فصل 3 · قراءة 5 د

التواضع في حياة يسوع

«وَلَكِنِّي أَنَا بَيْنَكُمْ كَٱلَّذِي يَخْدُمُ» (لوقا 22: 27).

في إنجيل يوحنا تنكشف لنا حياة ربنا الداخلية. فيسوع يتحدّث مرارًا عن علاقته بالآب، وعن الدوافع التي تقوده، وعن إدراكه للقوة والروح اللذين يعمل بهما. ومع أنّ كلمة «متواضع» لا ترد فيه، فلن نجد في الكتاب المقدس كله موضعًا يُظهر بمثل هذا الوضوح ما الذي كان يقوم عليه تواضعه. وقد سبق أن قلنا إنّ هذه النعمة ليست في حقيقتها سوى ذلك الرضى البسيط من جهة المخلوق بأن يكون الله هو الكل، وبه يُسلِّم نفسه لعمل الله وحده.

وفي يسوع نرى كيف أنه، بوصفه ابن الله في السماء وإنسانًا على الأرض معًا، اتّخذ موضع الخضوع التام، وأعطى الله الكرامة والمجد اللائقين به. وما علّمه هو مرارًا كثيرة تحقّق فيه هو نفسه: «مَنْ يَضَعْ نَفْسَهُ يَرْتَفِعْ».

(متى 23: 12). فكما هو مكتوب: «لِذَلِكَ رَفَّعَهُ ٱللهُ أَيْضًا» (فيلبي 2: 9).

أصغِ إلى الكلمات التي يتحدّث بها ربنا عن علاقته بالآب، وإلى ترداده الذي لا ينقطع لكلمتَي «ليس» و«لا شيء» عن نفسه. فإنّ قول بولس «لا أنا»، الذي يعبّر به عن علاقته بالمسيح، هو عينه روح ما يقوله المسيح عن علاقته بالآب.

«لَا يَقْدِرُ ٱلِٱبْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا» (يوحنا 5: 19).

«أَنَا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا. كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لِأَنِّي لَا أَطْلُبُ مَشِيئَتِي.»

(يوحنا 5: 30).

«مَجْدًا مِنَ ٱلنَّاسِ لَسْتُ أَقْبَلُ» (يوحنا 5: 41).

«قَدْ نَزَلْتُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ، لَيْسَ لِأَعْمَلَ مَشِيئَتِي» (يوحنا 6: 38).

«تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي» (يوحنا 7: 16). «وَمِنْ نَفْسِي لَمْ آتِ» (يوحنا 7: 28). «لَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ نَفْسِي» (يوحنا 8: 28). «لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي، بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي» (يوحنا 8: 42).

«أَنَا لَسْتُ أَطْلُبُ مَجْدِي» (يوحنا 8: 50). «ٱلْكَلَامُ ٱلَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي» (يوحنا 14: 10).

«ٱلْكَلَامُ ٱلَّذِي تَسْمَعُونَهُ لَيْسَ لِي» (يوحنا 14: 24).

هذه الأقوال تكشف لنا أعمق جذور حياة المسيح وعمله. تخبرنا كيف استطاع الله القدير أن يُجري به عمل الفداء العظيم. وتُظهر لنا ما اعتبره المسيح حالةَ القلب التي تليق به بوصفه ابنًا للآب. وتعلّمنا ما هي الطبيعة الجوهرية والحياة الحقيقية لذلك الفداء الذي أتمّه المسيح والذي يمنحه الآن. وهي هذه: أنه كان لا شيء، لكي يكون الله هو الكل. لقد سلّم ذاته بمشيئته وقواه كلها للآب ليعمل فيه. أمّا قوته الذاتية، ومشيئته الخاصة، ومجده الشخصي، ورسالته كلها بكل أعمالها وتعاليمها — فعن هذا كله قال: ليس أنا؛ أنا لا شيء؛ قد أسلمتُ نفسي للآب ليعمل؛ أنا لا شيء، والآب هو الكل.

هذه الحياة، حياةُ إنكار الذات التام والخضوع المطلق والاتّكال الكامل على مشيئة الآب، وجدها المسيح حياةَ سلامٍ وفرحٍ كاملين. فهو لم يخسر شيئًا بإعطائه الكل لله. بل أكرم الله ثقته به، وصنع له كل شيء، ثم رفّعه بيمينه في المجد (أعمال الرسل 5: 31).

ولأنّ المسيح وضع نفسه هكذا أمام الله، وكان الله دائمًا أمامه، أمكنه أن يضع نفسه أمام الناس أيضًا، وأن يكون خادمًا للجميع. لم يكن تواضعه سوى تسليم ذاته لله، ليصنع به ما يشاء، غير مبالٍ بما قد يقوله عنه مَن حوله من الناس أو بما قد يفعلونه به.

في هذه الحال من القلب، في هذا الروح وهذه النزعة، تكمن قوة فداء المسيح وفاعليته. ولكي نُقاد إلى هذه النزعة صِرنا شركاء المسيح. هذا هو إنكار الذات الحقيقي الذي يدعونا إليه مخلّصنا: الاعتراف بأنه ليس في الذات شيء صالح، إلا بوصفها إناءً فارغًا يجب أن يملأه الله، وأنّ دعواها أن تكون شيئًا أو تفعل شيئًا لا يجوز أن يُسمح بها لحظة واحدة. وفي هذا، قبل كل شيء وفوق كل شيء، يقوم التشبّه بيسوع: أن نكون لا شيء وألّا نفعل شيئًا من ذواتنا، لكي يكون الله هو الكل. هنا نجد أصل التواضع الحقيقي وطبيعته. ولأنّ هذا لا يُفهم ولا يُطلَب، صار تواضعنا سطحيًا واهنًا إلى هذا الحد.

علينا أن نتعلّم من يسوع كيف أنه وديع ومتواضع القلب. فهو يعلّمنا أنّ التواضع الحقيقي ينشأ ويستمدّ قوته من معرفة أنّ الله هو الذي يعمل الكل في الكل، وأنّ موضعنا هو أن نُذعن له في تسليمٍ واتّكالٍ كاملين، وفي رضًى تامّ بألّا نكون شيئًا ولا نفعل شيئًا من ذواتنا. هذه هي الحياة التي جاء المسيح ليعلنها ويهبها، حياةٌ لله جاءت عبر الموت عن الخطية وعن الذات. فإن شعرنا أنّ هذه الحياة أرفع من أن ننالها وأبعد من متناولنا، فعلينا أن نطلبها فيه هو. فالمسيح الساكن فينا هو الذي سيحيا فينا هذه الحياة، وديعًا متواضعًا.

وإن كنّا نشتاق إلى هذا، فلنطلب في هذه الأثناء، فوق كل شيء، ذلك السرّ المقدّس: معرفةَ طبيعة الله، وأنه في كل لحظة يعمل الكل في الكل. ذلك السرّ الذي ينبغي أن تشهد له الطبيعة كلها، وكل مخلوق، وقبل الجميع كلُّ ابنٍ لله: أنه ليس سوى إناء، سوى قناة، يستطيع الله الحي أن يُظهر بها غنى حكمته وقدرته وصلاحه. إنّ أصل كل فضيلة ونعمة، وكل إيمان وعبادة مقبولة، هو أن نعرف أنه ليس لنا شيء إلا ما نأخذه، وأن ننحني في أعمق تواضع منتظرين الله لننال منه.

ولأنّ هذا التواضع لم يكن مجرّد شعور عارض يستيقظ ويُمارَس حين يفكّر في الله، بل كان روح حياته كلها، كان يسوع في معاملته للناس متواضعًا بمقدار تواضعه أمام الله. لقد شعر أنه خادم الله لأجل الناس الذين خلقهم الله وأحبّهم. وكنتيجة طبيعية، حسب نفسه خادمًا للناس لكي يصنع الله به عمل محبته. ولم يخطر له لحظةً أن يطلب كرامته أو أن يستعمل قوته لينتصف لنفسه. بل كان روحه كله روحَ حياةٍ مُسلَّمة لله ليعمل فيها.

ولن يكون الأمر كذلك حتى يدرس المسيحيون تواضع يسوع بوصفه جوهر فدائه عينه، وغبطةَ حياة ابن الله ذاتها، والعلاقةَ الحقيقية الوحيدة بالآب، ومن ثمّ بوصفه ما لا بدّ أن يهبنا إياه يسوع إن كان لنا نصيب معه. حينئذٍ يصير الافتقار المريع إلى تواضعٍ فعليٍّ سماويٍّ ظاهرٍ عبئًا وحزنًا، ويُطرَح ديننا المعتاد جانبًا سعيًا لاقتناء هذه السمة، أولى سمات المسيح فينا وأعظمها.

أيها الأخ، هل أنت متسربل بالتواضع؟ اسأل حياتك اليومية. اسأل يسوع. اسأل أصدقاءك.

اسأل العالم. وابدأ بتسبيح الله، إذ فتح لك في يسوع تواضعًا سماويًا لم تكد تعرفه، وبه يمكن أن تدخل إليك غبطةٌ سماوية لعلّك لم تذقها بعد.

صفحة 1 / 4 · 5 دقيقة متبقية في الفصل