فصل 12 · قراءة 8 د · استماع 11 د
قدّوس إسرائيل
«أَنَا ٱلرَّبُّ ٱلَّذِي أَصْعَدَكُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ لِيَكُونَ لَكُمْ إِلَهًا. فَتَكُونُونَ قِدِّيسِينَ لِأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ … قُدُّوسٌ أَنَا ٱلرَّبُّ مُقَدِّسُكُمْ» (لاويين 11:45؛ 21:8).
«أَنَا ٱلرَّبُّ إِلَهُكَ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ، مُخَلِّصُكَ … هَكَذَا يَقُولُ ٱلرَّبُّ فَادِيكُمْ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ … أَنَا ٱلرَّبُّ قُدُّوسُكُمْ، خَالِقُ إِسْرَائِيلَ، مَلِكُكُمْ» (إشعياء 43:3، 14-15).
في سفر الخروج وجدنا الله يعدّ التدبير لقداسة شعبه. ففي الأوقات المقدّسة والأماكن المقدّسة، والأشخاص المقدّسين والأشياء المقدّسة والخدمات المقدّسة، علّم شعبه أنّ كلّ ما حوله، وكلّ من يريد أن يقترب إليه، يجب أن يكون مقدّسًا. ما كان ليسكن إلّا في وسط القداسة؛ وشعبه يجب أن يكون شعبًا مقدّسًا. لكن ليس هناك ذكر مباشر لله نفسه بأنّه قدّوس. أمّا في سفر اللاويين فنُقاد خطوة أبعد. فهنا أوّل مرّة نجد الله يتكلّم عن قداسته هو، ويجعلها الحجّة لقداسة شعبه، وعربونها وقوّتها أيضًا. فبدون هذا يكون إعلان القداسة ناقصًا، والدعوة إلى القداسة بلا قوّة. إنّ القداسة الحقيقيّة تأتينا حين نتعلّم أنّ الله وحده هو القدّوس. هو وحده الذي يقدّس؛ وحين نأتي إليه هو، ونرتبط به في الطاعة والمحبّة، تستطيع قداسته أن تستقرّ علينا.
ومن أسفار موسى فصاعدًا سنجد أنّ اسم الله بوصفه قدّوسًا لا يرد إلّا نادرًا في الأسفار الموحى بها، إلى أن نأتي إلى إشعياء، النبيّ الإنجيليّ. فهناك يرد ستًّا وعشرين مرّة، ويُكشف معناه الحقيقيّ في الطريقة التي يقترن بها باسم المخلّص والفادي. فمشاعر الفرح والثقة والتسبيح التي ينظر بها شعب مفديّ إلى مُنقذه، كلّها مذكورة مقترنةً باسم القدّوس. «صَوِّتِي وَٱهْتِفِي يَا سَاكِنَةَ صِهْيَوْنَ، لِأَنَّ قُدُّوسَ إِسْرَائِيلَ عَظِيمٌ فِي وَسَطِكِ». «وَيَهْتِفُ مَسَاكِينُ ٱلنَّاسِ بِقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ». «وَأَنْتَ تَبْتَهِجُ بِٱلرَّبِّ. بِقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ تَفْتَخِرُ». في الفردوس رأينا أنّ الله الخالق هو الله المقدِّس، الذي يكمّل عمل يديه. وفي إسرائيل رأينا أنّ الله الفادي هو دائمًا الله المقدِّس، الذي يقدّس الشعب الذي اختاره لنفسه. وهنا في إشعياء نرى كيف أنّ الله المقدِّس، القدّوس، هو الذي سيتمّم الفداء العظيم في العهد الجديد: فبوصفه القدّوس هو الفادي. الله يفدي لأنّه قدّوس، ولأنّه يحبّ أن يقدّس: فالقداسة هي الفداء مكتملًا. والفداء والقداسة معًا يوجدان في العلاقة الشخصيّة بالله. إنّ مفتاح سرّ القداسة مقدَّم لكلّ مؤمن في تلك الكلمة: «هَكَذَا يَقُولُ ٱلرَّبُّ فَادِيكُمْ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ … أَنَا ٱلرَّبُّ قُدُّوسُكُمْ». أن نقترب إلى القدّوس، وأن نعرفه ونقتنيه ويقتنينا، هذه هي القداسة.
فإن كانت قداسة الله هكذا الرجاء الوحيد لقداستنا، فمن الحقّ أن نسعى لنعرف ما هي تلك القداسة. ومع أنّنا قد نجدها حقًّا شيئًا يفوق المعرفة، فلن يكون باطلًا أن نجمع ما أُعلن عنها في الكلمة. فلنفعل ذلك بروح المخافة المقدّسة والسجود، متّكلين على الروح القدس ليكون معلّمنا.
ولنلاحظ أوّلًا كيف أنّ قداسة الله هذه، وإن كانت تُذكر كثيرًا على أنّها إحدى الصفات الإلهيّة، لا يكاد يصحّ أن تُحسب كذلك، في مستوى واحد مع الصفات الأخرى. فالصفات الأخرى كلّها تشير إلى وجه خاصّ أو سمة معيّنة من الطبيعة الإلهيّة؛ أمّا القداسة فيبدو أنّها تعبّر عن جوهر الكائن الإلهيّ نفسه أو كماله. فليس بين الصفات ما يمكن أن يُنسب إلى كلّ ما يخصّ الله؛ أمّا الكتاب فيتكلّم عن اسمه القدّوس، ويومه المقدّس، ومسكنه المقدّس، وكلمته المقدّسة. ففي كلمة «قدّوس» لدينا أقرب ما يمكن إلى خلاصة لكلّ الكمالات الإلهيّة، إلى وصف ما هي الألوهة. نحن نتكلّم عن الصفات الأخرى بوصفها كمالات إلهيّة، أمّا في هذه فلدينا التعبير البشريّ الوحيد عن الكمال الإلهيّ نفسه. ولهذا السبب وجد اللاهوتيّون صعوبة كبيرة في صوغ تعريف يستطيع أن يعبّر عن كلّ ما تعنيه الكلمة.
إنّ الكلمة العبريّة الأصليّة، سواء أكانت مشتقّة من جذر يعني الفصل، أم من آخر فيه فكرة اللمعان، كانت تعبّر عن فكرة شيء متميّز عن غيره، منفصل عنه بفضل أسمى. فالله منفصل ومختلف عن كلّ ما هو مخلوق، يحفظ نفسه منفصلًا عن كلّ ما ليس هو الله؛ وبوصفه القدّوس يصون مجده وكماله الإلهيّين من كلّ ما قد يتعرّض لهما: «ليس قدوس إلا الرب»؛ «فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي فَأُسَاوِيَهُ؟ يَقُولُ ٱلْقُدُّوسُ». فبوصفه قدّوسًا، الله هو حقًّا الذي لا نظير له؛ والقداسة له وحده؛ وليس مثلها شيء في السماء أو على الأرض، إلّا حين يعطيها هو. وهكذا لن تقوم قداستنا على انفصال بشريّ نحاول فيه أن نقلّد انفصال الله، كلّا، بل على الدخول إلى انفصاله هو؛ أن نكون له بالتمام، مفروزين منه ولأجله.
ويرتبط بهذا ارتباطًا وثيقًا معنى السموّ: «هَكَذَا قَالَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْمُرْتَفِعُ … ٱلْقُدُّوسُ ٱسْمُهُ». فالقدّوس هو الذي رُئي جالسًا على كرسيّ عالٍ ومرتفع، موضوع سجود السرافيم. وفي المزمور 99 يُتكلَّم عن قداسة الله بنوع خاصّ مقترنةً بسموّه. ولهذا السبب أيضًا كثيرًا ما تقترن قداسته بمجده وجلاله (انظر «اليوم السادس»). وهنا سيتبيّن أنّ قداستنا ليست إلّا المسكنة والتواضع اللذين يأتيان حين «يُخْفَضُ تَشَامُخُ ٱلْإِنْسَانِ … وَيَسْمُو ٱلرَّبُّ وَحْدَهُ».
وإن سألنا بتدقيق أكثر: في مَ يقوم الفضل غير المحدود لهذا الانفصال والسموّ؟ نُقاد إلى التفكير في الطهارة الإلهيّة، لا في وجهها السلبيّ فحسب، أي كراهية الخطيّة، بل في عنصرها الأكثر إيجابيّة أيضًا، أي الجمال الكامل. فلأنّنا خطاة، ولأنّ إعلان قداسة الله يجري في عالم خاطئ، كان من الطبيعيّ، بل من الحقّ واللائق، أن يكون الانطباع الأوّل والدائم عن قداسة الله انطباعَ طهارة غير محدودة لا تستطيع النظر إلى الخطيّة، يليق بالخاطئ في حضرتها أن يستر وجهه ويرتعد. إنّ برّ الله، الذي ينهى عن الخطيّة ويدينها ويعاقبها، أصله في قداسته، وهو أحد عنصريها: قوّة النار الآكلة التي تلتهم وتُهلك. «وَيَتَقَدَّسُ ٱلإِلَهُ ٱلْقُدُّوسُ بِٱلْبِرِّ» (إشعياء 5:16)؛ ففي البرّ تُصان قداسة القدّوس وتُعلن. لكنّ النور لا يكشف ما هو نجس لكي يُطهَّر فحسب، بل هو في ذاته شيء ذو جمال غير محدود. ولهذا لم يتردّد بعض أقدس رجالنا في أن يتكلّموا عن قداسة الله بوصفها البهاء أو الجمال غير المحدود للكائن الإلهيّ، الطهارة والجمال الكاملين لذلك النور الذي يسكن فيه الله. فإن كانت قداسة الله ستصير لنا، وتستقرّ علينا وتدخل فينا، فلا بدّ أن تكون فينا بلا انقطاع المخافة المقدّسة التي ترتعد من فكرة أن نُحزن بخطايانا هذا القدّوس في رهافة إحساسه غير المحدودة، ومع ذلك أن يكون جنبًا إلى جنب معها، وفي انسجام كامل، الشوق العميق إلى النظر إلى جمال الرب، والإعجاب بمجده الإلهيّ، والتسليم الفَرِح لنكون له وحده.
ويجب أن نخطو خطوة أخرى. فحين يقول الله: «أنا قدوس: أنا أقدس»، نرى أنّ أحد العناصر الرئيسيّة في قداسته هو أنّها تسعى إلى أن تعطي ذاتها، وأن تجعل غيرها شريكًا في كمالها وغبطتها. وما هذا إلّا المحبّة. وفي الإعلان العجيب في إشعياء عمّا هو القدّوس لشعبه، يجب أن نحذر من أن نسيء قراءة كلمة الله الثمينة. فليس المقول إنّه مع أنّ الله هو القدّوس، ويكره الخطيّة، وينبغي أن يعاقب ويُهلك، فإنّه رغم هذا سيخلّص. كلّا البتّة. بل نتعلّم أنّه بوصفه القدّوس، ولأنّه بالذات القدّوس الذي يُسرّ بأن يقدّس، سيكون مُنقذ شعبه. (انظر هوشع 11:9.) إنّ القداسة قبل كلّ شيء آخر هي ما نُدعى إلى أن ننظر إليه، ونثق به، ونفرح به. القدّوس هو المقدِّس: إنّه يفدي ويخلّص لكي يكسب ثقتنا لنفسه، ولكي يجتذبنا إليه بوصفه القدّوس، ولكي نتعلّم في التعلّق الشخصيّ به أن نطيع، وأن نصير على فكر واحد معه، وأن نكون قدّيسين كما أنّه هو قدّوس.
فالقداسة الإلهيّة إذن هي ذلك الكمال غير المحدود للألوهة الذي فيه يكون البرّ والمحبّة في انسجام كامل، والذي منه يصدران، والذي يُعلنانه معًا. إنّها تلك الطاقة للحياة الإلهيّة التي بقوّتها لا يحفظ الله نفسه حرًّا من كلّ ضعف أو خطيّة في المخلوق فحسب، بل يسعى بلا انقطاع إلى أن يرفع المخلوق إلى الاتّحاد به وإلى المشاركة الكاملة في طهارته وكماله. إنّ مجد الله بوصفه الله، بوصفه إله الخليقة والفداء، هو قداسته. وفي هذا يقوم حقًّا انفصال الله وسموّه، حتّى فوق كلّ فكر بشريّ. «ٱللهَ نُورٌ»؛ في طهارته غير المحدودة يكشف كلّ ظلمة، ومع ذلك لا شركة له معها. إنّه يدينها ويحكم عليها؛ ويخلّص منها، ويرفع إلى الشركة في طهارته وغبطته. هذا هو قدّوس إسرائيل.
هذا هو الإله الذي يكلّمنا: «أنا الرب إلهكم: أنا قدوس: أنا أقدس». ففي التأمّل الساجد في قداسته، وفي التسليم الواثق لها، وفي الشركة المحبّة معه هو، القدّوس، نستطيع أن نصير قدّيسين. يا أخي! أتريد أن تكون قدّيسًا؟ أصغِ ثانيةً، ودع كلام الله يغوص، في صمت الثقة العميق، إلى قلبك: «قُدُّوسُكُمْ». تعال إليه هو، وطالِب به إلهًا لك، وطالِب بكلّ ما يستطيع أن يعمله لك بوصفه القدّوس الذي يقدّس. تذكّر فقط أنّ القداسة هي هو نفسه. تعال إليه هو؛ اسجد له هو؛ أعطِه هو المجد. لا تطلب، حتّى منه، قداسةً في نفسك؛ دع الذات تتّضع، واقنع بأن تكون القداسة له. وبقدر ما يملأ حضوره هو قلبك، وتكون قداسته هو ومجده شوقك الوحيد، وتكون مشيئته هو المقدّسة ومحبّته مسرّتك، وبقدر ما يصير القدّوس لك الكلّ في الكلّ، تكون قدّيسًا بالقداسة التي يحبّ أن يراها. وبقدر ما لا ترى، إلى النهاية، شيئًا يستحقّ الإعجاب في الذات، ولا ترى إلّا الجمال فيه، ستعلم أنّه قد وضع عليك من مجده؛ وستوجد قداستك في الترنيمة: ليس قدّوس إلّا الرب.
كونوا قدّيسين كما أنّي أنا قدّوس.
يا الله! لقد سمعنا من جديد الإعلان العجيب عن ذاتك: «أَنَا قُدُّوسٌ». وإذ شعرنا كم تسمو قداستك إلى ما لا نهاية فوق كلّ تصوّراتنا، سمعنا دعوتك، وهي تكاد تكون أعجب: «كونوا قديسين كما أني أنا قدوس». وإذ خذلنا كلّ تفكير في كيف نكون قدّيسين كما أنّك أنت قدّوس، سمعنا صوتك مرّة أخرى، في هذه الكلمة التي هي أعجب الكلّ: «أنا أقدسكم». أنا «قُدُّوسُكُمْ».
أيّها الله القدّوس جدًّا! نتوسّل إليك أن تعطينا أن ندرك بقدر لائق كم نحن غير مقدّسين، فنأخذ المكان الذي يليق بنا في حضرتك. آه، ليت خطيّة طبيعتنا، وكلّ ما هو من الذات، تنكشف لنا هكذا حتّى لا يعود ممكنًا أن نعيش فيها! وليت النور الذي يكشف هذا يكشف أيضًا كيف أنّ قداستك هي رجاؤنا الوحيد، وملجأنا الأكيد، وخلاصنا الكامل. يا رب! تكلّم في نفوسنا بالكلمة: «القدوس، فاديكم»، «قُدُّوسُكُمْ»، بقوّة كهذه بروحك، حتّى ينمو إيماننا إلى ثقة أكيدة بأنّنا نستطيع أن نكون قدّيسين كما أنّك أنت قدّوس.
أيّها الرب الإله القدّوس! نحن ننتظرك. أعلن ذاتك بقوّة في داخلنا، وأهّلنا لنكون رسل قداستك، لنخبر شعبك كم أنت قدّوس، وكم يجب أن نكون قدّيسين، وكم تجعلنا أنت قدّيسين. آمين.
1. هذا القدّوس هو الله القدير. فقبل أن يُعلن ذاته لإسرائيل بوصفه القدّوس، عرّف نفسه لإبراهيم بوصفه القدير، «ٱلَّذِي يُحْيِي ٱلْمَوْتَى». ففي كلّ تعاملك مع الله لأجل القداسة، تذكّر أنّه القدير الذي يستطيع أن يصنع فيك العجائب. قل مرارًا: «ٱلْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ … لَهُ ٱلْمَجْدُ».
2. هذا القدّوس هو الإله البارّ، نار آكلة. ألقِ نفسك فيها، لكي يُباد كلّ ما هو خاطئ. وإذ تضع نفسك على المذبح، انتظر النار. «قَدِّمُوا … أَعْضَاءَكُمْ آلَاتِ بِرٍّ لِلهِ».
3. هذا القدّوس هو إله المحبّة. إنّه أبوك؛ سلّم نفسك لتدع الروح القدس يصرخ فيك: يا أبا الآب! أي لتدعه يسكب في قلبك محبّة الله الأبويّة ويملأه بها. قداسة الله هي أبوّته؛ وقداستنا هي بنوّتنا الطفوليّة. كن بسيطًا، محبًّا، واثقًا.
4. هذا القدّوس هو الله. دعه يكون لك الله: يسود على الكلّ، ويملأ الكلّ، ويعمل الكلّ. اسجد له، واقترب إليه، وعِش معه وفيه وله: فيكون هو قداستك.
اليوم الثاني عشر.
اكتمل الفصل 12
قدّوس إسرائيل