مقدّسون في المسيح
القداسة والحقّ

فصل 17 · قراءة 8 د · استماع 11 د

القداسة والحقّ

«قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كَلَامُكَ هُوَ حَقٌّ» (يوحنا 17:17).

«ٱللهَ ٱخْتَارَكُمْ … لِلْخَلَاصِ، بِتَقْدِيسِ … وَتَصْدِيقِ ٱلْحَقِّ» (تسالونيكي الثانية 2:12).

إنّ الوسيلة الرئيسيّة للتقديس التي يستخدمها الله هي كلمته. ومع ذلك، ما أكثر ما يجري من قراءة الكلمة ودرسها، ومن تعليمها والوعظ بها، ممّا لا يكاد يكون له أثر في جعل الناس قدّيسين. فليست الكلمة هي التي تقدّس؛ بل الله نفسه هو وحده الذي يستطيع أن يقدّس. وهو لا يفعل ذلك بالكلمة وحسب، بل بالحقّ الذي في الكلمة. فالكلمة، بوصفها وسيلة، لها قيمة لا يُعبَّر عنها، إذ هي الإناء الذي يحوي الحقّ، إن استخدمها الله؛ وهي، بوصفها وسيلة، بلا قيمة إن لم يستخدمها الله. فلنجتهد أن نربط كلمة الله المقدّسة بالإله القدّوس نفسه. الله يقدّس في الحقّ بواسطة كلمته.

كان يسوع قد قال للتوّ: «ٱلْكَلَامَ ٱلَّذِي أَعْطَيْتَنِي قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ». فلنحاول أن ندرك ما يعنيه ذلك. فكّر في ذلك العمل العظيم في الأزل: الكائن غير المحدود، الذي ندعوه الله، يعطي كلامه لابنه؛ فاتحًا قلبه في كلامه، ومُبلغًا فكره ومشيئته، ومُعلنًا ذاته وكلّ قصده ومحبّته. لقد أعطى الله المسيحَ كلامه بقوّة إلهيّة وحقيقة تفوقان كلّ تصوّر. وبالقوّة الحيّة ذاتها أعطاه المسيح لتلاميذه، ممتلئًا كلّه بحياة إلهيّة وطاقة تعمل في قلوبهم، بقدر ما كانوا يستطيعون أن يقبلوه. وكما أنّنا نتوقّع أن نجد في كلام الإنسان على الأرض كلّ ما فيه من حكمة أو صلاح، كذلك كلمة القدّوس المثلّث التقديس حيّة كلّها بقداسة الله. فكلّ النار المقدّسة، نار غيرته المتّقدة ومحبّته المتّقدة على السواء، تسكن في كلامه.

ومع ذلك يستطيع الناس أن يتداولوا هذا الكلام، ويدرسوه، وينطقوا به، وهم غرباء تمامًا عن قداسته، أو عن قوّته على التقديس. فالله نفسه، القدّوس، هو الذي يجب أن يقدّس بواسطة الكلمة. كلّ بذرة تحوي حياة شجرة يحيط بها غلاف أو قشرة تحمي الحياة الداخليّة وتخفيها. ولا تستطيع البذرة أن تنبت وتنمو إلّا حيث تجد لها مكانًا في تربة ملائمة، وتنشقّ القشرة وتُنزَع. وكذلك لن تقدّس الكلمة حقًّا إلّا حيث يوجد قلب منسجم مع قداسة الله، يشتاق إليها ويُسلم نفسه لها. فالقلب الذي لا يكتفي بالكلمة، بل يطلب القدّوس الحيّ في الكلمة، هو الذي سيُعلن له الحقّ، ويُعلن نفسه فيه. والكلمة المعطاة لنا من المسيح كما أعطاه الله إيّاها، والمقبولة منّا كما قبلها هو، لتملك على حياتنا وتملأها، هي التي لها القوّة على التقديس.

لكن يجب أن نلاحظ على نحو خاصّ جدًّا كيف يقول مخلّصنا: قدّسهم، لا في الكلمة، بل في الحقّ. فكما أنّ في الإنسان جسدًا ونفسًا وروحًا، كذلك في الحقّ أيضًا. فهناك أوّلًا حقّ الكلمات؛ إذ قد يكون للإنسان الصيغة الصحيحة من الكلمات بينما لا يدرك حقًّا الحقّ الذي تحويه. ثمّ هناك حقّ الفكر؛ فقد يكون هناك إدراك عقليّ واضح للحقّ من دون اختبار قوّته. أمّا الكتاب المقدّس فيتكلّم عن الحقّ بوصفه حقيقة حيّة: هذا هو حقّ الحياة، الذي فيه دخل روح الحقّ الذي نعترف به نفسُه إلى كياننا الداخليّ وامتلكه. يدعو المسيح نفسه الحقّ: ويُقال عنه إنّه مملوء نعمة وحقًّا. فالحياة الإلهيّة والنعمة فيه وجودٌ جوهريّ فعليّ وحقيقة. وهو لا يؤثّر فينا بالأفكار والدوافع فحسب، بل يمنحنا، بوصفها حقيقة، الحياة الأبديّة التي أتى بها لنا من عند الآب. والروح القدس يُدعى روح الحقّ؛ وكلّ ما يمنحه حقيقيّ وفعليّ، هو جوهر الأمور غير المنظورة عينه؛ إنّه يرشد إلى الحقّ، لا إلى حقّ الفكر أو العقيدة فقط، بل إلى حقّ الحياة، أي الامتلاك الشخصيّ للحقّ كما هو في يسوع. وبوصفه روح الحقّ هو روح القداسة؛ فحياة الله، التي هي قداسته، يأتي بها إلينا ملكًا فعليًّا.

وعن هذا الحقّ الحيّ، الساكن في الكلمة كما تسكن حياة البذرة في القشرة، يقول يسوع الآن: «قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كَلَامُكَ هُوَ حَقٌّ». إنّه يريدنا أن نلاحظ الصلة الوثيقة، والفرق الواسع أيضًا، بين الكلمة والحقّ. فالصلة صلة أرادها الله وقصد ألّا تنفصم. «كَلَامُكَ هُوَ حَقٌّ»؛ فعند الله هما واحد. أمّا عند الإنسان فلا. فكما كان هناك أناس على تماسّ وثيق ومعاشرة دائمة مع يسوع، لم يكن عندهم إلّا إنسانًا، لا أكثر، كذلك هناك مسيحيّون يعرفون الكلمة ويفهمونها، ومع ذلك هم غرباء عن قوّتها الروحيّة الحقيقيّة. لهم الحرف لا الروح؛ ويأتيهم الحقّ بالكلام لا بالقوّة. والكلمة لا تقدّسهم، لأنّهم لا يمسكونها بالروح والحقّ. وأمّا الآخرون، على العكس، الذين يعرفون ما معنى قبول محبّة الحقّ، والذين يُسلمون أنفسهم، في كلّ تعاملهم مع الكلمة، لروح الحقّ الساكن فيها وفيهم أيضًا، فتأتيهم الكلمة حقًّا بوصفها الحقّ، بوصفها حقيقة إلهيّة، تمنح وتعمل ما تتكلّم عنه. وعن مثل هذا الاستعمال للكلمة يقول المخلّص: «قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كَلَامُكَ هُوَ حَقٌّ». فكما أنّ الكلام الذي أعطاه الله إيّاه كان كلّه في قوّة حياة الله ومحبّته ومشيئته الأبديّة، إعلانًا لقصد الآب وإبلاغًا له، وكما أنّ كلمة الله كانت حقًّا له وفيه، كذلك يمكن أن تكون فينا. وإذ نقبلها هكذا نتقدّس في الحقّ.

فما هي الآن الدروس التي علينا أن نتعلّمها هنا لطريق القداسة؟ الأوّل هو: لنحرص في كلّ تعاملنا مع كلمة الله المباركة على ألّا نكتفي بشيء دون اختبارها بوصفها حقّ الله، روحًا وقوّة. قال يسوع: «إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلَامِي … وَتَعْرِفُونَ ٱلْحَقَّ». ما من تحليل يستطيع أبدًا أن يكتشف حياة البذرة أو يُثبتها: ازرعها في تربتها الملائمة، فيشهد النموّ للحياة. فلا نستطيع أن نعرف حقّ كلمة الله، ونعرف أنّها حقّ الله، إلّا بقدر ما نقبلها بمحبّة، وبقدر ما تنمو وتعمل فينا. فإذ نحيا في كلام يسوع، في محبّة وطاعة، حافظين إيّاه وعاملين به، ينكشف لنا الحقّ الآتي من السماء، قوّة الحياة الإلهيّة التي فيه. المسيح هو الحقّ؛ ففيه أتت المحبّة والنعمة، بل حياة الله نفسها، إلى الأرض وجودًا جوهريًّا، وقوّة حيّة قديرة، شيئًا جديدًا لم يكن على الأرض من قبل (يوحنا 1:17)؛ فلنُسلم أنفسنا للمسيح الحيّ ليمتلكنا ويملك علينا بوصفه الحقّ الحيّ، وحينئذ تكون كلمة الله حقًّا لنا وفينا.

روح المسيح هو روح الحقّ؛ فتلك الحقيقة السماويّة الفعليّة، حقيقة الحياة والمحبّة الإلهيّتين في المسيح، أي الحقّ، لها روح يأتي ليبلّغها ويمنحها. فلنحذر من محاولة دراسة كلمة الله أو فهمها أو امتلاكها بدون ذلك الروح الذي به نُطق بالكلمة قديمًا؛ فإنّنا لن نجد إلّا القشرة، الحقّ أو الفكر والعاطفة، جميلًا جدًّا ربّما، ولكن بلا قوّة على أن يجعلنا قدّيسين. يجب أن يكون فينا روح الحقّ. فهو يرشدنا إلى الحقّ؛ ومتى كنّا في الحقّ، يقدّسنا الله فيه وبه. يجب أن يكون الحقّ فينا، ونحن فيه. الله يُسرّ بالحقّ في الباطن: يجب أن نكون من الناس الذين يقول عنهم المسيح: «لو كنتم من الحق»، «من هو من الحق يعرفني». ففي الدائرة الأدنى من الحياة اليوميّة والسلوك، ومن الفكر والعمل، يجب أن تكون هناك محبّة شديدة للحقّ، واستعداد للتضحية بكلّ شيء لأجله؛ وفي الحياة الروحيّة جوعٌ عميق لأن تقوم ديانتنا كلّها، كلّ يوم وكلّ لحظة، قيامًا كاملًا في حقّ الله. فللروح البسيطة المتواضعة التي كروح الطفل يُفَكّ ختم حقّ الكلمة ويُعلَن. وفي أمثال هؤلاء يأتي روح الحقّ ليسكن. وفي أمثال هؤلاء، إذ ينتظرون يوميًّا أمام القدّوس في صمت وفراغ، في مهابة ومخافة مقدّسة، يعمل روحه القدّوس ويعطي الحقّ في الداخل. وإذ يمنحهم هكذا المسيحَ كما أُعلن في الكلمة، في حياته ومحبّته الإلهيّتين، حياةً لهم، يقدّسهم بقداسة المسيح.

وهناك درس آخر. أصغِ إلى تلك الصلاة، الصدى الأرضيّ للصلاة التي هو حيّ في كلّ حين ليصلّيها: «أَيُّهَا ٱلْآبُ ٱلْقُدُّوسُ … قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ». أتريد أن تكون قدّيسًا يا ولد الله؟ ألقِ نفسك في ذلك التيّار القويّ من الشفاعة، الجاري دائمًا إلى حضن الآب والبالغ إليه دائمًا. دع نفسك تُحمَل عليه إلى أن تصرخ نفسك كلّها، بالأنّات التي لا يُنطق بها، الأعمق والأشدّ من أن يعبّر عنها كلام بشريّ: «أيها الآب القدوس، قدسني في الحق». وإذ تتّكل على المسيح بوصفه الحقّ، أي حقيقة ما تشتاق إليه، وعلى شفاعته الغالبة كلّ شيء؛ وإذ تنتظر الروح في داخلك بوصفه روح الحقّ؛ ارفع نظرك إلى الآب، وتوقّع عمله المباشر القدير ليجعلك قدّيسًا. إنّ سرّ القداسة هو سرّ الواحد المثلّث الأقانيم. والدخول الأعمق إلى الحياة المقدّسة قائم في الشركة مع الثلاثة في واحد. فالآب هو الذي يثبّتنا في المسيح، والذي يعطي الروح القدس عطاءً متجدّدًا كلّ يوم؛ وإلى الآب، الآب القدّوس، يجب أن ترفع النفس نظرها على الدوام في الصلاة: «قدسني في الحق».

لقد أُحسن القول إنّ لنا في كلمة «قدوس» الفكرة المركزيّة في الصلاة الشفاعيّة الكهنوتيّة. فبوصفها صفة الآب (يوحنا 17:11)، وعمل الابن لأجل نفسه ولأجلنا (الآية 19)، والعمل المباشر للآب بالروح (الآيتان 17، 20)، فهي إعلان مجد الله في ذاته وفينا. فلندخل إلى قدس الأقداس، وإذ ننحني مع رئيس كهنتنا العظيم، فليصعد الصراخ العميق الذي لا ينقطع لأجل كنيسة الله كلّها: «أَيُّهَا ٱلْآبُ ٱلْقُدُّوسُ … قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كَلَامُكَ هُوَ حَقٌّ». والكلمة التي بها يقدّس الله تتلخّص في هذا: مقدّسون في المسيح. ليجعلها الله حقًّا فينا!

كونوا قدّيسين كما أنّي أنا قدّوس.

أيّها الآب المبارك! لقد قلت لإسرائيل: أنا الرب قدّوس ومقدِّس. لكنّ ملء مجد قداستك، بوصفها تقدّسنا، لم يُعلن إلّا في ابنك الحبيب. أنت أبونا القدّوس، الذي تقدّسنا في حقّك.

نشكرك لأنّ ابنك قد أعطانا الكلام الذي أعطيته إيّاه، ولأنّنا نستطيع أن نقبله نحن أيضًا كما قبله هو منك في حياة وقوّة. يا أبانا! بكلّ قلوبنا نقبله؛ فليجعله الروح حقًّا وحياةً فينا. هكذا نعرفك بوصفك القدّوس، الذي يُفني الخطيّة ويجدّد الخاطئ.

ونباركك أكثر من كلّ شيء لأجل ابنك المبارك، قدّوس الله، الكلمة الحيّ الذي يسكن فيه الحقّ. نشكرك لأنّ هذا الصراخ يبلغ إليك دائمًا في شفاعته التي لا تنقطع: «أَيُّهَا ٱلْآبُ … قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ»، ولأنّ الجواب يتدفّق دائمًا من مجدك. أيّها الآب القدّوس! قدّسنا في حقّك، في إعلانك العجيب لذاتك في الذي هو الحقّ. ليتسلّط روحك القدّوس على قلوبنا حتّى يكون لنا فتاك القدّوس يسوع، الذي يقدّس ذاته لأجلنا لكي نكون مقدّسين في الحقّ، الطريقَ والحقَّ والحياة. لنعلم أنّنا فيه في حضرتك، وأنّ كلمتك الواحدة جوابًا عن صلاتنا لكي تقدّسنا هي: مقدّسون في المسيح. آمين.

1. الله هو إله الحقّ، لا الحقّ في الكلام فقط، أو حقّ العقيدة، بل حقّ الوجود، أي الحياة في حقيقتها الإلهيّة. والمسيح هو الحقّ؛ التجسيد الفعليّ لهذه الحياة الإلهيّة. وهناك ملكوت للحقّ، للحقائق الروحيّة الإلهيّة، المسيح ملكه. وجوهر كلّ حقّ الله هذا في المسيح هو الروح. إنّه روح الحقّ: يرشدنا إليه، حتّى نكون من الحقّ ونسلك فيه. ومن الحقّ، أي الحقيقة التي في الله، تكون القداسة الجذر الأعمق؛ فروح الحقّ هو الروح القدس.

2. إنّه عمل الآب أن يقدّسنا في الحقّ: فلننحنِ منخفضين جدًّا في ثقة الأطفال إذ نتنفّس الصلاة: «أيها الآب القدوس، قدسنا في الحق». سيفعل ذلك.

3. إنّها شفاعة الابن التي تطلب هذه البركة وتنالها: فلنأخذ مكاننا فيه، ونفرح بيقين الاستجابة.

4. إنّه روح الحقّ الذي به يعمل الآب هذا العمل، حتّى نسكن في الحقّ ويسكن الحقّ فينا. فلنسلّم بحرّيّة كبيرة وبالتمام لقيادة الروح، في تعاملنا مع كلمة الله، لكي يقدّسنا الآب في الحقّ، كما يصلّي الابن.

5. فلنقرأ الكلمة، في نور عمل الواحد المثلّث هذا، دائمًا لهذه الغاية وحدها: أن يقدّسنا الله في الحقّ.


اليوم السابع عشر.

صفحة 1 / 1 · 8 دقيقة متبقية في الفصل
السابق التالي