فصل 5 · قراءة 10 د · استماع 13 د
القداسة والإعلان
«فَلَمَّا رَأَى ٱلرَّبُّ أَنَّهُ مَالَ لِيَنْظُرَ، نَادَاهُ ٱللهُ مِنْ وَسَطِ ٱلْعُلَّيْقَةِ وَقَالَ: ‹مُوسَى، مُوسَى!›. فَقَالَ: ‹هَأَنَذَا›. فَقَالَ: ‹لَا تَقْتَرِبْ إِلَى هَهُنَا. ٱخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ، لِأَنَّ ٱلْمَوْضِعَ ٱلَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ›. … فَغَطَّى مُوسَى وَجْهَهُ لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى ٱللهِ» (خروج 3:4-6).
ولماذا كانت أرضًا مقدّسة؟ لأنّ الله قد أتى إلى هناك وشغلها. فحيث يكون الله تكون القداسة؛ إنّ حضور الله هو الذي يقدّس. هذه هي الحقيقة التي التقيناها في الفردوس حين كان الإنسان قد خُلق لتوّه؛ وهنا، حيث يستعمل الكتاب كلمة مقدّس للمرّة الثانية، تتكرّر وتتأكّد. ودراسة متأنّية للكلمة في ضوء العلّيقة المشتعلة ستفتح لنا معناها العميق أكثر. فلنرَ ما يعلّمنا إيّاه التاريخ المقدّس، وما يعلّمنا إعلان الله، وما يعلّمنا موسى، عن هذه الأرض المقدّسة.
1. لاحظ المكانة التي يحتلّها في التاريخ المقدّس هذا الإعلانُ المباشر الأوّل من الله للإنسان بوصفه القدّوس. ففي الفردوس وجدنا كلمة مقدّس مستعملة عن اليوم السابع. ومنذ ذلك الوقت انقضت خمسة وعشرون قرنًا. وقد وجدنا في تقديس الله يومَ الراحة وعدًا بتدبير جديد: إعلانُ الخالق القدير سيتبعه إعلانُ القدّوس الذي يقدّس. ومع ذلك لا ترد الكلمة ثانيةً قطّ في سفر التكوين كلّه؛ وكأنّ قداسة الله معلّقة؛ ولا تعود إلى الظهور إلّا في سفر الخروج، مع دعوة موسى. وهذه حقيقة ذات مغزى عميق. فكما يسعى الوالد أو المعلّم، في الطفولة المبكرة، إلى أن يطبع درسًا واحدًا في كل مرّة، كذلك يتعامل الله في تربية الجنس البشريّ. فبعد أن أظهر في الطوفان دينونته العادلة على الخطية، دعا إبراهيم ليكون أبًا لشعب مختار. وأساسًا لكل تعاملاته مع ذلك الشعب، علّمه هو ونسله قبل كل شيء درس الثقة البنويّة: الثقة به بوصفه القدير الذي لا يستحيل عليه شيء، والثقة به بوصفه الأمين الذي لا يمكن أن يُنقض قَسَمه. ومع نموّ إسرائيل إلى شعب نرى الإعلان يتقدّم إلى مرحلة جديدة. فبساطة الطفولة تُخلي مكانها لجموح الشباب، ولا بدّ لله الآن أن يتدخّل بتأديب الناموس وقيوده. وإذ اكتسب حقّ المكانة في ثقتهم بوصفه إله آبائهم، يُعدّهم لإعلان أبعد. فإله إبراهيم كانت صفته الرئيسية أنّه القدير؛ أمّا إله إسرائيل، يهوه، فصفته أنّه القدّوس.
وما العلامة الخاصّة للحقبة الجديدة التي توشك الآن أن تُفتتح، والتي تُقدَّم بكلمة «مقدّس»؟ يقول الله لموسى إنّه يوشك الآن أن يُعلن ذاته بصفة جديدة. فقد عرفه إبراهيم بوصفه الله القدير، إله الوعد (خروج 6:3). أمّا الآن فسيُظهر ذاته بوصفه يهوه، إله الإتمام، ولا سيّما في فداء شعبه وإنقاذه من الظلم الذي سبق فأنبأ به إبراهيم. فالله القدير هو إله الخليقة: آمن إبراهيم بالله «ٱلَّذِي يُحْيِي ٱلْمَوْتَى، وَيَدْعُو ٱلْأَشْيَاءَ غَيْرَ ٱلْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ». أمّا يهوه فهو إله الفداء والقداسة. لم تكن مع إبراهيم كلمة عن الخطية أو الذنب، ولذلك لم تكن كلمة عن الفداء أو القداسة. أمّا لإسرائيل فسيُعطى الناموس، ليُبكّت على الخطية ويمهّد الطريق للقداسة؛ إنّه يهوه، قدّوس إسرائيل، الفادي، الذي يظهر الآن. وحضور هذا القدّوس هو ما يجعل الأرض مقدّسة.
2. وكيف يُعلن هذا الحضور ذاته؟ في العلّيقة المشتعلة يُعرّف الله ذاته ساكنًا في وسط النار. وفي مواضع أخرى من الكتاب المقدّس تُذكر الصلة بين النار وقداسة الله بوضوح: «وَيَصِيرُ نُورُ إِسْرَائِيلَ نَارًا وَقُدُّوسُهُ لَهِيبًا». وطبيعة النار قد تكون نافعة أو مهلكة. فالشمس، النار المركزية العظمى، قد تهب الحياة والخصب، وقد تحرق حتى الموت. فالأمر كلّه يتوقّف على شَغْل الموضع الصحيح، على العلاقة التي نقف فيها منها. وهكذا حيثما يُعلن الله القدّوس ذاته، سنجد الوجهين معًا: قداسة الله دينونةً على الخطية، تُهلك الخاطئ الذي يبقى فيها، ورحمةً تحرّر شعبه منها. فالدينونة والرحمة تسيران معًا دائمًا. وليس في عناصر الطبيعة ما له طاقة روحية جبّارة كالنار: فما تلتهمه تأخذه وتحوّله إلى طبيعتها الروحية، رافضةً دخانًا ورمادًا ما لا يمكن أن يُستوعب. وهكذا قداسة الله هي ذلك الكمال غير المحدود الذي به يحفظ ذاته منزّهًا عن كل ما ليس إلهيًّا، ومع ذلك تكون له شركة مع المخلوق، ويرفعه إلى الاتحاد بذاته، مُهلكًا وطارحًا خارجًا كل ما لا يُسلم ذاته له.
وهكذا يُعلن الله ذاته في مطلع حقبة الفداء الجديدة هذه بوصفه الساكن في النار، بل الذي هو نار. فمع إبراهيم والآباء، كما قلنا، كان التعليم عن الخطية أو الفداء قليلًا؛ وقد أُعلن قربُ الله وصداقته. أمّا الآن فسيُعطى الناموس، وستُكشف الخطية، وسيُحسّ بالبعد عن الله، لكي يتعلّم الإنسان، إذ يتعلّم أن يعرف ذاته وخطيّته، أن يعرف الله ويشتاق إليه ليقدّسه. وفي كل إعلان الله عن ذاته سنجد اجتماع العنصرين: أحدهما يصدّ، والآخر يجذب. ففي بيته سيسكن في وسط إسرائيل، ومع ذلك سيكون ذلك في عزلة قدس الأقداس وظلمته الرهيبة التي لا يُقترب منها، داخل الحجاب. سيقترب منهم، ومع ذلك يُبقيهم على مسافة. وإذ ندرس قداسة الله، سنرى بوضوح متزايد كيف أنّها، مثل النار، تصدّ وتجذب، وكيف تجمع في واحد بُعده غير المحدود وقربه غير المحدود.
3. لكنّ البعد هو ما يبرز أوّلًا وبأشدّ قوّة. وهذا ما نراه في موسى: غطّى وجهه لأنّه خاف أن ينظر إلى الله. فالانطباع الأوّل الذي تُحدثه قداسة الله هو الخوف والرهبة. وما لم يتعلّم الإنسان، مخلوقًا وخاطئًا معًا، كم يعلو الله عليه، وكم هو مختلف عن الله وبعيد عنه، فلن تكون لقداسة الله قيمة حقيقية تُذكر ولا جاذبيّة. وموسى إذ يغطّي وجهه يُرينا أثر اقتراب القدّوس، والطريق إلى إعلانه الأبعد.
ما أوضح ما يبرز هذا في كلمات الله نفسه: «لَا تَقْتَرِبْ إِلَى هَهُنَا. ٱخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ». نعم، لقد اقترب الله، أمّا موسى فلا يجوز له أن يقترب. الله يقترب: والإنسان يجب أن يقف بعيدًا. ففي نَفَس واحد يقول الله: اقترب، ولا تقترب. لا يمكن أن تكون معرفة لله ولا قرب منه حيث لم نسمع أوّلًا قوله: لا تقترب. فالإحساس بالخطية، وبعدم الأهلية لحضور الله، هو الأساس لمعرفته الحقيقية أو عبادته بوصفه القدّوس. «ٱخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ». الحذاء هو وسيلة التعامل مع العالم، والأدوات التي بها يعمل الجسد أو الطبيعة مشيئته، ويتنقّل ويؤدّي عمله. وعند الوقوف على أرض مقدّسة يجب أن يُطرح هذا كلّه. فبأقدام حافية، حافيًا ومجرّدًا من كل غطاء، يجب أن ينحني الإنسان أمام إله قدّوس. إنّ عدم أهليّتنا الكاملة للاقتراب من القدّوس أو للتعامل معه بأيّ شكل هو أوّل درس علينا أن نتعلّمه، إن كنّا يومًا سنشترك في قداسته. ولا بدّ أن يُعمل قوله: اخلع! قوّته المُدينة في كياننا كلّه، حتى نصل إلى إدراك ملء معناه في الأمر العظيم: «اخلعوا الإنسان العتيق؛ البسوا الرب يسوع»، وإلى ما هو «بِخَلْعِ جِسْمِ خَطَايَا ٱلْبَشَرِيَّةِ، بِخِتَانِ ٱلْمَسِيحِ». نعم، كل ما هو من الطبيعة والجسد، كل ما هو من فعلنا أو إرادتنا أو عملنا، بل حياتنا ذاتها، يجب أن يُخلع ويُسلَّم للموت، إن كان الله القدّوس سيعرّفنا ذاته.
لقد رأينا من قبلُ أنّ القداسة أكثر من الصلاح أو الخلوّ من الخطية: فحتى الطبيعة التي لم تسقط ليست مقدّسة. القداسة هي ذلك المجد الرهيب الذي به تنفصل الألوهة عن كل ما هو مخلوق. لذلك يغطّي حتى السرافيم وجوههم بأجنحتهم حين يرنّمون: قدّوس، قدّوس، قدّوس. لكن آه! حين لا يكون البعد والاختلاف بُعد المخلوق فقط، بل بُعد الخاطئ، فمن يستطيع أن يعبّر، ومن يستطيع أن يدرك، الاتّضاع والخوف والخزي الذي ينبغي أن ننحني به أمام صوت القدّوس؟ واأسفاه! هذا من أرهب آثار الخطية: أنّها تُعمينا. فنحن لا نعرف كم الخطية والطبيعة الخاطئة نجستان ورجستان في عيني الله. لقد فقدنا القدرة على إدراك قداسة الله: فالفلسفة الوثنية لم تكن لديها حتى فكرة استعمال هذه الكلمة تعبيرًا عن الصفة الأدبية لآلهتها. وإذ فقدنا نور مجد الله، فقدنا القدرة على معرفة ما هي الخطية. والآن فإنّ أوّل عمل لله في اقترابه منّا هو أن يجعلنا نشعر بأنّه لا يجوز لنا أن نقترب ونحن على ما نحن عليه؛ وأنّه لا بدّ من خلعٍ حقيقيّ ومهيب جدًّا، بل من تسليمٍ للموت، لكل ما يبدو أكثر شرعيّة وأشدّ لزومًا. ليس حذاؤنا فقط هو الذي تلوّث بملامسة هذه الأرض غير المقدّسة؛ بل حتى وجهنا يجب أن يُغطّى وعيوننا أن تُغمض، علامةً على أنّ عيون قلوبنا، كل حكمتنا وفهمنا البشريّين، عاجزة عن معاينة القدّوس. فالدرس الأوّل في مدرسة القداسة الشخصية هو أن نخاف ونستر وجوهنا أمام قداسة الله. «هَكَذَا قَالَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْمُرْتَفِعُ … ٱلْقُدُّوسُ ٱسْمُهُ: ‹فِي ٱلْمَوْضِعِ ٱلْمُرْتَفِعِ ٱلْمُقَدَّسِ أَسْكُنُ، وَمَعَ ٱلْمُنْسَحِقِ وَٱلْمُتَوَاضِعِ ٱلرُّوحِ›». فالانسحاق، وانكسار الروح، والخوف والرعدة، هي أوّل ما يطلبه الله من الذين يريدون أن يروا قداسته.
كان موسى سيكون أوّل كارز بقداسة الله. فإعلان الله الأوّل لموسى كان رمزًا وعربونًا لإعطاء قداسة الله لنا إعطاءً كاملًا في المسيح. فمن شفتي موسى سيتسلّم شعب إسرائيل، ومن قلمه ستتسلّم كنيسة المسيح، الرسالة: «كونوا قديسين؛ أنا قدوس؛ أنا أقدس». وكان إعداده ليكون رسول القدّوس هنا، حيث غطّى وجهه لأنّه خاف أن ينظر إلى الله. فبالوجه في التراب، وبخلع لا الحذاء فقط، بل كل ما لامس العالم والذات والخطية، تقترب النفس إلى النار التي يسكن فيها الله، والتي تتّقد ولا تُحرق. آه، ليت كل مؤمن يسعى أن يشهد لله بوصفه القدّوس يتعلّم هكذا كيف أنّ إتمام رمز العلّيقة المشتعلة هو المسيح المصلوب، وكيف أنّنا، إذ نموت معه، ننال معموديّة النار تلك، التي تُعلن في كل واحد منّا معناها: القدّوس ساكنًا في علّيقة مشتعلة. بهذا وحده نستطيع أن نتعلّم ما معنى أن نكون قدّيسين كما أنّه هو قدّوس.
كونوا قدّيسين لأنّي أنا قدّوس.
أيّها الإله القدّوس جدًّا! لقد رأيتك، أنت الساكن في النار. وسمعت صوتك: لا تقترب إلى ههنا؛ اخلع حذاءك من رجليك. وخافت نفسي أن تنظر إلى الله، القدّوس.
ومع ذلك، يا إلهي! لا بدّ لي أن أراك. لقد خلقتني لشبهك. وعلّمتني أنّ هذا الشبه هو قداستك: «كونوا قديسين كما أني أنا قدوس». يا إلهي! كيف أعرف أن أكون قدّيسًا ما لم يُتَح لي أن أراك، أيّها القدّوس؟ لكي أكون قدّيسًا، لا بدّ لي أن أنظر إلى الله.
أباركك لأجل إعلانك ذاتك في لهيب علّيقة الشوك، في نار الخشبة الملعونة. أنحني بدهشة واتّضاع عميق أمام هذا المنظر العظيم: ابنك في ضعف طبيعته البشرية، في النار، يتّقد ولا يحترق. يا إلهي! بخوف ورعدة قد سلّمت نفسي، خاطئًا، لأموت مثله. آه، لتلتهم النار كل ما هو غير مقدّس فيّ! دعني أنا أيضًا أعرفك الإلهَ الساكن في النار، لتذيب وتنقّي وتُهلك ما ليس منك، ولتخلّص وترفع إلى قداستك ما هو لك.
أيّها الرب الإله القدّوس! إنّي أنحني في التراب أمام هذا السرّ العظيم. أعلن لي قداستك، لكي أكون أنا أيضًا شاهدها ورسولها على الأرض. آمين.
1. القداسة بوصفها نار الله. سبّح الله لأنّ هناك قوّة تستطيع أن تلتهم الخسيس والزغل، قوّة لا تتركه في سلام. «العليقة تتوقد ولا تحترق» ليست شعار الكنيسة في زمن الاضطهاد فحسب؛ بل هي كلمة السرّ لكل نفس في عمل الله المقدِّس.
2. هناك لاهوت جديد لا يتكلّم إلّا عن محبّة الله كما تُرى في الصليب. ولا يرى مجد برّه ودينونته العادلة. ليس هذا إله الكتاب المقدّس. «لِأَنَّ ‹إِلَهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ›» هو لاهوت العهد الجديد. والخدمة «بِخُشُوعٍ وَتَقْوَى» هي ديانة العهد الجديد. ففي القداسة تلتقي الدينونة والرحمة.
3. القداسة بوصفها مخافة الله. أن نستر الوجه أمام الله خوفًا، لا نجرؤ أن ننظر أو نتكلّم: هذه بداية الراحة في الله. ليست هي الراحة الحقيقية بعدُ، لكنّها في الطريق إليها. ليعطنا الله خوفًا عميقًا من كل ما يمكن أن يُحزنه أو يغضبه. ولنخَف خوفًا عميقًا من ذواتنا، ومن كل ما هو من الطبيعة العتيقة المُدانة، لئلّا تقوم ثانية. إنّ «رُوحُ … مَخَافَةِ ٱلرَّبِّ» هو أوّل ظهور لروح القداسة، ويمهّد الطريق لفرح القداسة. «تَسِيرُ فِي خَوْفِ ٱلرَّبِّ، وَبِتَعْزِيَةِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ»؛ هذان هما وجها الحياة المسيحية.
4. أُعلنت قداسة الله لموسى لكي يكون رسولها. والكنيسة لا تحتاج اليوم إلى شيء قدر حاجتها إلى رجال ونساء يستطيعون أن يشهدوا لقداسة الله. فهل تكون واحدًا منهم؟
ملحوظة.
إنّ الصلة بين مخافة الله والقداسة وثيقة جدًّا. فهناك من يسعون بأشدّ الجدّ وراء القداسة، ومع ذلك لا يُظهرونها أبدًا في نور يجذب العالم أو حتى المؤمنين، لأنّ هذا العنصر غائب. إنّ مخافة الرب هي التي تُنشئ تلك الوداعة واللطف، وذلك التحرّر من الثقة بالذات ومن الانشغال بها، التي تشكّل الأساس الحقيقيّ لخُلق القدّيسين. والمواضع التي تقترن فيها الكلمتان في كلمة الله جديرة كل الجدارة بدراسة متأنّية. «مَنْ مِثْلُكَ مُعْتَزًّا فِي ٱلْقَدَاسَةِ، مَخُوفًا بِٱلتَّسَابِيحِ؟» «أَسْجُدُ فِي هَيْكَلِ قُدْسِكَ بِخَوْفِكَ». «ٱتَّقُوا ٱلرَّبَّ يَا قِدِّيسِيهِ». «ٱسْجُدُوا لِلرَّبِّ فِي زِينَةٍ مُقَدَّسَةٍ. ٱرْتَعِدِي قُدَّامَهُ يَا كُلَّ ٱلْأَرْضِ». «يَحْمَدُونَ ٱسْمَكَ ٱلْعَظِيمَ وَٱلْمَهُوبَ، قُدُّوسٌ هُوَ». «بَدْءُ ٱلْحِكْمَةِ مَخَافَةُ ٱلرَّبِّ، وَمَعْرِفَةُ ٱلْقُدُّوسِ فَهْمٌ». «قَدِّسُوا رَبَّ ٱلْجُنُودِ فَهُوَ خَوْفُكُمْ وَهُوَ رَهْبَتُكُمْ». «مُكَمِّلِينَ ٱلْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ ٱللهِ». «نَظِيرَ ٱلْقُدُّوسِ ٱلَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ … وَإِنْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَبًا … فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ». وهكذا عبر الكتاب المقدّس كلّه، من ترنيمة موسى إلى ترنيمة الخروف: «مَنْ لَا يَخَافُكَ يَارَبُّ وَيُمَجِّدُ ٱسْمَكَ؟ لِأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ». وإن أسلمنا أنفسنا لانطباع مثل هذه المواضع، فسنشعر بعمق أكبر بأنّ مخافة الله، أي الخوف الرقيق من أن نُغضبه بأيّ شكل، ولا سيّما الخوف من الدخول إلى حضرته المقدّسة بما هو بشريّ وجسديّ، بأيّ شيء من حكمتنا وجهدنا، هي من صميم جوهر القداسة التي علينا أن نتبعها. إنّ مخافة الله هذه هي التي ستجعلنا، مثل موسى، نسقط ونستر وجوهنا في حضرة الله، وننتظر روحه القدّوس ليفتح فينا العيون، وينفخ فينا الأفكار والعبادة التي بها نقترب إليه، إلى القدّوس. ففي هذه المخافة المقدّسة يُصنع ذلك السكون للنفس الذي يقودها إلى الراحة في الله، ويفتح الطريق لما رأيناه في الفردوس أنّه سرّ القداسة: الله يحفظ سبته، ويقدّس النفس التي يستريح فيها.
اليوم الخامس.
اكتمل الفصل 5
القداسة والإعلان