فصل 2 · قراءة 7 د

سر الفداء

فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا ٱلْفِكْرُ ٱلَّذِي فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: ٱلَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ ٱللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا لِلهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ ٱلنَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي ٱلْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ، وَأَطَاعَ حَتَّى ٱلْمَوْتَ، مَوْتَ ٱلصَّلِيبِ. لِذَلِكَ رَفَّعَهُ ٱللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ ٱسْمًا فَوْقَ كُلِّ ٱسْمٍ — فيلبي ٢: ٥-٩.

لا تستطيع شجرةٌ أن تنمو إلا على الأصل الذي نبتت منه؛ وهي طوال وجودها لا تحيا إلا بالحياة التي كانت في البذرة التي منها كان كيانها. وإدراكُ هذه الحقيقة إدراكًا تامًّا، وتطبيقُها على آدم الأول وآدم الثاني، يعينُنا على أن نفهم الحاجة إلى الفداء في يسوع وأن نفهم طبيعته معًا. فحين نطقت الحيّةُ القديمة — تلك التي طُرِحت من السماء لأجل كبريائها، والتي كانت طبيعتها كلّها، بوصفها إبليس، كبرياءً — بكلمات التجربة في أذن حوّاء، حملت تلك الكلماتُ في طيّاتها سمَّ الجحيم عينه.

ولمّا أصغت، وأسلمت رغبتَها وإرادتَها إلى وعدِ أن تكون كَٱللهِ عَارِفَةً ٱلْخَيْرَ وَٱلشَّرَّ، دخل السمُّ إلى نفسها ودمها وحياتها، فأهلك إلى الأبد ذلك التواضع المبارك والاتّكال على الله، اللذين كانا سيكونان سعادتنا الأبدية. ولهذا فسدت حياتُها وحياةُ الجنس الذي خرج منها فسادًا بلغ أصلها ذاته، بكبرياء الشيطان عينها، وهي أفظع الخطايا جميعًا وأفظع اللعنات جميعًا.

إنّ كلّ الشقاء الذي كان هذا العالم مسرحًا له، وكلّ حروبه وسفكِ الدماء بين الأمم، وأنانيّته وآلامه، ومطامعه وغَيْرَته، وقلوبه المنكسرة وحياته المُرّة، مع كلّ تعاسته اليومية — كلّ ذلك مصدره ما جلبه علينا هذا الكبرياءُ الملعون الجهنّميّ، كبرياؤنا نحن أو كبرياء غيرنا. فالكبرياء هو الذي جعل الفداء ضروريًّا، ومن كبريائنا نحتاج أن نُفتدى. وبصيرتنا في حاجتنا إلى الفداء تتوقّف إلى حدّ بعيد على معرفتنا بالطبيعة المرعبة لتلك القوّة التي دخلت كياننا. فالقوّة التي أتى بها الشيطان من الجحيم وألقاها في حياة الإنسان تعمل كلّ يوم وكلّ ساعة بقدرة جبّارة في أنحاء العالم كلّه. يتألّم الناس منها، ويخافونها ويحاربونها ويهربون منها، ولكنّهم لا يعرفون متى تأتي، ولا متى تبلغ سيادتها المخيفة.

فلا عجب أنّهم لا يعرفون أين تُغلَب ولا كيف. فللكبرياء أصلُه وقوّته في قوّة روحية مرعبة، خارجَنا كما هي داخلَنا؛ وبقدر ما يلزمنا أن نعترف به وننوح عليه بوصفه لنا نحن، يلزمنا أيضًا أن نعرفه في أصله الشيطاني. فإن قادنا هذا إلى يأس تامّ من أن نغلبه أو نطرحه خارجًا يومًا، فهو يقودنا أسرعَ إلى تلك القوّة الفائقة للطبيعة، التي فيها وحدها يوجد خلاصنا: فداءِ حمل الله. بل إنّ الصراع اليائس ضدّ أعمال الذات والكبرياء فينا قد يزداد يأسًا حين نفكّر في قوّة الظلمة الكامنة وراء ذلك كلّه؛ غير أنّ اليأس التامّ يجعلنا أصلحَ لأن ندرك ونقبل قوّةً وحياةً من خارج ذواتنا أيضًا، أي تواضع السماء الذي أنزله حملُ الله وقرّبه إلينا، ليطرح الشيطان وكبرياءه خارجًا.

لا تستطيع شجرةٌ أن تنمو إلا على الأصل الذي نبتت منه. وكما نحتاج أن ننظر إلى آدم الأول وسقوطه لنعرف قوّة الخطية التي فينا، كذلك نحتاج أن نعرف جيّدًا آدم الثاني وقدرته على أن يهبنا في داخلنا حياةَ تواضعٍ حقيقيةً ثابتةً غالبةً بمقدار ما كانت حياةُ الكبرياء. فلنا حياتنا من المسيح وفيه، بحقٍّ، بل بحقٍّ أعظمَ ممّا لنا من آدم وفيه. وعلينا أن نسلك «مُتَأَصِّلِينَ فِيهِ»، مُتَمَسِّكِينَ بِٱلرَّأْسِ ٱلَّذِي مِنْهُ كُلُّ ٱلْجَسَدِ يَنْمُو نُمُوًّا مِنَ ٱللهِ.

إنّ حياة الله التي دخلت الطبيعةَ البشرية في التجسّد هي الأصل الذي فيه نثبت وننمو؛ وهي القوّة القادرة على كلّ شيء عينُها التي عملت هناك، ومن ثمّ حتى القيامة، وهي التي تعمل فينا كلّ يوم. وحاجتنا الواحدة أن ندرس الحياة التي أُعلنت في المسيح ونعرفها ونثق بها، بوصفها الحياة التي صارت لنا الآن، والتي تنتظر رضانا لتمتلك كياننا كلّه وتسود عليه.

ومن هذه الزاوية، من الأهمية بمكانٍ لا يُتصوَّر أن تكون لنا أفكار صحيحة عمّا هو المسيح، وعمّا يجعله المسيحَ حقًّا، ولا سيّما عمّا يمكن أن يُحسب صفته الأولى، أي أصلَ شخصيّته كلّها وجوهرَها بوصفه فادينا. وليس ثمّة إلا جواب واحد: إنّه تواضعه. فما التجسّد إلا تواضعه السماوي، إذ أخلى نفسه وصار إنسانًا؟ وما حياته على الأرض إلا تواضع، إذ أخذ صورة عبد؟ وما كفّارته إلا تواضع؟ «وَضَعَ نَفْسَهُ، وَأَطَاعَ» (فيلبي ٢: ٨). وما صعوده ومجده إلا تواضعًا رُفِّع إلى العرش وتُوِّج بالمجد؟ «لِذَلِكَ رَفَّعَهُ ٱللهُ أَيْضًا» (فيلبي ٢: ٩). ففي السماء حيث كان مع الآب، وفي ميلاده، وفي حياته، وفي موته، وفي جلوسه على العرش — ليس ذلك كلّه شيئًا سوى التواضع.

المسيح هو تواضع الله متجسّدًا في الطبيعة البشرية؛ إنّه المحبّة الأزلية تضع نفسها، وتلبس ثوب الوداعة واللطف لتربحنا وتخدمنا وتخلّصنا. وكما أنّ محبّة الله وتنازله يجعلانه المحسنَ إلى الجميع ومعينَهم وخادمَهم، هكذا كان يسوع بالضرورة التواضعَ متجسّدًا. وهكذا لا يزال في وسط العرش، حملَ الله الوديعَ المتواضع. فإن كان هذا هو أصل الشجرة، فلا بدّ أن تُرى طبيعته في كلّ غصن وورقة وثمرة.

فإن كان التواضع هو النعمة الأولى الجامعة لكلّ نعمة في حياة يسوع، وإن كان التواضع هو سرّ كفّارته، فإنّ صحّة حياتنا الروحية وقوّتها تتوقّفان كلّيًّا على أن نضع نحن أيضًا هذه النعمة أوّلًا، وأن نجعل التواضع أوّلَ ما نُعجَب به فيه، وأوّلَ ما نطلبه منه، والأمرَ الواحد الذي نضحّي لأجله بكلّ ما عداه. فهل عجيب أن تكون الحياة المسيحية ضعيفةً بلا ثمر في أحيان كثيرة، حين يُهمَل أصلُ حياة المسيح ذاته ويبقى مجهولًا؟ وهل عجيب أن يكون فرح الخلاص قليلَ الإحساس به، حين يكون ما وجده المسيح وأتى به قليلَ الطلب؟ فما لم يكن هناك تواضعٌ يستقرّ في نهاية الذات وموتها، ويتخلّى عن كلّ كرامة الناس كما فعل يسوع ليطلب ٱلْمَجْدَ ٱلَّذِي مِنَ ٱلْإِلَهِ ٱلْوَاحِدِ، ويجعل نفسه ويحسبها لا شيء البتّة، لكي يكون الله هو الكلّ، ولكي يتعالى الربّ وحده — ما لم يكن مثلُ هذا التواضع هو ما نطلبه في المسيح فوق فرحنا الأعظم، ونرحّب به مهما كان الثمن، فلا رجاء يُذكر في دينٍ يغلب العالم.

ولا أستطيع أن أبالغ في إلحاحي على قارئي — إن كان انتباهه لم يُوجَّه بعدُ على وجه الخصوص إلى ما في داخله أو من حوله من نقصٍ في التواضع — أن يقف ويسأل نفسه: هل يرى كثيرًا من روح حمل الله الوديع المتواضع في الذين يُدعَون باسمه؟

وليتأمّل كيف أنّ كلّ نقصٍ في المحبّة، وكلّ عدم اكتراثٍ باحتياجات الآخرين ومشاعرهم وضعفهم، وكلّ حكمٍ حادٍّ متسرّع وكلّ كلمةٍ كذلك، ممّا كثيرًا ما يُلتمس له العذر بحجّة الصراحة والصدق.

وكلّ مظاهر الغضب والحساسية والانزعاج، وكلّ مشاعر المرارة والجفاء — إنّما أصلها في الكبرياء الذي يطلب نفسه دائمًا. وستنفتح عيناه ليرى كيف يتسلّل كبرياءٌ مظلمٌ شيطانيّ إلى كلّ مكان تقريبًا، ولا تُستثنى من ذلك اجتماعات القدّيسين. وليبدأ يسأل: ماذا يكون الأثر لو أنّ المؤمنين، فيه وحوله، نحو إخوتهم القدّيسين ونحو العالم، كانوا حقًّا يُقادون على الدوام بتواضع يسوع؟ وليقل: أما ينبغي أن يكون صراخ قلبنا كلّه، ليلًا ونهارًا: آهِ، لو كان تواضعُ يسوع فيّ وفي كلّ من حولي!

وليثبّت قلبه بصدقٍ على ما ينقصه هو من التواضع الذي أُعلن في صورة حياة المسيح، وفي طابع فدائه كلّه، فيبدأ يشعر كأنّه لم يعرف بعدُ حقًّا ما هو المسيح وما هو خلاصه. أيّها المؤمن! ادرس تواضع يسوع. هذا هو السرّ، الأصل الخفيّ لفدائك. انغمس فيه أعمقَ فأعمقَ يومًا بعد يوم.

وآمن بكلّ قلبك أنّ هذا المسيح الذي وهبك الله إيّاه، كما أنّ تواضعه الإلهي أتمّ العمل لأجلك، سيدخل أيضًا ليسكن ويعمل فيك، ويجعلك ما يريدك الآب أن تكون.

ملحوظة ب — نحتاج أن نعرف أمرين: الأوّل أنّ خلاصنا قائمٌ كلّه في أن نُخلَّص من أنفسنا، أي ممّا نحن عليه بالطبيعة؛ والآخر أنّه، في طبيعة الأشياء كلّها، لا شيء يمكن أن يكون لنا هذا الخلاص أو هذا المخلّص سوى تواضعٍ لله يفوق كلّ تعبير.

ومن هنا كان الشرط الأوّل الذي لا يتبدّل، الذي وضعه المخلّص للإنسان الساقط: إنْ لم يُنكِرْ أحدٌ نفسَه فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا (متى ١٦: ٢٤). فالذات هي كلّ شرّ الطبيعة الساقطة، وإنكار الذات هو قدرتنا على أن نُخلَّص. التواضع هو مخلّصنا، أمّا الذات فهي الأصل والأغصان والشجرة لكلّ شرٍّ في حالتنا الساقطة. وكلّ شرور الملائكة الساقطين والناس مولدها في كبرياء الذات. وعلى العكس، فإنّ كلّ فضائل الحياة السماوية هي فضائل التواضع.

التواضع وحده هو الذي يصنع الهوّة التي لا تُعبَر بين السماء والجحيم.

فماذا إذًا، وفيمَ يكمن الصراع العظيم لأجل الحياة الأبدية؟ إنّه يكمن كلّه في النزاع بين الكبرياء والتواضع. فالكبرياء والتواضع هما القوّتان السائدتان، والمملكتان المتنازعتان على امتلاك الإنسان إلى الأبد. ولم يكن قطّ، ولن يكون، إلا تواضعٌ واحد، وهو تواضع المسيح. والكبرياء والذات هما كلّ ما للإنسان، إلى أن يكون له الكلّ من المسيح. ولذلك لا يجاهد ٱلْجِهَادَ ٱلْحَسَنَ إلا مَن كان نزاعه أن تُمات الطبيعةُ العابدة لذاتها، التي ورثها من آدم، بتواضع المسيح الفائق للطبيعة إذ يُحيا فيه.

صفحة 1 / 5 · 7 دقيقة متبقية في الفصل