مقدّسون في المسيح
قدّوس الله

فصل 15 · قراءة 8 د · استماع 10 د

قدّوس الله

«فَلِذَلِكَ أَيْضًا ٱلْقُدُّوسُ ٱلْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ٱبْنَ ٱللهِ» (لوقا 1:35).

«قد آمنا وعرفنا أنك أنت قدوس الله» (يوحنا 6:69).

«قُدُّوسَ ٱلرَّبِّ»: لا ترد هذه العبارة في العهد القديم إلّا مرّة واحدة (مزمور 106:16). وقد قيلت عن هارون، الذي وجدت فيه القداسة أكمل تجسيد لها، بقدر ما كان يمكن إعلانها آنذاك. وظلّ اللقب منتظرًا تحقيقه في ذاك الذي وحده استطاع، في شخصه، أن يُظهر قداسة الله على الأرض إظهارًا كاملًا: يسوع، ابن الآب. ففيه نرى القداسة إلهيّةً، وبشريّةً، وخاصّتَنا نحن بالذات.

1. فيه نرى ما يقوم عليه ذلك الكمال الفائق الذي لا يُضاهى للطبيعة الإلهيّة. «أَحْبَبْتَ ٱلْبِرَّ، وَأَبْغَضْتَ ٱلْإِثْمَ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَسَحَكَ ٱللهُ إِلَهُكَ بِزَيْتِ ٱلِٱبْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ». قد يبدو أنّ كراهية الله غير المحدودة للخطيّة، وصونه للحقّ، ليس لهما إلّا قيمة أدبيّة ضئيلة، بما أنّهما ضرورة من ضرورات طبيعته. أمّا في الابن فنرى القداسة الإلهيّة وقد امتُحنت. فهو يُمتحَن ويُجرَّب. ويتألّم مجرَّبًا. ويُثبت أنّ للقداسة حقًّا قيمة أدبيّة: فهي مستعدّة لأن تقدّم أيّ تضحية، بل لأن تبذل الحياة وتكفّ عن الوجود، بدلًا من أن ترضى بالخطيّة. فإذ بذل نفسه للموت بدلًا من أن يخضع لتجربة الخطيّة، وإذ بذل نفسه للموت لكي تُكرَم دينونة الآب العادلة، أثبت يسوع كيف أنّ البرّ عنصر من عناصر القداسة الإلهيّة، وكيف أنّ القدّوس يتقدّس بالبرّ.

لكنّ هذا ليس إلّا وجهًا واحدًا من القداسة. فالنار التي تُحرق تُطهِّر أيضًا: إنّها تجعل كلّ ما هو قابل للتمثّل بها شريكًا في طبيعتها النورانيّة الجميلة. وهكذا القداسة الإلهيّة لا تحفظ نقاوتها فحسب، بل تمنحها أيضًا. وفي هذا ظهر يسوع حقًّا قدّوسَ الله: أنّه لم يقل قطّ: «قِفْ عِنْدَكَ … لِأَنِّي أَقْدَسُ مِنْكَ». لقد أثبتت قداسته أنّها التجسّد عينه لذاك الذي قال: «هَكَذَا قَالَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْمُرْتَفِعُ … ٱلْقُدُّوسُ ٱسْمُهُ: ‹فِي ٱلْمَوْضِعِ ٱلْمُرْتَفِعِ ٱلْمُقَدَّسِ أَسْكُنُ، وَمَعَ ٱلْمُنْسَحِقِ … ٱلرُّوحِ›». فيه ظهر التجانس الذي للقداسة مع كلّ ما هو هالك وعاجز وخاطئ. وأثبت أنّ القداسة ليست فقط القوّة التي تفصل نفسها في غضب مقدّس عن كلّ ما هو نجس، بل هي التي تُفرز لنفسها في محبّة مقدّسة حتّى ما هو أشدّ خطيّة، لتخلّصه وتباركه. فيه نرى كيف أنّ القداسة الإلهيّة هي انسجام البرّ غير المحدود مع المحبّة غير المحدودة.


2. هذا هو الوجه الإلهيّ لصفات المسيح، إذ يُظهر في صورة بشريّة ما هي قداسة الله. لكنّ هناك وجهًا آخر لا يقلّ عنه أهمّيّة ولا إثارة لاهتمامنا. فنحن لا نريد أن نعرف فقط كيف أنّ الله قدّوس، بل كيف يجب أن يسلك الإنسان ليكون قدّيسًا كما أنّ الله قدّوس. لقد جاء يسوع ليعلّمنا أنّه من الممكن أن نكون بشرًا، ومع ذلك تسكن فينا حياة الله. نحن نظنّ عادةً أنّ مجد اللاهوت وكماله غير المحدود هما الإطار اللائق الذي يُرى فيه جمال القداسة: أمّا يسوع فأثبت أنّ الطبيعة البشريّة ملائمة وصالحة تمامًا لإظهار ما هو المجد الجوهريّ للاهوت. لقد أرانا كيف أنّ الإنسان، باختياره مشيئة الله وعمله بها وجعلها مشيئته هو، يستطيع حقًّا أن يكون قدّيسًا كما أنّ الله قدّوس.

إنّ قيمة هذا الوجه من التجسّد تتوقّف على إدراكنا العميق لناسوت ربّنا الحقيقيّ. فعمليّة الفصل والتطهير الرهيبة التي تجري على الدوام في أتون القداسة الإلهيّة الناريّ، التي تُحرق دائمًا وتُمثِّل دائمًا، نتوقّع أن نراها فيه في صراعات مشيئة بشريّة حقًّا. فالقداسة، لكي تكون بشريّة حقًّا، يجب ألّا تكون عطيّة فحسب، بل اكتسابًا أيضًا. فإذ تأتي من الله، يجب أن تُقبَل وتُتملَّك شخصيًّا، بالتسليم الطوعيّ لكلّ ما لا يتّفق معها. ففي يسوع، إذ تخلّى بوضوح عن مشيئته الخاصّة، وعمل مشيئة الآب واحتملها، لنا الإعلان عمّا هي القداسة البشريّة، وكيف يستطيع الإنسان حقًّا، باتّحاد المشيئة، أن يكون قدّيسًا كما أنّ الله قدّوس.

3. ولكن ما النفع من أن نكون قد رأينا في يسوع أنّ الإنسان يستطيع أن يكون قدّيسًا؟ لكان مثاله سخريةً حقًّا لو لم يُرِنا الطريق، ويمنحنا القوّة، لنصير مثله. إنّ إتياننا بهذا كان حقًّا الغاية العظمى من التجسّد. فالطبيعة الإلهيّة في المسيح لم تجعل ناسوتَه هو وحده شريكًا في قداستها، تاركةً إيّاه ليس أكثر من إنسان فرد. بل إنّ لاهوته أعطى القداسة البشريّة التي أنجزها، والطبيعة البشريّة المقدّسة التي كمّلها، قيمةً غير محدودة وقوّةً على أن تُمنَح للآخرين. فمعه طُعِّمت حياة جديدة، الحياة الأبديّة، في جذع البشريّة. لأجل جميع الذين يؤمنون به قدّس ذاته، لكي يكونوا هم أيضًا مقدّسين في الحقّ. ولأنّ موته كان الانتصار العظيم لطاعته لمشيئة الآب، فقد كسر إلى الأبد سلطان الخطيّة، وكفّر عن إثمنا، ونال له من الآب السلطان أن يجعل شعبه شركاء في حياته وقداسته. وفي قيامته وصعوده ظهرت قوّة الحياة الجديدة وحقّها في السيادة الشاملة، وهو الآن، بكلّ معنى الكلمة، قدّوس الله، حاملًا في نفسه، بوصفه الرأس، قوّةَ قداسةٍ إلهيّة وبشريّة معًا، ليمنحها لكلّ عضو في جسده.

قدّوس الله! إنّ يسوع يحمل الآن هذا اللقب بالروح والحقّ، بملء معنًى يفوق المعرفة. إنّه الآن القدّوس الواحد الذي يراه الله، الذي له من سعة القداسة وقوّتها ما لا حدّ له، حتّى إنّه يستطيع أن يكون قداسةً لكلّ واحد من إخوته. وكما أنّه عند الله القدّوس الذي يُسرّ به، والذي من أجله يُسرّ بكلّ الذين هم فيه، كذلك يمكن أن يكون المسيح الآن لنا نحن أيضًا القدّوس الواحد الذي نُسرّ به، والذي فيه صارت قداسة الله لنا. «قد آمنا وعرفنا أنك أنت قدوس الله»، طوبى للذين يستطيعون أن يقولوا هذا، ويعرفوا أنّهم مقدّسون في المسيح.

حين تكلّمنا عن سرّ الثالوث القدّوس، رأينا كيف يقف المسيح في الوسط بين الآب والروح، بوصفه نقطة الاتّحاد التي يلتقيان فيها. ففي الابن، «رَسْمُ جَوْهَرِهِ» (عبرانيين 1:3)، لنا الإعلان الموضوعيّ للاهوت، أي القداسة الإلهيّة متجسّدةً ومقرَّبةً إلينا. وفي الروح القدس لنا الإعلان نفسه ذاتيًّا، القداسة الإلهيّة داخلةً إلى أعمق كياننا ومُعلنةً نفسها هناك. وعمل الروح القدس هو أن يُعلن المسيح ويمجّده بوصفه قدّوس الله، إذ يأخذ من قداسته ويجعلها لنا. إنّه يُرينا كيف أنّ الكلّ في المسيح؛ وكيف أنّ المسيح هو الكلّ لأجلنا؛ وكيف أنّنا في المسيح؛ وكيف أنّ المسيح، بوصفه مخلّصًا حيًّا، يتولّى بروحه أمرنا وأمر حياة قداستنا ويحفظها. إنّه يجعل المسيح حقًّا لنا قدّوس الله.

يا أخي! أتريد أن تكون قدّيسًا، أتريد أن تعرف طريق الله إلى القداسة؟ تعلّم أن تعرف المسيح بوصفه قدّوس الله. أنت فيه، من الذين هم «مقدسون في المسيح». لقد وُضعت في المسيح بفعل قدرة إلهيّة، وتلك القدرة نفسها تحفظك هناك، مغروسًا ومتأصّلًا في ملء الحياة والقداسة الإلهيّ الذي فيه. حضوره المقدّس وقوّة حياته الأبديّة يحيطان بك: فدع الروح القدس يُعلن لك هذا. إنّ الروح القدس فيك بوصفه قوّة المسيح وحياته. وهو سرًّا وبصمت، ولكن بقوّة، إن نظرتَ إلى الآب منتظرًا عمله، سيقوّي إيمانك بأنّك في المسيح، وبأنّ الحياة الإلهيّة التي تحيط بك هكذا من كلّ جانب ستدخل وتمتلكك. ادرسْ وصلِّ لكي تؤمن وتُدرك أنّك في المسيح بوصفه قدّوس الله، في المسيح الذي فيه أُعِدّت لك قداسة الله طبيعةً مقدّسة وحياةً مقدّسة، وأنّك تستطيع أن تثبت فيه.

ثمّ تذكّر أيضًا أنّ هذا المسيح هو مخلّصك، أصبر المعلّمين وأكثرهم حنانًا. ادرس القداسة في نور وجهه، ناظرًا إلى وجهه. لقد جاء من السماء لهذه الغاية بعينها: أن يجعلك قدّيسًا. إنّ محبّته وقدرته أعظم من بطئك وخطيّتك. تعلّمْ أن تفكّر في القداسة بوصفها الميراث المُعَدّ لك، بوصفها قوّة حياة جديدة ينتظر يسوع ويحيا ليوزّعها. فكّر فيها فقط على أنّها كلّها فيه، وعلى أنّ امتلاكها متوقّف على امتلاكه هو. وكما أنّ التلاميذ، مع أنّهم بالكاد فهموا ما اعترفوا به، أو عرفوا إلى أين كان الرب يقودهم، صاروا قدّيسيه، خاصّته المقدّسين، بفضل تعلّقهم الشديد به، كذلك ستجد أنّ محبّة يسوع بحرارة، وطاعته ببساطة، هما الطريق الأكيد إلى القداسة وإلى ملء الروح القدس.

كونوا قدّيسين كما أنّي أنا قدّوس.

أيّها الرب الإله القدّوس جدًّا! إنّي أباركك لأنّ ابنك الحبيب، الذي قدّسته وأرسلته إلى العالم، هو الآن لنا قدّوس الله. أتوسّل إليك أن تُنير حياتي الداخليّة بالروح حتّى أعرف بالإيمان معرفةً كاملة ما يعنيه هذا.

ليتني أعرفه بوصفه إعلان قداستك، أي التجسّد في الطبيعة البشريّة، حتّى الموت، لكراهيتك غير المحدودة التي لا تُقهر للخطيّة، ولمحبّتك المذهلة للخاطئ. لتمتلئ نفسي بمخافة عظيمة لك وبثقة عظيمة بك.

ليتني أعرفه بوصفه إظهارًا للقداسة التي علينا الآن أن نسلك فيها أمامك. لقد عاش في مشيئتك المقدّسة. ليتني أعرفه إذ أنجز تلك القداسة لكي تُمنَح لنا في طبيعة بشريّة جديدة، جاعلًا ممكنًا لنا أن نحيا حياة مقدّسة.

ليتني أعرفه كما وضعتني فيه في السماويّات، مقدّسًا في المسيح، وكما أستطيع أن أثبت فيه بالإيمان.

ليتني أعرفه إذ يسكن فيّ، قدّوسَ الله على عرش قلبي، ينفخ روحه القدّوس ويحفظ حكمه المقدّس. هكذا أحيا مقدّسًا في المسيح.

يا أبي! لقد سُررت أن يحلّ فيه كلّ الملء. فيه مذخّرة كلّ كنوز الحكمة والعلم؛ وفيه يسكن غنى النعمة والقداسة الذي لا يُستقصى. أتوسّل إليك أن تُعلنه لي، وتُعلنه فيّ، لكي لا أضطرّ أن أكتفي بأفكار ورغبات بلا حقيقة، بل أعرفه بقوّة حياة لا تزول، وأُعرَف منه، هو قدّوس الله. آمين.

1. في قداسة يسوع نرى ما يجب أن تكون عليه قداستنا: برًّا يكره الخطيّة ويبذل كلّ شيء ليُبيدها؛ ومحبّةً تطلب الخاطئ وتبذل كلّ شيء لكي يخلص. «كُلُّ مَنْ لَا يَفْعَلُ ٱلْبِرَّ فَلَيْسَ مِنَ ٱللهِ، وَكَذَا مَنْ لَا يُحِبُّ أَخَاهُ».

2. إنّها لفكرة رهيبة أنّنا قد نجتهد في الدرس لنعرف ما هي القداسة، ومع ذلك يكون لنا منها القليل، لأنّ لنا القليل من يسوع. وإنّها لفكرة مباركة أنّ الإنسان قد لا يشغله فكر القداسة مباشرةً إلّا قليلًا، ومع ذلك يكون له منها الكثير، لأنّه ممتلئ من يسوع.

3. نحتاج إلى كلّ ما يعلّمه الله في كلمته عن القداسة بكلّ وجوهها المختلفة. ونحتاج أكثر من ذلك إلى أن نعود دائمًا إلى المركز الحيّ الذي يمنح الله فيه القداسة. يسوع هو قدّوس الله: أن نقتنيه هو حقًّا، وأن نحبّه هو بحرارة، وأن نثق به هو ونطيعه، وأن نكون فيه، هذا ما يجعلنا قدّيسين.

4. هكذا قداستك مذخورة في هذا المخلّص الإلهيّ القدير والوديع جدًّا؛ فلا داعي بالتأكيد لأيّ خوف من ألّا يكون مستعدًّا أو قادرًا أن يجعلك قدّيسًا.

5. مع مقدِّس كهذا، كيف يحدث أنّ كثيرين من الساعين وراء القداسة يفشلون فشلًا محزنًا، ولا يعرفون إلّا القليل من فرح الحياة المقدّسة؟

أنا متيقّن أنّه عند كثيرين جدًّا هذا الأمر الواحد: إنّهم يسعون إلى أن يمسكوا هذا المسيح ويتمسّكوا به بقوّتهم الذاتيّة، ولا يعرفون كيف أنّ الروح القدس الذي فيهم هو الذي يجب أن يُنتظَر ليُعلن هذا الكائن الإلهيّ، قدّوس الله، في قلوبهم.


اليوم الخامس عشر.

صفحة 1 / 1 · 8 دقيقة متبقية في الفصل
السابق التالي