فصل 16 · قراءة 9 د · استماع 11 د
الروح القدس
«قَالَ هَذَا عَنِ ٱلرُّوحِ ٱلَّذِي كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ، لِأَنَّ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لِأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ» (يوحنا 7:39).
«ٱلْمُعَزِّي، ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ، ٱلَّذِي سَيُرْسِلُهُ ٱلْآبُ بِٱسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ» (يوحنا 14:26).
«ٱللهَ ٱخْتَارَكُمْ … لِلْخَلَاصِ، بِتَقْدِيسِ ٱلرُّوحِ وَتَصْدِيقِ ٱلْحَقِّ» (تسالونيكي الثانية 2:13). (انظر بطرس الأولى 1:2.)
قيل أحيانًا إنّه بينما تبرز قداسة الله في العهد القديم بروزًا أوضح، فإنّها في العهد الجديد تفسح المجال لإعلان محبّته. وما كان لهذا القول أن يُقال لو أُدرك إدراكًا كاملًا أنّ الروح هو الله، وأنّه حين يتّخذ صفة «القدس» اسمًا خاصًّا به، فذلك ليعلّمنا أنّ قداسة الله ستقترب الآن أكثر من أيّ وقت مضى، وستُعلَن على نحو خاصّ بوصفها القوّة التي تجعلنا قدّيسين. ففي الروح القدس يقترب الله، قدّوس إسرائيل، والذي كان قدّوس الله، لإتمام الوعد: «أَنَا ٱلرَّبُّ مُقَدِّسُكُمْ». لقد أُعلنت قداسة الله غير المنظورة والتي لا يُدنى منها، وقُرّبت إلينا، في حياة المسيح يسوع؛ وكلّ ما كان يعيق اشتراكنا فيها أزاله موته. واسم الروح القدس يعلّمنا أنّ عمل الروح على نحو خاصّ هو أن يمنحنا إيّاها ويجعلها خاصّتنا.
حاول أن تدرك معنى هذا: إنّ الصفة التي كانت عبر العهد القديم كلّه للإله القدّوس، قد صارت الآن خاصّة بذلك الروح الذي فيك. فقداسة الله في المسيح تصير قداسةً فيك، لأنّ هذا الروح فيك. والكلمتان، والحقيقتان الإلهيّتان اللتان تعبّران عنهما، القدس والروح، قد اتّحدتا الآن اتّحادًا لا ينفصم وإلى الأبد. لا يمكنك أن تنال من الروح إلّا بقدر ما ترضى أن تنال من القداسة. ولا يمكنك أن تنال من القداسة إلّا بقدر ما لك من الروح الساكن فيك.
هناك من يصلّون لأجل الروح لأنّهم يشتاقون إلى نوره وفرحه وقوّته. ومع ذلك لا تجلب صلواتهم إلّا قليلًا من ازدياد البركة أو القوّة. وذلك لأنّهم لا يعرفونه ولا يشتهونه كما ينبغي بوصفه الروح القدس. فنقاوته المتّقدة، ونوره الفاحص المُبكِّت، وإماتته أعمالَ الجسد والذاتَ بمشيئتها وقوّتها، وقيادته إلى شركة يسوع إذ سلّم مشيئته وحياته للآب، هذا كلّه لم يخطر لهم ببال. لا يستطيع الروح أن يعمل فيهم بقوّة لأنّهم لا يقبلونه بوصفه الروح القدس، في تقديس الروح. وفي بعض الأحيان، في مواسم النهضة، كما بين أهل كورنثوس وأهل غلاطية، قد يأتي فعلًا بمواهبه وأعماله القديرة، بينما لا تظهر قوّته المقدِّسة إلّا قليلًا. (كورنثوس الأولى 14:4؛ 13:8؛ 3:1-3؛ غلاطية 3:3؛ 5:15-26.) لكن ما لم يُعترَف بتلك القوّة المقدِّسة وتُقبَل، فإنّ مواهبه ستضيع. فمواهبه التي تحلّ علينا ليست إلّا لتمهّد الطريق للقوّة المقدِّسة في داخلنا. يجب أن نأخذ هذا الدرس إلى قلوبنا: يمكننا أن ننال من الروح بقدر ما نرضى أن ننال من قداسته. فعبارة: امتلئوا من الروح، يجب أن تعني لنا: كونوا قدّيسين بالتمام.
والعكس صحيح أيضًا. فلا يمكننا أن ننال من القداسة إلّا بقدر ما لنا من الروح. فبعض النفوس تطلب بجدّ كبير أن تكون قدّيسة، لكنّها تطلب ذلك إلى حدّ بعيد بقوّتها الذاتيّة. فهي تقرأ الكتب وتصغي إلى العظات بكلّ جدّ؛ وتبذل كلّ جهد لتمسك بكلّ فكرة، وتطبّق كلّ نصيحة. ومع ذلك عليها أن تعترف بأنّها لا تزال غريبة إلى حدّ بعيد عن الراحة الحقيقيّة العميقة، وعن فرح الثبات في المسيح وقوّته، وعن أن تكون مقدّسة فيه. لقد طلبت القداسة أكثر ممّا طلبت الروح. وعليها أن تتعلّم كيف أنّ كلّ القداسة التي هي قريبة وواضحة جدًّا في المسيح، هي فوق متناولنا، إلّا إذا سكن الروح القدس في الداخل ومنحنا إيّاها. وعليها أن تتعلّم أن تصلّي لأجله ولأجل تأييده القدير (أفسس 3:16)، وأن تؤمن لتناله (يوحنا 4:14؛ 7:37)، وأن تسلّم له بالإيمان بوصفه ساكنًا فيها (كورنثوس الأولى 3:14؛ 6:19). وعليها أن تتعلّم أن تكفّ عن الجهد الذاتيّ في التفكير والإيمان، وفي المشيئة والسعي؛ وأن ترجو الله وتنتظره بصبر. إنّه بروحه القدّوس سيجعلنا قدّيسين. فعبارة: كونوا قدّيسين، تعني: امتلئوا من الروح.
وإن سألنا بتدقيق أكثر كيف يقدّس هذا الروح القدس، فالجواب هو: إنّه يُعلن قداسة المسيح ويمنحها. يخبرنا الكتاب: المسيح صار لنا قداسة. لقد قدّس ذاته لأجلنا، لكي نكون نحن أيضًا مقدّسين في الحقّ. لقد قُدِّسنا بتقديم جسد يسوع المسيح مرّة واحدة. نحن مقدّسون في المسيح يسوع. فالمسيح الحيّ كلّه ليس إلّا كنزًا من القداسة للإنسان. وفي حياته على الأرض حوّل القداسة الإلهيّة التي كان يملكها إلى العملة المتداولة التي تحتاج إليها هذه الحياة البشريّة الأرضيّة: الطاعة للآب، والتواضع، والمحبّة، والغيرة. وبوصفه الله، له منها ما يكفي لكلّ لحظة من حياة كلّ مؤمن.
ومع ذلك، فهذا كلّه فوق متناولنا، إلّا إذا أتى به الروح القدس إلينا ومنحنا إيّاه في الداخل. وهذا هو بالذات العمل الذي لأجله يحمل الاسم الإلهيّ، الروح القدس: أن يمجّد يسوع، قدّوس الله، في داخلنا، وهكذا يجعلنا شركاء في قداسته. إنّه يعمل ذلك بإعلان المسيح، حتّى نبدأ نرى ما فيه. ويعمله بكشف عدم القداسة العميق في طبيعتنا (رومية 7:14-23). ويعمله بتأييدنا تأييدًا قديرًا لكي نؤمن، ونقبل يسوع نفسه حياةً لنا. ويعمله بقيادتنا إلى اليأس الكامل من الذات، وإلى التسليم المطلق في الطاعة ليسوع ربًّا، وإلى ثقة الإيمان الأكيدة بقوّة المسيح الساكن فينا. ويعمله بأن يمنح، في أعماق القلب والحياة الخفيّة الصامتة، طباع المسيح وفضائله، حتّى تفيض القداسة من المركز الداخليّ لحياتنا، الذي تجدّد وتقدّس في المسيح، وتتخلّل الكلّ إلى أقصى المحيط. وحيث استُيقظت الرغبة مرّة، وخُلقت المسرّة بناموس الله بحسب الإنسان الباطن، هناك، بوصفه روح هذه الحياة في المسيح يسوع، يُعتق من ناموس الخطيّة والموت الذي في الأعضاء، ويقود إلى حرّيّة مجد أولاد الله. وبوصفه الله فينا، يمنح ما أعدّه الله في المسيح.
وإن سألنا مرّة أخرى كيف نضمن عمل هذا الروح القدس الذي يقدّس هكذا، فالجواب بسيط جدًّا وواضح. إنّه روح الآب القدّوس، وروح المسيح، قدّوس الله: ومنهما يجب أن يُنال. «وَأَرَانِي نَهْرًا … مِنْ مَاءِ حَيَاةٍ … خَارِجًا مِنْ عَرْشِ ٱللهِ وَٱلْخَرُوفِ». ويتكلّم يسوع عن «ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ، ٱلَّذِي سَيُرْسِلُهُ ٱلْآبُ بِٱسْمِي». وقد علّمنا أن نطلب من الآب. ويصلّي بولس لأجل أهل أفسس: «أَحْنِي رُكْبَتَيَّ لَدَى أَبِي … لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ، أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِٱلْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي ٱلْإِنْسَانِ ٱلْبَاطِنِ». فحين ننظر إلى الله في قداسته، وإلى كلّ إعلانها منذ الخليقة فصاعدًا، ونرى كيف يفيض الروح الآن من عرش قداسته ماءَ حياة، يستيقظ رجاؤنا بأنّ الله سيعطيه ليعمل فينا بقوّة. وحين نرى بعد ذلك يسوع يُعلن تلك القداسة في الطبيعة البشريّة، ويشقّ الحجاب في موته الكفّاريّ، لكي يخرج الروح من قدس الأقداس، ويكون، بوصفه الروح القدس، نائبًا عنه، يجعله حاضرًا فينا، نصير واثقين بأنّ الإيمان بيسوع سيجلب ملء الروح. وكما قال لنا أن نطلب من الآب، قال لنا أن نؤمن به هو. «مَنْ آمَنَ بِي … تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ». فلننحنِ أمام الآب باسم المسيح ابنه؛ ولنؤمن ببساطة شديدة بالابن بوصفه الذي فيه نحن مرضيّون عند الآب، والذي به تصل إلينا محبّة الآب وبركته، فنكون على يقين بأنّ الروح، الذي هو فينا الآن، سيعمل عمله، بوصفه الروح القدس، بقوّة متزايدة على الدوام. إنّ سرّ القداسة هو سرّ الثالوث: فإذ ننحني أمام الآب، مؤمنين بالابن، يعمل الروح القدس. وسنرى المعنى الحقيقيّ لما تكلّم به الله في إسرائيل: «أَنَا قُدُّوسٌ»، هكذا يتكلّم الآب؛ «كُونُوا قِدِّيسِينَ»، كابني وفي ابني؛ «أنا أقدس»، بروح ابني الساكن فيكم. فلتسجد نفوسنا ولتصرخ: «قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ ٱلْجُنُودِ».
الروح القدس. إنّ كلّ معرفة حقيقيّة للآب في قداسته الجديرة بالسجود، وللابن في قداسته، المقصود أن تكون لنا، وكلّ اشتراك فيها، يتوقّفان على حياتنا في الروح، وعلى معرفتنا إيّاه واعترافنا به ثابتًا فينا بوصفه حياتنا. آه، ما عسى أن يكون السبب في أنّه، مع إله قدّوس مثلّث التقديس كهذا، لا تغمر قداسته كنيسته وأولاده أكثر؟ إنّ الروح القدس بيننا، وهو فينا: فلا بدّ أنّنا نُحزنه ونقاومه. فإن كنت أنت لا تريد أن تفعل ذلك، فاحنِ ركبتيك في الحال أمام الآب، لكي يمنحك أعمال الروح القديرة في الإنسان الباطن. آمِن بأنّ الروح القدس، الذي يحمل إليك كلّ قداسة الله ويسوع، هو فيك حقًّا. دعه يأخذ مكان الذات، بأفكارها وجهودها. أوقف نفسك ساكنًا أمام الله في صمت مقدّس، لكي يعطيك هو الحكمة؛ واسترح، في الفراغ والمسكنة بالروح، بالإيمان بأنّه سيعمل بطريقته. وكما أنّ القداسة التي يأتي بها يسوع إلهيّة، كذلك القوّة التي بها يمنحها الروح القدس إلهيّة. سلّم نفسك يومًا فيومًا، باتّكال وطاعة متزايدين، لتنتظره وتنقاد به. لتكن عليك مخافة القدّوس: قدّس الرب الإله في قلبك، وليكن هو خوفك ورهبتك. لا تخف من الخطيّة فقط: بل خف فوق كلّ شيء من الذات، إذ تقحم نفسها أمام الله بخدمتها. دع الذات تموت، برفض عملها وإنكاره: ودع الروح القدس، في الهدوء والاتّكال، وفي تسليم الطاعة والثقة، يتولّى السلطان والتصرّف الحرّ في كلّ قوّة من قواك. انتظره، فهو يستطيع، وهو سيُعلن بقوّة قداسة الآب والابن ويمنحها.
كونوا قدّيسين كما أنّي أنا قدّوس.
قدّوس، قدّوس، قدّوس، الرب إله الجنود! الأرض كلّها مملوءة من مجدك! ليملأ ذلك المجد قلب ولدك، وهو ينحني أمامك. إنّي آتي الآن لأشرب من نهر ماء الحياة الذي يجري من تحت عرش الله والخروف. المجد لله وللخروف لأجل العطيّة التي لم تخطر على قلب إنسان: عطيّة الروح القدس الساكن فينا.
يا أبي! باسم يسوع أطلب إليك أن أتأيّد بالقوّة بروحك في الإنسان الباطن. علّمني، أتوسّل إليك، أن أؤمن بأنّك قد أعطيته، وأن أقبله وأتوقّع أن يملأ كياني الداخليّ كلّه ويملك عليه. علّمني أن أسلّم له؛ لا أن أشاء أو أسعى، ولا أن أفكّر أو أعمل بقوّتي، بل أن أنتظر بثقة هادئة وأعلم أنّه يعمل فيّ. علّمني ما معنى ألّا أتّكل على الجسد، وأن أعبدك بالروح. علّمني ما معنى أن أنقاد في كلّ شيء بروحك القدّوس، روح قداستك.
وامنح، أيّها الآب الكريم، أن أسمعك بواسطته تتكلّم وتُعلن لي نفسك بقوّة: أنا قدّوس. ليمجّد لي وفيّ يسوعَ، الذي فيه تمّت وصيّتك «كُونُوا قِدِّيسِينَ» على نحو مبارك جدًّا لأجلي. وليمنحني الروح القدس المسحة والختم اللذين يجلبان اليقين الكامل بأنّ وعدك يتمّ فيه على نحو مجيد: «أنا أقدسكم». آمين.
1. من المسلَّم به عمومًا أنّ الروح القدس ليس له، في تعليم الكنيسة أو في إيمان المؤمنين، مكانة الكرامة والقوّة التي تليق به بوصفه مُعلِن الآب والابن. اطلب اقتناعًا عميقًا بأنّه بدون الروح القدس فإنّ أوضح تعليم عن القداسة، وأحرّ الأشواق، بل وأكثر الاختبارات بركةً، لن تكون إلّا مؤقّتة، ولن تُثمر نتيجة دائمة، ولن تجلب راحة ثابتة.
2. الروح القدس يسكن في الداخل، ويعمل في الداخل، في العمق الخفيّ من طبيعتك. اطلب فوق كلّ شيء اليقين الواضح الدائم بأنّه فيك، يعمل عمله.
3. ولهذه الغاية، أنكر الذات وعملها في خدمة الله. قوّتك الذاتيّة على التفكير والصلاة والإيمان والجهاد: ضعها كلّها صراحةً وبوضوح في حضرة الله؛ وطالب بأعمال الروح الساكن فيك الخفيّة، واقبلها، وآمن بها.
4. كما كان الابن يتكلّم دائمًا عن الآب، كذلك يشير الروح دائمًا إلى المسيح. والنفس التي تسلّم ذاتها للروح ستتعلّم منه كيف أنّ المسيح هو قداستنا، وكيف نستطيع أن نثبت دائمًا في المسيح تقديسنا. كم كان الجهد بدون الروح باطلًا في أحيان كثيرة! «كَمَا عَلَّمَتْكُمْ تَثْبُتُونَ فِيهِ».
5. في هيكل قلبك، أيّها المؤمن الحبيب، موضع خفيّ داخل الحجاب، يسكن فيه روح الله، وكثيرًا ما يكون ذلك مجهولًا تمامًا. فاحنِ رأسك بمهابة عميقة أمام الآب، واسأله أن يعمل بقوّة. توقّع من الروح أن يعمل عمله: فهو سيجعل إنسانك الباطن مسكنًا لائقًا، وقلبك عرشًا، ليسوع، ويُعلنه هناك.
اليوم السادس عشر.
اكتمل الفصل 16
الروح القدس