مقدّسون في المسيح
تدبير الله للقداسة

فصل 3 · قراءة 8 د · استماع 11 د

تدبير الله للقداسة

«ٱلْمُقَدَّسِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، ٱلْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ» (كورنثوس الأولى 1:2).

«إِلَى جَمِيعِ ٱلْقِدِّيسِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، ٱلَّذِينَ فِي فِيلِبِّي … سَلِّمُوا عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ» (فيلبي 1:1؛ 4:21).

قدّوس! في المسيح! في هاتين العبارتين ربّما نجد أعجب الكلمات في الكتاب المقدّس كلّه.

قدّوس! الكلمة التي لا يُسبر غور معناها، والتي ينطق بها السرافيم بوجوه مغطّاة. قدّوس! الكلمة التي تتمركز فيها كل كمالات الله، والتي ليس مجده إلّا فيضانها. قدّوس! الكلمة التي تكشف القصد الذي فكّر به الله في الإنسان منذ الأزل، وتُخبر بما سيكون أسمى مجد للإنسان في الأبدية الآتية: أن يكون شريكًا في قداسته!

في المسيح! الكلمة التي تنكشف فيها كل حكمة الله ومحبّته! الآب يبذل ابنه ليكون واحدًا معنا! الابن يموت على الصليب ليجعلنا واحدًا معه! روح الآب القدّوس يسكن فينا ليُثبّت هذا الاتحاد ويحفظه! في المسيح! يا له من مُجمَل لما صنعه الفداء، وللحياة المباركة بما يفوق التصوّر، التي يُؤذن لولد الله أن يسكن فيها. في المسيح! الدرس الوحيد الذي علينا أن ندرسه على الأرض، وجواب الله الوحيد عن كل احتياجاتنا وصلواتنا. في المسيح! ضمانُ المجد الأبديّ وعربونه.

ما أغنى المعنى والبركة في الكلمتين مجتمعتين: مقدّسون في المسيح! هنا تدبير الله لقداستنا، وجواب الله عن سؤالنا: كيف نكون قدّيسين؟ فكثيرًا جدًّا ما نسمع الدعوة: كونوا أنتم قدّيسين، كما أنّي أنا قدّوس، فيبدو كأنّ بين قداسة الله والإنسان هوّةً عظيمة، ولا بدّ أن تبقى أبدًا. في المسيح! هو الجسر الذي يعبر الهوّة؛ بل بالأحرى، إنّ ملأه قد ملأها. في المسيح! يلتقي الله والإنسان؛ في المسيح! وجدتنا قداسة الله وجعلتنا خاصّتها؛ صارت بشرية، ويمكن حقًّا أن تصير لنا خاصّةً تمامًا. فإلى صرخات القلق وأشواق القلوب عند آلاف النفوس العطشى التي آمنت بيسوع ولا تعرف بعدُ كيف تكون مقدّسة، هذا هو جواب الله: أنتم مقدّسون في المسيح يسوع. ليتهم يصغون ويؤمنون فقط؛ ليتهم يأخذون هذه الكلمات الإلهية فقط ويردّدونها، ولو ألف مرّة إن لزم الأمر؛ إذن كيف يُشرق نور الله ويملأ قلوبهم فرحًا ومحبّة وهم يردّدون صداها: نعم، الآن أرى ذلك. مقدّسون في المسيح! مقدَّسون في المسيح يسوع!

وإذ نعكف على دراسة هذه الكلمات العجيبة، لنتذكّر أنّ الله وحده هو القادر أن يكشف لنا ما هي القداسة حقًّا. لنخشَ أفكارنا الخاصّة، ولنصلب حكمتنا الخاصّة. لنسلّم أنفسنا لكي نقبل، بقوّة حياة الله نفسه العاملة فينا بالروح القدس، ما هو أعمق وأصدق من الفكر البشريّ: المسيحَ نفسه قداسةً لنا. وفي هذا الاتّكال على تعليم روح القداسة، لنسعَ ببساطة إلى قبول ما يضعه الكتاب المقدّس أمامنا. وكما كان إعلان القدّوس قديمًا بطيئًا جدًّا وتدريجيًّا، فلنقنع بأن نتبع بصبر، خطوة فخطوة، سبيلَ النور المشرق عبر الكلمة؛ فهو يتزايد وينير إلى النهار الكامل.

سيكون علينا أوّلًا أن ندرس كلمة «قدّوس» في العهد القديم. ففي إسرائيل، الشعب المقدّس، رمزنا نحن المقدّسين الآن في المسيح، سنرى بأيّ غنى في الرموز سعى الله أن يغرس في صميم تكوين الشعب شيئًا من إدراك ما يريده أن يكون. وفي الناموس سنرى كيف أنّ «قدّوس» هي الكلمة المفتاح العظمى للفداء الذي قُصد بالناموس أن يخدمه ويمهّد له. وفي الأنبياء سنسمع كيف أُعلنت قداسة الله بوصفها النبع الذي سيتدفّق منه الفداء الآتي: وليس كلامهم عن القداسة بقدر ما هو عن القدّوس، الذي سيُعرّف نفسه، بمحبّة فادية وبرّ مخلِّص، إلهًا لشعبه.

ومتى انفتح معنى الكلمة بعض الانفتاح، وظهرت في العهد القديم الحاجةُ العميقة إلى البركة، نأتي إلى العهد الجديد لنجد كيف سُدّت تلك الحاجة. ففي المسيح، قدّوس الله، سنجد القداسة الإلهية في حياة بشرية وطبيعة بشرية: إرادةً بشرية حقيقية تُكمَّل وتنمو بالطاعة إلى اتحاد كامل بكل مشيئة الله المقدّسة. وفي ذبيحة نفسه على الصليب، بذلت تلك الطبيعة المقدّسة نفسها للموت، لكي تحيا ثانية بالموت، مثل حبّة الحنطة، وتتكاثر فينا. وفي عطيّة روح قداسة الله من العرش، الروح الذي يمثّل المسيح غير المنظور ويُعلنه ويَهَبه، تنزل حياة المسيح المقدّسة وتمتلك شعبه، فيصيرون واحدًا معه. وكما أنّ العهد القديم ليس فيه كلمة أسمى من «قدّوس»، كذلك ليس في العهد الجديد كلمة أعمق من «في المسيح». فالكون فيه، والثبات فيه، والتأصّل فيه، والنموّ فيه وإليه في كل شيء، هي التعابير الإلهية التي تُقرّب إلينا الوحدة العجيبة الكاملة بيننا وبين مخلّصنا قدر ما تستطيع اللغة البشرية.

ومتى قدّم كلٌّ من العهدين القديم والجديد رسالته، الأوّل بتعليمنا معنى قدّوس، والآخر معنى في المسيح، صار لنا في كلمة الله التي تجمع الاثنين أكملُ مُجمَل للفداء العظيم الذي دبّرته محبّة الله. فاليقين الأبديّ، والكفاية العجيبة، والفاعلية غير المحدودة للقداسة التي أعدّها الله لنا في ابنه، كلّها مُعلنة في هذه الكلمة المباركة: مقدّسون في المسيح.

«ٱلْقِدِّيسِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ!» هذا هو الاسم، أيّها الإخوة المؤمنون الأحبّاء، الذي نحمله في الكتاب المقدّس، بلغة الروح القدس. ليس مجرّد بيان عقائديّ أنّنا مقدّسون في المسيح، ولا هو بحث لاهوتيّ عميق نُدعى إليه؛ بل من أعماق قلب الله المحبّ يأتي صوت يخاطب أولاده الأحبّاء هكذا. إنّه الاسم الذي يدعو به الآب أولاده. ذلك الاسم يحدّثنا عن تدبير الله لكي نكون قدّيسين. إنّه إعلانُ ما أعطانا الله وما نحن عليه الآن، وما ينتظر الله أن يعمله فينا، وما يمكن أن يصير لنا امتلاكًا شخصيًّا عمليًّا. وذلك الاسم، إذا قُبل بشكر، واعتُرف به بفرح، واحتُجّ به أمام الله بثقة، سيكون عربون بلوغنا القداسة التي دُعينا إليها وقوّتَه.

وهكذا سنجد، كلّما تقدّمنا، أنّ كل دراستنا وكل تعليم الله ينحصران في ثلاثة دروس عظيمة. الأوّل إعلان: «أَنَا قُدُّوسٌ»؛ والثاني أمر: «كُونُوا قِدِّيسِينَ»؛ والثالث عطيّة، هي الصلة بين الاثنين: «أنتم مقدسون في المسيح».

أوّلًا يأتي الإعلان: «أَنَا قُدُّوسٌ». يجب أن تكون دراستنا على ركب منحنية، بروح السجود والاتّضاع العميق. لا بدّ أن يُعلن الله لنا نفسه إن كنّا سنعرف ما معنى «قدّوس». لا بدّ أن يُكشف لنا عدم القداسة العميق في طبيعتنا وفي كل ما هو من الطبيعة؛ ومع موسى وإشعياء، حين أعلن القدّوس نفسه لهما، لا بدّ أن نخاف ونرتعد، ونعترف كم نحن غير أهل البتّة للإعلان أو للشركة من غير التطهير بالنار. وفي إدراكنا لعجز حكمتنا أو فهمنا الكامل عن معرفة الله، لا بدّ أن تخضع نفوسنا بانسحاق، منكسرةً عن ذواتها وعن قوّتها وجهودها، لروح الله، روح القداسة، لكي يُعلن الله القدّوس. وإذ نبدأ نعرفه في برّه غير المحدود، وفي غيرته الناريّة المتّقدة على كل ما هو خطية، وفي محبّته غير المحدودة الباذلة نفسها لتحرير الخاطئ من خطيته والإتيان به إلى كماله هو، سنتعلّم أن نتعجّب من هذا الإله المجيد ونسجد له، وأن نشعر بعدم مشابهتنا الرهيب له وننوح عليه، وأن نشتاق ونصرخ طلبًا لنصيب ما في جمال هذه القداسة الإلهي وغبطتها.

وعندئذ يأتي الأمر بمعنى جديد: «كونوا قديسين كما أني أنا قدوس». آه يا إخوتي! أنتم الذين تعترفون بأنّكم تطيعون وصايا إلهكم، أعطوا هذه الوصية التي تفوق كل وصية وتشمل كل وصية المكانةَ الأولى التي تطلبها في قلوبكم وحياتكم. كونوا قدّيسين على شبه قداسة الله. كونوا قدّيسين كما أنّه هو قدّوس. وإن وجدتم أنّكم كلّما تأمّلتم ودرستم قلّت قدرتكم على إدراك هذه القداسة غير المحدودة، وأنّكم كلّما أدركتم منها شيئًا في لحظات ما ازداد يأسكم من قداسة إلهية كهذه، فتذكّروا أنّ هذا الانكسار وهذا اليأس هما بالضبط ما قُصد بالوصية أن تُحدثه. تعلّموا أن تكفّوا عن حكمتكم كما عن صلاحكم؛ اقتربوا بمسكنة الروح لتدَعوا القدّوس يُريكم إلى أيّ حدّ تفوق القداسة التي يطلبها كل معرفة بشرية وكل قدرة بشرية؛ فللنفس التي تكفّ عن الذات، ولا تتّكل على الجسد، سيُري ويُعطي القداسة التي يدعونا إليها.

لمثل هؤلاء تصير عطيّة القداسة العظيمة في المسيح مفهومةً ومقبولة. فالمسيح يُقرّب قداسة الله بإظهارها في السلوك والمعاشرة البشريّين. ويُقرّبها بإزالة الحاجز بينها وبيننا، بين الله وبيننا. ويُقرّبها لأنّه يجعلنا واحدًا معه. «مقدسون في المسيح»: قداستنا هبة إلهية، محفوظة لنا، تُعطى لنا، وتعمل فينا بقوّة لأنّنا فيه. «في المسيح!» آه، ما أعجب حرف في هذا! حياتنا ذاتها متأصّلة في حياة المسيح. ذلك الابن القدّوس وعبد الآب، الجميل في حياته حياة المحبّة والطاعة على الأرض، المقدِّس ذاته لأجلنا؛ تلك الحياة، حياة المسيح، هي الأرض التي غُرست وتأصّلت فيها، والتربة التي أستمدّ منها غذائي، بكل صفاتها وطبيعتها ذاتها. ما أعظم النور الذي تُلقيه تلك الكلمة على الإعلان: «أَنَا قُدُّوسٌ»، وعلى الأمر: «كونوا قديسين كما أني أنا»، وتربطهما معًا في واحد! في المسيح أرى ما هي قداسة الله، وما هي قداستي. فيه كلتاهما واحدة، وكلتاهما لي. فيه أنا مقدَّس؛ وإذ أثبت فيه وأنمو فيه، أستطيع أن أكون قدّيسًا في كل سيرة، كما أنّ الله قدّوس.

كونوا قدّيسين كما أنّي أنا قدّوس.

أيّها الإله القدّوس جدًّا! نتوسّل إليك، أعلن لأولادك ما معنى أنّك لم تدعُهم إلى القداسة فحسب، بل دعوتهم أيضًا بهذا الاسم: «ٱلْقِدِّيسِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ». آه، ليت كل ولد من أولادك يعرف أنّه يحمل هذا الاسم، ويعرف ما معناه، وما فيه من قوّة تجعله ما يدعوه به. أيّها الرب الإله القدّوس! آه، ليت وقت افتقادك يأتي سريعًا، فيُعرف كل ولد من أولادك على الأرض بأنّه قدّيس!

ولهذه الغاية نسألك أن تُعلن لقدّيسيك ما هي قداستك. علّمنا أن نسجد وننتظر حتى تكلّم نفوسنا بقوّة إلهية بكلمتك: «أَنَا قُدُّوسٌ». آه، ليتها تفحصنا وتبكّتنا على عدم قداستنا!

وأعلن لنا، نتوسّل إليك، أنّه كما أنّك قدّوس، بل نار آكلة، كذلك وصيتك مقدّسة في قصدها الحازم الذي لا يساوم: أن نكون قدّيسين. يا الله! ليرنّ صوتك في أعماق كياننا بقوّة لا مهرب منها: كونوا قدّيسين، كونوا قدّيسين.

وهكذا، بين قداستك غير المحدودة من جهة، وعدم قداستنا من جهة أخرى، لنُدفَع ونُجتذب إلى أن نقبل المسيح قداسةً لنا، وأن نثبت فيه بوصفه حياتنا وقوّتنا لنكون ما تريدنا أن نكون: «مقدسين في المسيح يسوع».

أيّها الآب! ليجعل روحك هذه الكلمة الثمينة حياةً وحقًّا فينا. آمين.

1. إنّك تبدأ من جديد دراسة سرّ إلهي. «عَلَى فَهْمِكَ لَا تَعْتَمِدْ»؛ انتظر تعليم روح الحق.

2. في المسيح. يقول أحد المفسّرين: «تدل العبارة على حقيقتين أدبيتين: الأولى، فعل الإيمان الذي به يمسك الإنسان بالمسيح؛ والثانية، شركة الحياة معه التي تنعقد بواسطة هذا الإيمان». لكن هناك حقيقة أخرى، هي أعظمها جميعًا: أنّني بفعل قدرة إلهية أنا في المسيح ومحفوظ فيه. وهذا ما أريد أن أُدركه: إلهيّةُ مكانتي في يسوع.

3. تمسّك بوجهي الحقّ كليهما. أنت مقدَّس في المسيح بقداسة إلهية. وبالإيمان بذلك، عليك أن تكون قدّيسًا، وأن تصير قدّيسًا بقداسة بشرية، هي القداسة الإلهية ظاهرةً في كل سلوك حياة بشرية.

4. هذا المسيح شخص حيّ، ومخلّص محبّ: ما أعظم سروره بأن يمتلكك امتلاكًا كاملًا ويعمل فيك كل العمل! تمسّك بهذا طوال الطريق ونحن نتقدّم: لك حقّ على المسيح، على محبّته وقدرته، أن يجعلك قدّيسًا. فبصفتك واحدًا من مفدييه، أنت في هذه اللحظة، أيًّا كنت وأينما كنت، فيه. حضوره المقدّس ومحبّته من حولك. أنت فيه، داخل سياج تلك المحبّة الرقيقة التي تحيط بك دائمًا بحضوره المقدّس. في ذلك الحضور، إذا قُبل واختُبر، تكمن قداستك.


اليوم الثالث.


صفحة 1 / 1 · 8 دقيقة متبقية في الفصل
السابق التالي