فصل 19 · قراءة 9 د · استماع 12 د
القداسة والإيمان
«لكي ينالوا غفران الخطايا ونصيبا مع المقدسين بالإيمان بي» (أعمال الرسل 26:18).
كلّما درسنا الكتاب المقدّس في نور الروح القدس، أو مارسنا الحياة المسيحيّة بقوّته، تعمّق اقتناعنا بالمكانة الفريدة والمركزيّة التي للإيمان في تدبير الله للخلاص. ونتعلّم أيضًا أن نرى أنّه من اللائق والحقّ أن يكون الأمر كذلك، فطبيعة الأشياء نفسها تقتضيه. فلأنّ الله كائن روحيّ غير منظور، فإنّ كلّ إعلان عن ذاته، سواء في أعماله أو في كلمته أو في ابنه، يستدعي الإيمان. الإيمان هو الحاسّة الروحيّة للنفس، فهو لها ما الحواسّ للجسد؛ وبه وحده ندخل في تواصل واتّصال مع الله.
الإيمان هو وداعة النفس التي تنتظر في سكون لكي تسمع ما يقوله الله وتفهمه وتقبله، ولكي تنال ما يعطيه الله أو يعمله وتحفظه وتمتلكه. بالإيمان نسمح لله نفسه، الشخص الحيّ، بل نرحّب به، أن يدخل ويصنع عندنا منزلًا، ويصير حياتنا عينها. ومهما ظننّا أنّنا نعرفها جيّدًا، فعلينا دائمًا أن نتعلّم الحقيقة من جديد، لتطبيقها تطبيقًا أعمق وأوفى: أنّ الإيمان في الحياة المسيحيّة هو الأمر الأوّل، الأمر الوحيد الذي يُرضي الله ويجلب لنا البركة. ولأنّ القداسة هي أسمى مجد لله، وأسمى بركة عنده لنا، فإنّنا نحتاج على وجه الخصوص في حياة القداسة إلى أن نحيا بالإيمان وحده.
يتكلّم ربّنا هنا عن «المقدسين بالإيمان بي». فهو نفسه تقديسنا كما هو تبريرنا: ففي هذا كما في ذاك، الإيمان هو ما يطلبه الله، وكلاهما يُعطى معًا وفي الحال. واسم المفعول المستعمل هنا ليس في الزمن الحاضر الدالّ على مسار أو عمل جارٍ، بل في صيغة الماضي البسيط الدالّة على فعل تمّ مرّة واحدة وإلى الأبد. فحين نؤمن بالمسيح ننال المسيح كلّه، تبريرنا وتقديسنا: إذ يقبلنا الله في الحال أبرارًا فيه، ومقدَّسين فيه. فالله يحسبنا ويدعونا ما نحن عليه حقًّا: مقدَّسين في المسيح. وحين نُقاد إلى أن نرى ما يراه الله، وحين يمسك إيماننا بأنّ حياة المسيح المقدَّسة لنا مِلكًا فعليًّا، لنقبلها ونتملّكها للاستعمال اليوميّ، عندئذ فقط نقدر حقًّا أن نحيا الحياة التي يدعونا الله إليها، حياة القدّيسين في المسيح يسوع. وعندئذ نكون في الموضع الصحيح الذي يمكن فيه أن يتمّ ما يُسمّى تقديسنا التدريجيّ. وسيكون هذا قبولَ قوّة حياة مقدَّسة أُعدّت في يسوع، وتطبيقَها في الحياة اليوميّة، قوّةٍ صارت في الاتّحاد به مِلكنا الحاضر والدائم، وتعمل فينا على قدر إيماننا.
ومن وجهة النظر هذه يتّضح أنّ للإيمان عملًا مزدوجًا. فالإيمان هو الإيقان بأمور لا تُرى، مع أنّها موجودة الآن فعلًا، وهو الثقة بما يُرجى، ولكنّه لم يحضر بعد. إنّه يتعامل مع الحاضر غير المنظور، كما يتعامل مع المستقبل غير المنظور. فبوصفه الإيقان بأمور لا تُرى، يفرح بالمسيح تقديسنا الكامل، مِلكًا حاضرًا. فبالإيمان أنظر ببساطة إلى ما هو المسيح، كما يُعلنه الروح القدس في الكلمة. وإذ أطالب بكلّ ما هو عليه على أنّه لي، أعلم أنّ قداسته، طبيعته المقدَّسة وحياته، هي لي؛ فأنا قدّيس: بالإيمان به قد قُدِّست. هذا هو الوجه الأوّل للتقديس: إنّه ينظر إلى ما هو أمر كامل ومُنجَز، حقيقة مطلقة. وبوصفه الثقة بما يُرجى، يمتدّ هذا الإيمان في يقين الرجاء إلى المستقبل، إلى أمور لم أرَها بعد ولم أختبرها، ويطالب يومًا فيومًا، من المسيح تقديسنا، بما يحتاج إليه للقداسة العمليّة، لكي نكون «قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ». وهذا هو الوجه الثاني للتقديس: أتّكل على يسوع لكي يسدّ، في الاختبار الشخصيّ، تدريجيًّا وبلا انقطاع، حاجة كلّ لحظة ممّا ذُخر في ملئه. «وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، ٱلَّذِي صَارَ لَنَا … مِنَ ٱللهِ … وَقَدَاسَةً». في وجهه الأوّل يقول الإيمان: أعلم أنّي فيه، وأنّ كلّ قداسته لي؛ وفي وجهه الثاني يقول: أتّكل عليه لأجل النعمة والقوّة اللتين أحتاج إليهما في كلّ لحظة لأحيا حياة مقدَّسة.
ومع ذلك، لا حاجة إلى القول إنّ هذين واحد. فيسوع واحد هو تقديسنا، سواء نظرنا إليه في ضوء ما جُعل لنا مرّة واحدة وإلى الأبد، أو في ضوء ما يصير لاختبارنا يومًا فيومًا ثمرةً لذلك. وهكذا هو إيمان واحد ذاك الذي، كلّما تأمّل يسوع وسجد له وفرح به بوصفه الذي صار لنا من الله قداسةً، والذي فيه قد قُدِّسنا، ازداد جرأة على انتظار تحقيق كلّ وعد للحياة اليوميّة، وازداد قوّة على المطالبة بالنصرة على كلّ خطيّة. الإيمان بيسوع هو سرّ الحياة المقدَّسة: فكلّ سلوك مقدَّس، وكلّ عمل مقدَّس حقًّا، هو ثمرة الإيمان بيسوع بوصفه قداستنا.
نحن نعلم كيف يعمل الإيمان، وما هي عوائقه الكبرى، في مسألة التبرير. ويحسن أن نذكّر أنفسنا بأنّ الأخطار نفسها قائمة في ممارسة الإيمان المقدِّس كما في الإيمان المبرِّر. فالإيمان بالله يقف في مقابل الثقة بالذات، ولا سيّما بإرادتها وعملها. والإيمان يعوقه كلّ جهد لنعمل شيئًا بأنفسنا. الإيمان ينظر إلى الله العامل، ويسلّم نفسه لقوّته كما أُعلنت في المسيح بالروح؛ إنّه يدع الله يعمل فينا أن نريد وأن نعمل. لا بدّ للإيمان أن يعمل؛ فبدون أعمال هو ميت، وبالأعمال وحدها يُكمَّل؛ وفي المسيح يسوع، كما يقول بولس، لا ينفع شيء إلّا «ٱلْإِيمَانُ ٱلْعَامِلُ بِٱلْمَحَبَّةِ». لكنّ هذه الأعمال، التي يوحي بها الإيمان بعمل الله ويُتمّها، تختلف كثيرًا عن الأعمال التي كثيرًا ما يبذل فيها المؤمن أقصى جهده، فلا يجد في النهاية إلّا أنّه يفشل. إنّ حياة القداسة الحقيقيّة، حياة المقدَّسين في المسيح، أصلها وقوّتها في شعور دائم بالعجز التامّ، في الراحة العميقة التي تتّكل على عمل قوّة إلهيّة وحياة إلهيّة، في التسليم الشخصيّ الكامل للمخلّص المحبّ، في ذلك الإيمان الذي يرضى أن يكون لا شيء لكي يكون هو الكلّ. قد يبدو مستحيلًا أن نميّز أو نصف الفرق بين العمل الذي من الذات والعمل الذي من المسيح بالإيمان؛ ولكن إن عرفنا فقط أنّ هناك فرقًا كهذا، وتعلّمنا أن نرتاب في أنفسنا وأن نعتمد على عمل المسيح، فإنّ الروح القدس سيقودنا إلى سرّ الرب هذا أيضًا. أعمال الإيمان هي أعمال المسيح.
وكما يعوق الجهدُ الإيمانَ، كذلك تعوقه الرغبة في أن نرى ونشعر. «إِنْ آمَنْتِ تَرَيْنَ»: سيختم الروح القدس إيماننا باختبار إلهيّ، وسنرى مجد الله. لكنّ هذا عمله هو؛ أمّا عملنا فهو أن نستمرّ، حين يبدو كلّ شيء مظلمًا وباردًا، وفي وجه كلّ ما تشهد به الطبيعة أو الاختبار، في أن نؤمن كلّ لحظة بيسوع تقديسًا كافيًا لنا كلّ الكفاية، فيه قد كُمّلنا أمام الله. قلّما تنفع الشكوى من نقص الشعور، أو من الضعف أو الموت الروحيّ؛ فالنفس التي ترفض أن تنشغل بنفسها، لا بضعفها ولا بقوّة العدوّ، بل تنظر فقط إلى ما هو يسوع وإلى ما وعد أن يعمله، هي التي يصير التقدّم في القداسة لها مسيرة فرحة من نصرة إلى نصرة. «ٱلرَّبَّ إِلَهَكُمْ هُوَ ٱلْمُحَارِبُ عَنْكُمْ»: هذه الفكرة، التي تكرّرت كثيرًا في ما يتّصل بامتلاك إسرائيل أرض الموعد، هي طعام الإيمان؛ ففي الضعف الذي تعيه، وأمام أعداء أقوياء، ينشد ترنيمة المنتصر. وحين يبدو أنّ الله لا يفعل ما وثقنا به لأجله، يكون ذلك بالتحديد وقت الإيمان ليفتخر به.
ربّما لا شيء يكشف طبيعة الإيمان الحقيقيّة أكثر من الفرح والتسبيح. تعطي طفلًا وعدًا بهديّة في الغد، فيقول في الحال: شكرًا، ويفرح. والشكر الفَرِح برهان على مقدار ما دخل وعدُك قلبه حقًّا. ويخبرك صديق بإرث غنيّ تركه لك في وصيّته: قد لا يتحقّق قبل سنين، لكنّه منذ الآن يفرّحك. لقد رأينا من قبل أيّ عنصر من عناصر القداسة هو الفرح؛ وهو على الخصوص عنصر من عناصر القداسة بالإيمان. ففي كلّ مرّة أرى حقًّا كم هو جميل وكامل تدبير الله الذي به تكون قداستي في يسوع، والذي به عليّ أن أدعه يعمل فيّ، ينبغي أن يرتفع قلبي بالتسبيح والشكر. فبدل أن نسمح للفكرة بأنّ حياة القداسة هذه بالإيمان هي، في نهاية الأمر، حياة عسيرة المنال تقتضي إنكارًا دائمًا للذات، ينبغي أن نسبّحه جدًّا لأنّه جعلها ممكنة ومضمونة لنا: إنّنا نستطيع أن نكون قدّيسين، لأنّ يسوع القدير والمحبّ هو قداستنا. التسبيح سيعبّر عن إيماننا، والتسبيح سيبرهنه، والتسبيح سيقوّيه. «فَآمَنُوا بِكَلَامِهِ. غَنَّوْا بِتَسْبِيحِهِ». والتسبيح سيُلزمنا بالإيمان: فنرى أنّه ليس علينا إلّا أمر واحد، أن نمضي في إيمان يثق دائمًا ويسبّح دائمًا. ففي التعلّق الحيّ المحبّ بيسوع، الذي يفرح به ويسبّحه بلا انقطاع لأجل ما هو لنا، يبرهن الإيمان على نفسه، وينال قوّة القداسة.
«مقدسين بالإيمان بي». نعم، «بالإيمان بي»: إنّه يسوع الحيّ الشخصيّ الذي يقدّم نفسه، نفسه بكلّ غنى قدرته ومحبّته، موضوعًا لإيماننا وقوّةً له وحياةً. إنّه يخبرنا أنّنا إن أردنا أن نكون قدّيسين، قدّيسين دائمًا وفي كلّ شيء، فعلينا أن نهتمّ بأمر واحد فقط: أن نكون دائمًا وبالتمام ممتلئين إيمانًا به. الإيمان عين النفس: القوّة التي بها ندرك حضور غير المنظور حين يأتي ليعطينا ذاته. والإيمان لا يرى فحسب، بل يتملّك ويتمثّل أيضًا: فلنُسكت نفوسنا جدًّا أمام الروح القدس الساكن فينا، لكي يحيي ويقوّي ذلك الإيمان الذي لأجله أُعطي لنا. الإيمان تسليم: فإذ نسلّم أنفسنا ليسوع لندعه يعمل عمله فينا، ونبذل أنفسنا له ليحيا حياته ويُتمّ مشيئته فينا، نجده يعطي نفسه بالتمام لنا، ويمتلكنا امتلاكًا كاملًا. وهكذا يصير الإيمان قوّة: قوّة الطاعة لعمل مشيئة الله: «إيماننا الأقدس»، «ٱلْإِيمَانِ ٱلْمُسَلَّمِ … لِلْقِدِّيسِينَ». وعندئذ نفهم كم هو بسيط، لأصحاب القلب البسيط، سرّ القداسة: يسوع فقط. نحن فيه، هو تقديسنا: هو نفسه شخصيًّا قداستنا؛ وحياة الإيمان به، التي تقبله وتمتلكه، لا بدّ أن تكون حياة قداسة. يقول يسوع: «مقدسين بالإيمان بي».
كونوا قدّيسين كما أنّي أنا قدّوس.
أيّها الرب الحبيب! مرّة أخرى رأيت، بدهشة ساجدة، ما تريد أن تكونه لي. ففيك أنت، وفي حياة شركة حيّة معك، عليّ أن أصير قدّيسًا. وفي الحياة البسيطة، حياة التعلّق الشخصيّ، والثقة والمحبّة، والتسليم والتكريس، تصير أنت كلّ شيء لي، وتجعلني شريكًا فيك وفي قداستك.
أيّها الرب يسوع المبارك! إنّي أؤمن بك، فأعِن أنت عدم إيماني. أعترف بما بقي فيّ من عدم الإيمان، وأعتمد على حضورك لكي تقهره وتطرده. إنّ نفسي تنفتح على الدوام لترى أكثر كيف أنّك أنت نفسك حياتي وقداستي. أنت توسّع قلبي ليفرح بك أنت بوصفك كلّ شيء لي، وليتيقّن أنّك أنت نفسك تمتلك هيكل كياني وتملؤه بمجدك. أنت تعلّمني أن أفهم أنّه، مهما كانت الاختبارات واهنة وبشريّة ومخيّبة، فروحك القدّوس هو قوّة إيماني، يقودني لأنمو إلى ثقة بك أقوى وأوسع، أنت الذي فيك أنا مقدَّس. يا مخلّصي! آخذ اليوم كلمتك: «مقدسين بالإيمان بي»، إعلانًا جديدًا لمحبّتك ولقصدها من نحوي. فيك أنت نفسك قوّة قداستي؛ وفيك قوّة إيماني. تبارك اسمك لأنّك أعطيتني أنا أيضًا مكانًا بين الذين تتكلّم عنهم: «مقدسين بالإيمان بي». آمين.
1. لنذكر أنّ القوّة على التقديس ليست للإيمان الذي يتعامل مع المسيح خصّيصًا لأجل التقديس فحسب، بل لكلّ إيمان حيّ. فكلّ ما يُلقي النفس بالتمام على يسوع، وكلّ ما يستدعي ثقة شديدة وبسيطة، سواء أكان امتحان الإيمان أم صلاة الإيمان أم عمل الإيمان، يساعد على أن يجعلنا قدّيسين، لأنّه يُدخلنا في اتّصال حيّ بالقدّوس.
2. بالروح القدس وحده يُعلَن المسيح وقداسته يومًا فيومًا ويصيران لنا مِلكًا فعليًّا. ولذلك فالإيمان الذي يقبله هو أيضًا من الروح. سلّم نفسك ببساطة وثقة لعمله. لا تخف كأنّك لا تستطيع أن تؤمن: إنّ فيك «رُوحُ ٱلْإِيمَانِ»، فلك القدرة على أن تؤمن. ولك أن تسأل الله أن يؤيّدك بقوّة بروحه في الإنسان الباطن، لأجل الإيمان الذي يقبل المسيح في السكنى التي لا تعرف انقطاعًا.
3. ليس لي من الإيمان إلّا بقدر ما لي من الروح. أفليس هذا إذن ما أحتاج إليه أكثر من كلّ شيء: أن أحيا بالتمام تحت تأثير الروح؟
4. كما أنّ العين في الرؤية تتقبّل، وتستسلم لتدع الشيء الموضوع أمامها يترك انطباعه، كذلك الإيمان هو الانطباع الذي يتركه الله في النفس حين يقترب. أَلم يكن إيمان إبراهيم ثمرة اقتراب الله منه وكلامه معه، الانطباع الذي تركه الله فيه؟ فلنسكن لكي نتأمّل في السرّ الإلهيّ، سرّ المسيح قداستنا: فحضوره، حين يُنتظر ويُعبد، سيصنع الإيمان. أي إنّ الروح الذي ينبثق منه إلى الذين يتمسّكون به، سيكون إيمانًا.
5. قداسةٌ بالإيمان بيسوع، لا بجهدٍ منك أنت،
وسلطانُ الخطيّة مسحوقٌ محطَّم بقوّة النعمة وحدها،—
قداسةُ الله نفسه فيك، وجمالُه هو على جبينك،—
هذا سيكون بهاءك في غربتك، وهذا نصيبك المبارك الآن.
ف. ر. هـ.
اليوم التاسع عشر.
اكتمل الفصل 19
القداسة والإيمان