فصل 3 · قراءة 9 د · استماع 11 د
قلّة الصلاة
«لَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ، لِأَنَّكُمْ لَا تَطْلُبُونَ»—يعقوب 4:2.
«فَرَأَى أَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانٌ، وَتَحَيَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ شَفِيعٌ»—إشعياء 59:16.
«لَيْسَ مَنْ يَدْعُو بِٱسْمِكَ أَوْ يَنْتَبِهُ لِيَتَمَسَّكَ بِكَ»—إشعياء 64:7.
في مؤتمرنا الأخير في ويلينغتون لتعميق الحياة الروحية، في شهر أبريل، خُصّصت اجتماعات الضحى للصلاة والشفاعة. ووُجدت بركة عظيمة، سواء في الإصغاء إلى ما تعلّمه الكلمة عن الحاجة إليهما وعن قوتهما، أو في الاشتراك في التضرّع الجماعي المتواصل. وشعر كثيرون أننا نعرف القليل جدًا عن الصلاة المثابرة الملحّة، وأنها حقًّا من أعظم احتياجات الكنيسة.
وفي الشهرين الماضيين حضرت عددًا من المؤتمرات. ففي أولها، وهو مؤتمر إرسالي هولندي في لانغلاخته، كان موضوع الكلمات المختار هو الصلاة. وفي المؤتمر التالي، في جوهانسبرغ، عبّر أخ من رجال الأعمال عن قناعته العميقة بأن الحاجة العظمى لكنيسة زماننا هي مزيد من روح الشفاعة وممارستها. وبعد أسبوع عقدنا مؤتمرًا هولنديًا للخدّام في الدولة الحرة، حيث قضينا ثلاثة أيام، بعد يومين من الاجتماعات في الكنيسة المحلية عن عمل الروح القدس، في التأمّل في علاقة الروح بالصلاة. وفي اجتماعات الخدّام التي عُقدت في معظم المؤتمرات التالية، قادنا الأمر إلى تناول هذا الموضوع، وفي كل مكان كان الاعتراف نفسه: إننا نصلّي قليلًا جدًا! وبدا أن مع هذا الاعتراف خوفًا من أنه، مع ضغط الواجبات وقوة العادة، يكاد يكون من المستحيل رجاء أي تغيير عظيم.
لا أستطيع أن أصف عمق الانطباع الذي تركته فيّ هذه الأحاديث، وأكثر ما أثّر فيّ أن يكون عند خدّام الله ما يشبه اليأس من إمكان حدوث تغيير كامل، ومن إيجاد خلاص حقيقي من إخفاق لا بدّ أن يعيق فرحنا بالله وقوتنا في خدمته. فصلّيت إلى الله أن يعطيني كلمات لا تساعد على لفت الانتباه إلى هذا الشرّ فحسب، بل تثير الإيمان خصوصًا، وتوقظ اليقين بأن الله بروحه سيقدرنا على أن نصلّي كما ينبغي.
دعوني أبدأ، من أجل الذين لم يُلفت انتباههم قط إلى هذا الأمر، بذكر بعض الحقائق التي تثبت مدى شيوع الإحساس بالتقصير في هذا الشأن.
في العام الماضي نُشر تقرير عن كلمة ألقاها على الخدّام الدكتور وايت، راعي كنيسة القديس جاورجيوس الحرة في إدنبرة. وقد قال فيها إنه، حين كان خادمًا شابًا، كان يظنّ أن عليه أن يقضي ما أمكن من الوقت الذي يفضل له بعد الافتقاد الرعوي مع كتبه في مكتبه، إذ أراد أن يُطعم شعبه أفضل ما يستطيع أن يعدّه لهم. لكنه تعلّم الآن أن الصلاة أهمّ من الدرس. وذكّر إخوته باختيار الشمامسة ليتولّوا أمر الجمع، لكي يتفرّغ الاثنا عشر، كما قالوا: «فَنُواظِبُ عَلَى ٱلصَّلَاةِ وَخِدْمَةِ ٱلْكَلِمَةِ»، وقال إنه في بعض الأحيان، حين كان الشمامسة يأتونه براتبه، كان يضطرّ إلى أن يسأل نفسه هل كان أمينًا لالتزامه كما كان الشمامسة أمناء لالتزامهم. وشعر كأن الوقت قد فات تقريبًا لاسترداد ما خسره، وحثّ إخوته على أن يصلّوا أكثر. يا له من اعتراف وتحذير رهيبين يصدران من أحد المواقع الرفيعة: إننا نصلّي قليلًا جدًا!
وفي أثناء مؤتمر ميدان ريجنت قبل عامين طُرح الموضوع في حديث مع أحد خدّام لندن المعروفين. فاحتجّ بأنه إن كان لا بدّ من إعطاء هذا القدر من الوقت للصلاة، فسيستلزم ذلك إهمال نداءات الواجب الملحّة: «هناك بريد الصباح، قبل الفطور، وفيه عشر رسائل أو اثنتا عشرة رسالة يجب الردّ عليها. ثم هناك اجتماعات اللجان التي تنتظر، مع ارتباطات أخرى لا تُحصى، تكفي وتزيد لملء النهار. من الصعب أن نرى كيف يمكن أن يتمّ ذلك».
وكان جوابي، في جوهره، أن المسألة ببساطة هي: هل دعوة الله لنا إلى أن نعطيه وقتنا وانتباهنا أهمّ من دعوة الإنسان؟ فإن كان الله ينتظر أن يلقانا، وأن يعطينا بركة وقوة من السماء لعمله، فمن قصر النظر أن نضع عملًا آخر في المكان الذي ينبغي أن يكون لله وللانتظار أمامه.
وفي أحد اجتماعات الخدّام، عرض مشرف على منطقة كبيرة الأمر هكذا: «أقوم في الصباح وأقضي نصف ساعة مع الله، في الكلمة والصلاة، في غرفتي قبل الفطور. ثم أخرج، وأنشغل طوال النهار بارتباطات كثيرة متعدّدة. ولا أظنّ أن دقائق كثيرة تمضي دون أن أرفع صلاة قصيرة طالبًا الإرشاد أو العون. وبعد عمل النهار أعود في عبادتي المسائية وأكلّم الله عن عمل اليوم. أما الصلاة الشديدة المحدّدة الملحّة التي يتكلّم عنها الكتاب المقدس، فالمرء لا يعرف عنها إلا القليل». وسأل: ماذا ينبغي أن أظنّ في مثل هذه الحياة؟
كلنا نعرف الفرق بين رجل تكفي أرباحه بالكاد لإعالة أسرته والحفاظ على تجارته، وآخر يمكّنه دخله من توسيع تجارته ومساعدة الآخرين. فقد تكون هناك حياة مسيحية جادّة فيها من الصلاة ما يكفي ليحفظنا من التراجع، ويحافظ بالكاد على المستوى الذي بلغناه، دون كثير من النموّ في الروحانية أو في التشبّه بالمسيح. ويكون الموقف فيها دفاعيًا، يسعى إلى صدّ التجربة، أكثر منه هجوميًا يمتدّ نحو بلوغ ما هو أسمى. فإن كان لا بدّ حقًّا من التقدّم من قوة إلى قوة، مع اختبار واسع لقوة الله على تقديس أنفسنا وعلى إنزال بركة حقيقية على الآخرين، فلا بدّ من صلاة أكثر تحديدًا ومثابرة. فتعليم الكتاب المقدس عن الصراخ إليه نهارًا وليلًا، والمواظبة على الصلاة، والسهر لأجلها، والاستجابة من أجل اللجاجة، يجب أن يصير اختبارنا بقدر ما، إن كنّا حقًّا سنكون شفعاء.
وفي المؤتمر التالي مباشرة طُرح السؤال نفسه بصيغة مختلفة بعض الشيء: «أنا مسؤول عن محطة إرسالية، وعليّ أن أرعى منطقة واسعة تابعة لها. أرى أهمية الصلاة الكثيرة، ومع ذلك تكاد حياتي لا تترك لها مجالًا. فهل علينا أن نستسلم؟ أم تخبروننا كيف نبلغ ما نرغب فيه؟» فأقررت بأن الصعوبة عامة. وتذكّرت كلمات أحد أكثر مرسلينا في جنوب أفريقيا كرامة، وقد انطلق الآن إلى راحته؛ فقد كانت له الشكوى نفسها: «في الخامسة صباحًا يكون المرضى على الباب ينتظرون الدواء. وفي السادسة يأتي عمّال المطبعة، فأضطرّ إلى أن أكلّفهم بالعمل وأعلّمهم. وفي التاسعة تدعوني المدرسة، وحتى وقت متأخر من الليل أبقى منشغلًا بمراسلات كثيرة». وفي جوابي اقتبست مثلًا هولنديًا: «ما هو الأثقل لا بدّ أن يرجح على غيره»،— أي لا بدّ أن تكون له المكانة الأولى. إن ناموس الله لا يتغيّر: فكما على الأرض، كذلك في تعاملنا مع السماء، لا نأخذ إلا بقدر ما نعطي. وما لم نكن مستعدّين لأن ندفع الثمن، ونضحّي بالوقت والانتباه وبما يبدو واجبات مشروعة أو ضرورية، من أجل العطايا السماوية، فلا ينبغي أن نتوقّع اختبارًا واسعًا لقوة العالم السماوي في عملنا. وقد اشترك جميع الحاضرين في الاعتراف الحزين؛ فقد فكّروا فيه وناحوا عليه مرّات لا تُحصى، ومع ذلك، بطريقة ما، ظلّت كل تلك المطالب الملحّة، وكل العزائم غير المجدية على أن يصلّوا أكثر، تسدّ الطريق. ولا حاجة بي الآن إلى أن أذكر إلى أي أفكار أخرى قادنا حديثنا؛ فجوهرها موجود في بعض الفصول اللاحقة من هذا الكتاب.
دعوني أستدعي شاهدًا واحدًا آخر فقط. ففي أثناء رحلتي التقيت أحد آباء كاولي، وكان قد فرغ لتوّه من قيادة خلوات روحية لإكليروس الكنيسة الإنجليزية. وقد اهتممت بأن أسمع منه نهج التعليم الذي يتّبعه. وفي أثناء الحديث استعمل عبارة «تشتّت المشاغل»، وتبيّن أنه وجدها من أكبر الصعوبات التي عليه أن يعالجها في نفسه وفي الآخرين. وقال عن نفسه إنه بحسب نذور رهبنته ملزم بأن يكرّس نفسه للصلاة خصوصًا، لكنه وجد ذلك صعبًا جدًا. فكان عليه كل يوم أن يكون في أربعة أماكن مختلفة من البلدة التي يسكنها، وكان سلفه قد ترك له مسؤولية عدد من اللجان التي يُنتظر منه أن يقوم فيها بالعمل كله؛ وكأن كل شيء تآمر ليبعده عن الصلاة.
كل هذه الشهادة تكفي بالتأكيد لتوضيح أن الصلاة ليس لها المكان الذي ينبغي أن يكون لها في حياتنا الخدمية والمسيحية؛ وأن هذا التقصير يرغب الجميع في الاعتراف به؛ وأن الصعوبات التي تعترض طريق الخلاص منه تجعل العودة إلى حياة صلاة حقيقية كاملة شبه مستحيلة. لكن تبارك الله: «غَيْرُ ٱلْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ ٱلنَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ ٱللهِ»! «ٱللهُ قَادِرٌ أَنْ يَزِيدَكُمْ كُلَّ نِعْمَةٍ، لِكَيْ تَكُونُوا وَلَكُمْ كُلُّ ٱكْتِفَاءٍ كُلَّ حِينٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، تَزْدَادُونَ فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ». فلنؤمن إذًا بأن دعوة الله إلى الصلاة الكثيرة لا يلزم أن تكون عبئًا وسببًا لإدانة النفس الدائمة. فهو يقصد أن تكون فرحًا. ويستطيع أن يجعلها مصدر إلهام، يعطينا قوة لكل عملنا، ويُنزل قوته لتعمل من خلالنا في إخوتنا البشر. فلا نخشَ أن نعترف كاملًا بالخطية التي تخزينا، ثم أن نواجهها باسم فادينا القدير. فالنور الذي يكشف لنا خطيتنا ويديننا عليها، هو الذي سيرينا طريق الخروج منها إلى حياة الحرية التي ترضي الله. وإن سمحنا لهذا الأمر الواحد، عدم الأمانة في الصلاة، بأن يبكّتنا على النقص في حياتنا المسيحية الكامن في أصله، فسيستخدم الله هذا الاكتشاف ليمنحنا لا القوة على الصلاة التي نشتاق إليها فحسب، بل أيضًا فرح حياة جديدة صحيحة، تكون الصلاة تعبيرها التلقائي.
فما هو الآن الطريق الذي به يمكن أن يصير إحساسنا بقلّة الصلاة وسيلة بركة، ومدخلًا إلى سبيل يمكن فيه قهر هذا الشرّ؟ كيف يمكن أن تصير شركتنا مع الآب، في الصلاة والشفاعة الدائمتين، كما ينبغي أن تكون، إن كنّا نريد أن نتبارك نحن والعالم من حولنا؟ يبدو لي أنه لا بدّ أن نبدأ بالعودة إلى كلمة الله، لندرس المكان الذي يقصد الله أن يكون للصلاة في حياة ولده وحياة كنيسته. فإن نظرة جديدة إلى ما هي الصلاة بحسب مشيئة الله، وإلى ما يمكن أن تكون عليه صلواتنا بنعمة الله، ستحرّرنا من تلك الآراء الضعيفة الناقصة، في ما يتعلّق بالضرورة المطلقة للصلاة الدائمة، التي تكمن في أصل إخفاقنا. وإذ ننال بصيرة في معقولية هذا الترتيب الإلهي وصوابه، ونقتنع تمامًا بمدى انسجامه العجيب مع محبة الله ومع سعادتنا نحن، سنتحرّر من الانطباع الخاطئ بأنه مطلب اعتباطي. وسنقبله ونفرح به بكل قلوبنا ونفوسنا، بوصفه الطريق الوحيد الممكن لمجيء بركة السماء إلى الأرض. وكل فكرة عن الواجب الثقيل والعبء، وعن الجهد الذاتي والإجهاد، ستزول في الإيمان المبارك بأنه كما يكون التنفّس بسيطًا في الحياة الطبيعية الصحيحة، كذلك تكون الصلاة في الحياة المسيحية التي يقودها روح الله ويملؤها.
وإذ ننشغل بتعليم كلمة الله هذا عن الصلاة ونقبله، سنُقاد إلى أن نرى كيف كان إخفاقنا في حياة الصلاة ناتجًا عن إخفاقنا في حياة الروح. فالصلاة من أكثر وظائف حياة الروح سماويةً وروحانية. فكيف نحاول أو نتوقّع أن نؤدّيها على نحو يرضي الله، ما لم تكن نفسنا في صحة كاملة، وحياتنا ممتلكة حقًّا من روح الله ومحرّكة به؟ إن البصيرة في المكان الذي يقصد الله أن تأخذه الصلاة، والذي لا يمكن أن تأخذه إلا في حياة مسيحية كاملة، سترينا أننا لم نكن نعيش الحياة الحقيقية الفيّاضة، وأن كل فكرة عن الصلاة أكثر وبفاعلية ستكون باطلة، ما لم نُدخَل في علاقة أوثق بربنا المبارك يسوع. فالمسيح هو حياتنا، والمسيح يحيا فينا، بحقيقة تجعل حياة صلاته على الأرض، وشفاعته في السماء، تُنفَخ فينا بالقدر الذي يسمح به تسليمنا وإيماننا ويقبله. يسوع المسيح هو شافي كل الأمراض، وقاهر كل الأعداء، والمخلّص من كل خطية؛ فإن علّمنا إخفاقنا أن نرجع إليه من جديد، وأن نجد فيه النعمة التي يعطيها لنصلّي كما ينبغي، فقد يصير هذا الاتضاع أعظم بركة لنا. فلنتّحد جميعًا في الصلاة إلى الله أن يفتقد نفوسنا ويؤهّلنا لعمل الشفاعة، الذي هو في هذه اللحظة أعظم حاجة للكنيسة وللعالم. فبالشفاعة وحدها يمكن أن تُنزَل من السماء تلك القوة التي ستمكّن الكنيسة من أن تغلب العالم. فلنُضرم الموهبة الهاجعة التي تُركت بلا استعمال، ولنسعَ إلى أن نجمع وندرّب ونضمّ معًا أكبر عدد ممكن، ليكونوا ذاكري الرب، ولا يدعوه يسكت حتى يجعل كنيسته فرحًا في الأرض. لا شيء سوى الصلاة الشديدة المؤمنة يستطيع أن يواجه روح العالمية الشديدة التي يشكو منها الجميع في كل مكان.
اكتمل الفصل 3
قلّة الصلاة