسيلة صار كذلك.

2. وليس حرامًا أن يحصل على زوجة غنية، أو على مزيد من الزبائن لدكّاني.

3. ثم إن الرجل الذي ينال هذه الأشياء بأن يصير متديّنًا، ينال ما هو صالح من الصالحين، بأن يصير هو نفسه صالحًا؛ فها هنا إذن زوجة صالحة، وزبائن صالحون، وكسب صالح، وكل ذلك بأن يصير متديّنًا، وهذا صالح: إذن فأن يصير المرء متديّنًا لينال كل هذه الأشياء قصدٌ صالح ومربح.

وهذا الجواب الذي قدّمه السيد محبّ المال عن سؤال السيد ذي المآرب، استحسنوه جميعًا استحسانًا عظيمًا؛ ولذلك خلصوا، في المجمل، إلى أنه أنفع ما يكون وأجداه. ولأنهم ظنّوا أنه لا يستطيع أحد أن ينقضه، ولأن المسيحي والرجاء كانا لا يزالان على مسمع النداء، اتفقوا جميعًا على أن يهاجموهما بالسؤال حالما يدركونهما؛ ولا سيما لأنهما قد عارضا السيد ذا المآرب من قبل. فنادوهما، فتوقّفا ووقفا ساكنين حتى وصلوا إليهما؛ لكنهم قرّروا وهم سائرون أن يطرح السؤال عليهما، لا السيد ذو المآرب، بل السيد ممسك الدنيا العجوز، لأنهم افترضوا أن جوابهما له سيخلو من بقية تلك الحدّة التي اشتعلت بين السيد ذي المآرب وبينهما عند افتراقهم قبل قليل.

فالتقى بعضهم ببعض، وبعد تحية قصيرة، طرح السيد ممسك الدنيا السؤال على المسيحي ورفيقه، ثم طلب منهما أن يجيبا إن استطاعا.

فقال المسيحي: حتى الطفل في الدين يستطيع أن يجيب عن عشرة آلاف سؤال كهذا. فإن كان حرامًا أن يتبع المرء المسيح من أجل الأرغفة، وهو حرام، يوحنا 6:26؛ فكم بالأحرى يكون رجسًا أن يجعل منه ومن الدين ستارًا يتخفّى وراءه ليكسب العالم ويتمتّع به! ولا نجد أحدًا على هذا الرأي إلا الوثنيين والمرائين والشياطين والسحرة.

1. الوثنيون: فحين اشتهى حمور وشكيم ابنة يعقوب ومواشيه، ورأيا أنه لا سبيل لهما إلى الوصول إليها إلا بالختان، قالا لرفقائهما: «بِخَتْنِنَا كُلَّ ذَكَرٍ كَمَا هُمْ مَخْتُونُونَ…أَلَا تَكُونُ مَوَاشِيهِمْ وَمُقْتَنَاهُمْ وَكُلُّ بَهَائِمِهِمْ لَنَا؟» فبناتهم ومواشيهم كانت ما سعيا إلى نيله، ودينهم كان الستار الذي استعملاه ليصلا إليه. اقرأ القصة كلها، تكوين 34:20-24.

2. وكان الفرّيسيون المراؤون أيضًا على هذا الدين: كانت الصلوات الطويلة ذريعتهم، أما الاستيلاء على بيوت الأرامل فكان غايتهم؛ وكان حكم الله عليهم «دَيْنُونَةً أَعْظَمَ». لوقا 20:46-47.

3. وكان يهوذا الشيطان أيضًا على هذا الدين: كان متديّنًا من أجل الصندوق، ليستولي على ما يُلقى فيه؛ لكنه هلك، وطُرح خارجًا، وكان هو «ٱبْنُ ٱلْهَلَاكِ» بعينه.

4. وكان سيمون الساحر على هذا الدين كذلك؛ إذ أراد أن ينال الروح القدس ليكسب به مالًا: وجاء الحكم عليه من فم بطرس على قدر ذلك. أعمال الرسل 8:19-22.

5. ولا يفارق ذهني أن الرجل الذي يتّخذ الدين من أجل العالم، سيطرح الدين من أجل العالم؛ فكما أن يهوذا قصد العالم يقينًا حين صار متديّنًا، كذلك باع الدين وسيّده يقينًا من أجله. فالإجابة عن السؤال بالإيجاب، كما أرى أنكم فعلتم، وقبول مثل هذا الجواب على أنه صحيح معتمد، أمرٌ وثنيّ ريائيّ شيطانيّ؛ وستكون مجازاتكم بحسب أعمالكم.

فوقفوا يحدّق بعضهم في بعض، ولم يكن لديهم ما يجيبون به المسيحي. واستحسن الرجاء أيضًا سلامة جواب المسيحي؛ فساد بينهم سكوت عظيم. وتلكّأ السيد ذو المآرب ورفاقه وتخلّفوا، ليسبقهم المسيحي والرجاء. فقال المسيحي لرفيقه: إن كان هؤلاء الرجال لا يستطيعون الوقوف أمام حكم البشر، فماذا يفعلون أمام حكم الله؟ وإن كانوا يخرسون حين تتعامل معهم آنية من خزف، فماذا يفعلون حين يوبّخهم لهيب نار آكلة؟

ثم سبقهم المسيحي والرجاء ثانيةً، وسارا حتى بلغا سهلًا بهيجًا يُدعى الراحة، فسارا فيه برضًا كثير؛ لكن ذلك السهل كان ضيّقًا، فاجتازاه سريعًا. وكان على الجانب الأبعد من ذلك السهل تلّ صغير يُدعى الربح، وفي ذلك التلّ منجم فضة، كان بعض من سلكوا ذلك الطريق من قبل قد مالوا إليه ليروه لندرته؛ لكنهم إذ اقتربوا كثيرًا من حافة الحفرة، انخسفت بهم الأرض المخادعة تحتهم، فقُتلوا: وكان بعضهم أيضًا قد أصيبوا هناك بعاهات، فلم يستطيعوا إلى يوم موتهم أن يعودوا كما كانوا.

ثم رأيتُ في حلمي أنه على مسافة قليلة من الطريق، قبالة منجم الفضة، وقف ديماس (في هيئة سيد نبيل) يدعو المارّة ليأتوا وينظروا؛ فقال للمسيحي ورفيقه: هيا! ميلا إلى هنا، وسأريكما شيئًا.

المسيحي: وما هذا الشيء الجدير بأن يُخرجنا عن الطريق لنراه؟

ديماس: ها هنا منجم فضة، وبعضهم يحفرون فيه طلبًا للكنز؛ فإن جئتما، فبقليل من العناء تستطيعان أن تُغنيا نفسيكما غنى وافرًا.

الرجاء: فقال الرجاء: لنذهب ونرَ.

المسيحي: أما أنا فلا، قال المسيحي: لقد سمعتُ بهذا المكان من قبل، وبكثرة من قُتلوا هناك؛ ثم إن ذلك الكنز فخّ للذين يطلبونه، لأنه يعوقهم في رحلة سياحتهم.

ثم نادى المسيحي ديماس قائلًا: أليس المكان خطرًا؟ ألم يعُق كثيرين في رحلة حجّهم؟ هوشع 9:6.

ديماس: ليس خطرًا جدًّا، إلا على المتهاونين؛ غير أنه احمرّ وجهه خجلًا وهو يتكلّم.

المسيحي: فقال المسيحي للرجاء: لا نتحرّك خطوة واحدة، بل نبقى ماضين في طريقنا.

الرجاء: أضمن لك أنه حين يصل ذو المآرب، إن تلقّى الدعوة نفسها التي تلقّيناها، فسيميل إلى هناك ليرى.

المسيحي: لا شكّ في ذلك، لأن مبادئه تقوده إلى ذلك الطريق، والأرجح، مئةً إلى واحد، أنه سيموت هناك.

ديماس: ثم نادى ديماس ثانيةً قائلًا: ألا تأتيان وتنظران؟

المسيحي: فأجاب المسيحي بصراحة قائلًا: يا ديماس، أنت عدوّ لطرق ربّ هذا الطريق المستقيمة، وقد حُكم عليك من قبلُ بسبب ميلك أنت عن الطريق، على يد واحد من قضاة جلالته، تيموثاوس الثانية 4:10؛ فلماذا تسعى أن تُدخلنا في دينونة مثلها؟ ثم إننا إن ملنا عن الطريق أدنى ميل، فسيسمع ربّنا الملك بذلك يقينًا، وسيُخزينا هناك، حيث نريد أن نقف أمامه بثقة.

فصاح ديماس ثانيةً بأنه هو أيضًا واحد من جماعتهم؛ وأنهما إن تمهّلا قليلًا، فسيسير هو نفسه معهما.

المسيحي: فقال المسيحي: ما اسمك؟ أليس هو الاسم الذي دعوتك به؟

ديماس: نعم، اسمي ديماس؛ أنا ابن إبراهيم.

المسيحي: أنا أعرفك؛ كان جيحزي جدّ أبيك، ويهوذا أباك، وقد سلكتَ في خطواتهما؛ وما تفعله ليس إلا حيلة شيطانية: لقد شُنق أبوك خائنًا، وأنت لا تستحقّ جزاءً أفضل. ملوك الثاني 5:20-27؛ متى 26:14-15؛ 27:3-5. فكن على يقين أننا حين نصل إلى الملك، سنخبره بسلوكك هذا. وهكذا مضيا في طريقهما.

وفي ذلك الوقت كان ذو المآرب ورفاقه قد ظهروا ثانيةً على مرمى البصر، فمالوا إلى ديماس عند أول إشارة. أما هل سقطوا في الحفرة إذ أطلّوا من حافتها، أم نزلوا ليحفروا، أم اختنقوا في القاع من الأبخرة التي تتصاعد عادةً، فلستُ متيقّنًا من هذه الأمور؛ ولكن هذا ما لاحظته، أنهم لم يُرَوا في الطريق بعد ذلك قطّ. حينئذ رنّم المسيحي:

«ذو المآرب وديماس الفضّيّ كلاهما متّفقان؛

هذا يدعو، وذاك يركض، لكي يكون

شريكًا في ربحه: وهكذا هذان الاثنان

يستقرّان في هذا العالم، ولا يمضيان أبعد.»

ثم رأيتُ أنه على الجانب الآخر من هذا السهل مباشرة، وصل السائحان إلى موضع كان فيه نُصُب قديم، قريبًا من جانب الطريق العامّ، فانشغل بالهما كلاهما لمرآه، لغرابة شكله؛ إذ بدا لهما كأنه امرأة تحوّلت إلى هيئة عمود. فوقفا هنا ينظران إليه ويتأمّلانه، ولم يستطيعا مدّةً أن يعرفا ما يصنعان به. وأخيرًا لمح الرجاء، مكتوبًا في أعلاه على رأسه، كتابةً بخطّ غير مألوف؛ ولأنه لم يكن متعلّمًا، نادى المسيحي (إذ كان متعلّمًا) ليرى هل يستطيع أن يستخرج معناها: فجاء، وبعد أن ضمّ الحروف بعضها إلى بعض قليلًا، وجدها هذه: «اُذْكُرُوا ٱمْرَأَةَ لُوطٍ». فقرأها لرفيقه؛ وبعد ذلك خلصا كلاهما إلى أن ذلك هو عمود الملح الذي تحوّلت إليه امرأة لوط، لأنها نظرت إلى الوراء بقلب طامع حين كانت خارجة من سدوم طلبًا للنجاة. تكوين 19:26. وهذا المشهد المفاجئ المدهش أتاح لهما فرصة لهذا الحديث.

المسيحي: آه يا أخي، هذا مشهد جاء في أوانه: لقد جاءنا في الوقت المناسب بعد الدعوة التي وجّهها إلينا ديماس لنميل ونرى تلّ الربح؛ ولو كنّا ملنا، كما أراد منّا، وكما كنتَ أنت ميّالًا أن تفعل يا أخي، لكنّا، على ما أعلم، قد صرنا مثل هذه المرأة، منظرًا يراه الآتون بعدنا.

الرجاء: إني آسف لأني كنت بهذا القدر من الحماقة، وأتعجّب أني لم أصِر الآن مثل امرأة لوط؛ فبماذا كانت خطيتها تختلف عن خطيتي؟ هي نظرت إلى الوراء فحسب، وأنا رغبت أن أذهب وأرى. فلتُمجَّد النعمة؛ وليكن لي الخزي لأن أمرًا كهذا كان في قلبي يومًا.

المسيحي: لننتبه لما نراه هنا، ليعيننا في الزمان الآتي. هذه المرأة نجت من قضاءٍ، إذ لم تسقط في خراب سدوم؛ لكنها أُهلكت بقضاءٍ آخر، كما نرى: لقد تحوّلت إلى عمود ملح.

الرجاء: صحيح، وقد تكون لنا تحذيرًا ومثالًا معًا؛ تحذيرًا لنتجنّب خطيتها؛ أو علامةً على القضاء الذي سيدرك من لا يمنعهم هذا التحذير: وهكذا قورح وداثان وأبيرام، مع المئتين والخمسين رجلًا الذين هلكوا في خطيتهم، صاروا هم أيضًا علامةً أو مثالًا للآخرين ليحترسوا. عدد 16:31-32؛ 26:9-10. ولكن فوق كل شيء، أتأمّل متعجّبًا في أمر واحد، أعني: كيف يستطيع ديماس ورفاقه أن يقفوا هناك بكل هذه الثقة ليطلبوا ذلك الكنز، الذي لمجرّد نظرها إلى الوراء نحوه (إذ لا نقرأ أنها خطت قدمًا واحدة خارج الطريق) تحوّلت هذه المرأة إلى عمود ملح؛ ولا سيما أن القضاء الذي أدركها قد جعلها مثالًا على مرأى من موضعهم؛ إذ لا يسعهم إلا أن يروها، لو رفعوا أعينهم فحسب.

المسيحي: إنه أمر يُتعجّب منه، ويدلّ على أن قلوبهم قد صارت يائسة في هذا الأمر؛ ولا أعرف بمن أشبّههم تشبيهًا أدقّ من الذين يسرقون الجيوب في حضرة القاضي، أو الذين يقطعون الأكياس تحت المشنقة. قيل عن أهل سدوم إنهم كانوا «خُطَاةً…جِدًّا»، لأنهم كانوا خطاةً «لَدَى ٱلرَّبِّ»، أي في نظره، وعلى الرغم من الإحسانات التي أظهرها لهم؛ إذ كانت أرض سدوم حينئذ كجنّة عدن كما كانت من قبل. تكوين 13:10-13. فهذا إذن أثار غيرته أكثر، وجعل ضربتهم حامية بقدر ما استطاعت نار الرب النازلة من السماء أن تجعلها. ومن أصوب ما يُستنتج، أن مثل هؤلاء، نعم مثل هؤلاء بالذات، الذين يخطئون على مرأى منه، بل ويفعلون ذلك أيضًا رغم أمثلة كهذه موضوعة أمامهم باستمرار لتحذّرهم من ذلك، لا بدّ أن يكونوا شركاء في أشدّ الأحكام.

الرجاء: لا شكّ أنك قلت الحق؛ ولكن يا لها من رحمة أنه لا أنت، ولا سيما أنا، قد صرتُ أنا نفسي هذا المثال! وهذا يتيح لنا فرصة أن نشكر الله، وأن نخاف أمامه، وأن نذكر امرأة لوط دائمًا.

ثم رأيتُ أنهما مضيا في طريقهما إلى نهر بهيج، دعاه داود الملك «سَوَاقِي ٱللهِ»؛ أما يوحنا فدعاه «نَهْرًا…مِنْ مَاءِ حَيَاةٍ». مزمور 65:9؛ رؤيا 22:1؛ حزقيال 47:1-9. وكان طريقهما يمتدّ على ضفّة هذا النهر تمامًا: فسار المسيحي ورفيقه هنا ببهجة عظيمة؛ وشربا أيضًا من ماء النهر، فكان عذبًا منعشًا لروحيهما المتعبتين. وفضلًا عن ذلك، كانت على ضفّتي هذا النهر، من هنا ومن هناك، أشجار خضراء عليها كل أنواع الثمار؛ وكانا يأكلان أوراقها ليقيا نفسيهما من التخمة، ومن أمراض أخرى تصيب الذين تسخن دماؤهم من السفر. وكان على جانبي النهر أيضًا مرج، مزيّن بالزنابق تزيينًا بديعًا؛ وكان أخضر طوال السنة. وفي هذا المرج اضطجعا وناما، إذ كان لهما هنا أن يضطجعا آمنين. مزمور 23:2؛ إشعياء 14:30. ولما استيقظا جمعا ثانيةً من ثمر الأشجار، وشربا ثانيةً من ماء النهر، ثم اضطجعا ثانيةً ليناما. وهكذا فعلا أيامًا وليالي عديدة. ثم رنّما:

«انظروا كيف تنساب هذه الجداول البلّورية،

لتعزّي السيّاح على جانب الطريق العام.

والمروج الخضراء، فضلًا عن رائحتها العطرة،

تُخرج لهم أطايب؛ ومن استطاع أن يعرف

أيّ ثمر شهيّ، بل أيّة أوراق، تُخرج هذه الأشجار،

فسيبيع كل شيء سريعًا، ليشتري هذا الحقل.»

فلما عزما على المضيّ (إذ لم يكونا قد بلغا بعدُ نهاية رحلتهما)، أكلا وشربا وانطلقا.

ثم أبصرتُ في حلمي أنهما لم يسيرا بعيدًا حتى افترق النهر والطريق مدّةً من الزمن، فحزنا لذلك حزنًا غير قليل؛ لكنهما لم يجرؤا على الخروج عن الطريق. وكان الطريق بعيدًا عن النهر وعرًا، وأقدامهما رقيقة من كثرة أسفارهما؛ فضاقت نفوس السائحين جدًّا بسبب الطريق. عدد 21:4. ولذلك كانا، كلما مضيا، يتمنّيان طريقًا أفضل. وكان قليلًا أمامهما، على يسار الطريق، مرج، وله معبر يُعبَر عليه إليه، وذلك المرج يُدعى مرج الطريق الجانبي. فقال المسيحي لرفيقه: إن كان هذا المرج يمتدّ بمحاذاة طريقنا، فلنعبر إليه. ثم ذهب إلى المعبر لينظر، وإذا ممرّ يمتدّ بمحاذاة الطريق على الجانب الآخر من السياج. فقال المسيحي: هذا وفق ما أتمنّى؛ ها هنا أسهل مسير؛ تعال أيها الرجاء الطيب، ولنعبر.

الرجاء: ولكن ماذا لو قادنا هذا الممرّ خارج الطريق؟

المسيحي: هذا غير مرجّح، قال الآخر. انظر، أليس يمتدّ بمحاذاة جانب الطريق؟ فاقتنع الرجاء برفيقه، وتبعه عبر المعبر. ولما عبرا، ودخلا الممرّ، وجداه سهلًا جدًّا على أقدامهما؛ وفضلًا عن ذلك، نظرا أمامهما فلمحا رجلًا يسير كما يسيران، واسمه الثقة الباطلة: فنادياه، وسألاه إلى أين يؤدّي ذلك الطريق. فقال: إلى الباب السماوي. فقال المسيحي: انظر، ألم أقل لك ذلك؟ من هذا ترى أننا على الصواب. فتبعاه، وسار هو أمامهما. ولكن هوذا الليل قد أقبل، واشتدّ الظلام جدًّا؛ حتى إن اللذين يسيران خلفًا فقدا رؤية الذي يسير أمامًا.

فالذي كان يسير أمامًا (واسمه الثقة الباطلة)، إذ لم يرَ الطريق أمامه، سقط في حفرة عميقة، كان رئيس تلك الأراضي قد صنعها هناك عمدًا ليصطاد بها الحمقى المعجبين بأنفسهم، فتحطّم بسقطته. إشعياء 9:16.

وسمع المسيحي ورفيقه سقطته. فناديا ليعرفا ما الأمر، لكن لم يكن من مجيب، إلا أنهما سمعا أنينًا. فقال الرجاء: أين نحن الآن؟ فسكت رفيقه، إذ ارتاب في أنه قاده خارج الطريق؛ وأخذ المطر حينئذ ينهمر، والرعد يقصف، والبرق يلمع على نحو مرعب جدًّا، وارتفعت المياه بسرعة.

فتأوّه الرجاء في نفسه قائلًا: آه لو أني بقيتُ في طريقي!

المسيحي: من كان يظنّ أن هذا الممرّ سيقودنا خارج الطريق؟

الرجاء: لقد خشيتُ ذلك من البداية، ولذلك نبّهتك ذلك التنبيه اللطيف. وكنت سأتكلّم بصراحة أكبر، لولا أنك أكبر مني سنًّا.

المسيحي: لا تغضب يا أخي الطيب؛ إني آسف لأني أخرجتك من الطريق، ولأني أوقعتك في مثل هذا الخطر الداهم. أرجوك يا أخي أن تسامحني؛ فلم أفعل ذلك عن نيّة شريرة.

الرجاء: تعزَّ يا أخي، فإني أسامحك؛ وآمن أيضًا بأن هذا سيكون لخيرنا.

المسيحي: إني مسرور لأن معي أخًا رحيمًا: ولكن لا ينبغي أن نقف هنا؛ لنحاول أن نعود أدراجنا.

الرجاء: ولكن دعني أتقدّم يا أخي الطيب.

المسيحي: لا، إن سمحتَ، دعني أتقدّم أولًا، حتى إذا كان هناك خطر، أكون أول من يقع فيه، لأننا بسببي خرجنا كلانا من الطريق.

الرجاء: لا، قال الرجاء، لن تتقدّم أولًا، لأن ذهنك المضطرب قد يقودك خارج الطريق ثانيةً. حينئذ، لتشجيعهما، سمعا صوت قائل يقول: «ٱجْعَلِي قَلْبَكِ نَحْوَ ٱلسِّكَّةِ، ٱلطَّرِيقِ ٱلَّتِي ذَهَبْتِ فِيهَا. ٱرْجِعِي». إرميا 31:21. وكانت المياه في ذلك الوقت قد ارتفعت جدًّا، فصار الرجوع خطرًا جدًّا. (حينئذ فكّرتُ أن الخروج من الطريق ونحن فيه أسهل من الدخول إليه ونحن خارجه.) ومع ذلك غامرا بالرجوع؛ لكن الظلام كان شديدًا جدًّا، والسيل عاليًا جدًّا، حتى كادا يغرقان في رجوعهما تسع مرات أو عشرًا.

ولم يستطيعا، بكل ما لديهما من مهارة، أن يبلغا المعبر ثانيةً في تلك الليلة. ولذلك، إذ وجدا أخيرًا مأوى صغيرًا، جلسا هناك حتى طلع النهار؛ لكنهما من التعب غلبهما النوم. وكانت على مقربة من الموضع الذي رقدا فيه قلعة، تُدعى قلعة الشك، صاحبها العملاق يأس، وفي أراضيه كانا الآن نائمين: ولذلك إذ نهض في الصباح باكرًا، وأخذ يتمشّى ذهابًا وإيابًا في حقوله، وجد المسيحي والرجاء نائمين في أراضيه. فأمرهما بصوت عابس فظّ أن يستيقظا، وسألهما من أين هما، وماذا يفعلان في أراضيه. فأخبراه أنهما حاجّان، وأنهما قد ضلّا طريقهما. فقال العملاق: لقد تعدّيتما عليّ هذه الليلة بدوسكما أراضيّ واضطجاعكما فيها، ولذلك لا بدّ أن تذهبا معي. فاضطرّا إلى الذهاب، لأنه كان أقوى منهما. ولم يكن لديهما أيضًا ما يقولانه إلا القليل، لأنهما عرفا أنهما مخطئان. فساقهما العملاق أمامه، ووضعهما في قلعته، في جبّ مظلم جدًّا، قذر كريه الرائحة لروحَي هذين الرجلين. فرقدا هنا من صباح الأربعاء إلى ليلة السبت، بلا لقمة خبز، ولا قطرة شراب، ولا نور، ولا أحد يسأل عن حالهما؛ فكانا هنا في حال سيئة، بعيدين عن الأصدقاء والمعارف. مزمور 88:18. وكان المسيحي في هذا الموضع في حزن مضاعف، لأنه بسبب مشورته الطائشة وقعا في هذه الضيقة.

وكان للعملاق يأس زوجة، اسمها الارتياب: فلما أوى إلى فراشه أخبر زوجته بما فعل، أي أنه قد أسر سجينين، وألقاهما في جبّه لتعدّيهما على أراضيه. ثم سألها أيضًا ماذا يحسن به أن يفعل بهما بعد ذلك. فسألته من هما، ومن أين جاءا، وإلى أين هما ذاهبان، فأخبرها. فأشارت عليه أن يضربهما بلا رحمة حين يقوم في الصباح. فلما قام، أخذ هراوة غليظة موجعة من خشب التفاح البرّي، ونزل إليهما في الجبّ، وهناك أخذ أولًا يشتمهما كأنهما كلبان، مع أنهما لم يقولا له كلمة واحدة تسوؤه. ثم انهال عليهما، وضربهما ضربًا مروّعًا، حتى لم يعودا قادرين على أن يعينا نفسيهما، أو أن يتقلّبا على الأرض. ولما فرغ من ذلك، انصرف وتركهما هناك يتوجّعان لشقائهما، وينوحان تحت ضيقتهما: فقضيا ذلك اليوم كله في لا شيء سوى التنهّدات والمراثي المُرّة. وفي الليلة التالية، إذ تحدّثت مع زوجها أكثر في شأنهما، وعلمت أنهما لا يزالان حيّين، نصحته أن يشير عليهما بأن يقتلا نفسيهما. فلما جاء الصباح، ذهب إليهما بفظاظة كما من قبل، وإذ رأى أنهما متألّمان جدًّا من الجلدات التي أنزلها بهما في اليوم السابق، قال لهما إنه ما داما لن يخرجا أبدًا من ذلك الموضع، فسبيلهما الوحيد أن يضعا حدًّا لحياتهما حالًا، إما بسكين، أو بحبل مشنقة، أو بسمّ؛ إذ لماذا، قال، تختاران الحياة، وهي مقرونة بكل هذه المرارة؟ لكنهما رجواه أن يطلقهما. فنظر إليهما نظرة شرسة، واندفع نحوهما، ولكان قد قضى عليهما بنفسه بلا شكّ، لولا أنه أصابته نوبة من نوباته (إذ كانت تصيبه أحيانًا نوبات في الأيام المشمسة)، ففقد استعمال يديه مدّةً؛ فانصرف، وتركهما كما من قبل ليفكّرا فيما يفعلان. حينئذ تشاور السجينان فيما بينهما، أخيرٌ لهما أن يأخذا بمشورته أم لا؛ وهكذا بدآ حديثهما:

المسيحي: يا أخي، قال المسيحي، ماذا نفعل؟ إن الحياة التي نحياها الآن بائسة. أما أنا فلا أدري أخيرٌ لي أن أحيا هكذا، أم أن أموت في الحال. نفسي تختار الخنق على الحياة، والقبر أهون عليّ من هذا الجبّ. أيوب 7:15. أنخضع لمشورة العملاق؟

الرجاء: حقًّا إن حالنا الحاضرة مروّعة، والموت أحبّ إليّ بكثير من البقاء هكذا إلى الأبد؛ ولكن مع ذلك، لنتأمّل: إن ربّ البلاد التي نحن ذاهبون إليها قد قال: «لَا تَقْتُلْ»، لا، ولا نفس إنسان آخر؛ فكم بالأحرى نُنهى عن الأخذ بمشورته أن نقتل أنفسنا. ثم إن الذي يقتل غيره لا يرتكب القتل إلا في جسده؛ أما أن يقتل المرء نفسه، فهو قتل للجسد والنفس معًا. وفوق ذلك يا أخي، أنت تتحدّث عن الراحة في القبر؛ ولكن هل نسيتَ الجحيم الذي يذهب إليه القتلة يقينًا؟ لأن «كُلَّ قَاتِلِ نَفْسٍ لَيْسَ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ»، إلخ. ولنتأمّل أيضًا أن الحكم كله ليس في يد العملاق يأس: فآخرون، على قدر ما أفهم، قد أسرهم كما أسرنا، ومع ذلك أفلتوا من يديه. من يدري، لعلّ الله الذي صنع العالم يجعل العملاق يأس يموت؛ أو لعلّه، في وقت من الأوقات، ينسى أن يقفل علينا؛ أو لعلّه، بعد قليل، تصيبه نوبة أخرى من نوباته أمامنا، فيفقد استعمال أطرافه؟ وإن حدث ذلك ثانيةً، فأنا من جهتي قد عزمتُ أن أستجمع شجاعة رجل، وأن أبذل أقصى جهدي لأفلت من تحت يده. لقد كنتُ أحمق لأني لم أحاول ذلك من قبل. ولكن على أي حال يا أخي، لنصبر، ولنحتمل قليلًا: فقد يأتي الوقت الذي يمنحنا فيه خلاصًا سعيدًا؛ ولكن لا نكن قتلة أنفسنا. وبهذه الكلمات هدّأ الرجاء حينئذ ذهن أخيه؛ فبقيا معًا في الظلام ذلك اليوم، في حالهما الحزينة الكئيبة.

حسنًا، ونحو المساء نزل العملاق إلى الجبّ ثانيةً، ليرى هل أخذ سجيناه بمشورته. لكنه لما وصل إلى هناك وجدهما حيّين؛ وحقًّا، لم يكونا إلا حيّين؛ إذ صارا الآن، من قلّة الخبز والماء، ومن الجراح التي أصابتهما حين ضربهما، لا يكادان يفعلان شيئًا إلا أن يتنفّسا. ولكني أقول، وجدهما حيّين؛ فاستشاط غضبًا شديدًا، وقال لهما إنه ما داما قد عصيا مشورته، فسيكون حالهما أسوأ مما لو لم يولدا قطّ.

فارتعدا لذلك ارتعادًا شديدًا، وأظنّ أن المسيحي أُغمي عليه؛ لكنه لما أفاق قليلًا، جدّدا حديثهما عن مشورة العملاق، وهل الأفضل لهما أن يأخذا بها بعدُ أم لا. وبدا المسيحي ثانيةً ميّالًا إلى فعل ذلك؛ لكن الرجاء أجاب جوابه الثاني كما يلي:

الرجاء: يا أخي، قال، أما تذكر كم كنتَ شجاعًا من قبل؟ لم يستطع أبوليون أن يسحقك، ولا كل ما سمعتَه أو رأيتَه أو أحسستَه في وادي ظل الموت. أيّ مشقّة وهول ودهشة قد اجتزتَ من قبل؛ أفصرتَ الآن لا شيء سوى مخاوف! أنت ترى أني في الجبّ معك، وأنا رجل أضعف منك بكثير بطبعي. وقد جرحني هذا العملاق كما جرحك، وقطع الخبز والماء عن فمي أيضًا، ومعك أنوح بلا نور. ولكن لنمارس قليلًا من الصبر بعدُ. تذكّر كيف تصرّفتَ كرجل في سوق الأباطيل، ولم تخف من السلسلة ولا من القفص، ولا حتى من الموت الدامي: فلنصمد إذن بالصبر قدر ما نستطيع (ولو لنتجنّب على الأقل العار الذي لا يليق بمسيحي أن يوجد فيه).

ولما جاء الليل ثانيةً، وكان العملاق وزوجته في الفراش، سألته عن السجينين، وهل أخذا بمشورته: فأجابها: إنهما وغدان عنيدان؛ يفضّلان احتمال كل المشاقّ على أن يقتلا نفسيهما. فقالت: خذهما غدًا إلى فناء القلعة، وأرِهما عظام وجماجم الذين قضيتَ عليهم من قبل، واجعلهما يصدّقان أنك، قبل أن ينقضي أسبوع، ستمزّقهما إربًا، كما فعلتَ برفاقهما من قبلهما.

فلما جاء الصباح، ذهب العملاق إليهما ثانيةً، وأخذهما إلى فناء القلعة، وأراهما كما أمرته زوجته. وقال: هؤلاء كانوا يومًا سيّاحًا مثلكما، وقد تعدّوا على أراضيّ كما فعلتما؛ ولما رأيتُ ذلك مناسبًا مزّقتهم إربًا، وهكذا سأفعل بكما في غضون عشرة أيام: انزلا إلى وكركما ثانيةً. وعندئذ ضربهما طوال الطريق إلى هناك. فرقدا لذلك طوال يوم السبت في حال يُرثى لها، كما من قبل. فلما جاء الليل، وكانت السيدة الارتياب وزوجها العملاق قد أويا إلى الفراش، أخذا يجدّدان حديثهما عن سجينيهما؛ وتعجّب العملاق العجوز فوق ذلك من أنه لم يستطع لا بضرباته ولا بمشورته أن يقضي عليهما. فأجابت زوجته عندئذ: أخشى، قالت، أنهما يعيشان على رجاء أن يأتي أحد لينقذهما؛ أو أن معهما أدوات لفتح الأقفال، يرجوان أن يفلتا بها. أحقًّا تقولين ذلك يا عزيزتي؟ قال العملاق؛ إذن سأفتّشهما في الصباح.

حسنًا، يوم السبت، نحو منتصف الليل، بدآ يصلّيان، وداوما على الصلاة حتى قرب طلوع النهار.

وقبيل طلوع النهار بقليل، انطلق المسيحي الطيب، كمن هو نصف مذهول، في هذا الكلام المتّقد: يا لي من أحمق، قال، أن أرقد هكذا في جبّ كريه الرائحة، وأنا أستطيع أن أمشي حرًّا طليقًا! إن في صدري مفتاحًا يُدعى الوعد، وأنا واثق أنه سيفتح أيّ قفل في قلعة الشك. فقال الرجاء: هذا خبر طيب؛ أخرجه من صدرك يا أخي الطيب، وجرّبه.

فأخرجه المسيحي من صدره، وأخذ يجرّبه في باب الجبّ، فلما أدار المفتاح تراجع مزلاجه، وانفتح الباب بسهولة، فخرج المسيحي والرجاء كلاهما. ثم ذهب إلى الباب الخارجي المؤدّي إلى فناء القلعة، وفتح ذلك الباب أيضًا بمفتاحه. وبعد ذلك ذهب إلى البوّابة الحديدية، لأنه كان لا بدّ من فتحها أيضًا؛ لكن ذلك القفل كان عسيرًا جدًّا، ومع ذلك فتحه المفتاح. فدفعا البوّابة حينئذ ليهربا بسرعة؛ لكن تلك البوّابة، إذ انفتحت، أحدثت صريرًا شديدًا أيقظ العملاق يأس، فقام مسرعًا ليطارد سجينيه، فأحسّ بأطرافه تخذله، إذ عاودته نوباته، حتى لم يستطع بأي حال أن يلحق بهما. ثم مضيا حتى وصلا إلى طريق الملك، فصارا في أمان، لأنهما خرجا من سلطانه.

فلما عبرا المعبر، أخذا يتدبّران فيما بينهما ماذا يصنعان عند ذلك المعبر، ليمنعا الذين يأتون بعدهما من الوقوع في يدي العملاق يأس. فاتّفقا على أن يقيما هناك عمودًا، وأن ينقشا على جانبه هذه العبارة: «من فوق هذا المعبر الطريق إلى قلعة الشك، التي يحرسها العملاق يأس، الذي يزدري ملك البلاد السماوية، ويسعى إلى إهلاك سيّاحه القدّيسين.» فكثيرون ممن تبعوا بعد ذلك قرأوا ما كُتب، ونجوا من الخطر. ولما فرغا من ذلك، رنّما قائلين:

«خرجنا عن الطريق، ثم وجدنا

ما معنى أن ندوس أرضًا محرّمة:

فليحذر الذين يأتون بعدنا،

لئلّا يجعلهم الإهمال يلقون ما لقينا؛

لئلّا يصيروا، لتعدّيهم، أسرى لمن

قلعته الشك، واسمه يأس.»

صفحة 1 / 1 · 26 دقيقة متبقية في الفصل