فصل 4 · قراءة 22 د
المرحلة الثالثة
ثم رأيت في حلمي أن الطريق العامّ الذي كان على المسيحي أن يصعد فيه كان مسيّجًا من جانبيه بسور، وكان ذلك السور يُدعى الخلاص. إشعياء 26:1. ففي هذا الطريق إذن جرى المسيحي المثقَّل بحمله، ولكن لا دون مشقّة عظيمة، بسبب الحِمل الذي على ظهره.
فظلّ يجري هكذا حتى بلغ موضعًا مرتفعًا بعض الارتفاع، وعلى ذلك الموضع قام صليب، وتحته بقليل، في المنخفض، قبر. فرأيت في حلمي أنه ما إن وصل المسيحي إلى الصليب حتى انحلّ حِمله عن كتفيه، وسقط عن ظهره، وأخذ يتدحرج، وظلّ يتدحرج حتى بلغ فم القبر، فسقط فيه، ولم أعد أراه.
حينئذ فرح المسيحي وخفّ قلبه، وقال بقلب مسرور: «لقد أعطاني راحة بحزنه، وحياة بموته». ثم وقف قليلًا يتأمّل ويتعجّب، إذ أدهشه كثيرًا أن مجرّد النظر إلى الصليب قد أراحه هكذا من حِمله. فنظر، ثم نظر ثانية، حتى أرسلت الينابيع التي في رأسه مياهها على خدّيه. زكريا 12:10. وفيما هو واقف ينظر ويبكي، إذا ثلاثة مشرقين قد أقبلوا إليه، وحيّوه قائلين: «سلام لك». فقال له الأول: «مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ»، مرقس 2:5؛ ونزع الثاني عنه أسماله، وألبسه ثيابًا مزخرفة، زكريا 3:4؛ ووضع الثالث علامة على جبهته، أفسس 1:13، وأعطاه لفافة عليها ختم، وأوصاه أن ينظر فيها وهو يجري، وأن يسلّمها عند الباب السماوي. ثم مضوا في سبيلهم. فوثب المسيحي ثلاث وثبات من الفرح، ومضى يرنّم:
«إلى هنا جئتُ مثقَّلًا بخطيّتي،
ولم يكن شيء يخفّف الغمّ الذي كنت فيه،
حتى أتيت إلى هنا. يا له من مكان!
أهنا تكون بداية غبطتي؟
أهنا يسقط الحِمل عن ظهري؟
أهنا تنقطع الحبال التي شدّته إليّ؟
مبارك الصليب! مبارك القبر! بل المبارك بالأحرى
الإنسانُ الذي أُلحق به العار هناك من أجلي!»
ثم رأيت في حلمي أنه مضى هكذا حتى بلغ أسفل المنحدر، فرأى، على مسافة قليلة من الطريق، ثلاثة رجال مستغرقين في النوم، وفي أعقابهم قيود. كان اسم أحدهم الساذج، والآخر الكسلان، والثالث الجسور.
فلما رآهم المسيحي مطروحين على هذه الحال، ذهب إليهم لعلّه يوقظهم، وصاح: إنكم كمضطجع على رأس سارية، أمثال 23:34، لأن البحر الميت تحتكم، وهو لُجّة لا قرار لها. فاستيقظوا إذن وتعالوا، وأبدوا الرغبة، وأنا أعينكم على فكّ قيودكم. وقال لهم أيضًا: إن مرّ بكم الذي يجول كأسد زائر، بطرس الأولى 5:8، فستصيرون لا محالة فريسة لأنيابه. فنظروا إليه عند ذلك، وأخذوا يجيبونه على هذا النحو: قال الساذج: لا أرى خطرًا. وقال الكسلان: قليل نوم بعد. وقال الجسور: كلّ دَنٍّ ينبغي أن يقوم على قاعدته. ثم عادوا فاضطجعوا للنوم، ومضى المسيحي في طريقه.
غير أنه اغتمّ إذ فكّر أن رجالًا في مثل ذلك الخطر يستخفّون هكذا بلطف من عرض عليهم العون بسخاء: بإيقاظهم، ونصحهم، وعرض فكّ قيودهم. وفيما هو مغتمّ لذلك، أبصر رجلين يتسلّقان السور ويتدحرجان من فوقه، عن يسار الطريق الضيق، وأسرعا نحوه. كان اسم أحدهما الشكلي، واسم الآخر الرياء. فلمّا دنوا منه، كما قلت، دخل معهما في حديث على هذا النحو:
المسيحي: أيها السيدان، من أين جئتما، وإلى أين تذهبان؟
الشكلي والرياء: وُلدنا في أرض المجد الباطل، ونحن ذاهبان إلى جبل صهيون طلبًا للمديح.
المسيحي: لماذا لم تدخلا من الباب القائم عند رأس الطريق؟ ألا تعلمان أنه مكتوب أن «ٱلَّذِي لَا يَدْخُلُ مِنَ ٱلْبَابِ… بَلْ يَطْلَعُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَذَاكَ سَارِقٌ وَلِصٌّ»؟ يوحنا 10:1.
الشكلي والرياء: قالا إن الذهاب إلى الباب للدخول منه يعدّه جميع أبناء بلدهما طريقًا ملتويًا طويلًا، ولذلك جرت عادتهم أن يختصروه، فيتسلّقوا السور، كما فعلا.
المسيحي: ولكن ألا يُحسب هذا تعدّيًا على رب المدينة التي نحن قاصدون إليها، أن تنتهكا هكذا مشيئته المعلنة؟
الشكلي والرياء: قالا له إنه لا حاجة به إلى أن يشغل رأسه بذلك، لأن ما يفعلانه له عندهما سند من العادة، وفي وسعهما، إن اقتضى الأمر، أن يقدّما شهادة تشهد له منذ أكثر من ألف سنة.
المسيحي: ولكن، قال المسيحي، هل تصمدان أمام محاكمة في القضاء؟
الشكلي والرياء: قالا له إن العادة، وقد رسخت منذ ما يزيد على ألف سنة، ستُقبل بلا ريب عند قاضٍ منصف أمرًا مشروعًا. ثم قالا: وفضلًا عن ذلك، ما دمنا قد دخلنا الطريق، فما الفرق من أيّ جهة دخلناه؟ إن كنّا في الداخل فنحن في الداخل. فأنت في الطريق، وقد دخلته، كما نرى، من الباب؛ ونحن أيضًا في الطريق، وقد دخلناه متدحرجين من فوق السور. ففيمَ إذن حالك أفضل من حالنا؟
المسيحي: أنا أسلك بحسب قاعدة سيدي، وأنتما تسلكان بحسب نزوات خيالكما الفجّة. إنكما محسوبان لصّين من الآن عند رب الطريق، ولذلك أشكّ في أنكما ستوجدان رجلين أمينين في نهاية الطريق. لقد دخلتما من تلقاء نفسيكما بغير إرشاده، وستخرجان من تلقاء نفسيكما بغير رحمته.
فلم يجيباه على هذا إلا قليلًا، سوى أنهما قالا له أن ينتبه لنفسه. ثم رأيت أنهم ساروا، كلّ واحد في طريقه، من غير حديث يُذكر بينهم، إلا أن هذين الرجلين قالا للمسيحي إنهما لا يشكّان في أنهما سيعملان بالنواميس والفرائض بضمير لا يقلّ عن ضميره. ثم قالا: ولذلك لا نرى فيمَ تختلف عنّا، إلا في الثوب الذي على ظهرك، وهو، على ما نظنّ، قد أعطاك إيّاه بعض جيرانك ليستر خزي عريك.
المسيحي: بالنواميس والفرائض لن تخلصا، لأنكما لم تدخلا من الباب. غلاطية 2:16. أما هذا الثوب الذي على ظهري، فقد أعطانيه رب المكان الذي أنا ذاهب إليه، وذلك، كما تقولان، ليستر عريي. وأنا أعدّه علامة لطف منه بي، إذ لم يكن لي من قبل سوى الأسمال. وفضلًا عن ذلك، فإني أتعزّى به في مسيري؛ إذ أقول في نفسي: لا شك أنه حين أبلغ باب المدينة سيعرفني ربّها بالخير، لأن ثوبه على ظهري، وهو ثوب أعطانيه مجانًا في اليوم الذي نزع عني فيه أسمالي. ثم إن على جبهتي علامة، لعلّكما لم تلتفتا إليها، وضعها هناك أحد أخصّ المقرّبين إلى سيدي في اليوم الذي سقط فيه الحِمل عن كتفيّ. وأزيدكما أنني أُعطيت يومئذ لفافة مختومة لأتعزّى بقراءتها وأنا ماضٍ في الطريق، وأُمرت أن أسلّمها عند الباب السماوي علامةً على أنني سأدخل بعدها يقينًا. وأظنّ أن هذه الأمور كلّها تعوزكما، وأنها تعوزكما لأنكما لم تدخلا من الباب.
فلم يجيباه عن هذه الأمور بشيء، سوى أنهما نظر كلّ منهما إلى الآخر وضحكا. ثم رأيت أنهم ساروا جميعًا، إلا أن المسيحي تقدّمهم، ولم يعد له حديث إلا مع نفسه، تارة بتنهّد وتارة بتعزية. وكان كثيرًا ما يقرأ في اللفافة التي أعطاه إياها أحد المشرقين، فكان يتجدّد بها.
ثم رأيت أنهم ساروا جميعًا حتى بلغوا سفح تل الصعوبة، وكان عند أسفله ينبوع. وكان في ذلك الموضع أيضًا طريقان آخران غير الطريق الآتي مستقيمًا من الباب: أحدهما ينعطف إلى اليسار، والآخر إلى اليمين، عند أسفل التل؛ أما الطريق الضيق فكان يصعد التل مباشرة، واسم المرتقى على جانب التل: الصعوبة. فذهب المسيحي الآن إلى الينبوع، إشعياء 49:10، وشرب منه لينتعش، ثم أخذ يصعد التل قائلًا:
«التلّ وإن علا فإني أشتاق أن أرتقيه،
والصعوبة لن تصدّني عمّا أبتغيه،
فإني أرى طريق الحياة ههنا قائمًا:
هيّا، تشجّع يا قلب، فلا نخور ولا نخاف.
خيرٌ أن نسلك الطريق القويم وإن كان صعبًا،
من المعوجّ وإن كان سهلًا إذا كان منتهاه ويلًا.»
وأتى الآخران كذلك إلى سفح التل. ولكن لمّا رأيا أن التل شديد الانحدار عالٍ، وأن هناك طريقين آخرين يمكن السير فيهما، وظنّا أيضًا أن هذين الطريقين قد يلتقيان ثانية بالطريق الذي صعد فيه المسيحي، على الجانب الآخر من التل، عزما على أن يسلكا ذينك الطريقين. وكان اسم أحد الطريقين الخطر، واسم الآخر الهلاك. فسلك أحدهما الطريق المسمّى الخطر، فقاده إلى غابة عظيمة؛ وسلك الآخر رأسًا طريق الهلاك، فقاده إلى حقل فسيح، مملوء جبالًا مظلمة، فعثر فيه وسقط، ولم يقم بعدها.
ثم تتبّعتُ المسيحي بنظري لأراه يصعد التل، فرأيته قد تحوّل من الجري إلى المشي، ومن المشي إلى التسلّق على يديه وركبتيه، لشدّة انحدار الموضع. وكان في منتصف الطريق إلى قمة التل تقريبًا عريشة بهيجة، صنعها رب التل لانتعاش المسافرين المتعبين. فبلغها المسيحي، وجلس فيها ليستريح؛ ثم أخرج لفافته من حضنه، وقرأ فيها فتعزّى، وأخذ أيضًا يتأمّل من جديد الثوب أو الحلّة التي أُعطيت له وهو واقف عند الصليب. وإذ كان يتلذّذ بذلك حينًا، غلبه النعاس أخيرًا، ثم استغرق في نوم عميق أبقاه في ذلك الموضع حتى كاد الليل يحلّ؛ وفي نومه سقطت اللفافة من يده. وفيما هو نائم، جاءه واحد وأيقظه قائلًا: «اِذْهَبْ إِلَى ٱلنَّمْلَةِ أَيُّهَا ٱلْكَسْلَانُ. تَأَمَّلْ طُرُقَهَا وَكُنْ حَكِيمًا». أمثال 6:6. فعند ذلك هبّ المسيحي فجأة، وأسرع في طريقه، ومضى مسرعًا حتى بلغ قمة التل.
فلمّا صعد إلى قمة التل، أقبل رجلان يعدوان بكل قوّتهما؛ اسم أحدهما الهيّاب، والآخر قليل الثقة. فقال لهما المسيحي: يا سيديّ، ما الخطب؟ إنكما تجريان في الاتجاه الخاطئ. فأجاب الهيّاب بأنهما كانا ذاهبين إلى مدينة صهيون، وقد صعدا ذلك الموضع الصعب؛ ثم قال: ولكن كلما تقدّمنا لقينا خطرًا أعظم، ولذلك رجعنا، وها نحن عائدان أدراجنا.
نعم، قال قليل الثقة، لأن أمامنا مباشرة أسدين رابضين في الطريق، لا ندري أنائمان هما أم يقظان، ولم يكن في ظنّنا، لو وصلنا إلى متناولهما، إلا أنهما سيمزّقاننا إربًا في الحال.
المسيحي: فقال المسيحي: إنكما تخيفانني؛ ولكن إلى أين أفرّ لأكون في أمان؟ إن رجعت إلى بلدي، فهو مُعدّ للنار والكبريت، وسأهلك هناك يقينًا؛ وإن استطعت أن أبلغ المدينة السماوية، فأنا واثق أنني سأكون فيها في أمان. لا بدّ لي أن أخاطر. الرجوع ليس إلا موتًا، والتقدّم خوف من الموت وبعده حياة أبدية. سأمضي قدمًا. فنزل قليل الثقة والهيّاب التل جريًا، ومضى المسيحي في طريقه. ولكنه إذ عاد يفكّر فيما سمعه من الرجلين، تحسّس حضنه يطلب لفافته ليقرأ فيها ويتعزّى، فتحسّس ولم يجدها. حينئذ وقع المسيحي في كرب عظيم، ولم يدرِ ماذا يفعل، إذ افتقد ما كان يعزّيه، وما كان ينبغي أن يكون جواز مروره إلى المدينة السماوية. فأخذ هنا يتحيّر حيرة شديدة، ولم يدرِ ماذا يفعل. وأخيرًا تذكّر أنه نام في العريشة التي على جانب التل؛ فجثا على ركبتيه، وطلب من الله المغفرة لذلك الفعل الأحمق، ثم رجع يبحث عن لفافته. ولكن في كل الطريق الذي رجع فيه، من يقدر أن يصف حزن قلب المسيحي كما ينبغي؟ فتارة كان يتنهّد، وتارة يبكي، وكثيرًا ما كان يوبّخ نفسه على حماقته إذ نام في ذلك الموضع الذي لم يُقَم إلا لانتعاش قليل من تعبه. وهكذا رجع، يتفحّص بعناية هذا الجانب وذاك، طول الطريق الذي سلكه، لعلّه يجد لفافته التي كانت عزاءه مرّات كثيرة في رحلته. ومضى هكذا حتى صار ثانية على مرأى من العريشة التي جلس فيها ونام؛ ولكن ذلك المنظر زاد حزنه، إذ أعاد إلى ذهنه، بل جدّد فيه، شرّ نومه. رؤيا 2:4؛ تسالونيكي الأولى 5:6-8. وهكذا مضى الآن ينوح على نومه الخاطئ قائلًا: ويحي أنا الإنسان الشقي، أن أنام في وضح النهار! أن أنام في وسط الصعوبة! أن أدلّل الجسد حتى أستعمل لراحة جسدي تلك الاستراحة التي لم يُقمها رب التل إلا لإنعاش أرواح السيّاح! كم من خطوة خطوتها عبثًا! هكذا جرى لإسرائيل، فإنهم لأجل خطيتهم أُعيدوا في طريق البحر الأحمر؛ وها أنا مضطرّ أن أطأ بحزن تلك الخطوات التي كان يمكنني أن أطأها بفرح، لولا هذا النوم الخاطئ. كم كنت سأقطع من طريقي في هذا الوقت! إني مضطرّ أن أطأ ثلاث مرات تلك الخطوات التي ما كان يلزمني أن أطأها إلا مرة واحدة. بل إنني الآن أيضًا أوشك أن يدركني الليل، لأن النهار قد كاد ينقضي. ليتني لم أنم!
وكان قد وصل في هذا الوقت إلى العريشة ثانية، فجلس فيها حينًا يبكي؛ ولكنه أخيرًا (كما شاءت العناية الإلهية) إذ نظر بحزن تحت المقعد، أبصر لفافته هناك، فالتقطها بارتعاد وعجلة، ووضعها في حضنه. ولكن من يقدر أن يصف كم كان هذا الرجل فرحًا حين استردّ لفافته؟ فإن هذه اللفافة كانت ضمان حياته، وقبوله في المرفأ المنشود. فخبّأها في حضنه، وشكر الله لأنه وجّه عينه إلى الموضع الذي كانت فيه، واستأنف رحلته بفرح ودموع. ولكن آه، ما أخفّ ما صعد بقية التل! غير أن الشمس غابت على المسيحي قبل أن يبلغ القمة، فجعله ذلك يستعيد إلى ذاكرته ثانية بطلان نومه، فأخذ ثانية يرثي لنفسه قائلًا: آه أيها النوم الخاطئ! كيف يوشك الليل أن يدركني في رحلتي بسببك! لا بدّ لي أن أمشي بغير شمس، وأن تغطّي الظلمة سبيل قدميّ، وأن أسمع أصوات المخلوقات المُوحشة، بسبب نومي الخاطئ! وتذكّر أيضًا حينئذ الخبر الذي أخبره به قليل الثقة والهيّاب، كيف ارتاعا من منظر الأسدين. فقال المسيحي في نفسه ثانية: إن هذه الوحوش تجول في الليل طلبًا لفريستها، فإن لاقتني في الظلام، فكيف أتفاداها؟ كيف أنجو من أن تمزّقني إربًا؟ وهكذا مضى في طريقه. ولكن فيما هو ينوح على زلّته التعيسة، رفع عينيه، وإذا أمامه قصر فخم جدًّا، اسمه الجميل، قائم على جانب الطريق العام.
فرأيت في حلمي أنه أسرع وتقدّم، لعلّه يجد فيه مبيتًا إن أمكن. ولم يكن قد ابتعد كثيرًا حتى دخل ممرًّا ضيقًا جدًّا، على نحو غلوة من مسكن البوّاب، وإذ كان يتفحّص بدقّة ما أمامه وهو سائر، أبصر أسدين في الطريق. فقال في نفسه: الآن أرى الأخطار التي ردّت قليل الثقة والهيّاب. (وكان الأسدان مقيَّدين بسلاسل، لكنه لم يرَ السلاسل.) فخاف، وفكّر هو أيضًا أن يرجع وراءهما، إذ ظنّ أنه لا شيء أمامه سوى الموت. ولكن البوّاب الذي عند المسكن، واسمه الساهر، لمّا رأى أن المسيحي قد توقّف كأنه يريد الرجوع، صاح به قائلًا: أهكذا قوّتك ضئيلة؟ مرقس 4:40. لا تخف الأسدين، فإنهما مقيَّدان، وقد وُضعا هناك لامتحان الإيمان حيث يوجد، ولكشف الذين لا إيمان لهم. الزم وسط السبيل، فلا يصيبك أذى.
ثم رأيت أنه مضى، وهو يرتعد خوفًا من الأسدين، لكنه منتبه جيدًا لإرشادات البوّاب؛ فسمعهما يزأران، ولكنهما لم يؤذياه. حينئذ صفّق بيديه، ومضى حتى جاء ووقف أمام الباب حيث كان البوّاب. فقال المسيحي للبوّاب: يا سيدي، ما هذا البيت؟ وهل لي أن أبيت هنا الليلة؟ فأجاب البوّاب: هذا البيت بناه رب التل، وبناه لراحة السيّاح وأمانهم. ثم سأله البوّاب من أين هو، وإلى أين هو ذاهب.
المسيحي: أنا آتٍ من مدينة الهلاك، وذاهب إلى جبل صهيون؛ ولكن لأن الشمس قد غربت الآن، أرغب، إن أُذن لي، أن أبيت هنا الليلة.
البوّاب: ما اسمك؟
المسيحي: اسمي الآن المسيحي، ولكن اسمي في البدء كان عديم النعمة. أنا من نسل يافث، الذي سيستميله الله ليسكن في مساكن سام. تكوين 9:27.
البوّاب: ولكن كيف حدث أنك جئت متأخرًا هكذا؟ لقد غربت الشمس.
المسيحي: كنت سأصل إلى هنا أبكر، لولا أنني، ويحي أنا الإنسان الشقي، نمت في العريشة القائمة على جانب التل! بل كنت، رغم ذلك، سأصل إلى هنا أبكر بكثير، لولا أنني أضعت في نومي بيّنتي، وجئت بغيرها إلى حافة التل؛ ثم تحسّستها فلم أجدها، فاضطُررت بحزن قلب أن أرجع إلى الموضع الذي نمت فيه نومتي، فوجدتها هناك؛ وها أنا قد جئت.
البوّاب: حسنًا، سأدعو إحدى عذارى هذا المكان، فإن راقها حديثك، أدخلتك إلى بقية أهل البيت، بحسب قواعد البيت. فقرع الساهر البوّاب جرسًا، فخرجت على صوته من باب البيت فتاة رزينة جميلة، اسمها التمييز، وسألت لماذا دُعيت.
فأجاب البوّاب: هذا الرجل في رحلة من مدينة الهلاك إلى جبل صهيون؛ ولكنه إذ أعيا وأدركه الليل، سألني إن كان له أن يبيت هنا الليلة؛ فقلت له إنني سأدعوك، وأنتِ، بعد أن تحادثيه، تفعلين ما يحسن في عينيك، بحسب ناموس البيت.
فسألته من أين هو، وإلى أين هو ذاهب، فأخبرها. وسألته أيضًا كيف دخل الطريق، فأخبرها. ثم سألته ماذا رأى وماذا لقي في الطريق، فأخبرها. وأخيرًا سألته عن اسمه. فقال: اسمي المسيحي؛ ورغبتي في أن أبيت هنا الليلة أشدّ، لأنني، على ما أرى، أجد هذا المكان قد بناه رب التل لراحة السيّاح وأمانهم. فابتسمت، ولكن الدموع ترقرقت في عينيها؛ وبعد سكتة قصيرة قالت: سأدعو اثنتين أو ثلاثًا أخريات من أهل البيت. فجرت إلى الباب، ونادت الفطنة والتقوى والمحبة، فأدخلنه إلى أهل البيت بعد حديث قصير آخر معه؛ واستقبله كثيرون منهم عند عتبة البيت قائلين: «ٱدْخُلْ يَا مُبَارَكَ ٱلرَّبِّ»؛ هذا البيت بناه رب التل خصّيصًا لإيواء أمثال هؤلاء السيّاح. فأحنى رأسه، وتبعهم إلى داخل البيت. فلمّا دخل وجلس، قدّموا له شيئًا يشربه، واتّفقوا فيما بينهم على أن يتحدّث بعضهم مع المسيحي حديثًا خاصًّا، إلى أن يُعدّ العشاء، لأحسن انتفاع بالوقت؛ وعيّنوا التقوى والفطنة والمحبة لمحادثته. فبدأن هكذا:
التقوى: تعال أيها المسيحي الصالح، ما دمنا قد أحببناك حتى قبلناك في بيتنا هذه الليلة، فدعنا نتحدّث معك، لعلّنا ننتفع بذلك، عن كل ما جرى لك في سياحتك.
المسيحي: بكل رضى؛ ويسرّني أنكنّ على هذا الاستعداد الطيب.
التقوى: ما الذي حملك أولًا على أن تسلك حياة السائح؟
المسيحي: طُردت من وطني بصوت رهيب كان في أذنيّ، أعني أن هلاكًا لا مفرّ منه كان ينتظرني إن بقيت في الموضع الذي كنت فيه.
التقوى: ولكن كيف حدث أنك خرجت من بلدك في هذا الطريق؟
المسيحي: كان ذلك كما شاء الله؛ فإني حين كنت تحت مخاوف الهلاك، لم أعرف إلى أين أذهب؛ ولكن اتّفق أن جاءني رجل، إليّ أنا بالذات، وأنا أرتعد وأبكي، اسمه المبشّر، فأرشدني إلى الباب الضيق، الذي ما كنت لأجده لولاه، وهكذا وضعني في الطريق الذي قادني مباشرة إلى هذا البيت.
التقوى: ولكن ألم تمرّ ببيت المفسّر؟
المسيحي: بلى، ورأيت هناك أمورًا ستلازمني ذكراها ما دمت حيًّا، ولا سيما ثلاثة أمور: أعني كيف يحفظ المسيح، رغم الشيطان، عمل نعمته في القلب؛ وكيف أخطأ ذلك الرجل حتى فقد كل رجاء في رحمة الله؛ وأيضًا حلم ذلك الذي ظنّ في نومه أن يوم الدينونة قد جاء.
التقوى: أحقًّا سمعته يروي حلمه؟
المسيحي: نعم، وكان حلمًا رهيبًا في ظنّي؛ لقد أوجع قلبي وهو يرويه، ولكني مع ذلك مسرور لأنني سمعته.
التقوى: أهذا كل ما رأيته في بيت المفسّر؟
المسيحي: لا؛ فقد أخذني وأدخلني حيث أراني قصرًا فخمًا، وكيف كان الناس الذين فيه لابسين الذهب؛ وكيف جاء رجل مقدام، وشقّ طريقه وسط الرجال المسلّحين الواقفين عند الباب ليصدّوه؛ وكيف دُعي إلى الدخول، ونال مجدًا أبديًّا. لقد خُيّل إليّ أن تلك الأمور خلبت قلبي. وكنت أودّ أن أمكث في بيت ذلك الرجل الصالح سنة كاملة، لولا أنني علمت أن أمامي طريقًا أبعد.
التقوى: وماذا رأيت غير ذلك في الطريق؟
المسيحي: رأيت؟ ما سرت إلا قليلًا أبعد من ذلك حتى رأيت واحدًا، كما تمثّل في ذهني، معلّقًا ينزف على خشبة؛ ومجرّد منظره جعل حملي يسقط عن ظهري؛ فقد كنت أئنّ تحت حمل ثقيل جدًّا، ولكنه حينئذ سقط عني. وكان ذلك أمرًا عجيبًا عندي، لأنني لم أرَ مثله قط من قبل. نعم، وفيما أنا واقف أتطلّع إليه (إذ لم أستطع حينئذ أن أكفّ عن التطلّع)، جاءني ثلاثة مشرقين. فشهد أحدهم بأن خطاياي قد غُفرت لي؛ ونزع الثاني عني أسمالي، وأعطاني هذا الثوب المطرّز الذي ترونه؛ ووضع الثالث العلامة التي ترونها على جبهتي، وأعطاني هذه اللفافة المختومة (وعند ذلك أخرجها من حضنه).
التقوى: ولكنك رأيت أكثر من هذا، أليس كذلك؟
المسيحي: الأمور التي أخبرتكنّ بها كانت أفضلها؛ غير أنني رأيت أمورًا أخرى، أعني أنني رأيت ثلاثة رجال، الساذج والكسلان والجسور، مطروحين نائمين على مسافة قليلة من الطريق، وأنا آتٍ، وفي أعقابهم قيود حديد؛ ولكن أتظنّين أنني استطعت أن أوقظهم؟ ورأيت أيضًا الشكلي والرياء يتدحرجان من فوق السور، ليذهبا، كما زعما، إلى صهيون؛ ولكنهما سرعان ما ضاعا، كما أنذرتهما أنا نفسي، لكنهما لم يصدّقا. ولكن فوق كل شيء، وجدت الصعود إلى هذا التل عملًا شاقًّا، وكذلك المرور بأفواه الأسدين؛ وحقًّا، لولا ذلك الرجل الصالح، البوّاب الواقف عند الباب، فلا أدري، لعلّي كنت بعد كل هذا قد رجعت ثانية؛ ولكني أشكر الله أنني هنا، وأشكركنّ على قبولكنّ إياي.
حينئذ رأت الفطنة أن تسأله بضعة أسئلة، وطلبت منه أن يجيبها عنها.
الفطنة: ألا تفكّر أحيانًا في البلد الذي أتيت منه؟
المسيحي: بلى، ولكن بخزي ومقت شديدين. وحقًّا لو ذكرت ذلك البلد الذي خرجت منه، لكانت لي فرصة للرجوع؛ ولكني الآن أبتغي وطنًا أفضل، أي سماويًّا. عبرانيين 11:15-16.
الفطنة: ألا تزال تحمل معك بعض الأمور التي كنت تألفها آنذاك؟
المسيحي: بلى، ولكن على كره شديد مني؛ ولا سيما أفكاري الباطنة الجسدية، التي كان جميع أبناء بلدي يتلذّذون بها، كما كنت أنا أيضًا. أما الآن فكل تلك الأمور حزن لي؛ ولو كان لي أن أختار ما أريد، لاخترت ألا أفكّر في تلك الأمور بعد؛ ولكن حينما أريد أن أفعل الأحسن، فإن الأسوأ حاضر عندي. رومية 7:15، 21.
الفطنة: ألا تجد أحيانًا كأن تلك الأمور التي تحيّرك في أوقات أخرى قد قُهرت؟
المسيحي: بلى، ولكن ذلك نادر؛ غير أن الساعات التي يحدث لي فيها مثل ذلك هي عندي ساعات ذهبية.
الفطنة: أتستطيع أن تتذكّر بأيّ وسيلة تجد متاعبك أحيانًا كأنها قد قُهرت؟
المسيحي: نعم: حين أفكّر فيما رأيته عند الصليب، يتمّ ذلك؛ وحين أنظر إلى ثوبي المطرّز، يتمّ ذلك؛ وحين أنظر في اللفافة التي أحملها في حضني، يتمّ ذلك؛ وحين تتّقد أفكاري بشأن المكان الذي أنا ذاهب إليه، يتمّ ذلك.
الفطنة: وما الذي يجعلك شديد الرغبة هكذا في الذهاب إلى جبل صهيون؟
المسيحي: ذلك أني أرجو أن أرى هناك حيًّا ذاك الذي عُلّق ميتًا على الصليب؛ وأرجو هناك أن أتخلّص من كل تلك الأمور التي هي فيّ إلى هذا اليوم مصدر أذى لي. هناك، كما يقولون، لا يكون موت، إشعياء 25:8؛ رؤيا 21:4؛ وهناك سأسكن مع الرفقة التي أحبّها أكثر من سواها. فإني، إن شئتنّ الحق، أحبّه لأنه به أُرحت من حملي؛ وقد سئمت دائي الباطن. وأتوق إلى أن أكون حيث لا أموت بعد، ومع الرفقة التي تصرخ بلا انقطاع: «قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ».
حينئذ قالت المحبة للمسيحي: ألك عائلة؟ أأنت رجل متزوّج؟
المسيحي: لي زوجة وأربعة أولاد صغار.
المحبة: ولماذا لم تأتِ بهم معك؟
المسيحي: حينئذ بكى المسيحي وقال: آه، ما كان أرغبني في ذلك! ولكنهم كانوا جميعًا نافرين أشدّ النفور من ذهابي في السياحة.
المحبة: ولكن كان ينبغي أن تكلّمهم، وأن تجتهد في أن تريهم خطر البقاء في الخلف.
المسيحي: هكذا فعلت؛ وأخبرتهم أيضًا بما أراني الله من هلاك مدينتنا؛ ولكني كنت في أعينهم كمازح، ولم يصدّقوني. تكوين 19:14.
المحبة: وهل صلّيت إلى الله أن يبارك نصحك لهم؟
المسيحي: نعم، وبحرارة شديدة؛ فلكنّ أن تتصوّرن كم كانت زوجتي وأولادي المساكين أعزّاء عليّ.
المحبة: ولكن هل أخبرتهم بحزنك وخوفك من الهلاك؟ فإني أحسب أن الهلاك كان ظاهرًا لك بما فيه الكفاية.
المسيحي: نعم، مرة ومرة ومرة. وكان في وسعهم أيضًا أن يروا مخاوفي في وجهي، وفي دموعي، وفي ارتعادي أيضًا من توقّع الدينونة التي كانت معلّقة فوق رؤوسنا؛ ولكن ذلك كله لم يكفِ لإقناعهم بالمجيء معي.
المحبة: ولكن ماذا كان في وسعهم أن يقولوا عن أنفسهم، لماذا لم يأتوا؟
المسيحي: أما زوجتي فكانت تخاف أن تخسر هذا العالم، وأما أولادي فكانوا منصرفين إلى ملذّات الصبا الحمقاء؛ وهكذا، بين هذا الأمر وذاك، تركوني أهيم على هذا النحو وحدي.
المحبة: ولكن ألم تكن، بحياتك الباطلة، تُخمد كل ما كنت تستعمله من كلام في سبيل إقناعهم بالمجيء معك؟
المسيحي: حقًّا لا أستطيع أن أمدح حياتي، فإني أعرف في نفسي تقصيرات كثيرة فيها. وأعلم أيضًا أن الإنسان قد يهدم بسيرته سريعًا ما يجتهد أن يثبّته في الآخرين لخيرهم بالحجّة أو الإقناع. غير أني أستطيع أن أقول هذا: إنني كنت حذرًا جدًّا من أن أعطيهم، بأيّ فعل غير لائق، سببًا ينفّرهم من الذهاب في السياحة. بل لأجل هذا بعينه كانوا يقولون لي إنني مفرط في التدقيق، وإنني أحرم نفسي (لأجلهم) من أمور لا يرون فيها شرًّا. بل أظنّ أنني أستطيع أن أقول إنه إن كان ما رأوه فيّ قد أعاقهم، فهو شدّة تحرّجي من الخطية إلى الله، أو من إلحاق أيّ ظلم بقريبي.
المحبة: حقًّا، لقد أبغض قايين أخاه «لِأَنَّ أَعْمَالَهُ كَانَتْ شِرِّيرَةً، وَأَعْمَالَ أَخِيهِ بَارَّةٌ»، يوحنا الأولى 3:12؛ فإن كانت زوجتك وأولادك قد استاؤوا منك لهذا، فإنهم بذلك يُظهرون أنفسهم ألدّاء للخير؛ وأنت «قَدْ نَجَّيْتَ نَفْسَكَ» من دمهم. حزقيال 3:19.
ثم رأيت في حلمي أنهم ظلّوا جالسين يتحدّثون هكذا معًا حتى أُعدّ العشاء. فلمّا أعدّوه، جلسوا إلى الطعام. وكانت المائدة عامرة بالسمائن، وبخمر مصفّاة جيدًا؛ وكان كل حديثهم على المائدة عن رب التل، أعني عمّا صنعه، ولماذا صنع ما صنع، ولماذا بنى ذلك البيت؛ ومن كلامهم أدركت أنه كان محاربًا عظيمًا، وأنه حارب «ذَاكَ ٱلَّذِي لَهُ سُلْطَانُ ٱلْمَوْتِ» وقتله، عبرانيين 2:14-15؛ ولكن لا دون خطر عظيم على نفسه، مما جعلني أحبّه أكثر.
فإنه، كما قالوا، وكما أؤمن أنا، قال المسيحي، صنع ذلك ببذل دم كثير. ولكن الذي أضفى مجد النعمة على كل ما صنعه، هو أنه صنعه بدافع المحبة الخالصة لبلاده. وفضلًا عن ذلك، كان بعض أهل البيت يقولون إنهم رأوه وكلّموه منذ أن مات على الصليب؛ وقد شهدوا أنهم سمعوا من شفتيه أنه محبّ للسيّاح المساكين إلى حدّ لا يوجد له نظير من المشرق إلى المغرب. ثم إنهم ضربوا مثالًا على ما أكّدوه، وهو أنه قد تجرّد من مجده ليصنع هذا لأجل المساكين؛ وأنهم سمعوه يقول ويؤكّد أنه لن يسكن جبل صهيون وحده. وقالوا أيضًا إنه جعل كثيرين من السيّاح أمراء، مع أنهم وُلدوا بالطبيعة شحّاذين، وكان أصلهم المزبلة. صموئيل الأول 2:8؛ مزمور 113:7.
وهكذا تحادثوا معًا إلى ساعة متأخرة من الليل؛ وبعد أن استودعوا أنفسهم ربّهم ليحفظهم، مضوا إلى الراحة. وأضجعوا السائح في علّية واسعة، تنفتح نافذتها نحو مشرق الشمس. وكان اسم تلك العلّية السلام، فنام فيها حتى طلوع النهار، ثم استيقظ ورنّم:
«أين أنا الآن؟ أهذه محبة يسوع ورعايته
للرجال الذين هم سيّاح،
أن يدبّر هكذا أن أنال الغفران،
وأن أسكن منذ الآن على باب السماء!»
فلمّا كان الصباح قاموا جميعًا؛ وبعد مزيد من الحديث، قالوا له إنه لا ينبغي أن يرحل حتى يروه نفائس ذلك المكان. فأدخلوه أولًا إلى المكتبة، حيث أروه سجلّات من أقدم العصور؛ وفيها، على ما أذكر من حلمي، أروه نسب رب التل، وأنه ابن القديم الأيام، وأنه جاء بولادة أزلية. وكانت مدوّنة هنا أيضًا، على نحو أوفى، الأعمال التي عملها، وأسماء مئات كثيرة ممّن أدخلهم في خدمته؛ وكيف أسكنهم في مساكن لا يمكن أن تنحلّ لا بطول الأيام ولا بتداعي الطبيعة.
ثم قرأوا له بعض الأعمال الجليلة التي عملها بعض عبيده؛ كيف «قَهَرُوا مَمَالِكَ، صَنَعُوا بِرًّا، نَالُوا مَوَاعِيدَ، سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ، أَطْفَأُوا قُوَّةَ ٱلنَّارِ، نَجَوْا مِنْ حَدِّ ٱلسَّيْفِ، تَقَوَّوْا مِنْ ضَعْفٍ، صَارُوا أَشِدَّاءَ فِي ٱلْحَرْبِ، هَزَمُوا جُيُوشَ غُرَبَاءَ». عبرانيين 11:33-34.
ثم قرأوا له ثانية جزءًا آخر من سجلّات البيت، يبيّن كم كان ربّهم راغبًا في أن يقبل في رضاه أيّ إنسان، أيّ إنسان كان، حتى ولو كانوا في الزمان الماضي قد أساؤوا إساءات بالغة إلى شخصه وتدابيره. وكان هنا أيضًا تواريخ أخرى كثيرة لأمور أخرى كثيرة شهيرة، اطّلع المسيحي عليها جميعًا؛ من أمور قديمة وحديثة، ومعها نبوّات وتنبّؤات بأمور لا بدّ من تمامها، مما يبعث الرعب والذهول في الأعداء، والتعزية والسلوى في السيّاح.
وفي اليوم التالي أخذوه وأدخلوه إلى مخزن السلاح، حيث أروه كل أنواع العتاد الذي أعدّه ربّهم للسيّاح: السيف، والترس، والخوذة، والدرع، وكل صلاة، والأحذية التي لا تبلى. وكان هناك من هذا ما يكفي لتسليح عدد من الرجال لخدمة ربّهم بقدر نجوم السماء في الكثرة.
وأروه أيضًا بعض الآلات التي صنع بها بعض عبيده أمورًا عجيبة. أروه عصا موسى؛ والمطرقة والوتد اللذين قتلت بهما ياعيل سيسرا؛ والجرار والأبواق والمصابيح أيضًا التي هزم بها جدعون جيوش مديان. ثم أروه المنساس الذي قتل به شمجر ست مئة رجل. وأروه أيضًا الفكّ الذي صنع به شمشون مآثره العظيمة. وأروه فوق ذلك المقلاع والحجر اللذين قتل بهما داود جليات الجتّي؛ والسيف أيضًا الذي سيقتل به ربّهم إنسان الخطية، في اليوم الذي يقوم فيه إلى السلب. وأروه غير ذلك أمورًا فاخرة كثيرة، سُرّ بها المسيحي سرورًا عظيمًا. فلما انتهى ذلك، مضوا ثانية إلى الراحة.
ثم رأيت في حلمي أنه قام في الغد ليمضي قدمًا، ولكنهم طلبوا إليه أن يبقى إلى اليوم التالي أيضًا؛ وقالوا: حينئذ نريك، إن كان النهار صافيًا، الجبال البهيجة؛ وقالوا إن ذلك سيزيد تعزيته، لأنها أقرب إلى المرفأ المنشود من الموضع الذي هو فيه الآن. فرضي وبقي. فلمّا طلع الصباح، صعدوا به إلى سطح البيت، وقالوا له أن ينظر نحو الجنوب. ففعل، وإذا به يرى، على مسافة بعيدة جدًّا، بلادًا جبلية بهيجة للغاية، تزيّنها الغابات والكروم والأثمار من كل نوع، والأزهار أيضًا، مع ينابيع وعيون، بهيجة جدًّا للناظرين. إشعياء 33:16-17. فسأل عن اسم تلك البلاد. فقالوا إنها أرض عمانوئيل؛ وقالوا: وهي مشاع، كما هو هذا التل، لجميع السيّاح ومن أجلهم. ومتى بلغتها، أمكنك أن ترى من هناك باب المدينة السماوية، كما سيُريك الرعاة الساكنون هناك.
ثم فكّر في المسير، وكانوا راضين بذلك. ولكنهم قالوا: دعنا أولًا نذهب ثانية إلى مخزن السلاح. ففعلوا؛ فلمّا وصل إلى هناك، سلّحوه من رأسه إلى قدمه بما هو مُجرَّب متين، لئلا يلاقي هجمات في الطريق. فلمّا تجهّز هكذا، خرج مع أصدقائه إلى الباب؛ وهناك سأل البوّاب إن كان قد رأى سائحًا يمرّ. فأجاب البوّاب: نعم.
المسيحي: قال: أرجوك، هل عرفته؟
البوّاب: سألته عن اسمه، فأخبرني أنه الأمين.
المسيحي: فقال المسيحي: آه، إني أعرفه؛ إنه ابن بلدتي، وجاري القريب؛ وهو آتٍ من المكان الذي وُلدت فيه. كم تظنّ أنه قد تقدّمني؟
البوّاب: لقد بلغ الآن أسفل التل.
المسيحي: فقال المسيحي: أيها البوّاب الصالح، الرب يكون معك، ويزيد على جميع بركاتك الظاهرة زيادة كثيرة، جزاء اللطف الذي أظهرته لي.
اكتمل الفصل 4
المرحلة الثالثة