فصل 9 · قراءة 8 د · استماع 10 د
القداسة والسُّكنى
«فَيَصْنَعُونَ لِي مَقْدِسًا لِأَسْكُنَ فِي وَسَطِهِمْ» (خروج 25:8).
«فَيُقَدَّسُ بِمَجْدِي … وَأَسْكُنُ فِي وَسَطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَكُونُ لَهُمْ إِلَهًا» (خروج 29:43، 45).
حضور الله يقدّس، حتّى حين ينزل إلى حين قصير فقط، كما في حوريب، في العلّيقة المشتعلة. فكم بالأحرى لا بدّ لذلك الحضور أن يقدّس المكان الذي يسكن فيه، حيث يتّخذ مقرّه الدائم! وهذا صحيح إلى حدّ أنّ المكان الذي يسكن فيه الله صار يُدعى المَقدِس: «مَقْدِسَ مَسَاكِنِ ٱلْعَلِيِّ». كلّ ما حول مسكن الله كان مقدَّسًا: المدينة المقدّسة، وجبل قدس الله، وبيته المقدّس، حتّى نبلغ ما داخل الحجاب، قدس الأقداس. فبوصفه الله الساكن يقدّس بيته، ويُعلن نفسه القدّوس في إسرائيل، ويجعلنا نحن أيضًا مقدَّسين.
ولأنّ الله قدّوس، فـالبيت الذي يسكن فيه مقدَّس هو أيضًا. وهذه هي الصفة الوحيدة من صفات الله التي يستطيع أن يمنحها لبيته؛ لكنّه يستطيع أن يمنح هذه الصفة الواحدة، وهو يمنحها فعلًا. وبين البشر هناك صلة وثيقة جدًّا بين طابع البيت وساكنيه. فحين لا يوجد ما يمنع، يعكس البيت من غير قصد صورة صاحبه. والقداسة لا تعبّر عن صفة بقدر ما تعبّر عن كيان الله نفسه في كماله غير المحدود، وبيته يشهد لهذه الحقيقة الواحدة: أنّه قدّوس، وأنّه حيث يسكن لا بدّ أن تكون له قداسة، وأنّ سكناه تقدّس. وفي أوّل أمر أعطاه لشعبه أن يبنوا له مَقدِسًا، قال الله صراحة إنّ ذلك لكي يسكن في وسطهم: فالسكنى في البيت كانت ظلًّا يشير إلى سكناه في وسط شعبه. وهكذا يقودنا البيت بقداسته إلى قداسة سكناه بين مفديّيه.
كان المَقدِس، مسكن قداسة الله، مركز عمل الله كلّه في تقديس إسرائيل. فكلّ ما يتّصل به كان مقدَّسًا. المذبح، والكهنة، والذبائح، والدهن، والخبز، والآنية، كلّها كانت مقدّسة، لأنّها لله. ومن البيت خرج الصوت المزدوج: دعوة الله إلى القداسة، ووعد الله بالتقديس. فقد ظهرت مطالبة الله في اشتراط التطهير والتكفير والقداسة في كلّ من يقترب، كاهنًا كان أو عابدًا. وأشرق وعد الله من بيته في ما أعدّه للتقديس، في القوّة المقدِّسة التي للمذبح وللدم وللدهن. فالبيت جسّد الوجهين المتّحدين في القداسة: الصدّ والجذب، الدينونة والخلاص. فتارةً بإبقاء الشعب بعيدًا، وطورًا بدعوتهم وتقريبهم، كان بيت الله الرمز العظيم لقداسته هو. لقد اقترب حتّى سكن في وسطهم؛ ومع ذلك لم يكن لهم أن يقتربوا، ولم يكن لهم أن يدخلوا أبدًا إلى الموضع الخفيّ حيث حضوره.
كلّ هذه الأمور كُتبت لأجلنا. فبوصفه الساكن لا يزال الله مقدِّسَ شعبه: الحضور الساكن وحده يجعلنا مقدَّسين. ويظهر هذا بوضوح خاصّ إن لاحظنا كيف أنّه كلّما كان الحضور أقرب، كانت درجة القداسة أعظم. فلأنّ الله سكن في وسطهم كان المحلّة مقدّسة: وكان يجب أن تُزال منها كلّ نجاسة. لكنّ قداسة دار المسكن كانت أعظم: فالنجاسة التي لم تكن تُقصي عن المحلّة لم تكن تُحتمل هناك. ثمّ كان القدس أكثر قداسة أيضًا، لأنّه أقرب إلى الله. أمّا المَقدِس الداخليّ، حيث كان الحضور ساكنًا على كرسيّ الرحمة، فكان قدس الأقداس، كان الأقدس. وهذا المبدأ لا يزال صحيحًا: القداسة تُقاس بالقرب من الله؛ فكلّما ازداد حضوره ازدادت القداسة الحقيقيّة؛ والسكنى الكاملة ستكون القداسة الكاملة. ليس قدّوس إلّا الرب؛ وليست قداسة إلّا فيه. لا يستطيع أن ينفصل عن شيء من قداسته ويعطينا إيّاه بمعزل عن ذاته؛ فليس لنا من القداسة إلّا بقدر ما لنا من الله نفسه. ولكي نناله هو حقًّا وكاملًا، لا بدّ أن يكون لنا بوصفه الساكن. وسكناه في بيت أو مكان، بلا حياة ولا روح، ليست إلّا ظلًّا باهتًا للسكنى الحقيقيّة بوصفه الحيّ، حين يدخل كياننا نفسه ويتغلغل فيه، ويملأنا، ذواتنا نفسها، بحياته هو.
ليس اتّحاد أوثق ولا أصدق ولا أكمل من اتّحاد الحياة الساكنة. فكّر في الحياة التي تسري في شجرة كبيرة مثمرة. كيف تتغلغل في كلّ جزء منها وتملؤه؛ وكيف توحّد الكلّ توحيدًا لا ينفصم ما دامت الشجرة باقية حقًّا!—في الخشب والورق، في الزهر والثمر، في كلّ مكان تسري الحياة الساكنة وتملأ. هذه الحياة هي حياة الطبيعة، حياة روح الله الساكن في الطبيعة. وهي الحياة نفسها التي تُحيي أجسادنا، روح الطبيعة الذي يسري في كلّ جزء منها بقوّة الإحساس والحركة.
وليست أقلّ من ذلك وثاقةً، بل هي بالحريّ أعجب وأصدق بكثير، سكنى روح الحياة الجديدة، الذي به يسكن الله في قلب المؤمن. وبقدر ما تصير هذه السكنى موضوع اشتياق وإيمان واعيَين، تطيع النفس الأمر: «فَيَصْنَعُونَ لِي مَقْدِسًا لِأَسْكُنَ فِي وَسَطِهِمْ»، وتختبر صدق الوعد عن الخيمة: «فَيُقَدَّسُ بِمَجْدِي … وَأَسْكُنُ فِي وَسَطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ».
لقد أعلن الله نفسه بوصفه الساكن في الابن، الذي قدّسه وأرسله إلى العالم. وقد ألحّ ربّنا على ذلك أكثر من مرّة: «صَدِّقُونِي أَنِّي فِي ٱلْآبِ وَٱلْآبَ فِيَّ … ٱلْآبَ ٱلْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ ٱلْأَعْمَالَ». وبوصفهم هيكل الله خصوصًا يُدعى المؤمنون مقدَّسين في العهد الجديد أكثر من مرّة: «هَيْكَلَ ٱللهِ مُقَدَّسٌ ٱلَّذِي أَنْتُمْ هُوَ». «جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ». «كُلُّ ٱلْبِنَاءِ … يَنْمُو هَيْكَلًا مُقَدَّسًا فِي ٱلرَّبِّ». وإنّما —وسنتعلّم لاحقًا أن نفهم هذا على نحو أفضل— لأنّ القلب يُهيّأ للسكنى بالروح، وبه تتحقّق السكنى وتُحفظ، يتّخذ الروح على نحو خاصّ جدًّا صفة «القدس». فالروح الساكن هو الروح القدس. ومقياس سكناه، أو بالأحرى مقياس إعلانه المسيح الساكن، هو مقياس القداسة.
لقد رأينا ما كانت عليه درجات القرب المختلفة من حضور الله في إسرائيل. ولا تزال موجودة. فهناك مسيحيّون يسكنون في المحلّة، لكنّهم لا يعرفون إلّا القليل عن الاقتراب من القدّوس. ثمّ هناك مسيحيّو الدار الخارجيّة: يشتاقون إلى الغفران والسلام، ويأتون مرّة بعد مرّة إلى مذبح الكفّارة؛ لكنّهم لا يعرفون إلّا القليل عن القرب الحقيقيّ أو القداسة، وعن امتيازهم بوصفهم كهنة أن يدخلوا القدس. وآخرون تعلّموا أنّ هذه دعوتهم، ويشتاقون إلى الاقتراب، ومع ذلك بالكاد يفهمون الثقة التي لهم بالدخول إلى قدس الأقداس والسكنى هناك. طوبى لمن أُعلن لهم هذا، سرّ الرب. إنّهم يعرفون معنى الحجاب المشقوق، والدخول إلى الحضور المباشر. لقد رُفع البرقع عن قلوبهم: ووجدوا سرّ القداسة الحقيقيّة في سكنى القدّوس، الإله القدّوس الذي يقدّس.
أيّها المؤمن! الإله الذي يدعوك إلى القداسة هو إله الحياة الساكنة. خيمة الاجتماع ترمز إليها، والابن يُعلنها، والروح يمنحها، والمجد الأبديّ سيُظهرها إظهارًا كاملًا. وأنت تستطيع أن تختبرها. إنّ دعوتك بوصفك مؤمنًا هي أن تكون هيكل الله المقدّس. آه، سلّم نفسك فقط لسكناه الكاملة! لا تطلب القداسة أوّلًا في ما أنت عليه أو ما تعمله؛ اطلبها في الله. لا تطلبها حتّى بوصفها عطيّة من الله، بل اطلبها في الله نفسه، في حضوره الساكن. اسجد له في زينة مقدّسة، إذ هو ساكن في الموضع المرتفع المقدّس. وإذ تسجد، أصغِ إلى صوته: «هَكَذَا قَالَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْمُرْتَفِعُ، سَاكِنُ ٱلْأَبَدِ، ٱلْقُدُّوسُ ٱسْمُهُ: فِي ٱلْمَوْضِعِ ٱلْمُرْتَفِعِ ٱلْمُقَدَّسِ أَسْكُنُ، وَمَعَ ٱلْمُنْسَحِقِ وَٱلْمُتَوَاضِعِ ٱلرُّوحِ». فحين يؤيّدنا الروح بالقوّة في الإنسان الباطن، فيحلّ المسيح بالإيمان في قلوبنا، ويأتي الآب ويصنع معه منزله فينا، حينئذ نكون مقدَّسين حقًّا. آه، لنسلّم أنفسنا فقط، في تكريس صادق مخلص، لنكون، بالوضوح نفسه الذي كانت عليه خيمة الاجتماع أو الهيكل، مسلَّمين بالتمام لنكون مسكن العليّ، مسكن قداسته. بيتٌ مملوء من مجد الله، وقلبٌ مملوء إلى كلّ ملء الله، هو وعد الله، وهو نصيبنا. فلنطالب بالبركة بالإيمان ولنقبلها ونتمسّك بها: المسيح، قدّوس الله، سيدخل ويمتلك باسم أبيه. وعندئذ سيأتي الإيمان بحلّ جميع صعوباتنا، والغلبة على جميع إخفاقاتنا، وتحقيق جميع أشواقنا: «الخيمة، القلب، تتقدس بمجدي؛ وأسكن في وسطهم». فالسرّ المكشوف للقداسة الحقيقيّة، سرّ الفرح الذي لا يُنطق به، هو المسيح الحالّ في القلب بالإيمان.
كونوا قدّيسين كما أنّي أنا قدّوس.
نحني ركبنا لدى أبي ربّنا يسوع، لكي يعطينا، بحسب غنى مجده، ما علّمنا هو نفسه أن نطلبه. إنّنا لا نطلب أقلّ من هذا: أن يحلّ المسيح بالإيمان في قلوبنا. إنّنا نشتاق إلى سكنى الرب يسوع في القلب، تلك السكنى الأكثر بركة، الدائمة، الواعية، التي وعد بها بكلّ وضوح ثمرةً لمجيء الروح القدس. أيّها الآب! نطلب ما قصده حين تكلّم عن التلميذ المحبّ المطيع: «وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي … وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلًا». آه، أعطنا سكنى المسيح هذه في القلب بالإيمان!
ولأجل هذا نتوسّل إليك: أعطنا أن نتأيّد بالقوّة بروحك في الإنسان الباطن. أيّها الإله القدير جدًّا! ليعمل روح قدرتك الإلهيّة فينا بقوّة، مجدّدًا ذهننا وإرادتنا وعواطفنا، حتّى يكون القلب مهيّأً ومجهّزًا بالتمام هيكلًا وبيتًا ليسوع. ليؤيّدنا ذلك الروح المبارك لننال الإيمان الذي يقبل المخلّص المبارك وحضوره الساكن.
أيّها الآب الكثير النعمة! اسمع صراخنا. إنّنا نحني ركبنا لك. ونحتجّ بغنى مجدك. ونسبّحك أنت القادر أن تفعل فوق ما نطلب أو نفتكر. ننتظرك، يا أبانا: آه، أعطنا تأييدًا قويًّا بالروح في الإنسان الباطن، لكي تكون لنا هذه الغبطة في ملء بركتها: ربّنا يسوع ساكنًا في القلب.
نطلب ذلك باسمه. آمين.
1. كانت سكنى الله في وسط إسرائيل الحقيقة المركزيّة العظمى التي لم تكن جميع الوصايا المتعلّقة بالقداسة إلّا تمهيدًا لها وخاضعة لها. وكذلك عمل الروح القدس أيضًا يبلغ ذروته في سكنى المسيح الشخصيّة. (يوحنا 14:21، 23؛ أفسس 3:16-17.) اجعل هذا هدفك وتوقّعه.
2. كانت خيمة الاجتماع بأقسامها الثلاثة، كما كانت صورةً لحقائق روحيّة أخرى، صورةً لطبيعة الإنسان الثلاثيّة. فروحنا هي قدس الأقداس، حيث يريد الله أن يسكن، وحيث يُعطى الروح القدس. وحياة النفس، بقواها في الشعور والمعرفة والإرادة، هي القدس. والحياة الخارجيّة للجسد، حياة السلوك والعمل، هي الدار الخارجيّة. ابدأ بأن تؤمن بأنّ الروح ساكن في المَقدِس الأعمق، حيث أعماله سرّيّة وخفيّة. أكرمه بأن تثق به ليعمل، وبأن تخضع له في سجود صامت أمام الله. ومن الداخل سيمتلك الفكر والإرادة؛ بل سيملأ الدار الخارجيّة أيضًا، أي الجسد، بقداسة الله. «إِلَهُ ٱلسَّلَامِ نَفْسُهُ يُقَدِّسُكُمْ بِٱلتَّمَامِ. وَلْتُحْفَظْ رُوحُكُمْ وَنَفْسُكُمْ وَجَسَدُكُمْ كَامِلَةً بِلَا لَوْمٍ … أَمِينٌ هُوَ ٱلَّذِي يَدْعُوكُمُ ٱلَّذِي سَيَفْعَلُ أَيْضًا».
3. كانت سكنى الله داخل الحجاب، في غير المنظور، في الموضع الخفيّ. وكان الإيمان يعرف ذلك، ويعبده بمخافة مقدّسة. وإيماننا يعرف أنّ الله الروح القدس له مسكنه في الموضع الخفيّ من حياتنا الداخليّة. افتح له أعمق كيانك؛ وانحنِ بتوقير متّضع أمام القدّوس وأنت تسلّم نفسك لعمله. القداسة هي حضور الساكن فينا.
اليوم التاسع.
اكتمل الفصل 9
القداسة والسُّكنى