فصل 9 · قراءة 10 د · استماع 13 د
مَن يُنقذ؟
«أَلَيْسَ بَلَسَانٌ فِي جِلْعَادَ، أَمْ لَيْسَ هُنَاكَ طَبِيبٌ؟ فَلِمَاذَا لَمْ تُعْصَبْ بِنْتُ شَعْبِي؟»—إرميا 8:22.
«اِرْجِعُوا أَيُّهَا ٱلْبَنُونَ ٱلْعُصَاةُ فَأَشْفِيَ عِصْيَانَكُمْ. هَا قَدْ أَتَيْنَا إِلَيْكَ، لِأَنَّكَ أَنْتَ ٱلرَّبُّ إِلَهُنَا»—إرميا 3:22.
«اِشْفِنِي يَارَبُّ فَأُشْفَى»—إرميا 17:14.
«وَيْحِي أَنَا ٱلْإِنْسَانُ ٱلشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هَذَا ٱلْمَوْتِ؟ أَشْكُرُ ٱللهَ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ رَبِّنَا! لِأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ ٱلْحَيَاةِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ ٱلْخَطِيَّةِ وَٱلْمَوْتِ»—رومية 7:24؛ 8:2.
في أثناء أحد مؤتمراتنا جاءني رجل فاضل يطلب المشورة والعون. كان واضحًا أنّه مسيحي جادّ ومتعلّم تعليمًا جيدًا. وقد قضى بضع سنين في ظروف عسيرة جدًا، يحاول أن يشهد للمسيح. فكانت النتيجة إحساسًا بالإخفاق والتعاسة. وكانت شكواه أنّه لا يجد لذّة في الكلمة، وأنّه وإن كان يصلّي، فكأنّ قلبه ليس في الصلاة. وإن كلّم الآخرين، أو أعطى نشرة، فبدافع الإحساس بالواجب: أمّا المحبة والفرح فلم يكونا حاضرين. كان يتوق إلى أن يمتلئ بروح الله، لكنّه كلّما طلبه بدا أبعد. فماذا يظنّ في حالته، وهل من طريق للخروج منها؟
كان جوابي أنّ الأمر كلّه يبدو لي بسيطًا جدًا: إنّه يحيا تحت الناموس لا تحت النعمة. وما دام كذلك، فلا يمكن أن يحدث تغيير. أصغى بانتباه، لكنّه لم يستطع أن يرى تمامًا ما أعنيه.
فذكّرته بالفرق، بل بالتضادّ الكامل، بين الناموس والنعمة. الناموس يطالب، والنعمة تهب. الناموس يأمر، لكنّه لا يعطي قوّة للطاعة؛ والنعمة تعد وتنفّذ، وتعمل كلّ ما نحتاج أن نعمله. الناموس يُثقل ويطرح أرضًا ويدين؛ والنعمة تعزّي وتقوّي وتُفرح. الناموس يناشد الذات أن تبذل أقصى ما عندها؛ والنعمة تشير إلى المسيح ليعمل الكلّ. الناموس يدعو إلى الجهد والإجهاد، ويدفعنا نحو هدف لا يمكننا أن نبلغه أبدًا؛ والنعمة تعمل فينا كلّ مشيئة الله المباركة. وبيّنت له أنّ خطوته الأولى ينبغي أن تكون، بدلًا من الجهاد ضدّ كلّ هذا الإخفاق، أن يقبله قبولًا تامًا، ويقبل معه درس عجزه هو، كما كان الله يسعى أن يعلّمه إيّاه، ثم أن يسقط أمام الله بهذا الاعتراف في عجز كامل. هناك يكون المكان الذي يتعلّم فيه أنّه ما لم تعطه النعمة خلاصًا وقوّة، فلن يستطيع أبدًا أن يعمل أفضل ممّا عمل، وأنّ النعمة ستعمل كلّ شيء لأجله حقًّا. يجب أن يخرج من تحت الناموس والذات والجهد، ويأخذ مكانه تحت النعمة، تاركًا الله يعمل الكلّ.
وفي أحاديث لاحقة أخبرني أنّ تشخيص المرض كان صحيحًا. وأقرّ بأنّ النعمة يجب أن تعمل الكلّ. ومع ذلك، فقد كانت فكرة أنّه لا بدّ لنا أن نعمل شيئًا، وأنّه لا بدّ على الأقلّ أن نقدّم أمانتنا لنضمن عمل النعمة، عميقة فيه إلى حدّ أنّه خشي ألّا تختلف حياته كثيرًا، وألّا يكون كفؤًا لضغط الصعوبات الجديدة التي كان مقبلًا عليها. كانت هناك، وسط كلّ تلك الجدّية الشديدة، نبرة خفيّة من اليأس؛ فلم يكن يستطيع أن يحيا كما يعرف أنّه ينبغي. وقد قلت من قبل، في الفصل الافتتاحي، إنّني لاحظت في بعض اجتماعاتنا نبرة اليأس هذه. وما من خادم احتكّ عن قرب بنفوس تسعى أن تحيا لله بالتمام، «لِتَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلرَّبِّ، فِي كُلِّ رِضًى»، إلا ويعلم أنّ هذا يجعل التقدّم الحقيقي مستحيلًا. وإن تكلّمنا خاصّة عن قلّة الصلاة، وعن الرغبة في أن نحيا حياة صلاة أكمل، فما أكثر الصعوبات التي تواجهنا! فكثيرًا ما عزمنا أن نصلّي أكثر وأفضل، وأخفقنا. ليست لنا قوّة الإرادة التي لبعض الناس، فنستدير بعزمة واحدة ونغيّر عاداتنا. وزحمة الواجبات عظيمة كما كانت دائمًا؛ ومن الصعب جدًا أن نجد وقتًا لمزيد من الصلاة؛ والتمتّع الحقيقي بالصلاة، الذي يقدّرنا على المثابرة، هو ما لا نشعر به؛ ولا نملك القوّة على التضرّع والتوسّل كما ينبغي؛ وصلواتنا، بدلًا من أن تكون فرحًا وقوّة، مصدر دائم لإدانة الذات والشكّ. لقد نُحنا أحيانًا واعترفنا وعزمنا؛ لكن، إن قلنا الحقّ بصراحة، فنحن لا نتوقّع أيّ تغيير عظيم، لأنّنا لا نرى الطريق إليه.
من الواضح أنّه ما دامت هذه الروح سائدة، فلا يمكن أن يكون هناك إلا رجاء ضئيل جدًا في التحسّن. فالإحباط لا بدّ أن يجلب الهزيمة. ومن أولى غايات الطبيب دائمًا أن يوقظ الرجاء؛ فبدونه يعلم أنّ أدويته كثيرًا ما تنفع قليلًا. ولن ينفع أيّ تعليم من كلمة الله عن واجب الصلاة الأكثر، الصلاة الفعّالة، وعن حاجتنا الملحّة إليها وامتيازها المبارك، ما دامت الهمسة الخفية مسموعة: لا رجاء. فاهتمامنا الأول يجب أن يكون أن نكتشف السبب الخفيّ للإخفاق واليأس، ثم أن نبيّن كم هو أكيد إلهيًا الخلاص منهما. وما لم نكن سنرضى بحالتنا، يجب أن نصغي إلى هذا السؤال ونشترك فيه: «أَلَيْسَ بَلَسَانٌ فِي جِلْعَادَ، أَمْ لَيْسَ هُنَاكَ طَبِيبٌ؟ فَلِمَاذَا لَمْ تُعْصَبْ بِنْتُ شَعْبِي؟». ويجب أن نصغي إلى الوعد الإلهي، ونقبله في قلوبنا، مع الجواب الذي قوبل به: «اِرْجِعُوا أَيُّهَا ٱلْبَنُونَ ٱلْعُصَاةُ فَأَشْفِيَ عِصْيَانَكُمْ. هَا قَدْ أَتَيْنَا إِلَيْكَ، لِأَنَّكَ أَنْتَ ٱلرَّبُّ إِلَهُنَا». يجب أن نأتي بصلاة شخصية، وبإيمان أنّه سيكون هناك جواب شخصي. أفلا نبدأ الآن أن نطالب به فيما يتعلّق بقلّة الصلاة، ونؤمن أنّ الله سيعيننا: «اِشْفِنِي يَارَبُّ فَأُشْفَى».
من المهمّ دائمًا أن نميّز بين أعراض المرض والمرض نفسه. فالضعف والإخفاق في الصلاة علامة على ضعف في الحياة الروحية. ولو طلب مريض من طبيب أن يعطيه شيئًا ينشّط نبضه الضعيف، لقيل له إنّ هذا لن ينفعه إلا قليلًا. فالنبض مؤشّر على حالة القلب والجسم كلّه، والطبيب يسعى إلى استعادة الصحّة. وما يجب أن يتعلّمه كلّ من يودّ أن يصلّي بأمانة وفاعلية أكبر هو هذا: أنّ حياته الروحية كلّها في حالة مرضيّة، وتحتاج إلى استعادة. فبقدر ما ينظر، لا إلى تقصيره في الصلاة فقط، بل إلى النقص في حياة الإيمان الذي ليس هذا التقصير إلا عَرَضًا له، يصير منتبهًا تمامًا إلى خطورة المرض. وحينئذ يرى الحاجة إلى تغيير جذري في حياته وسلوكه كلّه، إن كانت حياة صلاته، التي ليست إلا نبض الكيان الروحي، ستدلّ على الصحّة والنشاط. لقد خلقنا الله بحيث إنّ ممارسة كلّ وظيفة سليمة تجلب الفرح. والصلاة مقصود بها أن تكون بسيطة وطبيعية كالتنفّس أو العمل للإنسان السليم. والنفور الذي نشعر به، والإخفاق الذي نعترف به، هما صوت الله نفسه يدعونا لنقرّ بمرضنا، ونأتي إليه لننال الشفاء الذي وعد به.
فما هو إذن المرض الذي ليست قلّة الصلاة إلا عَرَضًا له؟ لا نجد جوابًا أفضل ممّا تشير إليه الكلمات: «لَسْتُمْ تَحْتَ ٱلنَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ ٱلنِّعْمَةِ».
هنا نجد إشارة إلى إمكان وجود نوعين من الحياة المسيحية. فقد تكون هناك حياة بعضها تحت الناموس وبعضها تحت النعمة؛ أو حياة تحت النعمة بالكامل، في الحرّية الكاملة من الجهد الذاتي، وفي الاختبار الكامل للقوّة الإلهية التي تستطيع النعمة أن تعطيها. فقد يظلّ المؤمن الحقيقي يحيا جزئيًا تحت الناموس، في قوّة الجهد الذاتي، مجاهدًا ليعمل ما لا يستطيع إنجازه. والإخفاق المستمرّ الذي يعترف به في حياته المسيحية يرجع إلى أمر واحد: إنّه يتّكل على نفسه، ويحاول أن يبذل أقصى ما عنده. صحيح أنّه يصلّي ويتطلّع إلى الله طلبًا للعون، لكن يبقى أنّه هو، بقوّته، وبمعونة الله، من عليه أن يعمل العمل. ونحن نعلم كيف يخبرهم بولس في رسائله إلى أهل رومية وكورنثوس وغلاطية أنّهم لم يأخذوا روح العبودية أيضًا، وأنّهم أحرار من الناموس، وأنّهم ليسوا بعد عبيدًا بل أبناء؛ وأنّه يجب ألّا يحترزوا من شيء قدر احترازهم من أن يرتبكوا أيضًا بنير عبودية. ففي كلّ مكان نجد التضادّ بين الناموس والنعمة، بين الجسد الذي هو تحت الناموس، والروح الذي هو عطيّة النعمة، والذي به تعمل النعمة كلّ عملها. وفي أيّامنا، كما في تلك العصور الأولى، الخطر العظيم هو الحياة تحت الناموس، وخدمة الله بقوّة الجسد. ويبدو أنّ هذه هي الحالة التي يبقى فيها الغالبية العظمى من المسيحيين طوال حياتهم. ومن هنا ذلك النقص الواسع في الحياة المقدّسة الحقيقية وفي القوّة في الصلاة. إنّهم لا يعرفون أنّ كلّ إخفاق لا يمكن أن يكون له إلا سبب واحد: أنّ الناس يسعون إلى أن يعملوا بأنفسهم ما لا تستطيع إلا النعمة وحدها أن تعمله فيهم، وما ستعمله النعمة بكلّ يقين.
كثيرون لن يكونوا مستعدّين أن يقرّوا بأنّ هذا هو مرضهم، وأنّهم لا يحيون «تَحْتَ ٱلنِّعْمَةِ». يقولون: مستحيل. فيصرخ مسيحي: «إنّني من أعماق قلبي أؤمن وأعلم أنّه لا يسكن فيّ شيء صالح، وأنّني مدين بكلّ شيء للنعمة وحدها». ويقول خادم: «لقد أنفقت حياتي، ووجدت مجدي في الكرازة بعقائد النعمة المجانية وتمجيدها». ويجيب مرسَل: «وأنا، كيف كان يمكنني أن أفكّر أصلًا في رؤية الوثنيين يخلصون، لو لم تكن ثقتي الوحيدة في الرسالة التي حملتها، وفي القوّة التي اتّكلت عليها، قوّة نعمة الله الفائضة؟». فلا يمكنك بالتأكيد أن تقول إنّ إخفاقاتنا في الصلاة، ونحن نعترف بها بحزن، ترجع إلى أنّنا لا نحيا «تَحْتَ ٱلنِّعْمَةِ»؟ لا يمكن أن يكون هذا مرضنا.
نحن نعلم كم مرّة قد يعاني الإنسان مرضًا دون أن يعرف. فما يحسبه وعكة خفيفة يتبيّن أنّه علّة خطيرة. فلا نكن واثقين أكثر من اللازم بأنّنا لسنا، إلى حدّ كبير، لا نزال نحيا «تَحْتَ ٱلنَّامُوسِ»، بينما نحسب أنفسنا نحيا بالتمام «تَحْتَ ٱلنِّعْمَةِ». وكثيرًا جدًا ما يكون سبب هذا الخطأ المعنى المحدود الذي يُعطى لكلمة «النعمة». فكما نحدّ الله نفسه بأفكارنا الصغيرة أو غير المؤمنة عنه، كذلك نحدّ نعمته في اللحظة نفسها التي نبتهج فيها بعبارات مثل «غِنَى نِعْمَتِهِ» و«تَفَاضَلَتْ نِعْمَةُ رَبِّنَا جِدًّا». أليست عبارة «النعمة الفائضة» نفسها، منذ كتاب بنيان فما بعده، قد حُصرت في الحقّ العظيم المبارك الواحد، حقّ التبرير المجاني مع الغفران المتجدّد دائمًا والمجد الأبدي لأشرّ الخطاة، بينما الحقّ الآخر المبارك بالقدر نفسه، حقّ «النعمة الفائضة» في التقديس، غير معروف معرفة كاملة؟ يكتب بولس: «فَبِٱلْأَوْلَى كَثِيرًا ٱلَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ ٱلنِّعْمَةِ… سَيَمْلِكُونَ فِي ٱلْحَيَاةِ بِٱلْوَاحِدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ». وذلك المُلك في الحياة، غالبًا على الخطية، هو هنا على الأرض أيضًا. «حَيْثُ كَثُرَتِ ٱلْخَطِيَّةُ» في القلب والحياة، «ٱزْدَادَتِ ٱلنِّعْمَةُ جِدًّا… تَمْلِكُ ٱلنِّعْمَةُ بِٱلْبِرِّ» في حياة المؤمن وكيانه كلّه. وعن مُلك النعمة هذا في النفس يسأل بولس: «أَنُخْطِئُ لِأَنَّنَا… تَحْتَ ٱلنِّعْمَةِ؟» ويجيب: «حَاشَا». فالنعمة ليست غفرانًا للخطية فقط، بل سلطان عليها أيضًا؛ النعمة تأخذ المكان الذي كان للخطية في الحياة، وتتعهّد، كما مَلكت الخطية في الداخل بقوّة الموت، أن تملك بقوّة حياة المسيح. وعن هذه النعمة تكلّم المسيح: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي»، فأجاب بولس: «أَفْتَخِرُ… فِي ضَعَفَاتِي… لِأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ». وعن هذه النعمة، التي حين نرضى أن نعترف بأنّنا عاجزون تمامًا وبلا حيلة، تدخل لتعمل فينا الكلّ، يعلّم بولس في موضع آخر: «ٱللهُ قَادِرٌ أَنْ يَزِيدَكُمْ كُلَّ نِعْمَةٍ، لِكَيْ تَكُونُوا وَلَكُمْ كُلُّ ٱكْتِفَاءٍ كُلَّ حِينٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، تَزْدَادُونَ فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ».
كثيرًا ما حدث أنّ إنسانًا يطلب الله والخلاص قرأ كتابه المقدس طويلًا، ومع ذلك لم يرَ قطّ حقّ التبرير بالإيمان، المجاني والكامل والفوري. فلمّا انفتحت عيناه مرّة وقبله، دُهش إذ وجده في كلّ مكان. وهكذا كثير من المؤمنين الذين يتمسّكون بعقائد النعمة المجانية من جهة الغفران، لم يروا قطّ معناها العجيب وهي تتعهّد أن تعمل فينا حياتنا كلّها، وأن تعطينا فعلًا القوّة في كلّ لحظة لكلّ ما يريد الآب أن نكونه ونعمله. وحين يشرق نور الله في قلوبنا بهذا الحقّ المبارك، نعرف ما يعنيه بولس: «لَا أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ ٱللهِ». هنا أيضًا تجد الحياة المسيحية في وجهيها. الأولى، التي لم يصر فيها ذلك «لَا أَنَا»، أي: أنا لا شيء، ولا أستطيع أن أعمل شيئًا، حقيقة واقعة بعد. والأخرى، حين يتمّ التبادل العجيب، وتأخذ النعمة مكان جهدنا، فنقول ونعرف: «فَأَحْيَا لَا أَنَا، بَلِ ٱلْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ». وحينئذ يمكن أن يصير هذا اختبار العمر كلّه: «تَفَاضَلَتْ نِعْمَةُ رَبِّنَا جِدًّا مَعَ ٱلْإِيمَانِ وَٱلْمَحَبَّةِ ٱلَّتِي فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ».
يا ولد الله الحبيب! ماذا تظنّ، أليس من الممكن أن يكون هذا هو النقص في حياتك، وسبب إخفاقك في الصلاة؟ لم تكن تعرف كيف تقدّرك النعمة على الصلاة، لو صارت الحياة كلّها مرّة تحت سلطانها. سعيت بجهد جادّ إلى أن تغلب نفورك من الصلاة أو فتورك فيها، لكنّك أخفقت. وجاهدت بكلّ دافع من الخجل أو المحبة خطر لك لتحرّك نفسك إليها، لكنّ ذلك لم ينفع. أفلا يستحقّ الأمر أن تسأل الرب هل الرسالة التي أحملها إليك بوصفي خادمه قد تكون أصدق في حالتك ممّا تظنّ؟ إنّ قلّة صلاتك ترجع إلى حالة مريضة في الحياة، وليس المرض إلا هذا: أنّك لم تقبل، للحياة اليومية ولكلّ واجب، الخلاص الكامل الذي تحمله الكلمة: «لَسْتُمْ تَحْتَ ٱلنَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ ٱلنِّعْمَةِ». فكما أنّ مطالبة الناموس ومُلك الخطية شاملان وعميقا الأثر، كذلك، بل بفيض أعظم جدًا، تدبير النعمة والقوّة التي بها تجعلنا نملك في الحياة. (ملاحظة ب.)
وفي الأصحاح الذي يلي ذاك الذي كتب فيه بولس: «لَسْتُمْ تَحْتَ ٱلنَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ ٱلنِّعْمَةِ»، يرسم لنا صورة لحياة المؤمن تحت الناموس، مع الاختبار المرّ الذي تنتهي إليه: «وَيْحِي أَنَا ٱلْإِنْسَانُ ٱلشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هَذَا ٱلْمَوْتِ؟». وجوابه عن هذا السؤال: «أَشْكُرُ ٱللهَ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ رَبِّنَا»، يبيّن أنّ هناك خلاصًا من حياة مأسورة تحت عادات شرّيرة جوهدت دون جدوى. وهذا الخلاص يتمّ بالروح القدس الذي يعطي الاختبار الكامل لما تستطيع حياة المسيح أن تعمله فينا: «لِأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ ٱلْحَيَاةِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ ٱلْخَطِيَّةِ وَٱلْمَوْتِ». لم يكن ناموس الله يستطيع إلا أن يسلمنا إلى سلطان ناموس الخطية والموت. أمّا نعمة الله فتستطيع أن تُدخلنا إلى حرّية الروح وأن تحفظنا فيها. يمكن أن نتحرّر من الحياة الحزينة تحت السلطان الذي أسرنا، حتى إنّنا لم نكن نفعل ما نريد. وروح الحياة في المسيح يستطيع أن يحرّرنا من إخفاقنا المستمرّ في الصلاة، وأن يقدّرنا في هذا أيضًا على أن نسلك كما يحقّ للرب في كلّ رضى.
آه! لا تيأس، ولا تكتئب؛ يوجد بلسان في جلعاد؛ ويوجد هناك طبيب؛ ويوجد شفاء لمرضنا. ما هو غير مستطاع عند الناس مستطاع عند الله. وما لا ترى أيّ إمكان لعمله، ستعمله النعمة. اعترف بالمرض؛ ثِق بالطبيب؛ طالب بالشفاء؛ صلِّ صلاة الإيمان: «اِشْفِنِي… فَأُشْفَى». وأنت أيضًا تستطيع أن تصير رجل صلاة، وأن تصلّي الصلاة الفعّالة التي تقتدر كثيرًا.
اكتمل الفصل 9
مَن يُنقذ؟