فصل 13 · قراءة 9 د · استماع 11 د
القدّوس المثلّث التقديس
«رَأَيْتُ ٱلسَّيِّدَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَالٍ وَمُرْتَفِعٍ … ٱلسَّرَافِيمُ وَاقِفُونَ فَوْقَهُ … وَهَذَا نَادَى ذَاكَ وَقَالَ: ‹قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ ٱلْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ ٱلْأَرْضِ›» (إشعياء 6:1-3).
«وَٱلْأَرْبَعَةُ ٱلْحَيَوَانَاتُ … وَلَا تَزَالُ نَهَارًا وَلَيْلًا قَائِلَةً: ‹قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، ٱلرَّبُّ ٱلْإِلَهُ ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، ٱلَّذِي كَانَ وَٱلْكَائِنُ وَٱلَّذِي يَأْتِي›» (رؤيا 4:8).
ليس على الأرض فقط، بل في السماء أيضًا، قداسة الله هي صفته الأولى والأمجد. وليس على الأرض فقط، بل في السماء أيضًا، يذكر أسمى إلهام للسجود والتسبيح قداسته. فأبهى الكائنات الحيّة، الذين هم دائمًا أمام العرش وحوله وفوقه، يجدون مجدهم في السجود لقداسة الله والمناداة بها: فلا يمكن حقًّا أن يكون لنا شرف أسمى من أن ندرس مجد القدّوس المثلّث التقديس ونعرفه، ونعبده ونسجد له، وننادي به ونُظهره.
بعد موسى، كما نعلم، كان إشعياء الرسول الأوّل لقداسة الله. وكان لكلّ منهما إعداد خاصّ لمهمّته في أن يعرّف بالقدّوس. فموسى رأى القدّوس في النار، فغطّى وجهه وخاف أن ينظر إلى الله، وهكذا أُعدّ ليكون رسوله، وليسبّحه بوصفه «مُعْتَزًّا فِي ٱلْقَدَاسَةِ». وإشعياء، إذ سمع ترنيمة السرافيم، ورأى النار على المذبح، والبيت ممتلئًا دخانًا، صرخ: «وَيْلٌ لِي». ولم يكن ذلك إلّا بعد أن نال، في الشعور العميق بالحاجة إلى التطهير، لمسة النار وتطهير خطيّته، حتّى أمكنه أن يحمل إلى إسرائيل إنجيل القدّوس بوصفه فاديه. فليكن بروح المخافة والسجود المتّضع أن نصغي إلى ترنيمة السرافيم، ونسعى إلى أن نعرف القدّوس المثلّث التقديس ونعبده. وليكن لنا نحن أيضًا التطهير بالنار، لكي نوجد أهلًا لأن نخبر شعب الله أنّه قدّوس إسرائيل، فاديهم.
لقد ربطت كنيسة المسيح في كلّ العصور تكرار كلمة «قدّوس» ثلاث مرّات بالثالوث القدّوس. وترنيمة الحيوانات حول العرش (رؤيا 4) دليل على صحّة هذه الفكرة. فهناك نجدها متبوعة بالسجود للذي كان والكائن والذي يأتي، القادر على كلّ شيء: الينبوع الأزليّ، والإعلان الحاضر في الابن، والتكميل الآتي لإعلان الله في عمل الروح في كنيسته. كثيرًا ما يُنظر إلى حقيقة الثالوث القدّوس على أنّها عقيدة مجرّدة، قليلة الصلة المباشرة بالحياة العمليّة. والأمر أبعد ما يكون عن ذلك، حتّى إنّ الإيمان الحيّ لا بدّ أن يتأصّل فيها: فشيء من البصيرة الروحيّة في علاقة كلّ من الأقانيم الثلاثة وعمله، وفي حقيقة وحدانيّتهم الحيّة، عنصر جوهريّ في النموّ الحقيقيّ في المعرفة والفهم الروحيّ. فلننظر هنا إلى الثالوث بنوع خاصّ في علاقته بقداسة الله وبوصفه مصدر قداستنا. ماذا يعني أن نسجد للقدّوس المثلّث التقديس؟ إنّ الله ليس قدّوسًا فحسب، بل يقدّس أيضًا: وفي إعلان الأقانيم الثلاثة لدينا إعلان الطريقة التي بها يقدّس الله.
يعلّمنا الثالوث أنّ الله قد أعلن ذاته بطريقتين. فالابن هو صورة الله، ظهوره كما يُري نفسه للإنسان، الصورة التي يتجسّد فيها مجده غير المنظور، والتي يجب أن يُشكَّل الإنسان على مثالها. والروح هو قوّة الله، العامل في الإنسان والرافع إيّاه إلى تلك الصورة. ففي يسوع، الذي كان في صورة الله أخذ صورة الإنسان؛ وأُظهرت القداسة الإلهيّة حرفيًّا في صورة حياة بشريّة وفي أعضاء جسد بشريّ. لقد تكوّنت في المسيح طبيعة بشريّة جديدة مقدّسة، لكي تُمنح لنا. وفي موته كُمّلت قداسته الشخصيّة طاعةً بشريّة، وهكذا غُلبت قوّة الخطيّة وكُسرت. لذلك في القيامة، بروح القداسة، تعيّن ابنَ الله بقوّة ليمنحنا حياته. وهناك أُطلق روح القداسة من حجاب الجسد، من القيود التي كانت تعيقه، ونال قوّة ليدخل الإنسان ويسكن فيه. لقد انسكب الروح القدس ثمرةً للقيامة والصعود. والروح الآن هو قوّة الله فينا، العامل صعودًا نحو المسيح، ليُعيد إنتاج حياته وقداسته فينا، ويؤهّلنا لأن نقبله قبولًا كاملًا ونُظهره في حياتنا. فالمسيح يأتي إلينا من فوق بوصفه تجسيد قداسة الله غير المنظورة، والروح من الداخل يرفعنا لنلاقيه، ويؤهّلنا لأن نقبل كلّ ما فيه ونجعله خاصّتنا.
إنّ الإله الواحد المثلّث الأقانيم الذي نسجد له هو القدّوس المثلّث التقديس: سرّ الثالوث هو سرّ القداسة، ومجد الثالوث وقوّته هما مجد الله الذي يقدّسنا وقوّته. فهناك الله الساكن في نور لا يُدنى منه، نار آكلة من المحبّة القدّوسة، تُهلك كلّ ما يقاوم، وتمجّد في طهارتها كلّ ما يخضع. وهناك الابن، الذي يُلقي نفسه في تلك النار الآكلة، سواء في غبطتها الأزليّة في السماء أو في غضبها المتّقد على الأرض، ذبيحةً طوعيّة، ليكون وقودها وإرضاءها، وإعلانًا أيضًا لقوّتها على الإهلاك وعلى الخلاص. وهناك روح القداسة، ألسنة تلك النار العظيمة تمتدّ في كلّ جانب، تبكّت وتدين بوصفها روح الإحراق، ثمّ تغيّر إلى بهائها وقداستها كلّ ما تبلغه. إنّ كلّ علاقات الأقانيم الثلاثة بعضهم ببعض وبنا لها أصلها ومعناها في إعلان الله بوصفه القدّوس. وبقدر ما نعرفه ونشترك فيه، نعرف القداسة ونشترك فيها.
وكيف نعرفه؟ لنتعلّم أن نعرف قداسة الله كما يعرفها السرافيم: في السجود للقدّوس المثلّث التقديس. لنشترك بوجوه مغطّاة في ترنيمة السجود التي لا تنقطع: «قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ ٱلْجُنُودِ». في كلّ مرّة نتأمّل في الكلمة، وفي كلّ صلاة إلى الله القدّوس، وفي كلّ فعل إيمان بالمسيح القدّوس، وفي كلّ ممارسة للاتّكال المنتظر على الروح القدس، ليكن ذلك بروح السجود: قدّوس، قدّوس، قدّوس. لنتعلّم أن نعرف قداسة الله كما عرفها إشعياء. لقد كان سيصير الرسول المختار ليُعلن للشعب الاسم، قدّوس إسرائيل، ويفسّره لهم. وكان إعداده الرؤيا التي جعلته يصرخ: «وَيْلٌ لِي! … لِأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا ٱلْمَلِكَ رَبَّ ٱلْجُنُودِ». لننحنِ في صمت أمام القدّوس، حتّى تتحوّل نضارتنا نحن أيضًا إلى فساد. ثمّ لنؤمن بالنار المطهِّرة من المذبح، بلمسة جمر القداسة المتّقدة، التي لا تُفني فحسب، بل تطهّر الشفتين والقلب ليقولا: «هَأَنَذَا أَرْسِلْنِي». نعم، لنسجد، سواء مثل السرافيم الساجدين أو مثل النبيّ المرتعد، حتّى نعلم أنّ خدمتنا نحن أيضًا مقبولة، لنخبر بتسبيح القدّوس المثلّث التقديس.
قدّوس، قدّوس، قدّوس: إن كنّا حقًّا سنكون رسل القدّوس، فلنسعَ إلى أن ندخل دخولًا كاملًا إلى ما يعنيه هذا التقديس المثلّث. قدّوس الآب، الله فوقنا، العالي والمرتفع، الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه، الذي لا يجرؤ أحد على الاقتراب من قداسته، لكنّه هو نفسه في قداسته يقترب ليقدّس. قدّوس الابن، الله معنا، الذي يُعلن القداسة الإلهيّة في حياة بشريّة، ويصونها وسط آلام الموت لأجلنا، ويُعدّ حياة مقدّسة وطبيعة مقدّسة لشعبه. قدّوس الروح، الله فينا، قوّة القداسة في داخلنا، الذي يمتدّ نحو المسيح ويعانقه، ويغيّر حياتنا الداخليّة إلى الاتّحاد والشركة مع الذي فيه نحن مقدّسون. قدّوس، قدّوس، قدّوس! إنّها كلّها قداسة، ولا شيء إلّا القداسة، القداسة الكاملة. هذه هي القداسة الإلهيّة: قداسة محجوبة لا يُقترب إليها؛ وقداسة مُعلنة ومصونة في الطبيعة البشريّة؛ وقداسة ممنوحة ومجعولة خاصّتنا تمامًا.
سرّ الثالوث القدّوس هو سرّ الحياة المسيحيّة، سرّ القداسة. الثلاثة واحد، ونحتاج أن ندخل أعمق فأعمق إلى الحقيقة أنّ أحدًا من الثلاثة لا يعمل أبدًا منفصلًا عن الآخرَين أو مستقلًّا عنهما. الابن يُعلن الآب، والآب يُعلن الابن. الآب لا يعطي نفسه، بل الروح؛ والروح لا يتكلّم من نفسه، بل يصرخ: يا أبا الآب! الابن هو تقديسنا، وحياتنا، وكلّ شيء لنا: الملء فيه. ومع ذلك يجب علينا دائمًا أن نحني ركبنا لدى الآب ليُعلن المسيح فينا، وليثبّتنا في المسيح. والآب لا يفعل هذا بدون الروح: ولذلك علينا أن نطلب أن نتأيّد بالقوّة بروحه، ليحلّ المسيح فينا. المسيح يعطي الروح للذين يؤمنون ويحبّون ويطيعون؛ والروح بدوره يعطي المسيح، متصوَّرًا في الداخل وحالًّا في القلب. وهكذا في كلّ فعل سجود، وكلّ خطوة نموّ، وكلّ اختبار مبارك للنعمة، تعمل الأقانيم الثلاثة كلّها عملًا فعّالًا: الواحد دائمًا ثلاثة، والثلاثة دائمًا واحد.
إن أردت أن تطبّق هذا في حياة القداسة، فليكن الإيمان بالثالوث القدّوس حقيقة حيّة عمليّة. في كلّ صلاة إلى الآب ليقدّسك، اتّخذ موقفك في المسيح، وافعل ذلك بقوّة الروح الذي فيك. وفي كلّ ممارسة للإيمان بالمسيح بوصفه تقديسك، ليكن موقفك موقفَ الصلاة إلى الآب والثقة به إذ يُسرّ بأن يكرم الابن، وموقفَ الانتظار الهادئ لعمل الروح، الذي به يمجّد الآب الابن. وفي كلّ تسليم للنفس لتقديس الروح، ولقيادته بوصفه روح القداسة، انظر إلى الآب الذي يمنح عمله القدير، والذي يقدّس بالإيمان بالابن، وانتظر أن تُظهر قوّة الروح ذاتها في إظهار مشيئة الله، ويسوعَ تقديسًا لك. وإن بدا هذا حينًا متعارضًا مع بساطة إيمان الأطفال وصلاتهم، فكن على يقين أنّه كما أعلن الله ذاته هكذا، سيعلّمك أن تسجد وتؤمن هكذا. وهكذا تصير الترنيمة: قدّوس، قدّوس، قدّوس، النغمة العميقة الكامنة تحت كلّ سجودنا وكلّ حياتنا.
يا أولاد الله! يا من دُعيتم لتكونوا قدّيسين كما أنّه هو قدّوس، آه، هلمّ نسجد ونركع في حضرته المقدّسة! تعالوا وغطّوا الوجه: اصرفوا العين والذهن عن التحديق في ما يفوق المعرفة، ودعوا النفس تجتمع في ذلك السكون الداخليّ الذي فيه وحده يُسمع سجود المقدس السماويّ. تعالوا وغطّوا الرجلين: انسحبوا من اندفاع العمل والعجلة، دنيويًّا كان أو دينيًّا، وتعلّموا أن تسجدوا. تعالوا، وإذ تخرّون في انسحاق الذات، يُشرق عليكم مجد القدّوس. وإذ تسمعون الترنيمة وترفعونها وترنّمونها: قدّوس، قدّوس، قدّوس، تجدون كيف أنّ في معرفة القدّوس المثلّث التقديس والسجود له على هذا النحو القوّةَ التي تجعلكم قدّيسين.
كونوا قدّيسين لأنّي أنا قدّوس.
قدّوس، قدّوس، قدّوس، أيّها الرب الإله القادر على كلّ شيء! الذي كان والكائن والذي يأتي! أسجد لك بوصفك الإله الواحد المثلّث الأقانيم. بوجه مغطّى ورجلين مغطّاتين أريد أن أنحني في تواضع عميق وصمت، حتّى ترفعني رحمتك كما على أجنحة النسور لأرى مجدك.
أيّها الإله الكثير الرحمة! يا من دعوتني لأكون قدّيسًا كما أنّك أنت قدّوس، آه، أعلن لي شيئًا من قداستك! وإذ تُشرق عليّ وتضرب المخلوق والجسد بالموت، ليصِر حتّى أبعد شوائب الخطيّة عن الإرادة وأخفّ حركاتها أمرًا لا يُحتمل. وإذ تُشرق وتُحيي رجاء الاشتراك في قداستك، لتقوَ الثقة بأنّك أنت نفسك تجعلني قدّيسًا، بل ستجعلني رسولًا لقداستك.
أيّها الإله المثلّث التقديس! أسجد لك بوصفك إلهي. قدّوس! الآب؛ قدّوس ومقدِّس؛ قدّس ابنه وأرسله إلى العالم، لكي نرى مجد الله نفسه في وجه بشريّ، وجه يسوع المسيح. قدّوس! الابن؛ قدّوس الله، الذي تمّم مشيئة الآب، وهكذا قدّس نفسه لكي يكون قداستنا. قدّوس! الروح؛ روح القداسة، الساكن فينا، الذي يجعل الابن وقداسته خاصّتنا، وهكذا يجعلنا شركاء في قداسة الله. يا إلهي! أنحني وأعبد وأسجد.
ليت سجود السماء، الذي لا يهدأ نهارًا ولا ليلًا، يكون منذ الآن السجود الذي تقدّمه لك نفسي بلا انقطاع. ولتكن ترنيمته، في أعماق القلب، النغمة الأساسيّة لحياتي: قدّوس، قدّوس، قدّوس، أيّها الرب الإله القادر على كلّ شيء! الذي كان والكائن والذي يأتي. آمين.
1. الفكر يحتاج دائمًا إلى أن يميّز ويفصل: أمّا في الحياة وحدها فالوحدة كاملة. وكلّما عرفنا الله الحيّ أكثر، أدركنا أكثر كم هو حقّ أنّ الثلاثة واحد. ففي كلّ فعل لأقنوم واحد يكون الأقنومان الآخران حاضرين. فلا ترتفع صلاة إلّا ويُحتاج فيها إلى حضور الثلاثة القدّوسين: بالمسيح، في الروح، نكلّم الآب.
2. أن ندرك هذا بالإيمان هو أن نملك سرّ القداسة. الله القدّوس فوقنا، الذي يعطي ويعمل دائمًا؛ وقدّوس الله، العطيّة الحيّة، الذي يمتلكنا، والذي نحن فيه؛ والروح القدس، الله في داخلنا، الذي به يعمل الآب ويُعلَن الابن: هذا هو الإله الذي يقول: أنا قدّوس، أنا أقدّس. ففي الوحدة الكاملة لعمل الثلاثة توجد القداسة.
3. لا عجب أنّ محبّة الآب ونعمة الابن لا تصنعان أكثر، حين تكون شركة الروح القدس قليلًا ما تُفهم أو تُطلب أو تُقبل. إنّ الروح القدس هو ثمرة الإعلان الإلهيّ وإكليله، الذي به يأتي إلينا الابن والآب. إن أردت أن تعرف الله، إن أردت أن تكون قدّيسًا، فيجب أن تتعلّم من الروح وأن تنقاد به.
4. كلّما سجدت للقدّوس المثلّث التقديس، أصغِ لعلّك تسمع صوتًا: من أرسل؟ ومن يذهب من أجلنا؟ ولترتفع الإجابة: هأنذا أرسلني، وقدّم نفسك لتكون رسولًا لقداسة الله لمن حولك.
5. حين تكون قد سعيت في التأمّل والسجود إلى أن تستوعب ما علّمته كلمة الله وتعبّر عنه، يأتي حينئذ وقت الاعتراف بأنّك لا تعرف شيئًا، ووقت انتظار الله ليُعلن ذاته.
اليوم الثالث عشر.
اكتمل الفصل 13
القدّوس المثلّث التقديس