مقدّسون في المسيح
القداسة والوساطة

فصل 10 · قراءة 7 د · استماع 9 د

القداسة والوساطة

«وَتَصْنَعُ صَفِيحَةً مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ، وَتُنَقِّشُ عَلَيْهَا … ‹قُدْسٌ لِلرَّبِّ›. فَتَكُونُ عَلَى جِبْهَةِ هَارُونَ، فَيَحْمِلُ هَارُونُ إِثْمَ ٱلْأَقْدَاسِ ٱلَّتِي يُقَدِّسُهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ، جَمِيعِ عَطَايَا أَقْدَاسِهِمْ. وَتَكُونُ عَلَى جِبْهَتِهِ دَائِمًا لِلرِّضَا عَنْهُمْ أَمَامَ ٱلرَّبِّ» (خروج 28:36، 38).

كان بيت الله مسكنًا لقداسته، الموضع الذي يُعلن فيه ذاته: بوصفه القدّوس الذي لا يُقترَب إليه إلّا بخوف ورعدة، وبوصفه المقدِّس الذي يجتذب إليه كلّ من يريد أن يصير شريكًا في قداسته. وأمّا إعلان حضوره القدّوس والمقدِّس فمركزه في شخص رئيس الكهنة، في صفته المزدوجة: يمثّل الله لدى الإنسان، ويمثّل الإنسان لدى الله. إنّه تجسيد القداسة الإلهيّة في صورة بشريّة، وتجسيد القداسة البشريّة بوصفها عطيّة إلهيّة، بقدر ما استطاع تدبير الرمز والظلّ أن يقدّمها ويعبّر عنها. فيه اقترب الله ليقدّس الشعب ويباركه، وفيه بلغ الشعب أقرب ما يكون من الله. ومع ذلك فإنّ يوم الكفّارة نفسه، الذي كان يجوز له فيه أن يدخل إلى قدس الأقداس، لم يكن إلّا برهانًا على مقدار ما في الإنسان من عدم القداسة، وعلى عدم أهليّته للثبات في حضرة الله. وإذ كان هو نفسه برهانًا على عدم قداسة إسرائيل، كان مع ذلك رمزًا وصورة للمخلّص الآتي، ربّنا يسوع المبارك، وإظهارًا عجيبًا للطريقة التي بها ستصير قداسة الله فيما بعد نصيبَ شعبه.

ومن بين النقاط الكثيرة التي كان فيها رئيس الكهنة رمزًا للمسيح بوصفه تقديسنا، ربّما ليس فيها ما هو أغنى إيحاءً ولا أجمل من الإكليل المقدّس الذي كان يلبسه على جبهته. كان كلّ ما فيه يجب أن يكون مقدّسًا، فثيابه كانت ثيابًا مقدّسة. لكن كان هناك شيء واحد تبلغ فيه هذه القداسة أكمل ظهورها: فعلى جبهته كان عليه أن يلبس دائمًا صفيحة من ذهب نُقشت عليها الكلمات: قدس للرب. وكان على كلّ واحد أن يقرأ هناك أنّ الغاية الكاملة من وجوده، والأمر الوحيد الذي يعيش لأجله، هو أن يكون تجسيدًا للقداسة الإلهيّة وحاملًا لها، المختارَ الذي تفيض به قداسة الله بركةً على الشعب.

أمّا الطريقة التي كانت بها بركة الإكليل المقدّس تعمل فطريقة عجيبة جدًّا. فإذ يحمل رئيس الكهنة على جبهته: قدس للرب، نقرأ: «فَيَحْمِلُ هَارُونُ إِثْمَ ٱلْأَقْدَاسِ ٱلَّتِي يُقَدِّسُهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ … لِلرِّضَا عَنْهُمْ أَمَامَ ٱلرَّبِّ». لقد دُبّرت لكلّ خطيّة ذبيحةٌ ما أو طريقٌ ما للتكفير. ولكن ماذا عن الخطيّة التي تلتصق بالذبيحة نفسها وبالخدمة الدينيّة ذاتها؟ «هَا قَدْ سُرِرْتَ بِٱلْحَقِّ فِي ٱلْبَاطِنِ». كم كان يمكن أن يُثقِل العابدَ الشعورُ بأنّ توبته وإيمانه ومحبّته وطاعته وتكريسه كلّها ناقصة ومدنّسة! ولهذه الحاجة أيضًا عند العابد أعدّ الله تدبيرًا. فقداسة رئيس الكهنة كانت تستر الخطيّة وعدم القداسة في أقداس العابد. وكان الإكليل المقدّس عربون الله على أنّ قداسة رئيس الكهنة تجعل العابد مقبولًا. فإن كان هو غير مقدّس، فقد كان بين إخوته واحدٌ مقدّس، له قداسة تستطيع أن تنفعه هو أيضًا، قداسة يستطيع أن يتّكل عليها. كان يستطيع أن ينظر إلى رئيس الكهنة لا ليصنع الكفّارة برشّ الدم فحسب، بل ليضمن له في شخصه قداسةً أيضًا تجعله هو وعطاياه مقبولين كلّ القبول. ففي شعوره بعدم قداسته الشخصيّة كان يمكنه أن يفرح بوسيط، بقداسة آخر غيره، بالكاهن الذي أعدّه الله.

أليس لنا هنا درس ثمين جدًّا، يقودنا خطوة أبعد في طريق القداسة؟ فعلى سؤالنا: كيف يقدّس الله؟ لدينا الجواب الإلهيّ: بإنسانٍ اختارته القداسة الإلهيّة لتستقرّ عليه، وقداستُه لنا نحن، بوصفنا إخوته، بل أعضاءَ جسده نفسه. بقداسة لها من الفاعليّة ما يجعل خطايا أقداسنا نفسها تزول، فنستطيع أن ندخل إلى الحضرة المقدّسة ونحن على يقين بأنّنا مُرضون تمامًا.


أوليس هذا بالذات هو الدرس الذي يحتاج إليه كثيرون من الساعين بجدّ وراء القداسة؟ إنّهم يعرفون كلّ ما تعلّمه الكلمة عن الكفّارة المباركة والغفران الكامل الذي جلبته. ويؤمنون بمحبّة الآب العجيبة وبما هو مستعدّ أن يصنعه لهم. ومع ذلك، حين يسمعون عن بساطة الأطفال، ويقين الإيمان، والطاعة المحبّة، والتسليم المبارك، التي ينتظر الآب أن يأتوا بها ليقبلوا البركة، تخور قلوبهم خوفًا، وكأنّ البركة كلّها بعيدة عن متناولهم. فما نفع القول إنّ القدّوس يقترب هكذا؟ إنّ عدم قداستهم يجعلهم عاجزين عن المطالبة بالحضور الذي يقدّم نفسه لهم أو الإمساك به. فانظر فقط كيف يُعلن القدّوس هنا طريقته في التقديس، وفي الإعداد للشركة في قداسته. ففي مختاره الوسيط أُعدّت القداسة وذُخرت بما يكفي لكلّ الذين يأتون به. وحين أنحني لأصلّي أو لأسجد، وأشعر بكم ينقصني بعدُ من ذلك التواضع والحرارة والإيمان التي يحقّ لله أن يطلبها، أستطيع أن أرفع نظري إلى رئيس الكهنة في قداسته، إلى الإكليل المقدّس على جبهته، وأؤمن بأنّ إثم أقداسي قد حُمل ورُفع. أستطيع، مع كلّ نقصي وعدم استحقاقي، أن أعلم يقينًا أنّ صلاتي مقبولة، رائحة طيّبة. أستطيع أن أرفع نظري إلى القدّوس فأراه يبتسم لي من أجل مسيحه. «يكون الإكليل المقدس على جبهته دائما للرضا عنهم أمام الرب». هذه هي الحقيقة المباركة للنيابة، واحدٌ عن الجميع، وللوساطة: طريق الله ليجعلنا قدّيسين. فذبيحة الإسرائيليّ العابد مقدّسة ومقبولة بقوّة قداسة آخر.

إنّ ظلّ العهد القديم لا يستطيع أبدًا أن يصوّر تصويرًا وافيًا حقيقة العهد الجديد بملئها من النعمة والحقّ. وفيما نتقدّم في دراستنا سنجد أنّ قداسة يسوع، الذي هو تقديسنا، ليست محسوبة لنا فحسب بل ممنوحة لنا أيضًا، لأنّنا فيه؛ فالإنسان الجديد الذي لبسناه مخلوق في قداسة الحقّ. لسنا محسوبين قدّيسين فحسب، بل نحن قدّيسون، إذ قبلنا طبيعة جديدة مقدّسة في المسيح يسوع. «ٱلْمُقَدِّسَ وَٱلْمُقَدَّسِينَ جَمِيعَهُمْ مِنْ وَاحِدٍ، فَلِهَذَا ٱلسَّبَبِ لَا يَسْتَحِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً». إنّ اتّحادنا الحيّ بيسوع، قدّوس الله، هو الذي أعطانا الطبيعة الجديدة المقدّسة، ومعها حقًّا ونصيبًا في كلّ القداسة التي في يسوع. وهكذا، كلّما شعرنا بمقدار عدم قداستنا، ليس علينا إلّا أن نأتي تحت ستر قداسة يسوع، لنتمتّع بيقين كامل بأنّنا نحن وعطايانا مقبولون كلّ القبول. ومهما عظُم ضعف إيماننا، وقصورنا في الشوق إلى مجد الله، ونقص محبّتنا وغيرتنا، فإنّنا إذ نرى يسوع وعلى جبهته: قدس للرب، نرفع وجوهنا لننال ابتسامة الله، ابتسامة الرضا الكامل والقبول التامّ.

هذه هي طريقة الله في التقديس. فكما رأينا في المكان المقدّس، كذلك في الأشخاص المقدّسين أيضًا: يبدأ بمركز، ومنه يقدّس في دائرة تتّسع على الدوام. ويمكننا أن نثق بأنّ هذه الطريقة الإلهيّة ستُكلَّل بالنجاح. ففي الكلمة نجد مثالًا عجيبًا جدًّا على المدى الذي ستتحقّق إليه. إنّنا نجد الكلمات المنقوشة على الإكليل المقدّس مرّة أخرى في العهد القديم عند ختامه. ففي يوم الرب «يَكُونُ عَلَى أَجْرَاسِ ٱلْخَيْلِ: ‹قُدْسٌ لِلرَّبِّ›». حينئذ يصير شعار رئيس الكهنة كلمةَ السرّ في الحياة اليوميّة؛ وكلّ أداة للزينة أو للخدمة تكون مقدّسة هي أيضًا؛ ومن الرأس تمتدّ القداسة إلى أذيال الثياب. فلنبدأ بأن ندرك قداسة يسوع في قوّتها على ستر إثم أقداسنا؛ لنختبرها، ولا نعود ندع عدم استحقاقنا يعيقنا أو يجعلنا نشكّ؛ لنؤمن بأنّنا نحن وأقداسنا مقبولون، لأنّنا في المسيح مقدّسون للرب؛ لنعِش في هذا الشعور بالقبول، وندخل إلى الشركة مع القدّوس. وإذ ندخل ونثبت في قداسة يسوع، ستدخل هي وتثبت فينا. ستمتلكنا وتبسط قوّتها الغالبة على حياتنا كلّها، إلى أن تتلألأ عندنا نحن أيضًا على كلّ ما لنا الكلمة: قدس للرب. وسنجد من جديد كيف أنّ طريق الله في القداسة يبدأ دائمًا من مركز، وهو هنا مركز طبيعتنا المجدَّدة، ويمتدّ إلى كلّ محيط كياننا، لتُظهر قداسته قوّتها. لنسكن فقط تحت ستر قداسة يسوع، فإذ يرفع هو إثم أقداسنا، سيجعلنا نحن وحياتنا مقدّسين للرب.

كونوا قدّيسين لأنّي أنا قدّوس.

يا إلهي وأبي! نفسي تباركك لأجل هذا الإعلان العجيب عن طريقك ونعمتك مع الذين دعوتهم «مقدسون في المسيح». أنت تعلم يا رب كيف حدّت قلوبنا على الدوام قبولَنا عندك بما بلغناه، وكيف جلب علينا الشعورُ بالقصور الدينونةَ. لقد عرفنا قليلًا جدًّا كيف أنّ في قداسة الذي يقدّسنا فاعليّةً إلهيّة غير محدودة تستر آثامنا، وتعطينا يقين القبول الكامل. أيّها الآب المبارك! افتح أعيننا لنرى، وقلوبنا لتفهم، هذا الإكليل المقدّس الذي ليسوعنا المبارك، بكلماته العجيبة والمباركة جدًّا: قدس للرب.

وحين تديننا قلوبنا، لأنّ صلواتنا قلّما تكون عن وعي بحسب مشيئة الله أو لمجده، أو حقًّا باسم يسوع، فيا أيّها الآب القدّوس جدًّا، تنازل وأرِنا بروحك كم هي مشرقة الابتسامة وكم هو حارّ الترحيب اللذان لا يزالان لنا عندك. علّمنا أن نأتي في قداسة رئيس كهنتنا، وأن ندخل إلى قداستك، حتّى تمتلكنا وتتخلّل كياننا كلّه، ويكون كلّ ما فينا مقدّسًا للرب. آمين.

1. القداسة ليست شيئًا أستطيع أن أراه أو أُعجب به في نفسي: إنّها أن أستتر، وأن أفقد نفسي، في قداسة يسوع. ما أعجب ما يرمز إلى ذلك هارونُ والإكليل المقدّس! وكلّما رأيت وأدركت من قداسة يسوع أكثر، قلّ ما أراه أو أطلبه من قداسة في نفسي.

2. هو سيجعلني قدّيسًا: ستتجدّد طباعي وميولي، ويتطهّر قلبي وذهني ويتقدّسان، وتصير القداسة طبيعة جديدة؛ ومع ذلك سيلازمني طوال الطريق الشعور، المُذلّ والمملوء فرحًا معًا: لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ.

3. لننطرح متّضعين جدًّا ورقيقي القلب أمام الله، لكي يُعلن لنا الروح القدس ما معنى أن نكون قدّيسين في قداسة آخر، في قداسة يسوع، أي في قداسة الله.

4. لا تُتعب نفسك ولا تُرهقها كثيرًا لتدرك هذا بالعقل. آمِن به فقط، وانظر ببساطة وثقة إلى يسوع ليُصلح لك الأمر كلّه.

5. مقدّسون في المسيح. بإيمان الأطفال آخذ قداسة المسيح من جديد سترًا لي أمام الله. وبطاعة المحبّة آخذها إلى مشيئتي وحياتي. أثق بيسوع وأتبعه: هذا هو طريق القداسة.

6. إن جمعنا الدروس التي وجدناها في الكلمة من الفردوس فصاعدًا، نرى أنّ عناصر القداسة فينا هي هذه، وكلّ منها يقابل وجهًا خاصًّا من قداسة الله: الراحة العميقة (الفصل 3)، والمهابة المتّضعة (الفصل 4)، والتسليم الكامل (الفصل 5)، والسجود الفَرِح (الفصل 6)، والطاعة البسيطة (الفصل 7). وكلّها تُعدّ للسكنى الإلهيّة (الفصل 8)، وهذه بدورها ننالها بالثبات في يسوع وعلى رأسه إكليل القداسة.


اليوم العاشر.

صفحة 1 / 1 · 7 دقيقة متبقية في الفصل
السابق التالي