فصل 6 · قراءة 3 د

العبرانيين 11

إن لم يكن العبرانيين 11 مدوَّنًا لنا بوصفه قائمةً بأبطال الإيمان، فما الغرض منه إذًا؟ ولماذا وضع الروح القدس، وهو كاتب الكتاب المقدس كلّه، هذا الأصحاح ههنا، في هذا الموضع بعينه؟

وكما هو الحال في كل مسائل تفسير الكتاب المقدس، يلزمنا أن ننظر في السياق الأدبيّ. فحتى عبرانيين 10:18، كان الكاتب يكتب عن ممارسات العهد القديم ومقاصده — العهد، والناموس، والهيكل، والذبائح. وهذه كلها موضوعةٌ في مقابلة الأمور الأفضل التي وُجدت في المسيح.

فلنا خلاصٌ أفضل (عبرانيين 2)، ولنا مُعطي ناموسٍ أفضل (عبرانيين 3)، ولنا راحةٌ أفضل (عبرانيين 4)، ولنا رئيس كهنةٍ أفضل (عبرانيين 5)، ولنا عهدٌ أفضل (عبرانيين 8)، ولنا موعدٌ أفضل (عبرانيين 8)، ولنا ذبيحةٌ أفضل (عبرانيين 9).

ثم يبدأ الكاتب، ابتداءً من عبرانيين 10:19، بإدخال موضوعٍ جديد.

«فإذ لنا أيها الإخوة ثقةٌ بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع… لنتقدَّمْ بقلبٍ صادقٍ في يقين الإيمان… لنتمسَّكْ بإقرار الرجاء راسخًا… ولنلاحظْ بعضُنا بعضًا للتحريض على المحبة والأعمال الحسنة» (عبرانيين 10:19، 22-24).

فهو يكتب الآن ليؤكّد على نمط الحياة الذي ينبغي أن يكون هو السمة المميِّزة للذين اختبروا «الأمور الأفضل» التي وجدوها في المسيح.

«ولكن تذكَّروا الأيام السالفة التي فيها بعدما أُنِرتم صبرتم على مجاهدة آلامٍ كثيرة… فلا تطرحوا ثقتكم التي لها مجازاةٌ عظيمة. لأنكم تحتاجون إلى الصبر، حتى إذا صنعتم مشيئة الله تنالون الموعد.

لأنه بعد قليلٍ جدًّا: سيأتي الآتي ولا يُبطئ. أما البارُّ فبالإيمان يحيا، وإنِ ارتدَّ لا تُسَرُّ به نفسي. وأما نحن فلسنا من الارتداد للهلاك، بل من الإيمان لاقتناء النفس» (عبرانيين 10:32، 35-39).

وقد كُتب الأصحاح الذي يليه ليعطينا أمثلةً حيّةً على «الحياة بالإيمان». ومن اللافت أن كالب وأليشع ودانيال غائبون عنه، بينما موسى (وهو قاتل)، وسارة (التي ضحكت من موعد الله)، وراحاب (وهي كاذبة) حاضرون فيه. وليس المرء محتاجًا إلى أن يكون عملاقًا روحيًّا لكي يسلك في طريق الإيمان. بل يستطيع أيّ إنسان، مهما تكن درجة نضجه الروحيّ، أن يبدأ اليوم هذه الرحلة المثيرة، رحلةَ السلوك بالإيمان، الذي بدونه لا يمكن إرضاء الله. وهذا مثالٌ آخر على نعمة الله العجيبة!

«وأما الإيمان فهو الثقة بما يُرجى والإيقان بأمورٍ لا تُرى» (عبرانيين 11:1). وقد سبق أن تأمّلنا في العدد الأول بوصفه تعريفًا للإيمان، وبوصفه عطيّةً وثمرًا.

«فإنه في هذا شُهِد للقدماء» (عبرانيين 11:2). فالرجال والنساء الذين ساروا قديمًا بالإيمان كانت لهم شهادةٌ حسنة وذكرٌ طيّب بين الناس. كان الآخرون ينظرون إليهم فيعرفون أن هؤلاء قومٌ يسيرون مع الله. وكانت هناك دروسٌ ينبغي أن تُتعلَّم من مجرّد مراقبة الطريقة التي كان الله يعمل بها في حياتهم. وهكذا ينبغي أن تكون حياتنا نحن أيضًا شهادةً للإيمان — تكشف عن قيادة الله لنا وعن طاعتنا نحن لتلك القيادة. فالعالم لا يريد أن يسمع كلامنا عن الإيمان، لأنه في نظره كلامٌ لا يقبله العقل؛ إنما يريد أن يرى الشهادة التي تنطق بها حياتنا.

فلسنا مدعوّين إلى أن نقف في العالم لنعطي شهادةً للمسيح؛ بل نحن مدعوّون إلى أن نقف في المسيح لنعطي شهادةً للعالم.

«بالإيمان نفهم أن العالمين أُتقِنت بكلمة الله، حتى لم يتكوَّن ما يُرى ممّا هو ظاهر» (عبرانيين 11:3). ولكل الديانات قصصها عن الخليقة.

أما أساس إيماننا فهو في إلهٍ غير مخلوق، دعا الخليقة كلها إلى الوجود بكلمته. وهذا أمرٌ يفوق إدراك الإنسان ويعلو على كل تفسيرٍ علميّ. وكل ما يستطيع العلم أن يفعله هو أن يبحث فيما هو كائنٌ في الوجود من قبلُ، ثم يقف متراجعًا في دهشةٍ إذ يبرهن على حقيقة ما هو مكتوب! ولا سبيل إلى إدراك ذلك إلا متى منح الله إعلانًا داخليًّا، أي الإيمان الذي يجعلنا قادرين على أن نصدّق. وليس هذا إحلالًا لشيءٍ محلّ العقل، بل هو فوق كل عقل، «لأنه يجب أنّ الذي يأتي إلى الله يؤمن بأنه موجود، وأنه يجازي الذين يطلبونه» (عبرانيين 11:6).

وسنبدأ الآن بالتأمّل في كل شخصيةٍ من الشخصيات المذكورة بالاسم في العبرانيين 11، لنرى كيف قادها الرب في السلوك بالإيمان. وإذ أنطلق من هذا المنطلق، وهو أنّ الروح القدس قاد كاتبه البشريّ عن قصدٍ في اختيار من ذُكِروا بأسمائهم، فإني ألزم نفسي أن أقرأ إلى ما وراء الكلمات، لأرى أيّ مبادئ السير مع الله قد جعلها ظاهرةً بيّنةً في هذه الأمثلة. وإني لأمتلئ طربًا وأنا أرى عظائم حقائق الإيمان وقد أخذت تُعلَن لي.

وصلاتي أن تكون الأصحاحات التالية باعثةً فيك مثل هذا الشوق ونحن نتأمّل فيها معًا. وليتكلَّمِ الكاتبُ القدّوس إلى نفسك في شأن ما قد كتبه لنا ههنا.

صفحة 1 / 3 · 3 دقيقة متبقية في الفصل