فصل 20 · قراءة 8 د · استماع 10 د
القداسة والقيامة
«ٱبْنِهِ. ٱلَّذِي صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ ٱلْجَسَدِ، وَتَعَيَّنَ ٱبْنَ ٱللهِ بِقُوَّةٍ مِنْ جِهَةِ رُوحِ ٱلْقَدَاسَةِ، بِٱلْقِيَامَةِ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ» (رومية 1:3-4).
تتكلّم هذه الكلمات عن ولادة مزدوجة للمسيح. فمن جهة الجسد وُلد من نسل داود. ومن جهة الروح كان البكر من الأموات. وكما كان ابنًا لداود بمقتضى ولادته بالجسد، كذلك تعيّن ابنَ الله بقوّة بمقتضى ولادته بالقيامة بروح القداسة. وكما كانت الحياة التي نالها بولادته الأولى حياةً في الجسد وبحسب الجسد بكلّ ضعفه، كذلك كانت الحياة الجديدة التي نالها في القيامة حياةً بقوّة روح القداسة.
إنّ عبارة «روح القداسة» عبارة فريدة. فالكلمة المستعملة هنا ليست الكلمة المعتادة لقداسة الله، كما في عبرانيين 12:10، التي تصف القداسة مجرّدةً بوصفها صفةً لشيء ما، بل كلمة أخرى (مستعملة أيضًا في كورنثوس الثانية 7:1 وتسالونيكي الأولى 3:13) تعبّر عن القداسة بوصفها عادةً عاملة، أي القداسة العمليّة أو التقوى المقدَّسة. وقد استعمل بولس هذه الكلمة لأنّه أراد أن يؤكّد الفكرة القائلة إنّ قيامة المسيح كانت بوضوح ثمرة تلك الحياة، حياة القداسة وتقديس الذات، التي بلغت ذروتها في موته. لقد كانت روح حياة القداسة التي عاشها هي التي بقوّتها أُقيم. وهو يعلّمنا أنّ تلك الحياة وذلك الموت في تقديس الذات، اللذين فيهما وحدهما يقوم تقديسنا، كانا أصل قيامته وأساسها، وأساس إعلانها أنّه ابن الله بقوّة، البكر من الأموات. فالقيامة كانت الثمر الذي حملته حياة القداسة تلك.
وهكذا تصير حياة القداسة مِلكًا لكلّ الذين هم شركاء في القيامة. فحياة القيامة وروح القداسة لا ينفصلان. لقد قدّس المسيح نفسه في الموت لكي نكون نحن أيضًا مقدَّسين في الحقّ؛ وحين أُقيم من الأموات بمقتضى روح القداسة، ثبت أنّ روح القداسة هذا هو قوّة حياة القيامة، وأنّ حياة القيامة هي حياة قداسة.
بوصفكم مؤمنين لكم نصيب في حياة القيامة هذه. فأنتم «مولودون ثانية بقيامة يسوع المسيح من الأموات». وأنتم «قَدْ قُمْتُمْ مَعَ ٱلْمَسِيحِ». وقد أُمرتم: «ٱحْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ … أَحْيَاءً لِلهِ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ». لكنّ هذه الحياة لا تستطيع أن تعمل بقوّة إلّا بقدر ما تطلبون أن تعرفوها، وأن تخضعوا لها، وأن تدعوها تمتلككم وتسود عليكم سيادة كاملة. ولكي تفعل ذلك، فإنّ من أهمّ ما ينبغي أن تدركوه أنّه، كما أُقيم المسيح بمقتضى روح القداسة، كذلك يجب أن يكون روح تلك القداسة نفسها فيكم سِمةَ حياتكم وقوّتها. اجتهدوا أن تعرفوا روح القداسة وتمتلكوه كما ظهر في حياة ربّكم.
وفيمَ كان قوامه؟ لقد قيل لنا إنّ سرّه كان: «هَأَنَذَا أَجِيءُ لِأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا ٱللهُ». «فَبِهَذِهِ ٱلْمَشِيئَةِ» —أي المشيئة التي أتمّها المسيح— «نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ». هذا كان تقديس المسيح لنفسه في الحياة وفي الموت؛ وهذا ما صنعه روح القداسة فيه؛ وهذا ما سيصنعه فينا الروح نفسه، روح الحياة في المسيح يسوع: إنّ الحياة في مشيئة الله هي حياة القداسة. اطلبوا بجدّ أن تدركوا هذا بوضوح. لقد جاء المسيح ليُعلن ماذا تكون القداسة الحقيقيّة في ظروف الحياة البشريّة وضعفها. جاء ليتمّمها لأجلكم، لكي يمنحكم إيّاها بروحه. وما لم تدركوها بفهم وتقبلوها من القلب، لا يستطيع الروح أن يعملها فيكم. فاطلبوا بكلّ قلوبكم أن تمسكوا بها: مشيئة الله المقبولة بلا تردّد هي قوّة القداسة.
من هنا يجب أن تنطلق كلّ محاولة لنكون قدّيسين كما أنّ المسيح قدّوس، مع قداسته وفيها. كثيرون يسعون إلى أن يأخذوا أجزاء مفردة من حياة المسيح أو صورته ليقتدوا بها، ومع ذلك يفشلون فشلًا كبيرًا في أجزاء أخرى. إنّهم لم يروا أنّ إنكار النفس الذي يدعو إليه يسوع يعني حقًّا إنكار الذات بكلّ ما في الكلمة من معنى. فلا يجوز أن تُعمل مشيئة الذات في أمر واحد مهما كان: يسوع، كما عمل مشيئة الآب وحدها، هو الذي يجب أن يسود لا الذات. ويجب أن يكون قصد التلاميذ وصلاتهم وانتظارهم أن يثبتوا «كَامِلِينَ وَمُمْتَلِئِينَ فِي كُلِّ مَشِيئَةِ ٱللهِ». ولا داعي للخوف من أنّه ليس ممكنًا أن نعرف مشيئة الآب في كلّ شيء. «إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ … يَعْرِفُ». فالآب لن يترك الولد المستعدّ في جهل لمشيئته. وكلّما صار التسليم لروح القداسة، ليسوع ولسيادة حياته المقدَّسة، أبسط، انكشفت الخطيّة ومشيئة الذات، وانفتح الفهم الروحيّ، وصار الناموس المكتوب في الداخل مقروءًا ومفهومًا. ولا داعي للخوف من أنّه ليس ممكنًا أن نعمل مشيئة الآب متى عُرفت. فمتى ساق حزنُ الفشل والخطيّة المؤمنَ إلى اختبار رومية 7، وأثبت قوله: «أُسَرُّ بِنَامُوسِ ٱللهِ بِحَسَبِ ٱلْإِنْسَانِ ٱلْبَاطِنِ» جدّيّتَه في الصرخة: «وَيْحِي أَنَا ٱلْإِنْسَانُ ٱلشَّقِيُّ»، يأتي الخلاص بيسوع المسيح. فالروح لا يعمل أن نريد فحسب، بل أن نعمل أيضًا؛ وحيث لم يكن المؤمن يستطيع إلّا أن يشكو: «أَنْ أَفْعَلَ ٱلْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ»، يعطيه الروح القوّة والترنيمة: «نَامُوسَ رُوحِ ٱلْحَيَاةِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ ٱلْخَطِيَّةِ وَٱلْمَوْتِ».
وبهذا الإيمان، أنّه ممكن أن نعرف مشيئة الله ونعملها في كلّ شيء، خذوا من الذي فيه وحده أنتم مقدَّسون مبدأً لحياتكم: «هَأَنَذَا أَجِيءُ لِأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا ٱللهُ». إنّه مبدأ حياة القيامة: فبدونه ما كان يسوع ليُقام قطّ. وهو مبدأ الحياة الجديدة فيكم. اقبلوه، وادرسوه، وحقّقوه، واعملوا به. لقد وجد كثير من المؤمنين أنّ بضع كلمات بسيطة من التكريس، تعبّر عن العزم على عمل مشيئة الله في كلّ شيء، كانت مدخلًا إلى فرح حياة القيامة وقوّتها اللذين لم يعرفوهما من قبل. فمشيئة الله هي التعبير الكامل عن كماله الأدبيّ، عن قداسته الإلهيّة. وأن يأخذ الإنسان مكانه في قلب تلك المشيئة، وأن يحياها، وأن تحمله وتسنده، ذلك كان قوّة حياة يسوع التي لم يكن ممكنًا أن يُمسَك من الموت، والتي لم يكن ممكنًا إلّا أن تنفجر في مجد القيامة. وما كانت له ليسوع ستكونه لنا.
القداسة حياة: هذا أبسط تعبير عن الحقّ الذي يعلّمه نصّنا. فلا قداسة حتّى تُغرس حياة جديدة. والحياة الجديدة لا تستطيع أن تنمو وتنطلق بقوّة القيامة، ولا أن تأتي بثمر، إلّا بقدر ما تنمو في القداسة. وما دام المؤمن يحيا الحياة المختلطة، بعضها في الجسد وبعضها في الروح، فيها شيء من الذات وشيء من المسيح، فهو يطلب القداسة عبثًا. إنّ الحياة الجديدة هي الحياة المقدَّسة: والإدراك الكامل لها بالإيمان، والتسليم الكامل لها في السلوك، هما طريق القداسة. لقد عاش يسوع ومات وقام ليُعدّ لنا طبيعة جديدة ننالها يومًا فيومًا في طاعة الإيمان: فقد لبسنا «ٱلْإِنْسَانَ ٱلْجَدِيدَ ٱلْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ ٱللهِ فِي ٱلْبِرِّ وَقَدَاسَةِ ٱلْحَقِّ». فلتُعترف الحياة الداخليّة، المستترة مع المسيح في الله، والمستترة أيضًا في أعماق كياننا الدفينة، ولتُنتظر، وليُخضع لها، فإنّها ستُظهر نفسها في كلّ جمال القداسة.
وهناك ما هو أكثر. فهذه الحياة ليست كحياة الطبيعة، مبدأً أعمى غير واعٍ، يُحقّق مثاله من غير إرادة في طاعة لا تقاوم ناموسَ كيانه. بل هناك روح الحياة في المسيح يسوع، روح القداسة، الروح القدس الساكن فينا بوصفه أقنومًا إلهيًّا، الداخل في شركة معنا، والقائد إيّانا إلى شركة المسيح الحيّ. وهذا ما يملأ حياتنا رجاءً وفرحًا. لقد نفخ المخلّص القائم الروح القدس على تلاميذه: فالروح يأتي بالقائم من الأموات إلى الميدان، إلى قلوبنا، صديقًا شخصيًّا، ومرشدًا ومقوّيًا حيًّا. روح القداسة هو روح المسيح الحيّ وحضوره وقوّته. وقد قال يسوع عن الروح: «أَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ». أليست حاجتنا العظمى أن نعرف هذا الروح القدس، روح المسيح، روح قداسته وقداستنا؟ فكيف نكون من «ٱلسَّالِكِينَ … حَسَبَ ٱلرُّوحِ» ونتبع قيادته، إن كنّا لا نعرفه ولا نعرف صوته وطريقه؟
لنتعلّم من نصّنا درسًا آخر. إنّ روح القداسة إنّما ينطلق بقوّة القيامة من قبر الجسد ومشيئة الذات. يجب أن نقبل الموت عن الجسد، والموت عن الذات بإرادتها وعملها، موضعًا يولد فيه اختبارنا لقوّة روح القداسة. فأمام كلّ صراع مع الخطيّة، وفي كلّ ممارسة للإيمان أو الصلاة، يجب أن ندخل إلى موت يسوع، الموت عن الذات، وكالذين يقولون: «لَيْسَ أَنَّنَا كُفَاةٌ مِنْ أَنْفُسِنَا أَنْ نَفْتَكِرَ شَيْئًا كَأَنَّهُ مِنْ أَنْفُسِنَا»، ننتظر في إيمان هادئ أن يعمل روح المسيح عمله. وسيعمل الروح، فيؤيّدكم بقوّة في الإنسان الباطن، ويبني فيكم هيكلًا مقدّسًا للرب. وسيأتي الوقت، إن لم يكن قد أتاكم بعد، وقد يكون أقرب ممّا تجرؤون أن ترجوا، حين يصير حلول المسيح الواعي في قلوبكم بالإيمان، وإعلانه الكامل وتتويجه سيّدًا وحافظًا للقلب والحياة، اختبارًا شخصيًّا. فمن جهة روح القداسة، بالقيامة من الأموات، سيتعيّن ابن الله بقوّة في الملكوت الذي في داخلكم.
كونوا قدّيسين لأنّي أنا قدّوس.
أيّها الرب الإله القدّوس جدًّا! نباركك لأنّك أقمت ابنك من الأموات وأعطيته مجدًا، لكي يكون إيماننا ورجاؤنا فيك. لقد جعلت قيامته قوّة الحياة الأبديّة فينا، والآن، كما أُقيم هو، كذلك نستطيع نحن أن نسلك في جدّة الحياة. وكما سكن روح القداسة فيه وعمل، كذلك يسكن فينا ويعمل، ويصير فينا روح الحياة.
يا الله! نتوسّل إليك أن تكمّل عملك في قدّيسيك. أعطهم إحساسًا أعمق بالدعوة المقدَّسة التي دعوتهم بها في المسيح، القائم من الأموات. أعطِ الجميع أن يقبلوا روح حياته على الأرض، أي السرور بمشيئة الله، روحًا لحياتهم. وليُقَد الذين لم يقبلوا هذا قبولًا كاملًا بعد إلى أن يفعلوه، وأن يقولوا بإيمان بقوّة الحياة الجديدة: أقبل مشيئة الله ناموسًا وحيدًا لي. ليكن روح القداسة روح حياتهم!
أيّها الآب! نتوسّل إليك، دع المسيح هكذا، في اختبار متزايد دائمًا لقوّة قيامته، يُعلَن في قلوبنا ابنًا لله، ربًّا وسيّدًا في داخلنا. لتُلهم حياته في الداخل كلّ الحياة الخارجيّة، حتّى تشرق حياته منّا في جمال القداسة، في البيت وفي المجتمع، في الفكر والكلام والعمل، في الدين وفي الأعمال. آمين.
1. ينظر الكتاب المقدّس إلى القيامة من وجهين مختلفين. فمن وجه هي السند الذي يخوّلنا الحياة الجديدة، ومصدر تبريرنا (رومية 4:25؛ كورنثوس الأولى 15:17). ومن وجه آخر هي تجديدنا، قوّة الحياة الجديدة العاملة فينا، ومصدر تقديسنا (رومية 6:4؛ بطرس الأولى 1:3). الغفران والقداسة لا ينفصلان؛ فلهما المصدر نفسه، الاتّحاد بالمسيح القائم الحيّ.
2. كانت بركة التلاميذ في أن يكون لهم مسيح قائم هي هذه: إنّ الذي ظنّوه ميتًا جاء وأعلن نفسه لهم. المسيح حيّ ليُعلن نفسه لك ولي؛ فانتظره، وثق به لأجل هذا. سيُعلن نفسه لك تقديسًا لك. احرص على أن يكون لك مِلكًا حيًّا، فتكون لك قداسته.
3. حياة المسيح هي قداسة المسيح. وسبب فشلنا الكثير في السعي إلى القداسة هو أنّ الحياة القديمة، الجسد، تطلب القداسة بقوّتها الذاتيّة كثوب جميل تلبسه وتدخل به السماء. إنّما من الموت اليوميّ عن الذات تقوم حياة المسيح.
4. أن نموت هكذا، وأن نحيا هكذا في المسيح، وأن نكون قدّيسين، كيف نبلغ ذلك؟ إنّه يأتي كلّه «مِنْ جِهَةِ رُوحِ ٱلْقَدَاسَةِ». ليكن الروح القدس فيك. قل كلّ يوم: «أؤمن بالروح القدس».
5. مقدّسون في المسيح. حين يحيا المسيح فينا، ويدخل فكرُه، كما عبّر عن نفسه في أقواله وأعماله على الأرض، إلى مشيئتنا ووعينا الشخصيّ ويملؤهما، عندئذ يصير اتّحادنا به ما قصد أن يكون. إنّ روح سلوكه المقدَّس، روح قداسته، هو الذي يجب أن يكون فينا.
اليوم العشرون.
اكتمل الفصل 20
القداسة والقيامة