فصل 12 · قراءة 10 د · استماع 13 د
روح التضرّع
«وَأُفِيضُ عَلَى بَيْتِ دَاوُدَ… رُوحَ ٱلنِّعْمَةِ وَٱلتَّضَرُّعَاتِ»—زكريا 12:10.
«ٱلرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا، لِأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لِأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلَكِنَّ ٱلرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لَا يُنْطَقُ بِهَا. وَلَكِنَّ ٱلَّذِي يَفْحَصُ ٱلْقُلُوبَ يَعْلَمُ مَا هُوَ ٱهْتِمَامُ ٱلرُّوحِ، لِأَنَّهُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ ٱللهِ يَشْفَعُ فِي ٱلْقِدِّيسِينَ»—رومية 8:26-27.
«مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلَاةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي ٱلرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهَذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ، لِأَجْلِ جَمِيعِ ٱلْقِدِّيسِينَ»—أفسس 6:18.
«مُصَلِّينَ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ»—يهوذا 20.
لقد أُعطي الروح القدس لكلّ ولد لله ليكون حياته. إنّه يسكن فيه، لا ككائن منفصل في جزء واحد من طبيعته، بل كحياته نفسها. إنّه القوّة أو الطاقة الإلهية التي بها تُحفظ حياته وتتقوّى. وكلّ ما يُدعى المؤمن ليكونه أو ليعمله، يستطيع الروح القدس أن يعمله فيه وسيعمله. فإن لم يعرف الضيف القدوس أو لم يخضع له، لا يستطيع الروح المبارك أن يعمل، وتكون حياته حياة مريضة، مملوءة بالإخفاق والخطية. أمّا إذا خضع وانتظر وأطاع قيادة الروح، فإنّ الله يعمل فيه كلّ ما هو مرضيّ أمامه.
هذا الروح القدس هو، في المقام الأول، روح صلاة. لقد وُعد به بوصفه «رُوحَ ٱلنِّعْمَةِ وَٱلتَّضَرُّعَاتِ»، أي النعمة للتضرّع. وأُرسل إلى قلوبنا بوصفه «رُوحَ ٱلتَّبَنِّي ٱلَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: يَا أَبَا ٱلْآبُ». إنّه يقدّرنا على أن نقول، بإيمان حقيقي وبإدراك متزايد لمعناها: أبانا الذي في السماوات. «بِحَسَبِ مَشِيئَةِ ٱللهِ يَشْفَعُ فِي ٱلْقِدِّيسِينَ». وحين نصلّي في الروح، تكون عبادتنا كما يطلبها الله، «بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ». فالصلاة ليست إلا تنفّس الروح فينا؛ والقوّة في الصلاة تأتي من قوّة الروح فينا حين ننتظره ونتّكل عليه. والإخفاق في الصلاة يأتي من ضعف عمل الروح فينا. وصلاتنا هي مؤشّر مقدار عمل الروح فينا. ولكي نصلّي كما ينبغي، يجب أن تكون حياة الروح فينا سليمة. ولكي نصلّي صلاة البارّ الفعّالة التي تقتدر كثيرًا، يتوقّف كلّ شيء على أن نكون ممتلئين بالروح.
هناك ثلاثة دروس بسيطة جدًا يجب أن يعرفها المؤمن الذي يريد أن يتمتّع ببركة أن يعلّمه روح الصلاة كيف يصلّي. الأول هو: آمن أنّ الروح يسكن فيك (أفسس 1:13). ففي أعمق أعماق كيانه، خفيًّا وغير محسوس، يسكن روح الله القدوس القدير في كلّ ولد لله. وهو يعرف ذلك بالإيمان، الإيمان الذي يقبل كلمة الله فيتحقّق ممّا لا يرى له بعد أيّ علامة. «لِنَنَالَ بِٱلْإِيمَانِ مَوْعِدَ ٱلرُّوحِ». وما دمنا نقيس قوّتنا على الصلاة كما ينبغي وبمثابرة بما نشعر به، أو بما نظنّ أنّنا نستطيع إنجازه، فسنُحبط حين نسمع كم ينبغي أن نصلّي. أمّا حين نؤمن بهدوء أنّه، وسط كلّ ضعفنا الذي ندركه، يسكن فينا الروح القدس بوصفه روح تضرّع، لهذه الغاية بعينها: أن يقدّرنا على أن نصلّي بالطريقة والقدر اللذين يريدهما الله لنا، فإنّ قلوبنا ستمتلئ رجاءً. وسنتقوّى في اليقين الكامن في أصل الحياة المسيحية السعيدة المثمرة: أنّ الله قد أعدّ تدبيرًا وافرًا لكي نكون ما يريدنا أن نكونه. وسنبدأ نفقد إحساسنا بالعبء والخوف والإحباط من جهة قدرتنا على أن نصلّي يومًا ما بالقدر الكافي، لأنّنا نرى أنّ الروح القدس نفسه سيصلّي فينا، بل هو يصلّي فينا الآن.
والدرس الثاني هو: احترز فوق كلّ شيء من أن تُحزن الروح القدس (أفسس 4:30). فإن فعلت، فكيف يستطيع أن يعمل فيك الإحساس الهادئ الواثق المبارك بذلك الاتّحاد بالمسيح الذي يجعل صلواتك مرضيّة لدى الآب؟ احترز من أن تحزنه بالخطية، وبعدم الإيمان، وبالأنانية، وبعدم الأمانة لصوته في الضمير. لا تظنّ أنّ إحزانه أمر محتوم: فهذا يقطع أعصاب قوّتك ذاتها. ولا تعتبر الطاعة للوصيّة: «وَلَا تُحْزِنُوا رُوحَ ٱللهِ ٱلْقُدُّوسَ» أمرًا مستحيلًا. فهو نفسه قوّة الله ذاتها ليجعلك مطيعًا. والخطية التي تقوم فيك رغمًا عن إرادتك، والميل إلى الكسل، أو الكبرياء، أو الإرادة الذاتية، أو الهوى الذي يثور في الجسد، تستطيع إرادتك، بقوّة الروح، أن ترفضها في الحال، وتلقيها على المسيح ودمه، فتُستعاد شركتك مع الله في الحال. اقبل كلّ يوم الروح القدس قائدًا لك وحياةً وقوّة؛ ويمكنك أن تعتمد عليه ليعمل في قلبك كلّ ما ينبغي أن يُعمل هناك. إنّه، غير المنظور وغير المحسوس، لكن المعروف بالإيمان، يعطي هناك، على نحو غير منظور وغير محسوس، المحبة والإيمان وقوّة الطاعة التي تحتاج إليها، لأنّه يُعلن المسيح غير المنظور في داخلك، حياتك وقوّتك فعلًا. لا تُحزن الروح القدس بعدم الثقة به لأنّك لا تشعر بحضوره فيك.
ولا تُحزنه خاصّة في أمر الصلاة. لا تتوقّع، حين تثق بالمسيح ليأتي بك إلى حياة صلاة جديدة صحيحة، أن تستطيع دفعة واحدة أن تصلّي بالسهولة والقوّة والفرح التي تودّها. لا؛ فقد لا يأتي ذلك في الحال. لكن انحنِ فقط بهدوء أمام الله في جهلك وضعفك. فتلك هي الصلاة الفُضلى والأصدق: أن تضع نفسك أمام الله كما أنت، وأن تعتمد على الروح الخفيّ الذي يصلّي فيك. «لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لِأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي»؛ فالجهل والصعوبة والجهاد تَسِم صلاتنا على طول الطريق. لكن «ٱلرُّوحُ… يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا». كيف؟ «ٱلرُّوحَ نَفْسَهُ»، في عمق أبعد من أفكارنا ومشاعرنا، «يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لَا يُنْطَقُ بِهَا». فحين لا تجد كلمات، وحين تبدو كلماتك باردة وضعيفة، آمن فقط: الروح القدس يصلّي فيّ. اسكن أمام الله، وأعطه وقتًا وفرصة؛ وفي الوقت المعيّن ستتعلّم أن تصلّي. احترز من أن تُحزن روح الصلاة بعدم إكرامه بتسليم صبور واثق لشفاعته فيك.
والدرس الثالث: «ٱمْتَلِئُوا بِٱلرُّوحِ» (أفسس 5:18). أظنّ أنّنا قد رأينا معنى الحقّ العظيم: أنّ الحياة الروحية الصحيحة وحدها هي التي تستطيع أن تصلّي كما ينبغي. والوصيّة تأتي إلى كلّ واحد منّا: «ٱمْتَلِئُوا بِٱلرُّوحِ». وهذا يتضمّن أنّه بينما يقنع بعضهم بالبداية، بقدر قليل من عمل الروح، فإنّ مشيئة الله أن نمتلئ بالروح. وهذا يعني، من جهتنا، أنّه ينبغي أن يُسلَّم كياننا كلّه بالتمام للروح القدس، ليمتلكه ويسوده هو وحده. ويعني، من جهة الله، أنّنا نستطيع أن نعتمد على الروح القدس ونتوقّع أن يمتلكنا ويملأنا. أليس من الواضح أنّ إخفاقنا في الصلاة يرجع إلى أنّنا لم نقبل روح الصلاة ليكون حياتنا، وإلى أنّنا لم نخضع بالتمام له، هو الذي أعطاه الآب بوصفه روح ابنه، ليعمل حياة الابن فينا؟ فلنكن، على أقلّ تقدير، مستعدّين أن نقبله، وأن نسلّم أنفسنا لله ونثق به لأجل ذلك. ولا نعُد نُحزن الروح القدس عمدًا بالرفض، أو بالإهمال، أو بالتردّد في أن نطلب أن يكون لنا بالملء الذي يريد أن يعطي به نفسه لنا. فإن كنّا قد رأينا ولو قليلًا أنّ الصلاة هي الحاجة العظمى لعملنا وللكنيسة، وإن كنّا قد رغبنا أو عزمنا ولو قليلًا أن نصلّي أكثر، فلنتّجه إلى مصدر كلّ قوّة وبركة ذاته، ولنؤمن أنّ روح الصلاة، حتى في ملئه، هو لنا.
كلّنا نقرّ بالمكان الذي للآب والابن في صلاتنا. فإلى الآب نصلّي، ومنه نتوقّع الجواب. وفي استحقاق الابن واسمه وحياته، ثابتين فيه وهو فينا، نثق أنّنا سنُسمع. لكن هل فهمنا أنّه في الثالوث القدّوس للأقانيم الثلاثة جميعًا مكان متساوٍ في الصلاة، وأنّ الإيمان بالروح القدس، روح الشفاعة، بوصفه يصلّي فينا، لا غنى عنه كما لا غنى عن الإيمان بالآب والابن؟ ما أوضح أن نجد هذا في الكلمات عن المسيح: «بِهِ لَنَا… قُدُومًا فِي رُوحٍ وَاحِدٍ إِلَى ٱلْآبِ». فكما أنّ الصلاة يجب أن تكون إلى الآب، وبواسطة الابن، كذلك يجب أن تكون في الروح. والروح لا يستطيع أن يصلّي فينا بطريقة أخرى إلا بقدر ما يحيا فينا. وبقدر ما نسلّم أنفسنا للروح الحيّ المصلّي فينا فقط، نستطيع أن نعرف في قوّتهما مجد الإله سامع الصلاة، ووساطة الابن المباركة إلى الأبد والفعّالة جدًا. (ملاحظة د.)
ودرسنا الأخير: صلِّ في الروح لأجل جميع القدّيسين (أفسس 6:18). فالروح الذي يُدعى «روح التضرّع» هو أيضًا، وعلى نحو خاصّ جدًا، روح الشفاعة. يُقال عنه: «ٱلرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لَا يُنْطَقُ بِهَا». «يَشْفَعُ فِي ٱلْقِدِّيسِينَ». وهي الكلمة نفسها المستعملة عن المسيح: «ٱلَّذِي أَيْضًا يَشْفَعُ فِينَا». والفكرة في جوهرها فكرة الوساطة: واحد يتوسّل لأجل آخر. وحين يمتلكنا روح الشفاعة امتلاكًا كاملًا، تُنفى كلّ أنانية، كأنّنا نريده منفصلًا عن شفاعته لأجل الآخرين، ونريده لأنفسنا وحدنا، ونبدأ ننتفع بامتيازنا العجيب أن نتوسّل لأجل الناس. نتوق إلى أن نحيا حياة المسيح، حياة التضحية التي تفني الذات لأجل الآخرين، فيما يسلّم قلبنا نفسه لله بلا انقطاع لينال بركته للذين من حولنا. وحينئذ تصير الشفاعة، لا أمرًا عارضًا أو جزءًا عَرَضيًا من صلواتنا، بل غايتها العظمى الوحيدة. وتأخذ الصلاة لأجل أنفسنا حينئذ مكانها الصحيح، كمجرّد وسيلة لتؤهّلنا أفضل لممارسة خدمة الشفاعة بفاعلية أكبر.
هل يُسمح لي بأن أقول كلمة شخصية جدًا لكلّ واحد من قرّائي؟ لقد طلبت إلى الله بتواضع أن يعطيني ما أعطيه لهم: نورًا إلهيًا وعونًا ليتركوا حقًّا حياة الإخفاق في الصلاة، ويدخلوا، الآن وفي الحال، إلى حياة الشفاعة التي يستطيع الروح القدس أن يقدّرهم على أن يحيوها. ويمكن أن يتمّ ذلك بفعل إيمان بسيط، يطالب بملء الروح، أي بالقدر الكامل من الروح الذي أنت مؤهّل في نظر الله لقبوله، والذي يريد هو لذلك أن يمنحه. أفلا تقبل هذا الآن بالإيمان؟
دعني أذكّرك بما يحدث عند التجديد. فأكثرنا، وأنت أيضًا على الأرجح، طلبنا السلام حينًا بالجهود والجهاد لنترك الخطية ونرضي الله. لكنّك لم تجده هكذا. فسلام غفران الله جاء بالإيمان، بالثقة بكلمة الله عن المسيح وخلاصه. كنت قد سمعت عن المسيح بوصفه عطية محبّته، وعرفت أنّه لك أنت أيضًا، وشعرت بتحرّكات نعمته وجذباتها؛ لكنّك لم تعرف السلام والفرح اللذين يستطيع أن يعطيهما إلا حين قبلته، بالإيمان بكلمة الله، عطيّة الله لك. فالإيمان به وبمحبّته المخلّصة غيّر كلّ شيء، وحوّل علاقتك من إنسان طالما أحزنه، إلى إنسان يحبّه ويخدمه. ومع ذلك، بعد حين، تعجّبت ألف مرّة لأنّك تحبّه وتخدمه بهذا الضعف.
في وقت تجديدك كنت تعرف القليل عن الروح القدس. ثم سمعت فيما بعد عن سكناه فيك، وعن كونه قوّة الله فيك لكلّ ما يقصد الآب أن تكونه، ومع ذلك كان سكناه فيك وعمله فيك أمرًا مبهمًا غير محدّد، وبالكاد مصدرًا للفرح أو القوّة. عند التجديد لم تكن تعرف بعد حاجتك إليه، وأقلّ من ذلك ما يمكن أن تتوقّعه منه. لكنّ إخفاقاتك علّمتك ذلك. والآن تبدأ ترى كيف كنت تُحزنه، بعدم الثقة به وعدم اتّباعه، وبعدم السماح له بأن يعمل فيك كلّ مسرّة الله.
كلّ هذا يمكن أن يتغيّر. فكما أنّك، بعد أن طلبت المسيح، وصلّيت إليه، وحاولت أن تخدمه دون نجاح، وجدت الراحة في قبوله بالإيمان، كذلك يمكنك الآن أن تسلّم نفسك لقيادة الروح القدس الكاملة، وأن تطالب به وتقبله ليعمل فيك ما يريده الله. أفلا تفعل ذلك؟ اقبله فقط بالإيمان بوصفه عطيّة المسيح، ليكون روح حياتك كلّها، وروح حياة صلاتك أيضًا، ويمكنك أن تعتمد عليه ليتولّى الأمر. ويمكنك حينئذ أن تبدأ، مهما شعرت بالضعف والعجز عن الصلاة كما ينبغي، أن تنحني أمام الله في صمت، واثقًا أنّه سيعلّمك أن تصلّي.
يا أخي العزيز، كما قبلت المسيح بالإيمان عن وعي ليغفر لك، تستطيع الآن عن وعي، وبالإيمان نفسه، أن تقبل المسيح الذي يعطي الروح القدس ليعمل عمله فيك. «اَلْمَسِيحُ ٱفْتَدَانَا… لِنَنَالَ بِٱلْإِيمَانِ مَوْعِدَ ٱلرُّوحِ». اركع، وآمن ببساطة أنّ الرب المسيح، الذي يعمّد بالروح القدس، يبدأ فيك الآن، استجابةً لإيمانك، الحياة المباركة، حياة الاختبار الكامل لقوّة الروح الساكن فيك. اعتمد عليه بكلّ ثقة، بمعزل عن كلّ شعور أو اختبار، بوصفه روح التضرّع والشفاعة، ليعمل عمله. جدّد فعل الإيمان هذا كلّ صباح، وكلّ مرّة تصلّي؛ ثِق به، رغم كلّ المظاهر، أن يعمل فيك، وكن متيقّنًا أنّه يعمل، وسيعطيك أن تعرف ما هو فرح الروح القدس بوصفه قوّة حياتك.
«سأفيض روح التضرّع». ألا تبدأ ترى أنّ سرّ الصلاة هو سرّ السكنى الإلهية؟ إنّ الله في السماء يعطي روحه في قلوبنا ليكون هناك القوّة الإلهية التي تصلّي فينا، وتجتذبنا إلى فوق نحو إلهنا. الله روح، ولا شيء سوى حياة وروح مثله فينا يستطيع أن تكون له شركة معه. لهذا خُلق الإنسان: لكي يسكن الله ويعمل فيه، ويكون حياة حياته. وهذه السكنى الإلهية هي ما فقدته الخطية. وهذا ما جاء المسيح ليُظهره في حياته، وليستردّه لنا بموته، ثم ليمنحه لنا بمجيئه ثانية من السماء في الروح ليحيا في تلاميذه. وهذا، أي سكنى الله بالروح، هو وحده ما يستطيع أن يفسّر المواعيد العجيبة المعطاة للصلاة ويقدّرنا على امتلاكها. والله يعطي الروح بوصفه روح التضرّع أيضًا، ليحفظ حياته الإلهية فينا حياةً تصعد منها الصلاة إلى فوق على الدوام.
بدون الروح القدس لا يستطيع أحد أن يقول إنّ يسوع ربّ، أو أن يصرخ: يا أبا الآب؛ ولا يستطيع أحد أن يسجد بالروح والحقّ، أو أن يصلّي بلا انقطاع. لقد أُعطي الروح القدس للمؤمن ليكون فيه ويعمل فيه كلّ ما يريد الله أن يكونه أو يعمله. وقد أُعطي له خاصّة بوصفه روح الصلاة والتضرّع. أليس من الواضح أنّ كلّ شيء في الصلاة يتوقّف على ثقتنا بالروح القدس ليعمل عمله فينا، وعلى تسليمنا أنفسنا لقيادته، واتّكالنا عليه وحده وبالتمام؟
نقرأ أنّ استفانوس كان «رَجُلًا مَمْلُوًّا مِنَ ٱلْإِيمَانِ وَٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ». والاثنان يسيران معًا دائمًا، بتناسب دقيق أحدهما مع الآخر. فبقدر ما يرى إيماننا الروح فينا ويثق به ليصلّي، وينتظره، سيعمل هو عمله؛ والرغبة المشتاقة، والتضرّع الحارّ، والإيمان المحدّد، هي ما يطلبه الآب. فلنعرفه، ولننمِّ، في إيمان المسيح الذي يعطيه بلا انقطاع، الثقة المتيقّنة بأنّنا نستطيع أن نتعلّم أن نصلّي كما يريدنا الآب.
اكتمل الفصل 12
روح التضرّع