مقدّسون في المسيح
مقدّمة

فصل 1 · قراءة 3 د · استماع 4 د

مقدّمة


ليس في الكتاب المقدّس كلمةٌ أوضحُ إلهيّةً في أصلها ومعناها من كلمة «قدّوس». وليس فيه كلمةٌ ترفعنا أعلى منها إلى سرّ الألوهة، ولا تُدخلنا أعمق منها إلى امتياز أولاد الله وغبطتهم. ومع ذلك فهي كلمة لم يدرسها كثير من المسيحيين قطّ، ولم يفهموها.

وليس قليلين أولئك الذين يستطيعون أن يسبّحوا الله لأنّ الشعار «كُونُوا قِدِّيسِينَ» قد رُفع في السنوات العشرين الماضية في كنائس وأوساط مسيحية كثيرة بجدّية أكبر من ذي قبل. ففي الكتب والمجلات، وفي المؤتمرات والاجتماعات، وفي شهادات المؤمنين وحياتهم، لدينا علامات وفيرة على أنّ ما يُسمّى حركةَ القداسة حقيقةٌ واقعة.

ومع ذلك، فما أكثر ما لا يزال ناقصًا! وما أكثر جموع المسيحيين المؤمنين الذين ليس لهم عن القداسة إلّا أشدّ الأفكار غموضًا! وكم من الساعين إليها لم يكادوا يتعلّمون ما معنى أن يأتوا إلى كلمة الله وإلى الله نفسه طلبًا للتعليم الذي وحده يقدر أن يكشف هذا الجانب من سرّ المسيح وسرّ الله! فالقداسة عند كثيرين لم تكن إلّا تعبيرًا عامًّا عن الحياة المسيحية في صورتها الأكثر جدّية، من غير تفكير يُذكر فيما تعنيه الكلمة حقًّا.

لقد كان غرضي في كتابة هذا الكتاب الصغير أن أكتشف بأيّ معنى يستعمل الله هذه الكلمة، لكي تعني لنا ما تعنيه له. وقد سعيت إلى تتبّع الكلمة في بعض أهمّ مواضع الكتاب المقدّس التي ترد فيها، لأتعلّم هناك ما هي قداسة الله، وما ينبغي أن تكون قداستنا، وما الطريق الذي نبلغها به. وقد حرصت حرصًا خاصًّا على أن أبيّن كم هي كثيرة ومتنوّعة العناصر التي تتألّف منها القداسة الحقيقية، بوصفها التعبير الإلهي عن الحياة المسيحية في كل ملئها وكمالها. وفي الوقت نفسه اجتهدت على الدوام أن أُبقي نُصب عينيّ ما فيها من وحدة وبساطة عجيبتين، إذ تتمركز في شخص يسوع. وكلّما تقدّمت في عملي ازداد شعوري عمقًا بسموّ المهمّة التي أخذتها على عاتقي حين عرضت أن أقود الآخرين ولو إلى الديار الخارجية لمَقدِس العليّ. ومع ذلك فإنّ صعوبة المهمّة نفسها أقنعتني بشدّة الحاجة إليها.

أخشى أن يكون هذا الكتاب خيبةَ أملٍ لبعضهم. فقد سمعوا أنّ الدخول إلى حياة القداسة كثيرًا ما لا يكون إلّا خطوة واحدة. وسمعوا عن مؤمنين، أو رأوهم، يحدّثون عن التغيير المبارك الذي طرأ على حياتهم منذ وجدوا سرّ القداسة العجيب بالإيمان. وهم الآن يبحثون عن هذا السرّ. ولا يستطيعون أن يفهموا أنّ السرّ يأتي إلى الذين لا يطلبونه هو، بل يطلبون يسوع وحده. وكانوا يودّون لو وجدوا كتابًا يُجمع فيه كل ما يحتاجون إلى معرفته عن القداسة والطريق إليها في دروس قليلة بسيطة، سهلةِ التعلّم والتذكّر والممارسة. وهذا لن يجدوه. نعم، لا يزال لتلاميذ يسوع يومُ خمسين؛ لكنّه يأتي إلى من ترك كل شيء ليتبع يسوع وحده، وفي اتّباعه الكامل أتاح للمعلّم أن يوبّخه ويعلّمه. وكثيرًا ما تكون هناك إعلانات مباركة جدًّا للمسيح مخلّصًا من الخطية، في المخدع السرّي وفي اجتماعات القدّيسين على السواء؛ لكنّها تُعطى للذين أُعدّت لهم، والذين أُعدّوا لقبولها. فليتعلّم الجميع أن يتّكلوا على يسوع ويفرحوا به، وإن لم يكن اختبارهم كما يتمنّون. إنّه سيجعلنا قدّيسين. ولكن سواء أكنّا قد دخلنا الحياة المباركة، حياة الإيمان بيسوع بوصفه تقديسنا، أم كنّا لا نزال نشتاق إليها من بعيد، فإنّنا جميعًا نحتاج إلى أمر واحد: أن نقبل قبولًا بسيطًا مؤمنًا مطيعًا كل كلمة تكلّم بها إلهنا. وقد كانت رغبتي الحارّة أن أكون معينًا لإيمان إخوتي، إذ أسعى أن أتتبّع معهم إعلان قداسة الله العجيب عبر الأجيال كما هو مدوَّن في كلمته المباركة. وكانت صلاتي الدائمة أن يستخدم الله ما كُتب ليزيد في أولاده اليقينَ بأنّه يجب أن نكون قدّيسين، والمعرفةَ بكيف نكون قدّيسين، والفرحَ بأنّه يحقّ لنا أن نكون قدّيسين، والإيمانَ بأنّنا نستطيع أن نكون قدّيسين. وليُنهضنا جميعًا لنصرخ إليه نهارًا وليلًا طالبين افتقادًا من روح القداسة وقوّتها لكل شعبه، حتى يصير اسم المسيحيّ واسم القدّيس مترادفين، ويكون كل مؤمن «إِنَاءً … مُقَدَّسًا، نَافِعًا لِلسَّيِّدِ».

أ. م.

ولينغتون، 16 نوفمبر 1887.

صفحة 1 / 1 · 3 دقيقة متبقية في الفصل
التالي