خدمة الشفاعة
الإمساك عن الصلاة — أهو خطية؟

فصل 8 · قراءة 9 د · استماع 11 د

الإمساك عن الصلاة — أهو خطية؟

«أنت تمسك عن الصلاة أمام الله»—أيوب 15:4.

«وَمَاذَا نَنْتَفِعُ إِنِ ٱلْتَمَسْنَاهُ؟»—أيوب 21:15.

«حَاشَا لِي أَنْ أُخْطِئَ إِلَى ٱلرَّبِّ فَأَكُفَّ عَنِ ٱلصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِكُمْ»—صموئيل الأول 12:23.

«وَلَا أَعُودُ أَكُونُ مَعَكُمْ إِنْ لَمْ تُبِيدُوا ٱلْحَرَامَ مِنْ وَسَطِكُمْ»—يشوع 7:12.

كلّ إنعاش عميق للحياة الروحية في الكنيسة سيصحبه دائمًا إحساس أعمق بالخطية. ولن يبدأ هذا باللاهوت؛ فاللاهوت لا يستطيع إلا أن يعبّر عمّا يعمله الله في حياة شعبه. ولا يعني ذلك أيضًا أنّ هذا الإحساس الأعمق بالخطية لن يُرى إلا في عبارات أقوى من لوم الذات أو الندامة؛ فقد يتّفق ذلك أحيانًا مع إيواء الخطية، ومع عدم الإيمان بالخلاص منها. أمّا الإحساس الحقيقي ببغاضة الخطية، وكراهيتها، فيُبرهَن عليه بشدّة الرغبة في الخلاص منها، وبالجهاد لمعرفة أقصى ما يستطيع الله أن يعمله في التخليص منها، أي بغيرة مقدّسة على ألّا نخطئ إلى الله في شيء.

فإن أردنا أن نعالج قلّة الصلاة معالجة فعّالة، وجب أن ننظر إليها من هذه الزاوية ونسأل: الإمساك عن الصلاة، أهو خطية؟ وإن كان كذلك، فكيف نتعامل معه، وكيف يُكتشف، ويُعترف به، ويطرحه الإنسان، وينقّيه الله؟ إنّ يسوع مخلّص من الخطية. ولا نستطيع أن نعرف حقًّا القوّة التي تخلّص من الخطية إلا بقدر ما نعرف الخطية حقًّا. والحياة التي تستطيع أن تصلّي صلاة فعّالة هي حياة الغصن المنقّى، الحياة التي تعرف الخلاص من سلطان الذات. وأن نرى أنّ خطايانا في الصلاة هي خطايا فعلًا، هو الخطوة الأولى نحو خلاص حقيقي وإلهي منها.

في قصة عخان لدينا أحد أقوى البراهين في الكتاب المقدس على أنّ الخطية هي التي تسلب شعب الله بركته، وأنّ الله لا يحتملها؛ وفيها في الوقت نفسه أوضح بيان للمبادئ التي يتعامل الله بها معها ويزيلها. فلننظر في ضوء هذه القصة هل نتعلّم كيف ننظر إلى خطية قلّة الصلاة، وإلى الخطيئة الكامنة في أصلها. فالكلمات التي اقتبستها أعلاه: «وَلَا أَعُودُ أَكُونُ مَعَكُمْ إِنْ لَمْ تُبِيدُوا ٱلْحَرَامَ مِنْ وَسَطِكُمْ»، تأخذنا إلى صميم القصة، وتوحي بسلسلة من أثمن الدروس حول الحقّ الذي تعبّر عنه: أنّ حضور الخطية يجعل حضور الله مستحيلًا.

1. حضور الله هو الامتياز العظيم لشعب الله، وقوّتهم الوحيدة على العدوّ.—كان الله قد وعد موسى: وأدخلكم إلى الأرض. وبرهن موسى أنّه فهم هذا حين تكلّم الله، بعد خطية العجل الذهبي، عن سحب حضوره وإرسال ملاك. فقد رفض أن يقبل أيّ شيء أقلّ من حضور الله: «فَإِنَّهُ بِمَاذَا يُعْلَمُ أَنِّي وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ أَنَا وَشَعْبُكَ؟ أَلَيْسَ بِمَسِيرِكَ مَعَنَا؟». هذا ما أعطى كالب ويشوع ثقتهما: والرب معنا. وهذا ما أعطى إسرائيل النصرة على أريحا: حضور الله. هذا هو، في الكتاب المقدس كلّه، الوعد المركزي العظيم: ها أنا معك. وهذا ما يميّز المؤمن الكامل القلب عن أهل العالم وعن المسيحيين العالميين من حوله: إنّه يحيا عن وعي مختبئًا في ستر حضور الله.

2. الهزيمة والإخفاق يرجعان دائمًا إلى فقدان حضور الله.—هكذا كان الأمر في عاي. كان الله قد أدخل شعبه إلى كنعان مع الوعد بأن يعطيهم الأرض. فلمّا وقعت الهزيمة في عاي شعر يشوع في الحال أنّ السبب لا بدّ أن يكون في انسحاب قوّة الله. لم يحارب عنهم. كان حضوره قد حُجب.

وفي الحياة المسيحية وعمل الكنيسة، الهزيمة دائمًا علامة على فقدان حضور الله. فإن طبّقنا هذا على إخفاقنا في حياة الصلاة، وعلى إخفاقنا الناتج عنه في العمل لله، انقادنا إلى أن نرى أنّ ذلك كلّه يرجع ببساطة إلى أنّنا لا نقف في شركة واضحة وكاملة مع الله. فقربه، وحضوره المباشر، لم يكونا الأمر الأول الذي طلبناه واتّكلنا عليه. ولم يستطع أن يعمل فينا كما يريد. ففقدان البركة والقوّة سببه دائمًا فقدان حضور الله.

3. فقدان حضور الله يرجع دائمًا إلى خطية خفية.—وكما أنّ الألم مرتَّب في الطبيعة لينذر بشرّ خفيّ في الجسم، كذلك الهزيمة هي صوت الله يخبرنا أنّ هناك خللًا ما. فقد أعطى نفسه لشعبه بالتمام، ويُسرّ جدًا بأن يكون معهم، ويودّ كثيرًا أن يُعلن فيهم محبّته وقوّته، حتى إنّه لا ينسحب أبدًا إلا إذا أرغموه على ذلك بالخطية.

وفي الكنيسة كلّها شكوى من الهزيمة. فللكنيسة سلطان قليل جدًا على عامّة الناس، أو على الطبقات المتعلّمة. والتجديدات القويّة نادرة نسبيًا. وقلّة المسيحيين القدّيسين المكرَّسين الروحيين، المتفرّغين لخدمة الله وخدمة إخوتهم من البشر، محسوسة في كلّ مكان. وقوّة الكنيسة على الكرازة بالإنجيل للوثنيين مشلولة بندرة المال والرجال؛ وكلّ ذلك بسبب قلّة الصلاة الفعّالة التي تأتي بالروح القدس بقوّة، أوّلًا على الخدّام والمؤمنين، ثم على المرسَلين والوثنيين. فهل نستطيع أن ننكر أنّ قلّة الصلاة هي الخطية التي بسببها لا يُرى حضور الله وقوّته بيننا بوضوح أكبر؟

4. الله نفسه سيكشف الخطية الخفية.—قد نظنّ أنّنا نعرف ما هي الخطية، لكنّ الله وحده يستطيع أن يكشف معناها الحقيقي العميق. فحين كلّم يشوع، قبل أن يسمّي خطية عخان، قال الله أوّلًا: «تَعَدَّوْا عَهْدِي ٱلَّذِي أَمَرْتُهُمْ بِهِ». كان الله قد أمر (يشوع 6:19) بأن تكون كلّ غنيمة أريحا، الذهب والفضة وكلّ ما فيها، شيئًا محرَّمًا، مكرَّسًا للرب، وأن تدخل خزانته. وكان إسرائيل قد نقض نذر التكريس هذا: لم يعطِ الله حقّه؛ بل سلب الله.

هذا ما نحتاج إليه: أن يكشف لنا الله كيف أنّ قلّة الصلاة دليل على عدم الأمانة لنذر تكريسنا، أي أن يكون لله قلبنا وحياتنا كلّهما. يجب أن نرى أنّ هذا الإمساك عن الصلاة، مع الأعذار التي نقدّمها له، خطية أعظم ممّا كنّا نظنّ؛ فماذا يعني؟ يعني أنّ لنا ذوقًا قليلًا أو رغبة قليلة في الشركة مع الله؛ وأنّ إيماننا يستند إلى عملنا وجهودنا أكثر ممّا يستند إلى قوّة الله؛ وأنّ إحساسنا ضعيف بالبركة السماوية التي ينتظر الله أن يمطرها؛ وأنّنا لسنا مستعدّين أن نضحّي براحة الجسد وثقته من أجل الانتظار المثابر أمام الله؛ وأنّ روحانية حياتنا، وثباتنا في المسيح، أضعف بكثير من أن يجعلانا نغلب في الصلاة. وحين يُسمح لضغط العمل للمسيح بأن يكون عذرًا لعدم إيجادنا الوقت لطلب حضوره وقوّته فيه ونوالهما، بوصفهما حاجتنا الأولى، فهذا يبرهن بالتأكيد على أنّه لا يوجد إحساس صحيح باتّكالنا المطلق على الله؛ ولا إدراك عميق لعمل الله الإلهي الفائق للطبيعة الذي لسنا فيه إلا أدواته؛ ولا دخول حقيقي إلى الطابع السماوي، الغريب عن هذا العالم كلّيًا، لرسالتنا وأهدافنا؛ ولا تسليم كامل للمسيح يسوع نفسه وابتهاج به.

لو أنّنا أسلمنا أنفسنا لروح الله ليُرينا أنّ هذا كلّه هو حقًّا معنى التهاون في الصلاة، ومعنى سماحنا لأمور أخرى بأن تزاحمها حتى تُخرجها، لسقطت كلّ أعذارنا، ولخررنا صارخين: «لقد أخطأنا! لقد أخطأنا!». قال صموئيل مرّة: «وَأَمَّا أَنَا فَحَاشَا لِي أَنْ أُخْطِئَ إِلَى ٱلرَّبِّ فَأَكُفَّ عَنِ ٱلصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِكُمْ». فالكفّ عن الصلاة خطية إلى الله. ليت الله يكشف لنا هذا. (ملاحظة أ.)

5. حين يكشف الله الخطية، يجب أن يُعترف بها وتُطرح.—حين وقعت الهزيمة في عاي، كان يشوع وإسرائيل يجهلان السبب. لقد تعامل الله مع إسرائيل بوصفه أمّة، جسدًا واحدًا، فافتُقدت خطية عضو واحد على الجميع. كان إسرائيل بجملته يجهل الخطية، ومع ذلك تألّم بسببها. وقد تجهل الكنيسة عِظم خطية الإمساك عن الصلاة هذه، وقد لا يكون بعض الخدّام أو المؤمنين قد نظروا إليها قطّ بوصفها تعدّيًا فعليًا، ومع ذلك فهي تجلب عقابها. لكن حين لا تعود الخطية خفية، وحين يبدأ الروح القدس يبكّت عليها، يأتي حينئذ وقت فحص القلب. وفي قصّتنا يبدو اجتماع المسؤولية الفردية والمسؤولية المشتركة أمرًا مهيبًا جدًا. أمّا الفردية فكما نجدها في عبارة «بِرِجَالِهِ»، أي رجلًا رجلًا؛ فقد شعر كلّ رجل بأنّه تحت عين الله، وأنّه سيُحاسَب. وحين أُخذ عخان، كان عليه أن يعترف. وأمّا المشتركة فكما نراها في أنّ إسرائيل كلّه تألّم أوّلًا وتعامل الله معه، ثم أخذ عخان وعائلته والحرام وأبادهم من وسطه.

فإن كان لدينا ما يدعونا إلى الظنّ بأنّ هذه هي الخطية التي في المحلّة، فلنبدأ باعتراف شخصي ومشترك. ثم لنأتِ أمام الله لنطرح الخطية ونبيدها. فهنا، على عتبة تاريخ إسرائيل في كنعان، تقف رجمة الحجارة في وادي عخور، لتخبرنا أنّ الله لا يحتمل الخطية، وأنّ الله لن يسكن مع الخطية، وأنّنا إن كنّا نريد حقًّا حضور الله بقوّة، فيجب أن تُطرح الخطية. فلننظر إلى هذه الحقيقة المهيبة وجهًا لوجه. قد تكون هناك خطايا أخرى، لكنّ هنا بالتأكيد خطية تسبّب فقدان حضور الله: نحن لا نصلّي كما يعلّمنا المسيح والكتاب المقدس. فلنُخرجها أمام الله، ولنسلّم هذه الخطية إلى الموت. لنسلّم أنفسنا لله لنطيع صوته. لا يمنعنا خوف من إخفاق ماضٍ، ولا حشد مهدِّد من التجارب أو الواجبات أو الأعذار. إنّها مسألة طاعة بسيطة. هل سنسلّم أنفسنا لله ولروحه لنحيا حياة في الصلاة، مرضيّة عنده؟ إن كان الله هو الذي حجب حضوره، وهو الذي كشف الخطية، وهو الذي يدعو إلى إبادتها وإلى الرجوع إلى الطاعة، فلا شكّ أنّنا نستطيع أن نعتمد على نعمته لتقبلنا وتقوّينا للحياة التي يطلبها منّا. ليست المسألة ماذا تستطيع أنت أن تفعل؛ بل المسألة هل ترجع الآن، بكلّ قلبك، لتعطي الله حقّه، وتسلّم نفسك لتدع مشيئته ونعمته تعملان فيك عملهما.

6. حين تُطرح الخطية يُستعاد حضور الله.—منذ ذلك اليوم فصاعدًا لا نجد في سفر يشوع كلمة واحدة عن هزيمة في معركة. فالقصة تُريهم سائرين من نصرة إلى نصرة. فحضور الله المضمون يعطي قوّة للغلبة على كلّ عدوّ.

هذا الحقّ بسيط إلى حدّ أنّ سهولة قبولنا له نفسها تسلبه قوّته. فلنتوقّف ونفكّر فيما يتضمّنه. إنّ استعادة حضور الله تعني ضمان النصرة. إذن، نحن مسؤولون عن الهزيمة. إذن، لا بدّ أن تكون هناك خطية في مكان ما تسبّبها. إذن، ينبغي أن نكتشف الخطية في الحال ونطرحها. ويمكننا أن نتوقّع حضور الله بثقة في اللحظة التي تُطرح فيها الخطية. فلا شكّ أنّ على كلّ واحد التزامًا مهيبًا بأن يفحص حياته ويرى ما نصيبه في هذا الشرّ.

لا يكلّم الله شعبه أبدًا عن الخطية إلا بقصد تخليصهم منها. فالنور نفسه الذي يُظهر الخطية سيُظهر طريق الخروج منها. والقوّة نفسها التي تسحق وتدين، ستعطي، إن خضعنا لها بتواضع وانتظرناها في الاعتراف والإيمان، القوّة على النهوض والغلبة. إنّ الله هو الذي يكلّم كنيسته ويكلّمنا عن هذه الخطية: «وَتَحَيَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ شَفِيعٌ». «وَتَحَيَّرْتُ إِذْ لَمْ يَكُنْ عَاضِدٌ». «وَطَلَبْتُ… رَجُلًا… يَقِفُ فِي ٱلثَّغْرِ أَمَامِي… فَلَمْ أَجِدْ». والله الذي يتكلّم هكذا هو الذي سيُحدث التغيير لأولاده الذين يطلبون وجهه. سيجعل وادي عخور، وادي الكدر والخزي، وادي الخطية المعترف بها والمطروحة، بابًا للرجاء. فلا نخف، ولا نتمسّك بالأعذار والتفسيرات التي توحي بها الظروف، بل لنعترف ببساطة: «لقد أخطأنا؛ ونحن نخطئ؛ ولا نجرؤ أن نخطئ بعد». وفي أمر الصلاة هذا نحن متيقّنون أنّ الله لا يطلب منّا المستحيلات. ولا يُتعبنا بمثال أعلى لا يمكن بلوغه. إنّه لا يطلب منّا أن نصلّي إلا بقدر ما يعطينا من نعمة تقدّرنا على ذلك. سيعطي النعمة لنعمل ما يطلبه، ولنصلّي بحيث تكون شفاعاتنا، يومًا بعد يوم، مسرّة له ولنا، ومصدر قوّة لضميرنا ولعملنا، وقناة بركة للذين نتعب لأجلهم.

تعامل الله شخصيًا مع يشوع، ومع إسرائيل، ومع عخان. فليدَعْه كلّ واحد منّا يتعامل معه شخصيًا بشأن هذه الخطية، خطية الإمساك عن الصلاة، وعواقبها في حياتنا وعملنا؛ وبشأن الخلاص من الخطية، ويقينه وبركته. انحنِ فقط في سكون وانتظر أمام الله، حتى يظلّلك هو، بوصفه الله، بحضوره، ويخرجك من دائرة الجدل حول الإمكانات البشرية، حيث لا يمكن أبدًا أن يكون التبكيت على الخطية عميقًا، ولا أن يأتي الخلاص الكامل. خذ وقتًا هادئًا، واسكن أمام الله، لكي يأخذ هذا الأمر بيده. «اجلس ساكنًا، لأنه لا يهدأ حتى يتمّم الأمر اليوم». اترك نفسك في يدي الله.

اكتمل الفصل 8

الإمساك عن الصلاة — أهو خطية؟

صفحة 1 / 1 · 9 دقيقة متبقية في الفصل
السابق التالي