فصل 11 · قراءة 9 د · استماع 11 د
سرّ الصلاة الفعّالة
«كلّ ما ترغبون فيه، حينما تصلّون، فآمنوا أنكم قد نلتموه، فيكون لكم»—مرقس 11:24.
هنا لدينا خلاصة تعليم ربّنا يسوع عن الصلاة. ولا شيء يعيننا على الاقتناع بخطية تهاوننا في الصلاة، وعلى اكتشاف أسبابها، وعلى أن نتشجّع لنتوقّع خلاصًا كاملًا منها، مثل الدرس المتأنّي لهذا التعليم ثم قبوله بإيمان. وكلّما دخلنا بقلب أصدق إلى فكر ربّنا المبارك، وعزمنا ببساطة أن نفكّر في الصلاة كما فكّر هو، صارت كلماته بيقين أكبر كبذار حيّة. ستنمو وتُخرج فينا ثمرها: حياة وممارسة تطابقان تمامًا الحقّ الإلهي الذي تحمله. فلنؤمن بهذا: إنّ المسيح، كلمة الله الحيّة، يعطي في كلماته قوّة إلهية محيية تحقّق ما تقوله، وتعمل فينا ما يطلبه، وتؤهّلنا فعلًا وتقدّرنا على كلّ ما يطالب به. تعلّم أن تنظر إلى تعليمه عن الصلاة بوصفه وعدًا محدّدًا بما سيعمله هو، بروحه القدوس الساكن فيك، في صميم كيانك وأخلاقك.
يعطينا ربّنا العلامات الخمس، أو العناصر الجوهرية، للصلاة الحقيقية. فلا بدّ أوّلًا من رغبة القلب؛ ثم التعبير عن هذه الرغبة في الصلاة؛ ومع ذلك الإيمان الذي يحمل الصلاة إلى الله؛ وفي هذا الإيمان قبول جواب الله؛ ثم يأتي اختبار البركة المرغوب فيها. وقد يعين على تحديد تفكيرنا أن يأخذ كلّ واحد منّا طلبة محدّدة يودّ أن يتعلّم أن يصلّي من أجلها بإيمان. أو، ولعلّ هذا أفضل، أن نتّحد جميعًا ونأخذ الأمر الواحد الذي شغل انتباهنا. لقد كنّا نتكلّم عن الإخفاق في الصلاة؛ فلماذا لا نجعل موضوع رغبتنا وتضرّعنا «نعمة التضرّع» نفسها، ونقول: أريد أن أطلب وأنال بالإيمان القوّة على أن أصلّي تمامًا كما ينتظر منّي إلهي، وبالقدر الذي ينتظره؟ لنتأمّل في كلمات ربّنا، واثقين أنّه سيعلّمنا كيف نصلّي من أجل هذه البركة.
1. «كلّ ما ترغبون فيه».—الرغبة هي القوّة الخفية التي تحرّك عالم الأحياء كلّه، وتوجّه مسار كلّ واحد منهم. وهكذا فالرغبة هي روح الصلاة، وسبب الصلاة الناقصة أو غير الناجحة يُوجد إلى حدّ كبير في غياب الرغبة أو ضعفها. قد يشكّ بعضهم في هذا: فهم متأكّدون أنّهم رغبوا بجدّية كبيرة فيما يطلبونه. لكن إن تأمّلوا هل كانت رغبتهم حقًّا من كلّ القلب كما يريدها الله، وكما تقتضي القيمة السماوية لهذه البركات، فقد ينتهون إلى أن يروا أنّ غياب الرغبة كان حقًّا سبب الإخفاق. فما يصدق على الله يصدق على كلّ واحدة من بركاته، ويصدق أكثر كلّما كانت البركة أكثر روحانية: «وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ» (إرميا 29:13). وعن يهوذا في أيّام آسا مكتوب: «وَطَلَبُوهُ بِكُلِّ رِضَاهُمْ» (أخبار الأيام الثاني 15:15). قد تكون للمسيحي كثيرًا رغبات جادّة جدًا في البركات الروحية. لكن إلى جانبها رغبات أخرى في حياته اليومية تشغل مكانًا كبيرًا في اهتماماته وعواطفه. فالرغبات الروحية لا تستغرقه كلّيًا. ثم يتعجّب أنّ صلاته لا تُسمع. والأمر ببساطة أنّ الله يريد القلب كلّه. «ٱلرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. فَتُحِبُّ ٱلرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ». الناموس لا يتغيّر: الله يقدّم نفسه، ويهب نفسه، للذين من كلّ القلب يهبون أنفسهم له بالتمام. إنّه يعطينا دائمًا بحسب رغبة قلوبنا. لكن لا كما نظنّها نحن، بل كما يراها هو. فإن كانت هناك رغبات أخرى نألفها أكثر، وتملك قلوبنا أكثر منه هو ومن حضوره، فهو يسمح بأن تتحقّق هذه، أمّا الرغبات التي تشغلنا في ساعة الصلاة فلا يمكن أن تُمنح.
نحن نرغب في موهبة الشفاعة، في النعمة والقوّة لنصلّي كما ينبغي. فيجب أن تُجتذب قلوبنا عن الرغبات الأخرى؛ ويجب أن نعطي أنفسنا بالتمام لهذه الرغبة الواحدة. يجب أن نكون مستعدّين أن نحيا بالتمام في الشفاعة من أجل الملكوت. فبتثبيت أعيننا على غبطة هذه النعمة والحاجة إليها، وبالتفكير في يقين أنّ الله سيعطينا إيّاها، وبتسليم أنفسنا لها، من أجل العالم الهالك، يمكن أن تتقوّى الرغبة، وأن تُتّخذ الخطوة الأولى نحو امتلاك البركة المشتهاة. فلنطلب نعمة الصلاة، كما نطلب الله الذي ستربطنا به، «بكلّ رضانا»؛ ويمكننا أن نعتمد على الوعد: «يَعْمَلُ رِضَى خَائِفِيهِ». ولا نخف أن نقول له: «إنّني أرغب فيها بكلّ قلبي».
2. «كلّ ما ترغبون فيه حينما تصلّون».—يجب أن تصير رغبة القلب تعبيرًا على الشفتين. فربّنا يسوع سأل أكثر من مرّة الذين صرخوا إليه طالبين الرحمة: «مَاذَا تُرِيدُ؟». أراد أن يقولوا ما يريدون. فالنطق به كان يوقظ كيانهم كلّه إلى العمل، ويأتي بهم إلى الاتّصال به، ويوقظ توقّعهم. أن تصلّي يعني أن تدخل إلى حضرة الله، وأن تطالب بانتباهه وتظفر به، وأن تتعامل معه تعاملًا واضحًا بشأن طلبة ما، وأن تستودع حاجتك أمانته وتتركها هناك؛ وبهذا نصير مدركين تمامًا لما نطلبه.
هناك من يحملون في قلوبهم كثيرًا رغبات قويّة، دون أن يأتوا بها إلى الله في تعبير واضح من صلاة محدّدة متكرّرة. وهناك آخرون يذهبون إلى الكلمة ومواعيدها ليقوّوا إيمانهم، لكنّهم لا يعطون مكانًا كافيًا لذلك الطلب المحدّد من الله الذي يعين النفس على اليقين بأنّ الأمر قد وُضع في يدي الله. وغيرهم أيضًا يأتون في الصلاة بطلبات ورغبات كثيرة جدًا، حتى يصعب عليهم هم أنفسهم أن يقولوا ماذا يتوقّعون حقًّا أن يعمل الله. فإن كنت تريد أن تنال من الله هذه الموهبة العظيمة، موهبة الأمانة في الصلاة والقوّة على الصلاة كما ينبغي، فابدأ بأن تمرّن نفسك على الصلاة من أجلها. قل عنها لنفسك ولله: «هذا أمر طلبته، ولا أزال أطلبه حتى أناله. وبأوضح وأدقّ ما تستطيع الكلمات أن تعبّر، أقول: ‹يا أبي! إنّني أرغب حقًّا، وأطلب منك حقًّا، وأنتظر منك، نعمة الصلاة والشفاعة›».
3. «كلّ ما ترغبون فيه، حينما تصلّون، فآمنوا».—كما أنّنا لا نستطيع إلا بالإيمان أن نعرف الله، أو نقبل يسوع المسيح، أو نحيا الحياة المسيحية، كذلك الإيمان هو حياة الصلاة وقوّتها. فإن كنّا سندخل إلى حياة شفاعة يكون فيها فرح وقوّة وبركة، وإن كانت صلاتنا من أجل نعمة الصلاة ستُستجاب، فيجب أن نتعلّم من جديد ما هو الإيمان، وأن نبدأ نحيا ونصلّي بالإيمان كما لم نفعل من قبل.
الإيمان هو عكس العيان، والاثنان يضادّ أحدهما الآخر. «بِٱلْإِيمَانِ نَسْلُكُ لَا بِٱلْعِيَانِ». فإن كان غير المنظور سيمتلكنا امتلاكًا كاملًا، وإن كان القلب والحياة والصلاة ستمتلئ بالإيمان، فلا بدّ من انسحاب من المنظور، وإنكار له. فالروح التي تسعى أن تتمتّع بأكبر قدر ممكن ممّا هو بريء أو مشروع، والتي تعطي المكان الأول لمطالب الحياة اليومية وواجباتها، لا تتّفق مع إيمان قويّ وشركة وثيقة مع العالم الروحي. «وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى ٱلْأَشْيَاءِ ٱلَّتِي تُرَى»، فالجانب السلبي يحتاج إلى تشديد إن كان الجانب الإيجابي، «بَلْ إِلَى ٱلَّتِي لَا تُرَى»، سيصير طبيعيًا لنا. ففي الصلاة يتوقّف الإيمان على حياتنا في العالم غير المنظور.
وهذا الإيمان يتعلّق بالله على نحو خاصّ. فالسبب العظيم لنقص إيماننا هو نقص معرفتنا لله وشركتنا معه. «لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِٱللهِ»، قال يسوع حين تكلّم عن نقل الجبال. فبقدر ما تعرف النفس الله، وتنشغل بقوّته ومحبّته وأمانته، وتخرج من الذات ومن العالم، وتدع نور الله يشرق عليها، يصير عدم الإيمان مستحيلًا. وكلّ الأسرار والصعوبات المتعلّقة باستجابات الصلاة، مهما قلّت قدرتنا على حلّها بالعقل، ستُبتلع في اليقين الساجد: «هذا الإله هو إلهنا. إنّه سيباركنا. إنّه يستجيب الصلاة حقًّا. ونعمة الصلاة التي أطلبها سيُسرّ بأن يعطيها». (ملاحظة ج.)
4. «كلّ ما ترغبون فيه، حينما تصلّون، فآمنوا أنكم قد نلتموه»، الآن وأنتم تصلّون.—على الإيمان أن يقبل الجواب، كما أعطاه الله في السماء، قبل أن يوجد أو يُحسّ به على الأرض. هذه النقطة تسبّب صعوبة، ومع ذلك فهي من صميم جوهر صلاة الإيمان، سرّها الحقيقي. حاول أن تستوعبها. فالأمور الروحية لا يمكن أن تُدرك أو تُمتلك إلا روحيًا. وبركة الله الروحية السماوية، أي جوابه على صلاتك، يجب أن تُعرف وتُقبل روحيًا قبل أن تشعر بشيء منها. والإيمان هو الذي يعمل هذا. فالنفس التي لا تطلب جوابًا فقط، بل تطلب أوّلًا الله الذي يعطي الجواب، تنال القوّة لتعرف أنّ لها ما طلبته منه. فإن كانت تعلم أنّها طلبت بحسب مشيئته ومواعيده، وأنّها أتت إليه هو ووجدته ليعطيها، فهي تؤمن حقًّا أنّها قد نالت. «نَعْلَمُ أَنَّهُ… يَسْمَعُ لَنَا».
لا شيء يفحص القلب مثل هذا الإيمان: «آمنوا أنكم قد نلتموه». فحين نجاهد لنؤمن، ونجد أنّنا لا نستطيع، يقودنا ذلك إلى أن نكتشف ما الذي يعيق. طوبى للإنسان الذي لا يمسك شيئًا، ولا يدع شيئًا يمسكه، بل، وعينه وقلبه على الله وحده، يرفض أن يستريح حتى يؤمن بما يأمره به ربّنا: «أنّه قد نال». هنا الموضع الذي يصير فيه يعقوب إسرائيل، وتولد قوّة الصلاة الغالبة من الضعف واليأس البشريّين. وهنا تظهر الحاجة الحقيقية إلى الصلاة المثابرة اللجوجة دائمًا، التي لا تستريح، ولا تمضي، ولا تكفّ، حتى تعلم أنّها قد سُمعت، وتؤمن أنّها قد نالت.
هل تصلّي من أجل «رُوحَ ٱلنِّعْمَةِ وَٱلتَّضَرُّعَاتِ»؟ فبينما تطلبه برغبة قويّة، وتؤمن بالله الذي يسمع الصلاة، لا تخف أن تتقدّم وتؤمن أنّ حياتك يمكن أن تتغيّر حقًّا، وأنّ العالم بزحمة واجباته، دينية كانت أم غير دينية، التي تعيق الصلاة، يمكن أن يُغلب، وأنّ الله يعطيك رغبة قلبك: نعمة الصلاة قدرًا وروحًا، تمامًا كما يريد الآب أن يفعل ولده. «آمنوا أنكم قد نلتموه».
5. «كلّ ما ترغبون فيه، حينما تصلّون، فآمنوا أنكم قد نلتموه، فيكون لكم».—إنّ النوال من الله بالإيمان، أي قبول الجواب بإيمان مع اليقين الكامل المسبِّح بأنّه قد أُعطي، ليس بالضرورة اختبار العطية التي طلبناها أو امتلاكها امتلاكًا محسوسًا. فقد تكون هناك أحيانًا فترة طويلة، بل طويلة جدًا. وفي حالات أخرى قد يدخل المتضرّع المؤمن في الحال إلى التمتّع الفعلي بما ناله. وفي الحالة الأولى خاصّة نحتاج إلى الإيمان والأناة: إلى الإيمان لنفرح بيقين الجواب الممنوح والمقبول، ولنبدأ نعمل بمقتضى هذا الجواب وإن لم نشعر بشيء؛ وإلى الأناة لننتظر إن لم يكن هناك في الوقت الحاضر برهان محسوس على حضوره. يمكننا أن نعتمد على ذلك: فيكون لكم، تمتّعًا فعليًا.
فإن طبّقنا هذا على الصلاة من أجل قوّة الشفاعة الأمينة، من أجل النعمة على الصلاة بحرارة ومثابرة لأجل النفوس من حولنا، فلنتعلّم أن نتمسّك باليقين الإلهي بأنّنا، بقدر يقين إيماننا، ننال، وبأنّ الإيمان لذلك، بمعزل عن كلّ إخفاق، يستطيع أن يفرح بيقين صلاة مستجابة. وكلّما سبّحنا الله لأجلها أكثر، أتى الاختبار أسرع. يمكننا أن نبدأ في الحال أن نصلّي من أجل الآخرين، واثقين أنّنا سنُعطى نعمة لنصلّي بمثابرة وإيمان أكثر ممّا فعلنا من قبل. فإن لم نجد اتّساعًا أو قوّة خاصّة في الصلاة، فيجب ألّا يعيقنا هذا أو يُحبطنا. لقد قبلنا بالإيمان، بمعزل عن الشعور، عطية إلهية روحية؛ وبهذا الإيمان علينا أن نصلّي غير مرتابين في شيء. قد يكون الروح القدس مختبئًا فينا وقتًا قصيرًا؛ لكنّنا نستطيع أن نعتمد عليه أن يصلّي فينا، ولو بأنّات لا يُنطق بها؛ وفي الوقت المعيّن سندرك حضوره وقوّته. وكما هو أكيد وجود الرغبة والصلاة والإيمان، وقبول الإيمان للعطية، سيكون أكيدًا أيضًا ظهور البركة التي طلبناها واختبارها.
أيّها الأخ الحبيب! هل ترغب حقًّا في أن يقدّرك الله على أن تصلّي بحيث تتحرّر حياتك من إدانة الذات المستمرّة، وتنزل قوّة روحه استجابةً لطلبتك؟ تعال واطلبها من الله. اركع وصلِّ من أجلها في جملة واحدة محدّدة. وحين تفعل ذلك، ابقَ راكعًا بالإيمان، مؤمنًا بالله الذي يستجيب. آمن أنّك تنال الآن ما صلّيت لأجله: آمن أنّك قد نلته. وإن وجدت صعوبة في ذلك، فابقَ راكعًا، وقل إنّك تفعله استنادًا إلى كلمته هو. وإن كلّفك ذلك وقتًا وجهادًا وشكًّا، فلا تخف؛ فعند قدميه، وأنت تتطلّع إلى وجهه، سيأتي الإيمان. «آمنوا أنكم قد نلتموه»: بأمره تجرؤ أن تطالب بالجواب. ابدأ بهذا الإيمان، وإن كان ضعيفًا، حياة صلاة جديدة، تكون قوّتها هذه الفكرة الواحدة: «لقد طلبت ونلت نعمة في المسيح تُعدّك، خطوة بعد خطوة، لتكون أمينًا في الصلاة والشفاعة. وكلّما تمسّكت بهذا ببساطة أكثر، وتوقّعت أن يعمله الروح القدس فيك، تحقّقت لك الكلمة بيقين وملء أكبر: فيكون لكم. إنّ الله نفسه الذي أعطى الجواب سيعمله فيك».
اكتمل الفصل 11
سرّ الصلاة الفعّالة