سياحة المسيحي
المرحلة الثانية

فصل 3 · قراءة 15 د

المرحلة الثانية

ثم تهيّأ المسيحي للرجوع، فقبّله المبشّر، وابتسم له ابتسامة واحدة، وتمنّى له التوفيق من الله. فمضى مسرعاً، لا يكلّم أحداً في الطريق، وإن سأله أحد لم يتنازل ليجيبه بجواب. وكان يسير كمن يطأ طوال الوقت أرضاً محرّمة، ولم يستطع بأي حال أن يحسب نفسه في مأمن حتى يعود فيبلغ الطريق الذي تركه ليتبع مشورة السيد الحكيم الدنيوي. وهكذا، بعد حين، بلغ المسيحي الباب. وكان مكتوباً فوق الباب: «اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ.» متى 7:7.

فقرع إذن مرة ومرتين وأكثر، قائلاً:

«أيؤذن لي الآن أن أدخل هنا؟ وهل يفتح من في الداخل

لمثلي البائس، وإن كنت

عاصياً لا يستحق؟ إذن لن يفوتني

أن أرنّم بحمده الدائم في العلاء.»

وأخيراً جاء إلى الباب شخص وقور اسمه حسن النية، فسأل مَن الطارق، ومن أين أتى، وماذا يريد.

المسيحي: ها هنا خاطئ مسكين مثقَّل بالحمل. جئت من مدينة الهلاك، وأنا ذاهب إلى جبل صهيون لكي أنجو من الغضب الآتي. فلذلك أودّ يا سيدي، إذ قد أُخبرت أن الطريق إلى هناك يمرّ بهذا الباب، أن أعرف هل تشاء أن تُدخلني.

حسن النية: أشاء ذلك من كل قلبي، قال؛ وبذلك فتح الباب.

فلما همّ المسيحي بالدخول، جذبه الآخر جذبة. فقال المسيحي: ما معنى ذلك؟ فأخبره الآخر: على مسافة قليلة من هذا الباب أُقيمت قلعة حصينة قائدها بعلزبول، ومن هناك يرمي هو ومن معه السهام على الذين يأتون إلى هذا الباب، لعلّهم يموتون قبل أن يتمكّنوا من الدخول. فقال المسيحي: إني أفرح وأرتعد. فلما صار في الداخل، سأله رجل الباب مَن أرشده إلى هنا.

المسيحي: المبشّر أمرني أن آتي إلى هنا وأقرع، كما فعلت، وقال إنك أنت يا سيدي تخبرني بما ينبغي أن أفعل.

حسن النية: قد جُعل أمامك باب مفتوح، ولا يستطيع أحد أن يغلقه.

المسيحي: الآن بدأت أجني ثمار ما خاطرت به.

حسن النية: ولكن كيف جئت وحدك؟

المسيحي: لأن أحداً من جيراني لم يرَ خطره كما رأيت خطري.

حسن النية: وهل علم أحد منهم بمجيئك؟

المسيحي: نعم، رأتني امرأتي وأولادي في البداية، ونادوا ورائي أن أرجع. ووقف أيضاً بعض جيراني يصيحون وينادونني أن أعود، لكني وضعت أصابعي في أذنيّ، ومضيت في طريقي.

حسن النية: ولكن ألم يتبعك أحد منهم ليقنعك بالرجوع؟

المسيحي: بلى، العنيد والمتقلّب كلاهما؛ ولكن لما رأيا أنهما لا يقدران أن يغلبا، رجع العنيد شاتماً، وأما المتقلّب فجاء معي مسافة قليلة.

حسن النية: ولماذا لم يكمل الطريق إلى هنا؟

المسيحي: جئنا كلانا معاً حقاً حتى بلغنا مستنقع اليأس، فسقطنا فيه فجأة. وعندئذ خارت عزيمة جاري المتقلّب، ولم يشأ أن يغامر أبعد من ذلك. فلما خرج منه من الجهة التي تلي بيته، قال لي إنني أستطيع أن أمتلك تلك البلاد البديعة وحدي، فلا حاجة له بها. فمضى في طريقه، ومضيت في طريقي؛ هو في إثر العنيد، وأنا إلى هذا الباب.

حسن النية: فقال حسن النية: وا أسفاه أيها المسكين! أهكذا يهون عليه المجد السماوي حتى لا يراه جديراً بأن يحتمل في سبيل نيله خطر بضع مشقّات؟

المسيحي: حقاً، قال المسيحي، لقد قلت الحق عن المتقلّب؛ ولو قلت أيضاً كل الحق عن نفسي، لظهر أنه لا فضل لي عليه. صحيح أنه رجع إلى بيته، لكني أنا أيضاً ملت عن الطريق لأسلك في طريق الموت، إذ أقنعني بذلك بحججه الجسدية رجل يُدعى السيد الحكيم الدنيوي.

حسن النية: آه، أوقد صادفك؟ ماذا! لقد أرادك أن تطلب الراحة على يد السيد الناموسي! إنهما كلاهما محض خداع. ولكن هل أخذت بمشورته؟

المسيحي: نعم، بقدر ما تجرّأت. ذهبت أبحث عن السيد الناموسي، حتى ظننت أن الجبل القائم بجوار بيته سيسقط على رأسي، فاضطررت أن أقف هناك.

حسن النية: ذلك الجبل كان سبب موت كثيرين، وسيكون سبب موت كثيرين غيرهم. حسنٌ أنك نجوت من أن يسحقك.

المسيحي: حقاً لا أدري ماذا كان سيحلّ بي هناك، لولا أن المبشّر لقيني ثانيةً لحسن الحظ وأنا غارق في تأمّلاتي وكآبتي. ولكنها رحمة الله أنه جاء إليّ مرة أخرى، وإلا لما وصلت إلى هنا قط. أما الآن فقد جئت، على ما أنا عليه، وأنا في الحقيقة أولى بالموت تحت ذلك الجبل من أن أقف هكذا أتحدث مع سيدي. ولكن آه، ما أعظم هذه النعمة عليّ، أن يُسمح لي مع ذلك بالدخول هنا!

حسن النية: نحن لا نعترض على أحد، مهما فعلوا قبل مجيئهم إلى هنا؛ فإنهم لا يُخرَجون خارجاً البتة. يوحنا 6:37. ولذلك، أيها المسيحي الصالح، تعال معي قليلاً فأعلّمك عن الطريق الذي ينبغي أن تسلكه. انظر أمامك؛ أترى هذا الطريق الضيق؟ هذا هو الطريق الذي ينبغي أن تسلكه. لقد مهّده الآباء والأنبياء والمسيح ورسله، وهو مستقيم كما تستقيم المسطرة؛ هذا هو الطريق الذي ينبغي أن تسلكه.

المسيحي: ولكن، قال المسيحي، أليس فيه منعطفات ولا تعاريج قد يضلّ بها الغريب طريقه؟

حسن النية: بلى، هناك طرق كثيرة تتصل به، وهي معوجّة وواسعة؛ ولكن بهذا تميّز الصحيح من الخطأ: الصحيح وحده مستقيم وضيّق. متى 7:14.

ثم رأيت في حلمي أن المسيحي سأله أيضاً إن كان لا يستطيع أن يعينه على نزع حمله الذي على ظهره، إذ لم يكن قد تخلّص منه بعد، ولا كان يقدر بأي وسيلة أن ينزعه بغير عون.

فقال له: «أما حملك فارض بأن تحمله حتى تبلغ موضع الخلاص، فهناك يسقط عن ظهرك من تلقاء ذاته.»

ثم أخذ المسيحي يشدّ حقويه ويتهيّأ لرحلته. فأخبره الآخر أنه متى ابتعد عن الباب مسافة ما، يصل إلى بيت المفسّر، فعليه أن يقرع بابه، وهو يريه أموراً نفيسة. ثم ودّع المسيحي صديقه، فتمنّى له ذاك ثانيةً التوفيق من الله.

ثم مضى حتى وصل إلى بيت المفسّر، فقرع مرة بعد مرة. وأخيراً جاء أحدهم إلى الباب وسأل: مَن الطارق؟

المسيحي: يا سيدي، ها هنا مسافر أوصاه أحد معارف ربّ هذا البيت الصالح أن يعرّج على هنا لمنفعته؛ فأودّ لذلك أن أكلّم صاحب البيت.

فنادى صاحب البيت، فجاء بعد قليل إلى المسيحي وسأله ماذا يريد.

المسيحي: يا سيدي، قال المسيحي، أنا رجل آتٍ من مدينة الهلاك، وذاهب إلى جبل صهيون؛ وقد أخبرني الرجل الواقف عند الباب في رأس هذا الطريق أنني إن عرّجت على هنا فإنك تريني أموراً نفيسة تنفعني في رحلتي.

المفسّر: فقال المفسّر: ادخل، أريك ما ينفعك. ثم أمر خادمه أن يوقد الشمعة، وطلب من المسيحي أن يتبعه؛ فأدخله إلى غرفة خاصة، وأمر خادمه أن يفتح باباً. فلما فتحه، رأى المسيحي صورة شخص وقور جداً معلّقة على الحائط، وكانت هيئتها هكذا: كانت عيناه مرفوعتين إلى السماء، وفي يده أفضل الكتب، وشريعة الحق مكتوبة على شفتيه، والعالم وراء ظهره؛ وكان واقفاً كأنه يتوسّل إلى الناس، وفوق رأسه يتدلّى تاج من ذهب.

المسيحي: فقال المسيحي: ما معنى هذا؟

المفسّر: الرجل الذي هذه صورته واحد من ألف: فهو يستطيع أن يلد أولاداً، كورنثوس الأولى 4:15، ويتمخّض بهم، غلاطية 4:19، ويرضعهم بنفسه متى وُلدوا. وأما أنك تراه وعيناه مرفوعتان إلى السماء، وأفضل الكتب في يده، وشريعة الحق مكتوبة على شفتيه، فذلك ليُريك أن عمله أن يعرف الأمور الغامضة ويكشفها للخطاة؛ كما تراه أيضاً واقفاً كأنه يتوسّل إلى الناس. وأما أنك ترى العالم كأنه مطروح وراءه، وتاجاً يتدلّى فوق رأسه، فذلك ليُريك أنه، إذ يستخفّ بالأمور الحاضرة ويزدريها من أجل حبّه لخدمة سيده، واثقٌ بأن ينال المجد مكافأةً له في العالم الآتي. ثم قال المفسّر: لقد أريتك هذه الصورة أولاً لأن الرجل الذي هذه صورته هو الرجل الوحيد الذي أذن له ربّ المكان الذاهب أنت إليه أن يكون دليلك في كل المواضع الصعبة التي قد تصادفها في الطريق. فانتبه جيداً لما أريتك، واحفظ في ذهنك ما رأيت، لئلا تلتقي في رحلتك بقوم يدّعون أنهم يقودونك في الطريق الصحيح، وطريقهم ينحدر إلى الموت.

ثم أخذه بيده، وأدخله إلى ردهة واسعة جداً مملوءة غباراً لأنها لم تُكنس قط. فلما تفحّصها قليلاً، نادى المفسّر رجلاً ليكنسها. فلما بدأ يكنس، أخذ الغبار يتطاير بكثرة حتى كاد المسيحي يختنق به. فقال المفسّر لفتاة واقفة هناك: «هاتي ماءً إلى هنا، ورشّي الغرفة؛» فلما فعلت ذلك، كُنست ونُظّفت بسهولة ويُسر.

المسيحي: فقال المسيحي: ما معنى هذا؟

المفسّر: أجاب المفسّر: هذه الردهة هي قلب إنسان لم يُقدَّس قط بنعمة الإنجيل العذبة. والغبار هو خطيته الأصلية وفساده الداخلي اللذان نجّسا الإنسان كله. والذي بدأ يكنس أولاً هو الناموس، وأما التي جاءت بالماء ورشّته فهي الإنجيل. وأما أنك رأيت أنه ما إن بدأ الأول يكنس حتى تطاير الغبار بحيث لم يستطع أن ينظّف الغرفة، بل كدت أنت تختنق به، فذلك ليُريك أن الناموس، بدلاً من أن يطهّر القلب من الخطية (بعمله)، يُحييها، رومية 7:9، ويقوّيها، كورنثوس الأولى 15:56، ويزيدها في النفس، رومية 5:20، مع أنه يكشفها وينهى عنها؛ لأنه لا يعطي قوة على إخضاعها. وأيضاً، كما رأيت الفتاة ترشّ الغرفة بالماء فنُظّفت بسهولة ويُسر، فذلك ليُريك أنه حين يأتي الإنجيل بتأثيراته العذبة الثمينة إلى القلب، حينئذ، أقول، كما رأيت الفتاة تُسكّن الغبار برشّ الأرض بالماء، هكذا تُقهر الخطية وتُخضَع، وتصير النفس طاهرة بالإيمان به، ومن ثمّ لائقة بأن يسكنها ملك المجد. يوحنا 15:3؛ أفسس 5:26؛ أعمال الرسل 15:9؛ رومية 16:25-26.

ورأيت أيضاً في حلمي أن المفسّر أخذه بيده وأدخله إلى غرفة صغيرة يجلس فيها ولدان صغيران، كلٌّ على كرسيه. وكان اسم الأكبر الهوى، واسم الآخر الصبر. وكان الهوى يبدو شديد التذمّر، أما الصبر فكان هادئاً جداً. فسأل المسيحي: «ما سبب تذمّر الهوى؟» فأجاب المفسّر: «إن الوصيّ عليهما يريده أن ينتظر أفضل ما أعدّ له حتى مطلع السنة القادمة، ولكنه يريد كل شيء الآن؛ أما الصبر فراضٍ بأن ينتظر.»

ثم رأيت أن واحداً جاء إلى الهوى، وأحضر له كيساً من الكنوز، وسكبه عند قدميه، فالتقطه وفرح به، وسخر مع ذلك من الصبر. ولكني لم أنظر إلا قليلاً حتى كان قد بدّد كل شيء، ولم يبقَ له إلا الأسمال.

المسيحي: فقال المسيحي للمفسّر: اشرح لي هذا الأمر بأكثر تفصيل.

المفسّر: فقال: هذان الغلامان رمزان: الهوى رمز لأهل هذا العالم، والصبر رمز لأهل العالم الآتي. فكما ترى هنا أن الهوى يريد كل شيء الآن، في هذه السنة، أي في هذا العالم، كذلك أهل هذا العالم: لا بدّ لهم أن ينالوا كل خيراتهم الآن؛ لا يطيقون الانتظار حتى السنة القادمة، أي حتى العالم الآتي، لينالوا نصيبهم من الخير. وذلك المثل القائل: «عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة» أعظم سلطاناً عندهم من كل الشهادات الإلهية عن خير العالم الآتي. ولكن كما رأيت أنه سرعان ما بدّد كل شيء، ولم يبقَ له للحال إلا الأسمال، هكذا يكون الأمر مع أمثال هؤلاء جميعاً في نهاية هذا العالم.

المسيحي: فقال المسيحي: الآن أرى أن للصبر الحكمة الفضلى، وذلك لأسباب كثيرة: 1. لأنه ينتظر أفضل الأشياء. 2. ولأنه أيضاً سينال المجد الذي له، حين لا يبقى للآخر إلا الأسمال.

المفسّر: بل لك أن تضيف سبباً آخر، أعني أن مجد العالم الآتي لا يبلى أبداً، أما هذه فتزول سريعاً. لذلك لم يكن للهوى من سبب يسخر به من الصبر لأنه نال خيراته أولاً، بقدر ما سيكون للصبر من سبب يسخر به من الهوى لأنه نال أفضل خيراته آخراً؛ لأن الأول لا بدّ أن يُفسح المكان للآخِر، إذ لا بدّ أن يأتي زمن الآخِر، أما الآخِر فلا يُفسح المكان لشيء، إذ ليس بعده آخر يخلفه. فمن نال نصيبه أولاً لا بدّ أن يكون له زمن ينفقه فيه، أما من نال نصيبه آخراً فلا بدّ أن يملكه إلى الأبد. لذلك قيل عن الغني: «ٱسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ، وَكَذَلِكَ لِعَازَرُ ٱلْبَلَايَا. وَٱلْآنَ هُوَ يَتَعَزَّى وَأَنْتَ تَتَعَذَّبُ.» لوقا 16:25.

المسيحي: إذن أدرك أنه ليس من الأفضل أن نشتهي الأشياء الحاضرة، بل أن ننتظر الأشياء الآتية.

المفسّر: لقد قلت الحق: «لِأَنَّ ٱلَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا ٱلَّتِي لَا تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ.» كورنثوس الثانية 4:18. ولكن مع أن الأمر كذلك، فلأن الأشياء الحاضرة وشهوتنا الجسدية جاران متقاربان جداً، ولأن الأشياء الآتية والحسّ الجسدي غريبان جداً أحدهما عن الآخر، لذلك يحدث أن يتصادق الأوّلان سريعاً، ويبقى البعد قائماً بين الآخرَين.

ثم رأيت في حلمي أن المفسّر أخذ المسيحي بيده، وقاده إلى مكان فيه نار مشتعلة بجانب حائط، وواحد واقف عندها يصبّ عليها دائماً ماءً كثيراً ليطفئها، ومع ذلك كانت النار تزداد ارتفاعاً واتّقاداً.

فقال المسيحي: ما معنى هذا؟

أجاب المفسّر: هذه النار هي عمل النعمة المصنوع في القلب؛ والذي يصبّ عليها الماء ليخمدها ويطفئها هو إبليس. ولكن إذ ترى النار مع ذلك تزداد ارتفاعاً واتّقاداً، فسترى أيضاً سبب ذلك. ثم دار به إلى الجهة الخلفية من الحائط، فرأى رجلاً في يده إناء من زيت، يصبّ منه أيضاً في النار باستمرار (ولكن سراً).

فقال المسيحي: ما معنى هذا؟

أجاب المفسّر: هذا هو المسيح، الذي بزيت نعمته يحفظ باستمرار العمل الذي ابتدأ في القلب، وبه تبقى نفوس شعبه عامرة بالنعمة، مهما فعل إبليس. كورنثوس الثانية 12:9. وأما أنك رأيت الرجل واقفاً وراء الحائط ليُبقي النار مشتعلة، فذلك ليعلّمك أنه يصعب على المُجرَّب أن يرى كيف يُحفظ عمل النعمة هذا في النفس.

ورأيت أيضاً أن المفسّر أخذه ثانيةً بيده وقاده إلى مكان بهيج، حيث بُني قصر فخم بديع المنظر، فابتهج المسيحي كثيراً لرؤيته. ورأى أيضاً على سطحه أناساً يتمشّون، لابسين ثياباً كلها من ذهب.

فقال المسيحي: أيمكننا أن ندخل إلى هناك؟

فأخذه المفسّر وصعد به نحو باب القصر؛ وإذا عند الباب جمع كبير من الرجال، كأنهم راغبون في الدخول، لكنهم لم يجسروا. وكان هناك أيضاً رجل جالس على مسافة قليلة من الباب إلى جانب مائدة، وأمامه كتاب ومحبرته، ليكتب أسماء الذين يدخلون. ورأى أيضاً أن في مدخل الباب رجالاً كثيرين في دروعهم يحرسونه، عازمين على أن يُنزلوا بمن يريد الدخول كل ما استطاعوا من أذى وشرّ. فتحيّر المسيحي بعض الشيء. وأخيراً، إذ كان كل رجل يرتدّ إلى الوراء خوفاً من الرجال المسلّحين، رأى المسيحي رجلاً شديد العزم في ملامحه يتقدّم إلى الرجل الجالس هناك ليكتب، قائلاً: «اكتب اسمي يا سيدي؛» فلما فعل ذلك، رأى الرجلَ يستلّ سيفه، ويضع خوذة على رأسه، ويندفع نحو الباب على الرجال المسلّحين، فانهالوا عليه بقوة مميتة؛ لكن الرجل، غير خائر العزم البتة، أخذ يضرب ويقطع بأشدّ ضراوة. وهكذا، بعد أن تلقّى جراحاً كثيرة وأثخن بها الذين حاولوا أن يمنعوه من الدخول، متى 11:12؛ أعمال الرسل 14:22؛ شقّ طريقه عبرهم جميعاً، واندفع إلى داخل القصر. عندئذ سُمع صوت عذب من الذين في الداخل، أي من الذين كانوا يتمشّون على سطح القصر، قائلين:

«ادخل، ادخل،

مجداً أبدياً ستنال.»

فدخل، وأُلبس ثياباً مثل ثيابهم. فابتسم المسيحي وقال: أظنّ حقاً أنني أعرف معنى هذا.

ثم قال المسيحي: دعني أمضي من هنا. فقال المفسّر: كلا، انتظر حتى أريك قليلاً بعد، ثم تمضي في طريقك. فأخذه بيده ثانيةً، وقاده إلى غرفة مظلمة جداً، يجلس فيها رجل في قفص من حديد.

وكان الرجل يبدو في منظره حزيناً جداً؛ كان جالساً وعيناه مطرقتان إلى الأرض، ويداه مشبوكتان، يتنهّد كأن قلبه سينفطر. فقال المسيحي: ما معنى هذا؟ فأمره المفسّر أن يكلّم الرجل.

فقال المسيحي للرجل: مَن أنت؟ فأجاب الرجل: أنا ما لم أكن من قبل.

المسيحي: وماذا كنت من قبل؟

الرجل: قال الرجل: كنت من قبل معترفاً بالإيمان، حسن المظهر مزدهراً، لوقا 8:13، في عيني نفسي وفي عيون الآخرين أيضاً. كنت من قبل، على ما ظننت، ماضياً بثبات نحو المدينة السماوية، وكنت حينئذ أفرح بمجرد التفكير في أنني سأبلغها.

المسيحي: حسناً، ولكن ماذا أنت الآن؟

الرجل: أنا الآن رجل يأس، وأنا محبوس فيه كما في هذا القفص الحديدي. لا أستطيع الخروج؛ آه، الآن لا أستطيع!

المسيحي: ولكن كيف وصلت إلى هذه الحال؟

الرجل: كففت عن السهر والصحو؛ أطلقت العنان لشهواتي؛ أخطأت إلى نور الكلمة وإلى صلاح الله؛ أحزنت الروح فمضى؛ جرّبت إبليس فجاءني؛ أغضبت الله فتركني؛ قسّيت قلبي حتى لم أعد أستطيع أن أتوب.

فقال المسيحي للمفسّر: ولكن أليس من رجاء لرجل كهذا؟ فقال المفسّر: اسأله.

المسيحي: فقال المسيحي: أليس من رجاء، أم لا بدّ أن تبقى محبوساً في قفص اليأس الحديدي؟

الرجل: لا، لا رجاء البتة.

المسيحي: ولكن ابن المبارك كثير الرأفة.

الرجل: لقد صلبته لنفسي ثانيةً، عبرانيين 6:6؛ واحتقرت شخصه، لوقا 19:14؛ واحتقرت برّه؛ وحسبت دمه دنساً؛ وازدريت بروح النعمة، عبرانيين 10:29. لذلك أغلقت على نفسي باب المواعيد كلها، ولم يبقَ لي الآن إلا التهديدات، تهديدات مرعبة، تهديدات صادقة بدينونة أكيدة وغيرة نار ستأكلني كخصم.

المسيحي: ولأي شيء أوقعت نفسك في هذه الحال؟

الرجل: من أجل شهوات هذا العالم وملذّاته ومكاسبه، التي كنت أمنّي نفسي حينئذ بكثير من المتعة في التنعّم بها؛ أما الآن فكل واحد من تلك الأشياء يلدغني وينهشني كدودة محرقة.

المسيحي: ولكن ألا تستطيع الآن أن تتوب وترجع؟

الرجل: لقد حرمني الله التوبة. كلمته لا تمنحني تشجيعاً على الإيمان؛ بل هو نفسه قد حبسني في هذا القفص الحديدي، ولا يقدر كل الناس في العالم أن يُخرجوني. آه أيتها الأبدية! أيتها الأبدية! كيف أصارع الشقاء الذي لا بدّ أن ألقاه في الأبدية؟

المفسّر: فقال المفسّر للمسيحي: ليبقَ شقاء هذا الرجل في ذاكرتك، وليكن لك تحذيراً دائماً.

المسيحي: حسناً، قال المسيحي، إن هذا لمخيف! أعانني الله على أن أسهر وأصحو وأصلّي لكي أتجنّب سبب شقاء هذا الرجل. يا سيدي، أما حان الوقت لأمضي في طريقي الآن؟

المفسّر: تمهّل حتى أريك أمراً آخر، ثم تمضي في طريقك.

فأخذ المسيحي بيده ثانيةً، وقاده إلى مخدع فيه واحد ينهض من فراشه؛ وبينما كان يلبس ثيابه كان يرتجف ويرتعد. فقال المسيحي: لماذا يرتعد هذا الرجل هكذا؟ فأمره المفسّر أن يخبر المسيحي بسبب ما يفعل.

فابتدأ وقال: «في هذه الليلة، وأنا نائم، حلمت، وإذا السماوات قد اسودّت جداً، وأرعدت وأبرقت على نحو مرعب للغاية، حتى أوقعتني في كرب شديد. فنظرت إلى فوق في حلمي، فرأيت السحب تتسابق بسرعة غير مألوفة، وعندئذ سمعت صوت بوق عظيماً، ورأيت أيضاً رجلاً جالساً على سحابة، تحفّ به ألوف السماء، وكانوا جميعاً في نار ملتهبة، وكانت السماوات أيضاً في لهيب متّقد. ثم سمعت صوتاً يقول: ‹قوموا أيها الأموات، وتعالوا إلى الدينونة.› وعند ذلك تشقّقت الصخور، وتفتّحت القبور، وخرج الأموات الذين فيها: فكان بعضهم فرحاً جداً ونظروا إلى فوق، وبعضهم طلبوا أن يختبئوا تحت الجبال. ثم رأيت الرجل الجالس على السحابة يفتح السفر، ويأمر العالم أن يقترب. غير أنه كانت، بسبب لهيب شديد انبعث وخرج من أمامه، مسافة مناسبة بينه وبينهم، كالتي بين القاضي والمساجين في قفص الاتهام. كورنثوس الأولى 15؛ تسالونيكي الأولى 4:16؛ يهوذا 15؛ يوحنا 5:28-29؛ تسالونيكي الثانية 1:8-10؛ رؤيا 20:11-14؛ إشعياء 26:21؛ ميخا 7:16-17؛ مزمور 5:4؛ 50:1-3؛ ملاخي 3:2-3؛ دانيال 7:9-10. وسمعت أيضاً نداءً لمن كانوا يخدمون الرجل الجالس على السحابة: ‹اجمعوا الزوان والتبن والقشّ، واطرحوها في البحيرة المتّقدة.› متى 3:12؛ 13:30؛ 24:30؛ ملاخي 4:1. وعند ذلك انفتحت الهاوية التي لا قرار لها، في الموضع الذي كنت واقفاً فيه تماماً، وخرج من فمها بغزارة دخان وجمر نار مع أصوات مروّعة. وقيل أيضاً للأشخاص أنفسهم: ‹اجمعوا حنطتي إلى المخزن.› لوقا 3:17. وعند ذلك رأيت كثيرين يُخطفون ويُحملون إلى السحب، أما أنا فتُركت. تسالونيكي الأولى 4:16-17. وطلبت أنا أيضاً أن أختبئ فلم أستطع، لأن الرجل الجالس على السحابة ظلّ مثبّتاً عينه عليّ؛ وخطرت خطاياي أيضاً ببالي، وكان ضميري يشتكي عليّ من كل جانب. رومية 2:14-15. وعند ذلك استيقظت من نومي.»

المسيحي: ولكن ما الذي جعلك تخاف هكذا من هذا المنظر؟

الرجل: ظننت أن يوم الدينونة قد جاء، وأنني لست مستعداً له. ولكن أكثر ما أفزعني أن الملائكة جمعوا كثيرين وتركوني؛ وأن هاوية الجحيم فتحت فاها في الموضع الذي كنت واقفاً فيه تماماً. وكان ضميري أيضاً يعذّبني؛ وكان الديّان، على ما ظننت، مثبّتاً عينه عليّ دائماً، والسخط بادٍ في وجهه.

فقال المفسّر للمسيحي: «أتأمّلت في كل هذه الأمور؟»

المسيحي: نعم، وقد ملأتني رجاءً وخوفاً.

المفسّر: حسناً، احفظ كل هذه الأمور في ذهنك بحيث تكون كمنخس في جنبيك، يحثّك على التقدّم في الطريق الذي ينبغي أن تسلكه. ثم أخذ المسيحي يشدّ حقويه ويتهيّأ لرحلته. فقال المفسّر: «ليكن المعزّي معك دائماً، أيها المسيحي الصالح، ليرشدك في الطريق المؤدّي إلى المدينة.» فمضى المسيحي في طريقه قائلاً:

«هنا رأيت أموراً نادرة نافعة،

أموراً بهيجة، ومرعبة، وأموراً تثبّتني

فيما بدأت أضع يدي عليه:

فدعني أتأمّل فيها، وأفهم

لماذا أريتها، ودعني أكون

شاكراً لك، أيها المفسّر الصالح.»

صفحة 1 / 1 · 15 دقيقة متبقية في الفصل