فصل 2 · قراءة 8 د · استماع 11 د
دعوة الله إلى القداسة
«نَظِيرَ ٱلْقُدُّوسِ ٱلَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: ‹كُونُوا قِدِّيسِينَ لِأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ›» (بطرس الأولى 1:15-16).
دعوة الله هي إظهارُ قصدِ الأزل في الزمان: «وَٱلَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهَؤُلَاءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا». والمؤمنون هم «مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ». في دعوته يُعلن لنا ما هي أفكاره ومشيئته من جهتنا، وما هي الحياة التي يدعونا إليها. في دعوته يوضّح لنا ما هو رجاء دعوتنا؛ وكلّما أدركنا هذا إدراكًا روحيًّا ودخلنا فيه، صارت حياتنا على الأرض انعكاسًا لقصده في الأزل.
يستعمل الكتاب المقدّس أكثر من كلمة واحدة للدلالة على غرض دعوتنا أو غايتها، لكن ليس فيها ما يتكرّر أكثر ممّا يتكلّم عنه بطرس هنا: لقد دعانا الله لنكون قدّيسين كما أنّه هو قدّوس. فبولس يخاطب المؤمنين مرّتين بوصفهم «مَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ» (رومية 1:7؛ كورنثوس الأولى 1:2). ويقول: «لِأَنَّ ٱللهَ لَمْ يَدْعُنَا لِلنَّجَاسَةِ بَلْ فِي ٱلْقَدَاسَةِ» (تسالونيكي الأولى 4:7). وحين يكتب: «إِلَهُ ٱلسَّلَامِ نَفْسُهُ يُقَدِّسُكُمْ بِٱلتَّمَامِ»، يضيف: «أَمِينٌ هُوَ ٱلَّذِي يَدْعُوكُمُ ٱلَّذِي سَيَفْعَلُ أَيْضًا» (تسالونيكي الأولى 5:24). والدعوة نفسها توصَف بأنّها «دَعْوَةً مُقَدَّسَةً». والقصد الأزليّ الذي تنبع منه الدعوة يُربط هو أيضًا على الدوام بالقداسة غايةً له: «ٱخْتَارَنَا فِيهِ … لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلَا لَوْمٍ» (أفسس 1:4). «أَنَّ ٱللهَ ٱخْتَارَكُمْ مِنَ ٱلْبَدْءِ لِلْخَلَاصِ، بِتَقْدِيسِ ٱلرُّوحِ» (تسالونيكي الثانية 2:13). «ٱلْمُخْتَارِينَ بِمُقْتَضَى عِلْمِ ٱللهِ ٱلْآبِ ٱلسَّابِقِ، فِي تَقْدِيسِ ٱلرُّوحِ» (بطرس الأولى 1:2). فالدعوة هي كشفُ القصد الذي وضعه الآب في قلبه منذ الأزل: أن نكون قدّيسين.
لا يحتاج الأمر إلى برهان على أنّ معرفتنا الصحيحة لما دعانا الله إليه أمرٌ بالغ الأهمّية بلا حدّ. فسوء الفهم هنا قد تكون له عواقب مهلكة. ربّما سمعت أنّ الله يدعوك إلى الخلاص أو إلى السعادة، إلى نوال الغفران أو إلى بلوغ السماء، ولم تلاحظ قطّ أنّ هذا كلّه كان في المرتبة الثانية. لقد كانت الدعوة إلى «الخلاص في التقديس»، كانت إلى القداسة أوّلًا، بوصفها البيئة التي يوجد فيها الخلاص والسماء. وشكاوى كثير من المسيحيين من قلّة الفرح والقوّة، ومن الإخفاق وعدم النموّ، ترجع ببساطة إلى هذا: المكانة التي أعطاها الله للقداسة في دعوته لم يعطوها هم إيّاها في استجابتهم. فالله وهم لم يتّفقوا بعدُ على هذا الأمر.
فلا عجب أنّ بولس، في الأصحاح الذي حدّث فيه أهل أفسس عن أنّهم «ٱخْتَارَنَا … لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ»، يصلّي لكي يُعطى المؤمنون روح الحكمة والإعلان في معرفة الله، ليعلموا «رجاء دعوتهم» (1:17-18). فلنصلِّ هذه الصلاة جميعًا، نحن الذين نشعر بأنّنا لم ندرك إلّا قليلًا أنّنا مدعوّون إلى القداسة. فهي بالضبط ما نحتاج إليه. لنسأل الله أن يُرينا كيف أنّه، كما أنّ الذي دعانا هو نفسه قدّوس، كذلك يجب أن نكون نحن أيضًا قدّيسين؛ وأنّ دعوتنا دعوة مقدّسة، دعوة قبل كل شيء وفوق كل شيء إلى القداسة. لنسأله أن يُرينا ما هي القداسة: قداسته هو أوّلًا، ثمّ قداستنا نحن؛ وأن يُرينا كيف وضع قلبه عليها بوصفها الأمر الوحيد الذي يريد أن يراه فينا، لأنّها صورته وشبهه؛ وأن يُرينا أيضًا الغبطة والمجد اللذين لا يُنطق بهما في مشاركة المسيح قداسته. آه، ليت الله يعلّمنا بروحه ما معنى أنّنا مدعوّون لنكون قدّيسين كما أنّه هو قدّوس! ونستطيع بسهولة أن نتصوّر أيّ تأثير عظيم سيكون لذلك.
«نَظِيرَ ٱلْقُدُّوسِ ٱلَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ». ما أوضح ما تُرينا دعوة الله هذه الدافعَ الحقيقيّ إلى القداسة! «كُونُوا قِدِّيسِينَ لِأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ». فكأنّ الله يقول: القداسة هي غبطتي ومجدي؛ وبدونها لا يمكنكم، بحكم طبيعة الأمور نفسها، أن تروني أو تتمتّعوا بي. القداسة هي غبطتي ومجدي: ليس ما يمكن تصوّره أسمى منها؛ وأنا أدعوكم إلى أن تشاركوني فيها، أدعوكم إلى أن تكونوا على شبهي: «كُونُوا قِدِّيسِينَ لِأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ». أليس هذا كافيًا؟ أليست له جاذبيّة؟ ألا يحرّككم ويجذبكم بقوّة رجاءُ أن تكونوا معي، شركاءَ في قداستي؟ ليس عندي ما هو أفضل أقدّمه لكم، فأنا أقدّم لكم نفسي: «كُونُوا قِدِّيسِينَ لِأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ». أفلا نصرخ إلى الله بحرارة لكي يُرينا مجد قداسته، فتصير نفوسنا راغبة في أن تبذل كل شيء استجابةً لهذه الدعوة العجيبة؟
وإذ نصغي إلى الدعوة، نراها تُبيّن أيضًا طبيعة القداسة الحقيقية. «نَظِيرَ ٱلْقُدُّوسِ ٱلَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ». أن تكون قدّيسًا يعني أن تكون مشابهًا لله، أن يكون لك ميلٌ ومشيئة وخُلق مثل الله. تكاد الفكرة تبدو تجديفًا، إلى أن نصغي مرّة أخرى: «اختارنا في المسيح لنكون قديسين». ففي المسيح ظهرت قداسة الله في حياة بشريّة: في مثال المسيح، وفي فكره وروحه، صارت لنا قداسة غير المنظور مترجَمةً إلى صور الحياة والسلوك البشريّين. أن تكون مشابهًا للمسيح هو أن تكون مشابهًا لله؛ أن تكون مشابهًا للمسيح هو أن تكون قدّيسًا كما أنّ الله قدّوس.
والدعوة تكشف كذلك قوّة القداسة. «ليس قدوس إلا الرب»؛ فلا قداسة إلّا ما له هو، بل بالأحرى ما هو عليه ويهبه. ليست القداسة شيئًا نعمله أو نبلغه: إنّها انتقال الحياة الإلهية إلينا، ونفخة الطبيعة الإلهية فينا، وقوّة الحضور الإلهي الحالّة علينا. وقوّتنا على أن نصير قدّيسين توجد في دعوة الله: فالقدّوس يدعونا إلى نفسه لكي يقدّسنا بأن نقتنيه هو. إنّه لا يقول فقط: «أَنَا قُدُّوسٌ»، بل يقول أيضًا: «أَنَا ٱلرَّبُّ مُقَدِّسُكُمْ». ولأنّ الدعوة إلى القداسة آتية من إله القدرة والمحبّة غير المحدودتين، يمكننا أن نثق: نستطيع أن نكون قدّيسين.
والدعوة تكشف أيضًا مقياس القداسة. «كما أنه هو قدوس، كذلك أنتم أيضا»، أو (كما في هامش الترجمة المنقّحة): «نَظِيرَ ٱلْقُدُّوسِ ٱلَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ». ليس هناك مقياس للقداسة عند الله ومقياس آخر عند الإنسان. فطبيعة النور واحدة، سواء رأيناه في الشمس أو في شمعة؛ وطبيعة القداسة تبقى بلا تغيير، سواء أكان الله هو الذي تسكن فيه أم الإنسان. ولم يكن الرب يسوع ليقول أقلّ من: «كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ». حين يدعونا الله إلى القداسة، فإنّه يدعونا إلى نفسه وإلى حياته هو: وكلّما أصغينا إلى الصوت بانتباه أكبر، وتركناه يغوص في قلوبنا، تساقطت كل المقاييس البشرية، ولم تُسمع إلّا الكلمات: قدّيسين، كما أنّي أنا قدّوس.
والدعوة تُرينا الطريق إلى القداسة. فدعوة الله دعوة ذات فاعليّة عظيمة، دعوة فعّالة. آه، لو نصغي إليها فقط، لو نصغي إليه هو فقط، فإنّ الدعوة ستعمل بقوّة إلهية ما تعرضه علينا. إنّه يدعو الأشياء غير الموجودة كأنّها موجودة: دعوته تهب الحياة للأموات، والقداسة للذين أحياهم. يدعونا أن نصغي وهو يتكلّم عن قداسته، وعن قداستنا التي تشبه قداسته. يدعونا إلى نفسه، لكي ندرس قداسته ونهابها ونحبّها ونتملّكها. يدعونا إلى المسيح، الذي فيه صارت القداسة الإلهية قداسةً بشرية، لكي نرى ونُعجب، ونشتهي ونقبل ما هو كلّه لأجلنا. يدعونا إلى سكنى روح القداسة فينا وتعليمه، لكي نُسلّم أنفسنا فيُقرّب إلى قلوبنا ويَنفخ فينا ما هو لنا في المسيح. أيّها المسيحيّ! أصغِ إلى الله وهو يدعوك إلى القداسة. تعالَ وتعلّم ما هي قداسته، وما هي قداستك وما يجب أن تكون.
نعم، اسكت سكوتًا عميقًا وأصغِ. حين دعا الله إبراهيم أجاب: هأنذا. وحين دعا الله موسى من العلّيقة أجاب: هأنذا، وغطّى وجهه لأنّه خاف أن ينظر إلى الله. إنّ الله يدعوك إلى القداسة، إلى نفسه هو القدّوس، لكي يقدّسك. فلتُجب نفسك كلّها: هأنذا يا رب! تكلّم يا رب! أظهر نفسك يا رب! هأنذا. وإذ تصغي، سيرنّ الصوت أعمق فأعمق، وأهدأ فأهدأ: كونوا قدّيسين كما أنّي أنا قدّوس. كونوا قدّيسين لأنّي أنا قدّوس. ستسمع صوتًا آتيًا من الأزل العظيم، من مجلس مشورة الفداء، وإذ تلتقط همسه البعيد تجده يقول: كونوا قدّيسين، أنا قدّوس. ستسمع صوتًا من الفردوس، حيث الخالق يقدّس اليوم السابع للإنسان الذي خلقه، قائلًا: كونوا قدّيسين. ستسمع الصوت من سيناء، وسط الرعود والبروق، ولا يزال يقول: كونوا قدّيسين كما أنّي أنا قدّوس. ستسمع صوتًا من الجلجثة، وهناك فوق كل مكان يقول: كونوا قدّيسين لأنّي أنا قدّوس.
يا ولدَ الله، هل أدركت يومًا أنّ أبانا يدعونا إلى نفسه، لنكون قدّيسين كما أنّه هو قدّوس؟ ألا يجب أن نعترف بأنّ السعادة كانت عندنا أهمّ من القداسة، والخلاص أهمّ من التقديس؟ آه، لم يفُت الأوان بعدُ لإصلاح الخطأ. فلنتعاهد الآن معًا أن نصغي إلى الصوت الذي يدعو، وأن نقترب، ونكتشف ونعرف ما هي القداسة، بل بالأحرى أن نكتشف ونعرف القدّوس نفسه. وإن ملأنا اقترابنا الأوّل إليه خزيًا وخجلًا، وجعلنا نخاف ونتراجع، فلنظلّ مع ذلك نصغي إلى الصوت وإلى الدعوة: «كونوا قديسين كما أني أنا قدوس». «أَمِينٌ هُوَ ٱلَّذِي يَدْعُوكُمُ ٱلَّذِي سَيَفْعَلُ أَيْضًا». فكل مخاوفنا وأسئلتنا سيجيب عنها القدّوس الذي أعلن قداسته وأمامه هذا القصد الواحد: أن نشاركه فيها. وإذ نسلّم أنفسنا في سكون عميق للنفس لنصغي إلى الصوت القدّوس الذي يدعونا، فإنّه سيوقظ فينا شوقًا جديدًا وإيمانًا قويًّا، وستصير لنا أثمنَ المواعيد كلّها كلمةُ الأمر الإلهي هذه:
كونوا قدّيسين لأنّي أنا قدّوس.
أيّها الرب، يا من أنت وحدك القدّوس! لقد دعوتنا لنكون قدّيسين كما أنّك أنت قدّوس. يا رب، كيف نستطيع ذلك ما لم تُعلن لنا قداستك؟ أرِنا، نتوسّل إليك، كيف أنت قدّوس، وكم أنت قدّوس، وما هي قداستك، لكي نعرف كيف ينبغي أن نكون قدّيسين، وإلى أيّ حدّ ينبغي أن نكون قدّيسين. وحين لا يزيدنا مشهدُ قداستك إلّا رؤيةً لمقدار ما فينا من عدم القداسة، علّمنا أنّك تجعل الذين يأتون إليك طالبين قداستك شركاءَ فيها.
يا الله! نحن نأتي إليك، أيّها القدّوس. ففي معرفتك ووجدانك واقتنائك أنت تجد النفس القداسة. نتوسّل إليك، إذ نأتي إليك الآن، أن تُثبّت في أفكار قلوبنا أنّ الغاية الوحيدة من دعوتك لنا، ومن مجيئنا إليك، هي القداسة. أنت تريدنا مثلك، شركاءَ في قداستك. وإن خاف قلبنا يومًا، كأنّ الأمر أعلى من أن يُنال، أو اكتفى بخلاص دون القداسة، فيا أيّها الإله المبارك، أسمِعنا صوتك يدعو من جديد: كونوا قدّيسين، أنا قدّوس. لتكن هذه الدعوة دافعنا وقوّتنا، لأنّه أمينٌ هو الذي يدعو، الذي سيفعل أيضًا. لتحدّد هذه الدعوة مقياسنا وطريقنا؛ آه، لتكن حياتنا كما أنت قادر أن تجعلها.
أيّها الآب القدّوس! إنّي أنحني أمامك بسجود متواضع وصمت. ليرنّ الآن صوتك أنت في أعماق قلبي داعيًا إيّاي: كن قدّيسًا كما أنّي أنا قدّوس. آمين.
1. دعني أُلحّ على كل قارئ لهذا الكتاب الصغير بأنّه، إن كان يريد أن يعينه الكتاب في سعيه وراء القداسة، فعليه أن يبدأ بالله نفسه. يجب أن تذهب إلى الذي يدعوك. فلا يمكن أن تكون حياةٌ أو قوّة للأمر: كونوا قدّيسين، إلّا في إعلان الله الشخصيّ لك وهو يتكلّم قائلًا: أنا قدّوس.
2. تذكّر أنّك، بصفتك مؤمنًا، قد قبلت دعوة الله من قبلُ، وإن لم تكن قد فهمتها فهمًا كاملًا. فليكن أمرًا محسومًا أنّك، أيًّا كان ما تراه معنى الدعوة، ستقبله وتعمل به في الحال. إن كان الله يدعوني لأكون قدّيسًا، فقدّيسًا سأكون.
3. تمسّك جيّدًا بالكلمة: «إِلَهُ ٱلسَّلَامِ نَفْسُهُ يُقَدِّسُكُمْ بِٱلتَّمَامِ … أَمِينٌ هُوَ ٱلَّذِي يَدْعُوكُمُ ٱلَّذِي سَيَفْعَلُ أَيْضًا». وبهذا الإيمان أصغِ إلى الله وهو يدعوك.
4. اسكت الآن، وأصغِ إلى أبيك وهو يدعوك. اطلب الروح القدس، روح القداسة، واعتمد عليه ليفتح قلبك فتفهم هذه الدعوة المقدّسة. ثمّ انطق بالجواب الذي عليك أن تقدّمه لهذه الدعوة.
اليوم الثاني.
اكتمل الفصل 2
دعوة الله إلى القداسة