مقدّسون في المسيح
القداسة والصلب

فصل 18 · قراءة 8 د · استماع 10 د

القداسة والصلب

«لِأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدَّسِينَ فِي ٱلْحَقِّ» (يوحنا 17:19).

«قَالَ: ‹هَأَنَذَا أَجِيءُ لِأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ› … فَبِهَذِهِ ٱلْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً … بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى ٱلْأَبَدِ ٱلْمُقَدَّسِينَ» (عبرانيين 10:9-10، 14).

في صلاته بوصفه رئيس الكهنة، وهو في طريقه إلى جثسيماني والجلجثة، قال يسوع للآب: «أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي». وقبل ذلك بقليل كان قد تكلّم عن نفسه بوصفه الابن «ٱلَّذِي قَدَّسَهُ ٱلْآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى ٱلْعَالَمِ». ونحن نألف من لغة الكتاب المقدّس الفكرةَ القائلة إنّ ما قدّسه الله ينبغي للإنسان أن يقدّسه هو أيضًا. فعمل الآب في تقديس الابن هو الأساس والقاعدة لعمل الابن في تقديس نفسه. فإن كان لقداسته بوصفه إنسانًا أن تكون مِلكًا حرًّا وشخصيًّا، مقبولًا ومتمثَّلًا في تقرير ذاتيّ إراديّ وواعٍ، فلم يكن كافيًا أن يقدّسه الآب، بل كان عليه أن يقدّس نفسه هو أيضًا.


وقد جرى تقديس ربّنا لنفسه هذا طوال حياته كلّها، لكنّه بلغ ذروته وظهر بوضوح خاصّ في صلبه. أمّا جوهره فتوضحه كلمات الرسالة إلى العبرانيّين. فقد تكلّم المسيّا قائلًا: «هَأَنَذَا أَجِيءُ لِأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ». ثمّ يُضاف: «فَبِهَذِهِ ٱلْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ». فتقديم جسد المسيح هو ما كان مشيئة الله، وبإتمامه تلك المشيئة قدّسنا. وعن إتمامه تلك المشيئة بتقديم جسده تكلّم قائلًا: «أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدَّسِينَ فِي ٱلْحَقِّ». إنّ تخلّيه عن مشيئته لمشيئة الله في جهاد جثسيماني، ثمّ إتمامه تلك المشيئة بالطاعة حتّى الموت، هذا هو تقديس المسيح لنفسه ولنا أيضًا. فلنحاول أن نفهم هذا.

تُعلَن قداسة الله في مشيئته. فالقداسة حتّى في الكائن الإلهيّ لا قيمة أدبيّة لها إلّا بقدر ما تُراد بحرّية. وقد بيّن اللاهوتيّون في كلامهم عن الثالوث كيف أنّه، إذ يمثّل الآب الضرورة المطلقة للصلاح الأزليّ، يُثبت الابن حرّيته: ففي الكائن الإلهيّ يُراد هذا الصلاح في المحبّة. وهذا بعينه كان عمل الابن على الأرض، وسط تجارب حياة بشريّة ومحنها: أن يقبل مشيئة الآب ويتمسّك بها مهما كلّفه ذلك، وأن يريدها بكلّ قلبه. «مَعَ كَوْنِهِ ٱبْنًا تَعَلَّمَ ٱلطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ». وفي جثسيماني بلغ الصراع بين مشيئة الطبيعة البشريّة والمشيئة الإلهيّة ذروته، فظهر في كلام يكاد يجعلنا نرتعد خوفًا على براءته من الخطيّة، إذ يتكلّم عن مشيئته في مقابل مشيئة الله. لكنّ الصراع انتهى بالنصرة، لأنّه، وهو في أوضح وعي لمعنى أن تكون له مشيئته الخاصّة، يتخلّى عنها ويقول: «فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ». ولكي يدخل في مشيئة الله يبذل حياته نفسها. وهكذا يُعلن في صلبه ناموس التقديس. فالقداسة هي دخول مشيئتنا دخولًا كاملًا في مشيئة الله. بل بالأحرى: القداسة هي دخول مشيئة الله لتكون موتًا لمشيئتنا. والنهاية الوحيدة لمشيئتنا والنجاة منها هي الموت عنها تحت دينونة الله العادلة. ففي التسليم لموت الصليب قدّس المسيح نفسه وقدّسنا، لكي نكون نحن أيضًا مقدَّسين في الحقّ.

والآن، كما قدّسه الآب، وهو بمقتضى ذلك تملّك هذا التقديس وقدّس نفسه، كذلك نحن الذين قدّسهم هو علينا أن نتملّكه لأنفسنا. لم يكن للمسيح أن يحقّق التقديس الذي ناله من الآب بطريق غير الصلب، أي بذل نفسه للموت. ولا نستطيع نحن أن نحقّق التقديس الذي لنا فيه بطريق آخر. فتقديسه وتقديسنا يحملان كلاهما ختم الصليب. وقد رأينا من قبل أنّ الطاعة هي طريق القداسة. وفي المسيح نرى أنّ الطريق إلى القداسة الكاملة هو الطاعة الكاملة؛ وهي الطاعة حتّى الموت، حتّى بذل الحياة، موت الصليب. وإذ يحمل التقديس الذي أتمّه المسيح لأجلنا، حتّى تقديم جسده، سِمةَ الموت، فلا نستطيع أن نشترك فيه ولا أن ندخله إلّا بقدر ما نموت عن الذات ومشيئتها. الصلب هو الطريق إلى التقديس.

وهذا الدرس منسجم مع كلّ ما رأيناه. فأوّل إعلان لقداسة الله لموسى صحبه الأمر: اخلع. وتسبيح الله، المعتزّ في القداسة، المخوف بالتسابيح، ارتفع فوق جثث المصريّين. وحين أُمر موسى على سيناء أن يقدّس الجبل، قيل عمّن يمسّه: «بَهِيمَةً كَانَ أَمْ إِنْسَانًا لَا يَعِيشُ». قداسة الله موت لكلّ ما يلامس الخطيّة. ولم يكن الدخول إلى قدس الأقداس إلّا بالموت، بسفك الدم. وقد اختار المسيح الموت، بل الموت لعنةً، لكي يقدّس نفسه لأجلنا، ويفتح لنا الطريق إلى القداسة، إلى قدس الأقداس، إلى القدّوس. وهكذا الأمر إلى الآن. لا يستطيع إنسان أن يرى الله ويعيش. ففي الموت وحده، موت الذات والطبيعة، نستطيع أن نقترب وننظر الله. والمسيح تقدّمنا في هذا الطريق. لا يستطيع إنسان أن يرى الله ويعيش. «فدعني أموت إذن يا رب، لكن لا بد لي أن أراك»، هكذا صرخ أحدهم. نعم، تبارك الله، إنّ نصيبنا في المسيح واتّحادنا به حقيقيّان إلى حدّ أنّنا نستطيع أن نحيا في موته؛ وإذ تُحفظ الذات يومًا فيومًا في موضع الموت، تصير حياة المسيح وقداسته لنا.

وأين موضع الموت هذا؟ وكيف يتمّ فينا الصلب الذي يقود إلى القداسة وإلى الله؟ شكرًا لله! إنّه ليس عملًا من أعمالنا، ولا مسارًا مُضنيًا من صلب الذات. فالصلب الذي سيقدّسنا حقيقة تمّت. والصليب يحمل الراية: «قَدْ أُكْمِلَ». عليه قدّس المسيح نفسه لأجلنا، لكي نكون مقدَّسين في الحقّ. وصلبنا، كتقديسنا، أمر قد تمّ في المسيح تمامًا وكمالًا. «نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً». «بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى ٱلْأَبَدِ ٱلْمُقَدَّسِينَ». وفي ذلك الملء الذي سُرّ الآب أن يحلّ في المسيح، يكون صلب إنساننا العتيق، والجسد، والعالم، وذواتنا، كلّه حقيقة روحيّة؛ ومن يشتهي المسيح ويعرفه ويقبله ينال هذا كلّه فيه نوالًا كاملًا. وإذ يُطلب المسيح من جديد، وقد عُرف قبلًا في نعمته الغافرة والمحيية والمخلِّصة أكثر من سواها، بوصفه منقذًا حقيقيًّا من سلطان الخطيّة، بوصفه مقدِّسًا، فإنّه يأتي ويُدخل النفس إلى شركة ذبيحة مشيئته. فلا بدّ أن يصير القول «لِيُبْطِلَ ٱلْخَطِيَّةَ بِذَبِيحَةِ نَفْسِهِ» صادقًا فينا كما هو صادق فيه. إنّه يُعلن كيف أنّ من خلاصه أن يجعلنا شركاء في مشيئة مسلَّمة بالتمام لمشيئة الله، وفي حياة أسلمت نفسها للموت ثمّ رُدّت من الأموات بقدرة الله، حياةٍ كان صلب مشيئة الذات روحَها وقوّتها. يُعلن هذا، والنفس التي تراه وترضى به، وتسلّم مشيئتها وحياتها، وتؤمن بيسوع موتًا لها وحياةً، وبصلبه مِلكًا لها وميراثًا، تدخل إلى التمتّع به واختباره. فتصير لغتها الآن: «مُتُّ … لِأَحْيَا … مَعَ ٱلْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لَا أَنَا، بَلِ ٱلْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ». والحياة التي تحياها الآن هي بالإيمان بابن الله، أي القبول اليوميّ بالإيمان للذي يحيا فينا بقوّة موتٍ اجتازه وأتمّه إلى الأبد.

«لِأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدَّسِينَ فِي ٱلْحَقِّ». «هَأَنَذَا أَجِيءُ لِأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا ٱللهُ … فَبِهَذِهِ ٱلْمَشِيئَةِ» —أي مشيئة الله التي أتمّها المسيح— «نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ». فلنفهم هذا ونتمسّك به: إنّ تخلّي المسيح عن مشيئته في جثسيماني وقبوله مشيئة الله بموته، وإتمام المسيح تلك المشيئة بالطاعة حتّى موت الصليب، هذا هو تقديسه لنفسه، وهذا هو تقديسنا في الحقّ. «فَبِهَذِهِ ٱلْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ». إنّ الموت عن الذات، والتخلّي الكامل والمطلق عن حياتنا نفسها، بمشيئتها وقوّتها وغاياتها، للصليب وفي صلب المسيح، وحمل الصليب كلّ يوم —لا صليبًا لم نُصلب عليه بعد، بل صليب المسيح المصلوب بقوّته على أن يُميت ويُفني— هذا هو سرّ حياة القداسة، هذا هو التقديس الحقيقيّ.

أيّها المؤمن! أهذه هي القداسة التي تطلبها؟ هل رأيت ورضيت أنّ الله وحده قدّوس، وأنّ الذات كلّها غير مقدَّسة، وأنّه لا سبيل إلى أن تصير مقدَّسًا إلّا بأن تدخل نار القداسة الإلهيّة وتكون موتًا للذات؟ «حَامِلِينَ فِي ٱلْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا»: هذا هو الطريق لكلّ من يطلب أن يكون مقدَّسًا في الحقّ، كما قدّس هو نفسه؛ مقدَّسًا تمامًا كيسوع.

لقد قدّس نفسه لأجلنا، لكي نكون نحن أيضًا مقدَّسين في الحقّ. نعم، إنّ تقديسنا يستقرّ في تقديسه ويتأصّل فيه، فيه هو نفسه. ونحن فيه. فجذور كياننا الخفيّة مغروسة في يسوع: وهناك، في عمق أبعد ممّا نستطيع أن نرى أو نشعر، هو كرمتنا يحملنا ويحيينا. فلنفهم بالإيمان أنّنا، على نحو وبقدر يفوقان إدراكنا كثيرًا، نحو إلهيّ وحقيقيّ إلى أقصى حدّ، كائنون فيه هو الذي قدّس نفسه لأجلنا. فلنمكث هناك، حيث أقامنا الله. ولنحنِ ركبنا لدى الآب، لكي يهبنا أن نتأيّد بقوّة بروحه، ليحلّ المسيح في قلوبنا بوصفه تقديسنا، وتُعلَن فينا قوّة موته وحياته، وتكون مشيئة الله فينا كما كانت فيه.

كونوا قدّيسين لأنّي أنا قدّوس.

أيّها الآب القدّوس! أباركك لأجل هذه الكلمة الثمينة المباركة، لأجل هذا العمل الثمين المبارك الذي لابنك الحبيب. ففي شفاعته التي لا تنقطع تسمع أنت على الدوام الصلاة العجيبة: «لِأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدَّسِينَ فِي ٱلْحَقِّ».

أيّها الآب المبارك! أتوسّل إليك أن تؤيّدني بقوّة بروحك، لكي أستطيع بإيمان حيّ أن أقبل القداسة المُعدّة لي في ربّي يسوع وأن أحياها. أعطني فهمًا روحيًّا لأعرف ما معنى أنّه قدّس نفسه، وأنّ تقديسي مضمون في تقديسه، وأنّي إذ أثبت فيه بالإيمان تغطّي قوّته حياتي كلّها. ليكن تقديسه حقًّا ناموسَ تقديسي كما هو حياته. ليكن تسليمه لمشيئتك الأبويّة، واتّكاله وطاعته الدائمان، أصلَه وقوّته. ليكن موته عن العالم وعن الخطيّة قانونه اليوميّ. وفوق كلّ شيء، ليكن هو نفسه، يا أبي! ليكن هو نفسه، بوصفه المقدَّس لأجلي، يسوع الحيّ، متّكلي وسندي الوحيد. لقد قدّس نفسه لأجلي، لكي أكون أنا أيضًا مقدَّسًا في الحقّ.

أيّها المخلّص الحبيب! كيف أباركك وأحبّك وأمجّدك كما يليق لأجل هذه النعمة العجيبة! لقد بذلت نفسك، حتّى صرت الآن مقدَّسًا فيك. وأنا أبذل نفسي، لكي أصير أنا أيضًا مقدَّسًا فيك في الحقّ. آمين. أيّها الرب يسوع! آمين.

1. «إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي». يقصد يسوع أن تكون حياتنا صورة مطابقة تمامًا لحياته، حتّى الصلب نفسه. وبداية هذه الحياة هي إنكار الذات، لكي يأخذ المسيح مكانها. أمّا اليهود فلم يشاؤوا أن ينكروا الذات، بل «أنكروا القدوس، وقتلوا رئيس الحياة». ولا يزال الاختيار بين المسيح والذات. فلننكر غير المقدَّس، ولنسلّمه إلى الموت.

2. وهذه هي خطوات هذا الطريق: أوّلًا، القرار المتعمَّد بأن تُسلَّم الذات إلى الموت؛ ثمّ التسليم للمسيح المصلوب ليجعلنا شركاء في صلبه؛ ثمّ، «عَالِمِينَ … أَنَّ إِنْسَانَنَا ٱلْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ»، الإيمان الذي يقول: «مَعَ ٱلْمَسِيحِ صُلِبْتُ»؛ ثمّ القوّة على أن نحيا كمصلوبين، وأن نفتخر بصليب المسيح.

3. هذا هو طريق الله إلى القداسة، سرّ إلهيّ لا يقدر أن يحفظه فينا كلّ يوم إلّا الروح القدس وحده. تبارك الله، إنّها الحياة التي يستطيع المسيحيّ أن يحياها، لأنّ المسيح يحيا فينا.

4. الفكرة المحوريّة هي: نحن في المسيح، الذي تخلّى عن مشيئته وصنع مشيئة الله. وبالروح القدس يكون فينا الفكر الذي كان فيه، فتُصلب مشيئة الذات، ونحيا في مشيئة الله.


اليوم الثامن عشر.

صفحة 1 / 1 · 8 دقيقة متبقية في الفصل
السابق التالي