مقدّسون في المسيح
القداسة والخليقة

فصل 4 · قراءة 8 د · استماع 10 د

القداسة والخليقة

«وَبَارَكَ ٱللهُ ٱلْيَوْمَ ٱلسَّابِعَ وَقَدَّسَهُ، لِأَنَّهُ فِيهِ ٱسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ ٱلَّذِي عَمِلَ ٱللهُ خَالِقًا» (تكوين 2:3).

في سفر التكوين لدينا كتاب البدايات. ونحن مدينون خاصّةً لأصحاحاته الثلاثة الأولى بنور إلهي يسطع على كثير من الأسئلة التي لم تستطع الحكمة البشرية قطّ أن تجد لها جوابًا. وفي بحثنا عن القداسة نُقاد إلى هناك أيضًا. ففي سفر التكوين كلّه لا ترد كلمة «قدّس» إلّا مرّة واحدة. لكنّها ترد تلك المرّة في سياق يفتح لنا النبع الخفيّ الذي يتدفّق منه كل ما يعلّمنا الكتاب المقدّس إيّاه أو يعطينا من هذه البركة السماوية. فالمعنى الكامل للكلمة الثمينة التي نريد أن نتقنها، وللبركة التي لا تُقدّر بثمن التي نريد أن نمتلكها، «ٱلْمُقَدَّسِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ»، ينبع ممّا هو مكتوب هنا عن ذلك العمل العجيب الذي به ختم الله عمل الخليقة، وأعلن كيف سيُتابَع ويُكمَّل على نحو عجيب. فحين بارك الله اليوم السابع وقدّسه، رفعه فوق سائر الأيام، وأفرزه لعمل ولإعلان عن نفسه يفوقان في المجد كل ما سبق. وفي هذا التعبير البسيط يُعلن لنا الكتاب صفة الله بوصفه القدّوس الذي يقدّس؛ والطريق الذي به يقدّس، أي بالدخول والاستراحة؛ وقوّة البركة التي تصاحب على الدوام تقديس الله. وسنجد أنّه من أعمق الأهمّية أن ندرس هذه الدروس الثلاثة جيّدًا، لأنّها تحوي المبادئ الجذرية لكل ما سيعلّمنا إيّاه الكتاب في سعينا وراء القداسة.

1. الله قدّس يوم السبت. في الأيام الستّة السابقة كانت الكلمة المفتاح، من أوّل دعوة السماوات والأرض إلى الوجود حتى صنع الإنسان: خلق الله. وفجأة تظهر كلمة جديدة وعمل جديد لله: قدّس الله. فشيء أسمى من الخليقة، شيء وُجدت الخليقة لأجله، يوشك الآن أن يُعلن؛ والله القدير يوشك الآن أن يُعرف بوصفه الله القدّوس جدًّا. وكما أنّ عمل الخليقة يُظهر قدرته من غير أن تُذكر تلك القدرة، كذلك تقديسه اليوم السابع يُعلن صفته بوصفه القدّوس. وكما أنّ القدرة الكلّية هي رأس صفاته الطبيعية، كذلك القداسة هي أولى صفاته الأدبية. وكما أنّه وحده الخالق، كذلك هو وحده المقدِّس؛ فالتقديس عمله حقًّا وحصرًا كما الخلق. طوبى لولد الله الذي يؤمن بهذا حقًّا وكاملًا!

قدّس الله يوم السبت. والكلمة تستطيع أن تعلّمنا ما طبيعة العمل الذي يعمله الله حين يقدّس. فالتقديس في الفردوس لا يمكن أن يختلف جوهريًّا عن التقديس في الفداء. لقد أعلن الله أنّ كل أعماله، والإنسان رأسها، حسنة جدًّا. ومع ذلك لم تكن مقدّسة. لم يكن في عمل الأيام الستّة شيء من الدنس أو الخطية، ومع ذلك لم يكن مقدّسًا. كان اليوم السابع يحتاج إلى أن يُقدَّس تقديسًا خاصًّا، لأجل العمل العظيم: تقديس الإنسان الذي كان حسنًا جدًّا من قبل. وفي سفر الخروج يقول الله بوضوح إنّه قدّس يوم السبت بقصد تقديس الإنسان: «لِتَعْلَمُوا أَنِّي أَنَا ٱلرَّبُّ ٱلَّذِي يُقَدِّسُكُمْ». فالصلاح والبراءة والطهارة والخلوّ من الخطية ليست هي القداسة. الصلاح عمل القدرة الكلّية، صفةٌ للطبيعة كما يخلقها الله؛ أمّا القداسة فشيء أسمى بما لا يُحدّ. نحن نتكلّم عن قداسة الله بوصفها كماله الأدبيّ غير المحدود؛ أمّا كمال الإنسان الأدبيّ فما كان يمكن أن يأتي إلّا باستعمال إرادته، إذ يوافق مشيئة الله بحرّية ويثبت فيها. بهذا وحده كان يمكن أن يصير قدّيسًا. لقد قدّس الله اليوم السابع عربونًا على أنّه سيقدّس الإنسان. ففي العصور التي سبقت اليوم السابع، أي حقبة الخليقة، ظهرت قدرة الله وحكمته وصلاحه. أمّا الدهر الآتي، في حقبة اليوم السابع، فسيكون تدبير القداسة: قدّس الله اليوم السابع.

2. قدّس الله يوم السبت لأنّه فيه استراح من جميع عمله. وكانت هذه الراحة أمرًا حقيقيًّا. ففي الخليقة كان الله، إن جاز التعبير، قد خرج من ذاته ليُخرج شيئًا جديدًا؛ وفي استراحته يرجع الآن من عمل الخلق إلى ذاته، ليفرح بمحبّته بالإنسان الذي خلقه، ويَهَبه ذاته. وهذا يفتح لنا الطريق الذي به يقدّس الله. فالصلة بين الاستراحة والتقديس لم تكن اعتباطية، ولا كان التقديس فكرة لاحقة؛ ففي طبيعة الأمور ذاتها ما كان يمكن أن يكون غير ذلك: قدّس لأنّه استراح فيه؛ قدّس بأن استراح. وإذ ينظر إلى عمله المكتمل، ولا سيّما الإنسان، ويفرح به، و«تَنَفَّسَ» كما جاء في سفر الخروج، يصير زمن راحته الإلهية هذا هو الزمن الذي فيه يواصل إلى الكمال ما ابتدأه، ويجعل الإنسان المخلوق على صورته شريكًا فعلًا في أسمى مجده، أي قداسته.

حيث يستريح الله برضى ومحبّة، هناك يقدّس. إنّ حضور الله، إذ يُعلن ذاته ويدخل ويمتلك، هو ما يكوّن القداسة الحقيقية. وإذ ننزل عبر العصور ندرس الانكشاف التدريجيّ لماهيّة القداسة، ستلقانا هذه الحقيقة على الدوام. ففي سُكنى الله في السماء، وفي هيكله على الأرض، وفي ابنه الحبيب، وفي شخص المؤمن بالروح القدس، سنجد في كل مكان أنّ القداسة ليست شيئًا يكونه الإنسان أو يعمله، بل إنّها تأتي دائمًا حيث يأتي الله. وبأعمق معاني الكلمات: حيث يدخل الله ليستريح، هناك يقدّس. وحين نأتي إلى دراسة إعلان العهد الجديد عن الطريق الذي به نصير قدّيسين، سنجد في هذا واحدًا من أوائل دروسنا وأعمقها. فإنّنا نصير شركاء في قداسته إذ ندخل إلى راحة الله. «نَحْنُ ٱلْمُؤْمِنِينَ نَدْخُلُ ٱلرَّاحَةَ»؛ «ٱلَّذِي دَخَلَ رَاحَتَهُ ٱسْتَرَاحَ هُوَ أَيْضًا مِنْ أَعْمَالِهِ، كَمَا ٱللهُ مِنْ أَعْمَالِهِ». فحين تكفّ النفس عن جهودها الذاتية، وتستريح في الذي أكمل كل شيء لأجلنا وسيُكمل كل شيء فينا، وحين تُسلم ذاتها بثقة الإيمان الحقيقيّ الهادئة لتستريح في الله، عندئذ تعرف ما هي القداسة الحقيقية. وحيث تدخل النفس إلى سكون السبت، سكون الثقة الكاملة، يأتي الله ليحفظ سبته مقدّسًا؛ والنفس التي يستريح فيها يقدّسها. وسواء تكلّمنا عن يومه هو: «قَدَّسَهُ»، أو عن شعبه هو: «ٱلْمُقَدَّسِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ»، فإنّ سرّ القداسة هو هو دائمًا: «قَدَّسَهُ، لِأَنَّهُ فِيهِ ٱسْتَرَاحَ».

3. ثمّ نقرأ: «بَارَكَ … وَقَدَّسَهُ». إنّ عبارة «بَارَكَ ٱللهُ»، كما تُستعمل في الأصحاح الأوّل وفي سفر التكوين كلّه، ذات دلالة عظيمة. فقد كانت «أَثْمِرُوا وَٱكْثُرُوا» هي الشرح الإلهي لمعناها، لآدم أوّلًا، ثمّ لنوح وإبراهيم من بعده. كانت البركة التي بارك الله بها آدم ونوحًا وإبراهيم هي بركة الإثمار والتكاثر، أي القدرة على التوالد والتكاثر. وحين بارك الله اليوم السابع، ملأه بقوّة قداسته الحيّة، حتى تنمو تلك القداسة فيه وتتوالد في الذين يسعون، مثله، إلى الدخول إلى راحته وتقديسه. واليوم السابع هو اليوم الذي لا نزال نعيش فيه. فعن كل واحد من أيام الخليقة كُتب، حتى آخرها: «وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا سَادِسًا». أمّا عن السابع فلم يُدوَّن الختام بعدُ؛ نحن نعيش فيه الآن، يومَ الله الخاصّ، يوم الراحة والقداسة والبركة. وإذ دخل الله إليه دخولًا خاصًّا جدًّا وامتلكه، بوصفه زمن فرحه بخليقته، وإظهار ملء محبّته في تقديسها، جعل التدبير الذي نعيش فيه الآن تدبيرَ بركة إلهية عظيمة. وفي الوقت نفسه علّمنا ما هي البركة. القداسة غبطة. والشركة مع الله في راحته المقدّسة غبطة. وكما أنّ كل بركات الله في المسيح ليس لها إلّا نبع واحد، هو قداسة الله، كذلك ليس لها جميعًا إلّا غاية واحدة: أن تجعلنا شركاء في تلك القداسة. خلق الله وبارك، ببركة الخليقة. وقدّس الله وبارك، ببركة السبت، بركة راحته. فبركة الخليقة، بركة الصلاح والإثمار والسلطان، ستُتوَّج ببركة السبت: الراحة في الله والقداسة في الشركة معه.

لقد شوّهت الخطية عمل الخليقة الذي أكمله الله، وانقطعت شركتنا معه في بركة راحته المقدّسة. ففتح لنا عمل الفداء المكتمل راحة أصدق ومدخلًا أوثق إلى قداسة الله. وكما استراح في يومه المقدّس، كذلك يستريح الآن في ابنه القدّوس. ففيه نستطيع الآن أن ندخل دخولًا كاملًا إلى راحة الله. وإذ نحن «ٱلْمُقَدَّسِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ»، فلنسترح فيه. لنسترح، لأنّنا نرى أنّه كما أكمل الله بقدرته العظيمة عمل الخليقة على نحو عجيب، كذلك سيُتمّ ويُكمّل عمل التقديس. لنسلّم أنفسنا لله في المسيح، لنستريح حيث استراح، ولنتقدّس بقداسته هو، ولنتبارك ببركة الله نفسه. «الله المقدِّس» هو الاسم المنقوش الآن على عرش الله الخالق. وعلى عتبة تاريخ الجنس البشريّ تسطع هذه الكلمة الحاملة وعدًا ورجاءً لا حدّ لهما: «وَبَارَكَ ٱللهُ ٱلْيَوْمَ ٱلسَّابِعَ وَقَدَّسَهُ، لِأَنَّهُ فِيهِ ٱسْتَرَاحَ».

كونوا قدّيسين لأنّي أنا قدّوس.

أيّها الرب الإله المبارك! إنّي أنحني أمامك بسجود متواضع. أعبدك إلهًا خالقًا وإلهًا مقدِّسًا. لقد أعلنت ذاتك الله القدير والله القدّوس جدًّا. أتوسّل إليك أن تعلّمني أن أعرفك وأثق بك هكذا.

أسألك باتّضاع نعمةً لأتعلّم وأتمسّك بالحقائق الروحية العميقة التي أعلنتها في تقديسك يوم السبت. فقصدك في خلق الإنسان هو أن تُظهر قداستك وتجعله شريكًا فيها. آه، علّمني أن أؤمن بك إلهًا خالقي ومقدِّسي، وأن أؤمن بكل قلبي أنّ القدرة الكلّية نفسها التي وهبت بركة الخلق في اليوم السادس تضمن لنا بركة التقديس في اليوم السابع. فإرادتك هي قداستنا.

وعلّمني يا رب أن أفهم فهمًا أفضل كيف تأتي هذه البركة. فحيث تدخل لتستريح، ولتتنفّس وتُعلن ذاتك، هناك تقدّس. يا إلهي! ليكن قلبي موضع راحتك. أريد، في سكون الإيمان المستريح وثقته، أن أستريح فيك، مؤمنًا بأنّك أنت تعمل كل شيء فيّ. لتكن هذه الشركة معك، ومع محبّتك ومشيئتك، سرَّ حياة القداسة لي. أسأل ذلك باسم ربّنا يسوع، الذي فيه قدّستنا. آمين.

1. الله الخالق هو الله المقدِّس. فالقدرة الكلّية التي عملت العمل الأوّل تعمل الثاني أيضًا. أستطيع أن أثق بالله القدير أن يقدّسني. الله قدّوس: إن كان الله هو كل شيء لي، فإنّ حضوره سيكون قداستي.

2. الراحة هي الكفّ عن العمل، لا لكي لا نعمل بعدُ، بل لكي نبدأ عملًا جديدًا. يستريح الله ويبدأ في الحال يقدّس ما يستريح فيه. خلق بكلمة قدرته؛ ويستريح في محبّته. كانت الخليقة بناءَ الهيكل؛ والتقديس هو الدخول إليه وامتلاكه. آه، ما أعجب ذلك الدخول إلى الطبيعة البشرية!

3. لا يستريح الله إلّا فيما هو مستريح، أي ما هو بكلّيته تحت تصرّفه. ففي استراحة الإيمان يجب أن نتطلّع إلى الله المقدِّس؛ وهو سيدخل ويحفظ سبته المقدّس في النفس المستريحة. نحن نستريح في راحة الله؛ والله يستريح في راحتنا.

4. الإله الذي يستريح في الإنسان الذي صنعه، وباستراحته يقدّس، وبتقديسه يبارك: هذا هو إلهنا؛ فسبّحوه واسجدوا له. وثقوا به أن يعمل عمله.

5. الراحة! ما أبسطها كلمة. راحة الله! يا له من ملء للحياة والمحبّة يفوق التصوّر في هذه الكلمة. لنتأمّل فيها ولنسجد أمامه، حتى تظلّلنا وندخل إليها: راحة الله. الراحة لله: هو وحده يستطيع أن يعطيها، بأن يجعلنا نشاركه في راحته.


اليوم الرابع.


صفحة 1 / 1 · 8 دقيقة متبقية في الفصل
السابق التالي